Share

قبلة المعصية
قبلة المعصية
Author: مساية

نوتة ندم

Author: مساية
last update publish date: 2026-03-23 14:39:28

كانت رائحة البخور الفاخر في دار الأوبرا تمتزج برائحة المطر المنبعثة من ثياب الحاضرين، لكن خلف الكواليس، كانت هناك رائحة أخرى بدأت تتسلل لأنف "ناي".. رائحة معدنية حادة تعرفها الغريزة البشرية قبل العقل: رائحة الموت.

وقفت ناي خلف الستار المخملي الثقيل، تحتضن كمانها كأنه درعها الوحيد. رفعت عينيها لتلمح من شق الستار ذلك الرجل. لم يكن يشبه أحداً من الحضور. كان يرتدي بدلة سوداء كأنها قُدّت من ليلٍ بهيم، وساعة ذهبية تلمع تحت الضوء الخافت، لكن ما جذب أنظارها كان البرود المتجمد في عينيه وهو يمسح فوهة مسدسه بمنديل حريري، بينما يرتمي جثة رجل أعمال معروف عند قدميه.

توقفت أنفاس ناي. شعرت ببرودة الأرض تتسلل إلى ركبتيها. حاولت التراجع، لكن خشب المسرح القديم خانها وأصدر "صريراً" طفيفاً كان كافياً ليعلن قيام قيامتها.

في لمح البصر، كان المسدس موجهاً نحو جبهتها. لم يتحرك "بدر" خطوة واحدة، بل كانت نظراته هي التي اخترقت جسدها قبل الرصاص. اقترب منها ببطء قاتل، وقع حذائه الرخامي كان يدق كجرس الجنازة.

حاصرها بين جسده الصلب والستار، مالت برأسها للخلف حتى شعرت بلفح أنفاسه الرجولية الممزوجة برائحة السجائر الفاخرة. مرر يده الخشنة على عنقها الرقيق، نزولاً حتى لمس أوتار كمانها، وهمس بصوت أجشّ جعل جدران قلبها تنهار:

"جميل جداً أن تعزفي لحن نهايتكِ بنفسكِ.. يا عازفتي الصغيرة. أخبريني، هل الموت بالرصاص يخرج نغمة تليق بهذا الجمال؟"

ارتجفت شفتاها، لكنها لم تنكسر. نظرت في عينيه بتحدٍّ غريب أوقف نبضه لثانية: "المجرمون مثلك لا يفهمون الموسيقى.. هم فقط يجيدون كسر الآلات."

ابتسم "بدر" ابتسامة مظلمة، وضغط بالمسدس أكثر على جبينها وهو يهمس:

"إذن، سأحتفظ بكِ كآلة محطمة في قصري، حتى أرى أيّنا سيكسر الآخر أولاً."

استيقظت ناي على رائحة الورد المخملي وأنفاس بدر الثقيلة خلفها، كان يمسك بيدها بقوة وكأنه يخشى هروبها حتى وهو نائم، لقد كانت يده الخشنة تلتف حول خصرها وتحكم قبضتها، أما كمانها فقد كان ملقى على الطاولة الرخامية بجانبه.

لم تجد ناي نفسها في قصره المعزول بل في طائرته الخاصة، كانت تحلق عالياً في السماء بينما تتلألأ النجوم خلف الزجاج، لقد كانت هذه الرحلة أكثر إثارة مما كانت تتخيل، لم تكن مجرد رهينة، بل كانت تبدو كأنها "عشيقة" يتم اختطافها إلى مكان سري.

نظرت ناي إلى بدر، كان نائماً بعمق، ولكن حتى في نومه كان يبدو قوياً ومهيباً، لم يكن يشبه الرجل الذي قتل رجلاً بدم بارد، بل كان يبدو كأنه طفل مكسور يحتاج إلى الحب والحماية.

لكنها لم تخدع، كانت تعرف من يكون بدر ، كان مليارديرًا مجرمًا، ورجلًا لا يرحم، وكان هو من اختطفها إلى هذا المكان، وقد تذكرت ما قاله لها في دار الأوبرا: "سأحتفظ بكِ كآلة محطمة في قصري، حتى أرى أيّنا سيكسر الآخر أولاً."

حاولت ناي التخلص من قبضته، لكنها فشلت، لم يكن هناك مهرب، كانت محاصرة بين ذراعيه، وبين قضبان سجنها الذهبي.

