LOGIN
كانت رائحة البخور الفاخر في دار الأوبرا تمتزج برائحة المطر المنبعثة من ثياب الحاضرين، لكن خلف الكواليس، كانت هناك رائحة أخرى بدأت تتسلل لأنف "ناي".. رائحة معدنية حادة تعرفها الغريزة البشرية قبل العقل: رائحة الموت.
وقفت ناي خلف الستار المخملي الثقيل، تحتضن كمانها كأنه درعها الوحيد. رفعت عينيها لتلمح من شق الستار ذلك الرجل. لم يكن يشبه أحداً من الحضور. كان يرتدي بدلة سوداء كأنها قُدّت من ليلٍ بهيم، وساعة ذهبية تلمع تحت الضوء الخافت، لكن ما جذب أنظارها كان البرود المتجمد في عينيه وهو يمسح فوهة مسدسه بمنديل حريري، بينما يرتمي جثة رجل أعمال معروف عند قدميه.
توقفت أنفاس ناي. شعرت ببرودة الأرض تتسلل إلى ركبتيها. حاولت التراجع، لكن خشب المسرح القديم خانها وأصدر "صريراً" طفيفاً كان كافياً ليعلن قيام قيامتها.
في لمح البصر، كان المسدس موجهاً نحو جبهتها. لم يتحرك "بدر" خطوة واحدة، بل كانت نظراته هي التي اخترقت جسدها قبل الرصاص. اقترب منها ببطء قاتل، وقع حذائه الرخامي كان يدق كجرس الجنازة.
حاصرها بين جسده الصلب والستار، مالت برأسها للخلف حتى شعرت بلفح أنفاسه الرجولية الممزوجة برائحة السجائر الفاخرة. مرر يده الخشنة على عنقها الرقيق، نزولاً حتى لمس أوتار كمانها، وهمس بصوت أجشّ جعل جدران قلبها تنهار:
"جميل جداً أن تعزفي لحن نهايتكِ بنفسكِ.. يا عازفتي الصغيرة. أخبريني، هل الموت بالرصاص يخرج نغمة تليق بهذا الجمال؟"
ارتجفت شفتاها، لكنها لم تنكسر. نظرت في عينيه بتحدٍّ غريب أوقف نبضه لثانية: "المجرمون مثلك لا يفهمون الموسيقى.. هم فقط يجيدون كسر الآلات."
ابتسم "بدر" ابتسامة مظلمة، وضغط بالمسدس أكثر على جبينها وهو يهمس:
"إذن، سأحتفظ بكِ كآلة محطمة في قصري، حتى أرى أيّنا سيكسر الآخر أولاً."
استيقظت ناي على رائحة الورد المخملي وأنفاس بدر الثقيلة خلفها، كان يمسك بيدها بقوة وكأنه يخشى هروبها حتى وهو نائم، لقد كانت يده الخشنة تلتف حول خصرها وتحكم قبضتها، أما كمانها فقد كان ملقى على الطاولة الرخامية بجانبه.
لم تجد ناي نفسها في قصره المعزول بل في طائرته الخاصة، كانت تحلق عالياً في السماء بينما تتلألأ النجوم خلف الزجاج، لقد كانت هذه الرحلة أكثر إثارة مما كانت تتخيل، لم تكن مجرد رهينة، بل كانت تبدو كأنها "عشيقة" يتم اختطافها إلى مكان سري.
نظرت ناي إلى بدر، كان نائماً بعمق، ولكن حتى في نومه كان يبدو قوياً ومهيباً، لم يكن يشبه الرجل الذي قتل رجلاً بدم بارد، بل كان يبدو كأنه طفل مكسور يحتاج إلى الحب والحماية.
لكنها لم تخدع، كانت تعرف من يكون بدر ، كان مليارديرًا مجرمًا، ورجلًا لا يرحم، وكان هو من اختطفها إلى هذا المكان، وقد تذكرت ما قاله لها في دار الأوبرا: "سأحتفظ بكِ كآلة محطمة في قصري، حتى أرى أيّنا سيكسر الآخر أولاً."
حاولت ناي التخلص من قبضته، لكنها فشلت، لم يكن هناك مهرب، كانت محاصرة بين ذراعيه، وبين قضبان سجنها الذهبي.