وفجأة، فتح بدر عينيه، ونظر إليها بتحدٍّ، وقال بصوت أجشّ: "هل مازلتِ تحاولين الهروب يا عازفتي الصغيرة؟ لا يوجد مهرب من هنا، فمن الآن فصاعدًا، أنتِ ملكي، ولن يلمسكِ أحد غيري."

ارتجفت شفتاها، لكنها لم تنكسر، نظرت في عينيه، وقالت: "لن تكسرني يا بدر ،ولن تأسر روحي، سأظل أعزف لحن الحرية حتى لو كنت في قصرك الذهبي."

ابتسم بدر ابتسامة مظلمة، وقال: "إذن، سأستمتع بمشاهدة تمردكِ، وسأرى كم من الوقت ستحافظين على كبريائكِ قبل أن تقعي في حبي."

هبطت الطائرة في جزيرة معزولة في البحر المتوسط، كان القصر الذهبي يقع على قمة جبل، ويطل على البحر الفيروزي، لم يكن هذا مجرد قصر، بل كان بمثابة حصن منيع يحمي آدم وأسراره.

دخلت ناي القصر، وكان كل شيء فيه فاخراً ومبهراً، لكنها لم تبالي بكل هذا الثراء، كان كل ما يهمها هو حريتها وكمانها، ولكن بدر لم يعطها الوقت للتفكير، فقد أخذها إلى غرفته الخاصة، وحاصرها بين جسده الصلب والسرير المخملي.

وقال لها: "من الآن فصاعدًا، هذه غرفتكِ، وهذا سريركِ، وأنا ملككِ، سأعلمكِ كيف تعزفين لحن الحب والخطيئة، وكيف تستسلمين لشهواتكِ."

لم يكن القصر مجرد حجارة ورخام، كان امتداداً لشخصية بدر؛ بارداً، شاسعاً، ومملوكاً لرجل لا يقبل الهزيمة. سحبها من معصمها برفقٍ يحمل في طياته تهديداً كاسراً، ودفعهما داخل الجناح الملكي حيث كانت الشموع ترتعش وكأنها تخشى أنفاسه.

حاصرها بدر عند الشرفة المطلة على الجرف الصخري، حيث كان هدير البحر بالأسفل يغطي على صوت دقات قلبها المتسارعة. مد يده ليفك ربطة عنقها الحريرية ببطء مستفز، وعيناه العسليتان المظلمتان تلتهمان ملامح وجهها المتمردة.

همس بصوت يشبه فحيح الأفعى: "في هذه الجزيرة، أنا القانون، وأنا القاضي، وأنا ذنبكِ الذي لن تغفره لكِ السماء. لا صلاة هنا يا ناي.. فقط تراتيل الخضوع لي."

رفعت ناي رأسها، ورغم ارتجاف جسدها، بصقت كلماتها كالسم في وجهه: "أنت تملك جسدي لأنك أقوى، لكنك لن تملك نوتة واحدة من روحي. سأبقى السجن الذي تعجز أنت عن دخوله."

ضحكة مكتومة خرجت من صدره، اقترب أكثر حتى تلاقت جبهتاهما، وشعرت بحرارة جسده التي تضاد برودة قلبها. "التحدي في عينيكِ هو ما يجعلني أرغب في تحطيمكِ قطعة قطعة، ثم إعادة ترميمكِ بيداي فقط."

فجأة، قاطع هذا التوتر الحسي صوت إنذار خافت من جهازه اللاسلكي. تغيرت ملامحه في ثانية؛ من عاشق مهووس إلى شيطان مستعد للقتل. قبض على فكها برقة قاسية وقال: "يبدو أن أعدائي قرروا اختبار صبري في ليلتنا الأولى. ابقي هنا، ولا تحاولي الهرب.. لأن البحر بالأسفل أرحمُ مني إن خنتِ عهدي."

خرج وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، تاركاً إياها وسط الفخامة والوحشة. لكن ناي لم تكن تنوي الانتظار؛ لمحت سكيناً فضياً صغيراً على طاولة الفاكهة، وقررت أن الليلة لن تنتهي بالخضوع، بل بـ "إقامة القيامة" التي وعدت بها.

في الخارج، كانت أصوات الرصاص تبدأ في تمزيق هدوء الجزيرة، وبدر، الرجل الذي لم يركع لأحد، كان يصرخ لرجاله بكلمة واحدة فقط: "احموا الجناح الشمالي.. إذا خُدشت ناي، سأحرقكم جميعاً أحياء!"