وفجأة، فتح بدر عينيه، ونظر إليها بتحدٍّ، وقال بصوت أجشّ: "هل مازلتِ تحاولين الهروب يا عازفتي الصغيرة؟ لا يوجد مهرب من هنا، فمن الآن فصاعدًا، أنتِ ملكي، ولن يلمسكِ أحد غيري."
ارتجفت شفتاها، لكنها لم تنكسر، نظرت في عينيه، وقالت: "لن تكسرني يا بدر ،ولن تأسر روحي، سأظل أعزف لحن الحرية حتى لو كنت في قصرك الذهبي."
ابتسم بدر ابتسامة مظلمة، وقال: "إذن، سأستمتع بمشاهدة تمردكِ، وسأرى كم من الوقت ستحافظين على كبريائكِ قبل أن تقعي في حبي."
هبطت الطائرة في جزيرة معزولة في البحر المتوسط، كان القصر الذهبي يقع على قمة جبل، ويطل على البحر الفيروزي، لم يكن هذا مجرد قصر، بل كان بمثابة حصن منيع يحمي آدم وأسراره.
دخلت ناي القصر، وكان كل شيء فيه فاخراً ومبهراً، لكنها لم تبالي بكل هذا الثراء، كان كل ما يهمها هو حريتها وكمانها، ولكن بدر لم يعطها الوقت للتفكير، فقد أخذها إلى غرفته الخاصة، وحاصرها بين جسده الصلب والسرير المخملي.
وقال لها: "من الآن فصاعدًا، هذه غرفتكِ، وهذا سريركِ، وأنا ملككِ، سأعلمكِ كيف تعزفين لحن الحب والخطيئة، وكيف تستسلمين لشهواتكِ."
لم يكن القصر مجرد حجارة ورخام، كان امتداداً لشخصية بدر؛ بارداً، شاسعاً، ومملوكاً لرجل لا يقبل الهزيمة. سحبها من معصمها برفقٍ يحمل في طياته تهديداً كاسراً، ودفعهما داخل الجناح الملكي حيث كانت الشموع ترتعش وكأنها تخشى أنفاسه.
حاصرها بدر عند الشرفة المطلة على الجرف الصخري، حيث كان هدير البحر بالأسفل يغطي على صوت دقات قلبها المتسارعة. مد يده ليفك ربطة عنقها الحريرية ببطء مستفز، وعيناه العسليتان المظلمتان تلتهمان ملامح وجهها المتمردة.
همس بصوت يشبه فحيح الأفعى: "في هذه الجزيرة، أنا القانون، وأنا القاضي، وأنا ذنبكِ الذي لن تغفره لكِ السماء. لا صلاة هنا يا ناي.. فقط تراتيل الخضوع لي."
رفعت ناي رأسها، ورغم ارتجاف جسدها، بصقت كلماتها كالسم في وجهه: "أنت تملك جسدي لأنك أقوى، لكنك لن تملك نوتة واحدة من روحي. سأبقى السجن الذي تعجز أنت عن دخوله."
ضحكة مكتومة خرجت من صدره، اقترب أكثر حتى تلاقت جبهتاهما، وشعرت بحرارة جسده التي تضاد برودة قلبها. "التحدي في عينيكِ هو ما يجعلني أرغب في تحطيمكِ قطعة قطعة، ثم إعادة ترميمكِ بيداي فقط."
فجأة، قاطع هذا التوتر الحسي صوت إنذار خافت من جهازه اللاسلكي. تغيرت ملامحه في ثانية؛ من عاشق مهووس إلى شيطان مستعد للقتل. قبض على فكها برقة قاسية وقال: "يبدو أن أعدائي قرروا اختبار صبري في ليلتنا الأولى. ابقي هنا، ولا تحاولي الهرب.. لأن البحر بالأسفل أرحمُ مني إن خنتِ عهدي."
خرج وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، تاركاً إياها وسط الفخامة والوحشة. لكن ناي لم تكن تنوي الانتظار؛ لمحت سكيناً فضياً صغيراً على طاولة الفاكهة، وقررت أن الليلة لن تنتهي بالخضوع، بل بـ "إقامة القيامة" التي وعدت بها.
في الخارج، كانت أصوات الرصاص تبدأ في تمزيق هدوء الجزيرة، وبدر، الرجل الذي لم يركع لأحد، كان يصرخ لرجاله بكلمة واحدة فقط: "احموا الجناح الشمالي.. إذا خُدشت ناي، سأحرقكم جميعاً أحياء!"