بينما كان بدر يواجه الموت في الخارج لأجلها، كانت ناي تضع السكين على معصمها.. ليس لتنتحر، بل لتقطع ستائر السرير وتصنع حبلاً للهروب من الشرفة. فهل ستنجو منه أم ستسقط في هاوية البحر؟

لم يكن الهدوء سوى خدعة، سكون ما قبل العاصفة التي ستحول الجناح الملكي إلى ساحة معركة.. وساحة رغبة محرمة.

خلف الباب المغلق، كانت ناي تعمل بجنون. قطعت ستائر السرير المخملية الثقيلة، وصنعت منها حبلاً طويلاً، وربطته بقوة بمسند الشرفة الرخامي. سكين الفاكهة الفضي الصغير كان يلمع في يدها المرتجفة، ليس كأداة قتل، بل كرمز لآخر أمل لها في الحرية.

خطت خطوة نحو الشرفة، الريح الباردة تلطم وجهها، وهدير البحر بالأسفل يدعوها إلى الهاوية. نظرت إلى الحبل القماشي، ثم إلى الظلام الدامس. كانت تفضل الموت على أن تكون دمية في يد "الجزار الأنيق".

وفجأة، انفجر الكون من حولها.

لم يكن صوت رصاص، بل انفجار ضخم هز أركان الجناح، وتطاير زجاج النوافذ كشظايا ألماس قاتلة. صرخت ناي، واختل توازنها، لتجد نفسها تتشبث بحافة الشرفة، والحبل القماشي يملص من يدها ببطء قاتل.

في الخارج، كان بدر يقاتل بشراسة وحش جريح. الدماء تلطخ قميصه الأسود الفاخر، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام. عندما سمع صوت الانفجار من جهة جناح ناي، تجمد الدم في عروقه. صرخ برجاله بكلمة واحدة، صرخة هزت أرجاء القصر: "نااااي!"

اقتحم الجناح كالإعصار، ورأى ناي تتشبث بالحافة، والسكين الفضي يسقط من يدها نحو الهاوية. في لمح البصر، كان عندها، وقبض على معصمها بقوة ألمتها، وسحبها نحو الداخل بكل قوته.

سقطا معاً على الأرضية الرخامية الباردة، جسدها الرقيق تحت جسده الصلب والمثقل بالدماء. كان أنفاسه متلاحقة، وضربات قلبه تدق كالطبول في صدرها. نظر في عينيها المتسعتين رعباً، وبدلاً من الغضب، رأى فيها لمعة تحدٍّ لم تكسرها حتى لحظة الموت.

مرر يده الملطخة بدماء أعدائه على وجهها، نزولاً حتى عنقها، وضغط بإبهامه على وريدها النابض ببطء مستفز. مالت برأسها للخلف، وشعرت ببرودة الرخام وحرارة جسده تتصارعان على بشرتها.

"كنتِ ستحرمينني من متعة تحطيمكِ بيدكِ؟" همس بصوت أجشّ، لفح أنفاسه يحرق بشرتها، "الموت ليس مهرباً سهلاً يا عازفتي الصغيرة.. الموت هو أنا، وأنا لا أسمح لكِ بالرحيل حتى تأذني لي بذلك."

أمسك بفكها، ورفع وجهها إليه، وعيناه تلتهمان شفتيها المرتجفتين. اقترب أكثر، حتى لامست شفتاه طرف أذنها، وهمس بكلمات جعلت جسدها ينتفض برعشة لم تعرفها من قبل:

"الليلة، يا ناي.. سأعلمكِ أن الخضوع لي ليس هزيمة، بل هو النوتة الوحيدة التي ستجعل قلبكِ يعزف لحن الحياة من جديد. سأحرق العالم لأجلكِ، لكنني سأبدأ بإحراق كل قطعة كبرياء بقيت في روحكِ المتمردة."

قاطع هذه اللحظة الحميمية الصادمة صوت صرخة أخيرة من الخارج، ثم ساد صمت قاتل. نظر بدر نحو الباب، ثم عاد بنظره إليها، وابتسامة مظلمة ارتسمت على شفتيه: "يبدو أن الحفلة انتهت في الخارج.. لكن حفلتنا نحن، لم تبدأ بعد."

سحبها خلفه نحو الحمام الملكي، حيث كان البخار يتصاعد من الجاكوزي الضخم، ورائحة الزيوت العطرية الثقيلة تمتزج برائحة البارود والدماء.. مزيج يختصر عالم "بدر" بأكمله.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قبلة المعصية   خريف العمالقة.. واللاعب رقم صفر

    على رمال "جزيرة الملح" الملطخة بالدماء، لم يكن هناك وقت للعناق الطويل. جثة لوكا كانت تبرد بجانبهم، لكن الأفق كان يشتعل بضوء السفينة الغامضة التي تقترب. وقف بدر، وسحب ناي من يدها بقوة وهو يتحامل على جراحه، ثم اتجه نحو مهد آريان."ناي، اسمعيني جيداً،" قال بدر ونبرته عادت حادة كالصلب، "لوكا لم يكن يملك الذكاء الكافي لاختراق سجلات 'السيوف' السرية في باريس. هناك شخص خلفه.. شخص يعرف أسرار والدي التي دُفنت معه."نظرت ناي إلى السفينة الضخمة التي تحمل شعاراً غريباً: جمجمة محاطة بأوتار كمان مكسورة. "بدر.. هذا الشعار.. لقد رأيته في مذكرات والدي القديمة قبل أن يُقتل. كانوا يسمونه 'المؤلف'."لم ينتظرا طويلاً. حمل بدر الطفل، وسحبت ناي حقيبة كمانها، واتجها نحو القارب الصغير. "إلى أين؟" سألت ناي وهي تجدف معه بكل قوتها.رد بدر وعيناه تراقب السفينة التي بدأت تطلق زوارق سريعة لمطاردتهما: "إلى المكان الوحيد الذي لا يجرؤ 'المؤلف' على دخوله.. سرداب النسيان في أعماق صقلية. هناك، توجد الحقيقة التي ستنهي هذه الحرب، أو تنهينا جميعاً."بدأت الرصاصات تخترق الماء من حولهما. ناي، في لحظة جنون وانتقام، سحبت قاذف قن

  • قبلة المعصية   تراتيل الملح.. واللقاء في فم الحوت

    لم تذهب ناي إلى صقلية، ولم تعد إلى القصر الذي استباحه "بدر" بظله. ذهبت إلى "جزيرة الملح"؛ صخرة ناتئة في البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الصيادون القدامى يتركون أجسادهم لتجف تحت الشمس قبل العودة للموت. هناك، في بيتٍ حجري صغير يطل على هاوية سحيقة، كانت ناي تجلس على حافة الجرف، والرياح تلاعب شعرها المصبوغ بلون الفقد.كانت تضع آريان في سلةٍ من الخوص بجانبها، وتمسك بكمانها الأسود الذي تلطخت أوتاره بدماء الليلة الماضية في باريس. كانت تعلم أن "الوحش" قادم، فبدر لم يكن يوماً رجلاً يترك خيطاً مقطوعاً دون أن يربطه حول رقبة صاحبه.مرت ثلاثة أيام من الانتظار القاتل. في الليلة الرابعة، هدأ البحر فجأة بطريقة مريبة، وصمتت طيور النورس. وقفت ناي، وشدت معطفها حول جسدها النحيل، وأشعلت فانوساً واحداً وضعته فوق صخرةٍ بارزة. كانت تلك هي "المنارة" التي دعته إليها.فجأة، شقّ عباب الماء قاربٌ أسودٌ صغير، ينسل كخنجرٍ في قلب المحيط. لم يكن هناك محرك، بل كان رجلٌ يجدف بقوةٍ خارقة، رجلٌ يبدو في الظلام كأنه جزءٌ من الصخر والملح.رسى القارب، وخطا بدر فوق الرمال الخشنة. كان يمشي ببطء، يعرج قليلاً من إصابته في باريس، ل

  • قبلة المعصية   قداس باريس.. ورقصة النصال الأخيرة

    كانت باريس تحتضن الشتاء ببرودٍ يضاهي برود جثث المشرحة. المطر ينقر على زجاج قطار "يوروستار" السريع كأنه شفرات حادة تحاول اختراق عزلة ناي. لم تكن ناي التي تجلس في الزاوية هي ذاتها التي عرفها العالم كـ "سيدة الرماد"؛ كانت تبدو كـ "ملاك الموت"، ترتدي معطفاً طويلاً من الجلد الأسود، وشعرها الأشعث يغطي نصف وجهها الشاحب، وفي حضنها حقيبة الكمان السوداء التي لا تفارقها.. حقيبة لم تعد تحتوي على ألحان، بل على وعودٍ بالدم.تحسست ناي القلادة التي تخبئ فيها "شريحة الذاكرة" الوحيدة التي تدين لوكا، وهمست لنفسها: "إذا كان الثمن هو روحي يا بدر، سأدفعها.. لكنني لن أسمح لك بأن تصبح الوحش الذي حاولنا الهروب منه."في قلب "حي المونمارتر"، وداخل كنيسة مهجورة تحولت إلى مقر سري لمنظمة "السيوف"، كانت الأجواء تقطر هيبةً ورعباً. زعماء المافيا من مختلف بقاع الأرض يجلسون في الظلال، يترقبون "المحاكمة" التي دعا إليها الرجل الذي عاد من القبر.في المنتصف، كان هناك كرسي حديدي ضخم، وفوقه مهد آريان.. الطفل الذي كان يغط في نومٍ عميق، غير مدرك أن النصال تلمع من حوله.فجأة، انفتحت الأبواب الضخمة بصريرٍ مرعب. دخلت ناي. لم تكن

  • قبلة المعصية   زنزانة الكبرياء.. وصمت المهد

    لم تكن ناي تصرخ.. كانت "تنزف" صمتاً. وقفت في منتصف الغرفة التي كانت قبل دقائق تعج بحياة طفلها، والآن لا يوجد فيها سوى فراغٍ ينهش جدران قلبها. مهد آريان الفارغ كان يترنح ببطء، وكأن يد الشبح لا تزال تهزه بسخرية.أمسكت ناي برداء بدر الذي سقط منه أثناء دفعه لها، وشممت فيه رائحة البحر، والتبغ المر، ورائحة "المطهرات الطبية". لم تكن رائحة الموت، بل رائحة رجلٍ خُيطت جراحه في الظلام وعاد لينتقم."لن تأخذه.." همست ناي، وعيناها تتحولان من انكسار الضحية إلى برود القاتلة. "لو كان عليك أن تقتلني لتأخذه، لكان أهون عليك من أن تتركني حية.. لأنني سأحرق الأرض لأجدك."خرجت ناي من القصر كالمجنونة، حافية القدمين، تحت مطر صقلية الذي بدأ يهطل بغزارة وكأنه يغسل خطايا المدينة. لم تجد سياراتها، لم تجد حراسها؛ لقد سحب "بدر" كل خيوط القوة من تحت قدميها بضربة واحدة.وصلت إلى مرسى السفن القديم، المكان الذي كانت تلتقي فيه ببدر سراً. هناك، وجدت صقر معلقاً من يديه إلى رافعة صدئة، والدماء تغطي وجهه."أين ذهب به؟" صرخت ناي وهي تحاول فك قيود صقر.رد صقر بصوتٍ متهدج: "سيدتي.. إنه ليس بدراً الذي نعرفه. إنه 'شيطان' استعار ص

  • قبلة المعصية   سيمفونية العزلة.. ورقصة الشياطين

    استيقظت ناي في ظلام القصر الدامس، لكنه لم يكن ظلاماً عادياً؛ كان صمتاً "معدنياً" يخنق الأنفاس. حاولت إضاءة المصباح الجانبي، لكن الكهرباء كانت مقطوعة تماماً عن الجناح الملكي، وكأن القصر نفسه قد أعلن وفاته.تحسست طريقها نحو مهد آريان بقلبٍ يكاد يقفز من صدرها. طفلها كان نائماً بهدوء مريب، لكن فوق غطائه الصغير، لم تجد وردة الياسمين هذه المرة.. وجدت "ريشة كمان" قديمة، مكسورة من المنتصف، ومغموسة في حبرٍ أسودٍ لزج."لقد بدأ.. الحساب بدأ،" همست ناي بصوتٍ مخنوق، وهي تضم طفلها لصدرها وترتعد خلف باب الجناح الموصد.مع شروق شمس صقلية الباردة، لم تجد ناي جيش حراسها بانتظارها. وجدت بدلاً من ذلك "صمتاً" مطبقاً في الردهات. صقر، ذراعها الأيمن، لم يرد على اتصالاتها. وعندما فتحت شاشات المراقبة التي تعمل ببطاريات الطوارئ، رأت الفاجعة:فيديو "الخيانة" الذي هددها به لوكا لم يُنشر للعالم فحسب، بل تم إرساله لكل "رؤوس المافيا" في إيطاليا وفرنسا مع تعليقٍ واحد: "الأرملة السوداء باعت سيدها قبل أن يجف دمه."في غضون ساعات، تجمدت حساباتها البنكية في سويسرا. العقود التي وقعتها بدمها مع شركات الشحن التابعة لآل السيوف

  • قبلة المعصية   وداع السيوف ….والسراب المفقود

    ساد صمتٌ جنائزي ثقيل في ردهات مشرحة "أثينا" المركزية، صمتٌ لم يكن هدوءاً بل كان انسحاباً للحياة أمام هيبة الفقد. لم يكسر رتابة الموت سوى الأنين المكتوم لأجهزة التبريد التي كانت تحفظ أسرار الجثث، وصوت أنفاس ناي المتسارعة التي كانت تجاهد لخنق صرخة رعبٍ ولدت في أعماق عظامها.على الطاولة المعدنية الباردة، تحت الضوء الأبيض الشاحب الذي كشف كل قسوة، كان يرقد ما تبقى من انفجار "سانتوريني"؛ كتلة من الرماد والحطام البشري، جسدٌ نالت منه النيران حتى استحال لغزاً متفحماً، ضاعت ملامحه في سكرات اللهب ولم يتبقَ منه سوى رائحة الموت والبارود.وضع الطبيب الشرعي الملف الأحمر فوق الطاولة، ونبرته كانت تحمل حذراً مهنياً لم يطمئن قلبها: "سيدتي.. الموقف معقد كالجحيم. الجثة عُثر عليها في قلب الحريق، في القبو رقم 4، وهي ترتدي بقايا سترة الحراسة التي تحمل الرقم '7'.. لكن الحرارة كانت هائلة لدرجة أنها صهرت الأنسجة ودمرت أي فرصة للحصول على بصمات أصابع."فتحت ناي عينيها بذهولٍ ممزوج بالألم، وهمست بصوتٍ يرتجف: "والـ DNA؟ والخاتم؟ أليس هناك ما يقطع الشك؟"رد الطبيب وهو يتفادى نظراتها الجريحة: "الخاتم الذهبي وُجد بجان

  • قبلة المعصية   رماد الرغبة

    لم يكن الانفجار نهاية لمطاردة "ماريا" ورجالها، بل كان مجرد "ستار دخاني" صممه بدر ببراعة ليوهم العالم بموتهما. في تلك الشقة الضيقة والمخفية في حي "مونمارت"، كان الهواء مثقلاً برائحة الأدوية والدموع المكتومة.استلقى بدر على الأريكة الجلدية السوداء، قميصه ممزق، وكتفه ينزف بغزارة. كانت ناي تجلس على الأ

  • قبلة المعصية   تراتيل الرماد

    أغلق "بدر" الباب خلفهما بضربة قوية، صدى صوتها تردد في أرجاء الحمام الرخامي كإعلان حرب. لم يترك يدها، بل سحبها حتى اصطدمت بظهره العاري والمثقل بالندوب والدماء. كانت حرارته تلفحها كأنها واقفة أمام فوهة بركان.التف إليها ببطء، وعيناه العسليتان اللتان استحالتا للون القطران المشتعل تخترقان روحها. بدأ يف

  • قبلة المعصية   شظايا الماضي وقارب النجاة

    كان السقوط من فتحة التهوية بمثابة ارتطام بالعدم. تدحرج بدر و ناي فوق الجرف الجليدي حتى استقرا عند ضفة نهر نصف متجمد في قاع الوادي. ساد صمت مطبق، لم يقطعه إلا صوت أنفاسهما المتلاحقة.حاول بدر النهوض وهو يضغط على جرحه، لكنه تجمد مكانه عندما رأى بقعة دماء كبيرة بدأت تتوسع فوق معطف ناي العسكري."ناي! أ

  • قبلة المعصية   قناع الثعلب ولحن الرصاص

    خرجت ناي من نفق الصخور وهي تجر أذيال خيبتها، الريح تلطم وجهها الشاحب، لكن شيئاً ما داخلها كان يشتعل بقوة أكبر من غضب العاصفة. لم تكن ناي التي دخلت المغارة هي نفسها التي خرجت منها. لقد كسر بدر قلبها بكلماته الباردة عن "أدواته المفضلة"، لكنه لم يعلم أنه بفعله هذا قد حرر الوحش الذي تسلل إلى روحها من م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status