بينما كان بدر يواجه الموت في الخارج لأجلها، كانت ناي تضع السكين على معصمها.. ليس لتنتحر، بل لتقطع ستائر السرير وتصنع حبلاً للهروب من الشرفة. فهل ستنجو منه أم ستسقط في هاوية البحر؟
لم يكن الهدوء سوى خدعة، سكون ما قبل العاصفة التي ستحول الجناح الملكي إلى ساحة معركة.. وساحة رغبة محرمة.
خلف الباب المغلق، كانت ناي تعمل بجنون. قطعت ستائر السرير المخملية الثقيلة، وصنعت منها حبلاً طويلاً، وربطته بقوة بمسند الشرفة الرخامي. سكين الفاكهة الفضي الصغير كان يلمع في يدها المرتجفة، ليس كأداة قتل، بل كرمز لآخر أمل لها في الحرية.
خطت خطوة نحو الشرفة، الريح الباردة تلطم وجهها، وهدير البحر بالأسفل يدعوها إلى الهاوية. نظرت إلى الحبل القماشي، ثم إلى الظلام الدامس. كانت تفضل الموت على أن تكون دمية في يد "الجزار الأنيق".
وفجأة، انفجر الكون من حولها.
لم يكن صوت رصاص، بل انفجار ضخم هز أركان الجناح، وتطاير زجاج النوافذ كشظايا ألماس قاتلة. صرخت ناي، واختل توازنها، لتجد نفسها تتشبث بحافة الشرفة، والحبل القماشي يملص من يدها ببطء قاتل.
في الخارج، كان بدر يقاتل بشراسة وحش جريح. الدماء تلطخ قميصه الأسود الفاخر، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام. عندما سمع صوت الانفجار من جهة جناح ناي، تجمد الدم في عروقه. صرخ برجاله بكلمة واحدة، صرخة هزت أرجاء القصر: "نااااي!"
اقتحم الجناح كالإعصار، ورأى ناي تتشبث بالحافة، والسكين الفضي يسقط من يدها نحو الهاوية. في لمح البصر، كان عندها، وقبض على معصمها بقوة ألمتها، وسحبها نحو الداخل بكل قوته.
سقطا معاً على الأرضية الرخامية الباردة، جسدها الرقيق تحت جسده الصلب والمثقل بالدماء. كان أنفاسه متلاحقة، وضربات قلبه تدق كالطبول في صدرها. نظر في عينيها المتسعتين رعباً، وبدلاً من الغضب، رأى فيها لمعة تحدٍّ لم تكسرها حتى لحظة الموت.
مرر يده الملطخة بدماء أعدائه على وجهها، نزولاً حتى عنقها، وضغط بإبهامه على وريدها النابض ببطء مستفز. مالت برأسها للخلف، وشعرت ببرودة الرخام وحرارة جسده تتصارعان على بشرتها.
"كنتِ ستحرمينني من متعة تحطيمكِ بيدكِ؟" همس بصوت أجشّ، لفح أنفاسه يحرق بشرتها، "الموت ليس مهرباً سهلاً يا عازفتي الصغيرة.. الموت هو أنا، وأنا لا أسمح لكِ بالرحيل حتى تأذني لي بذلك."
أمسك بفكها، ورفع وجهها إليه، وعيناه تلتهمان شفتيها المرتجفتين. اقترب أكثر، حتى لامست شفتاه طرف أذنها، وهمس بكلمات جعلت جسدها ينتفض برعشة لم تعرفها من قبل:
"الليلة، يا ناي.. سأعلمكِ أن الخضوع لي ليس هزيمة، بل هو النوتة الوحيدة التي ستجعل قلبكِ يعزف لحن الحياة من جديد. سأحرق العالم لأجلكِ، لكنني سأبدأ بإحراق كل قطعة كبرياء بقيت في روحكِ المتمردة."
قاطع هذه اللحظة الحميمية الصادمة صوت صرخة أخيرة من الخارج، ثم ساد صمت قاتل. نظر بدر نحو الباب، ثم عاد بنظره إليها، وابتسامة مظلمة ارتسمت على شفتيه: "يبدو أن الحفلة انتهت في الخارج.. لكن حفلتنا نحن، لم تبدأ بعد."
سحبها خلفه نحو الحمام الملكي، حيث كان البخار يتصاعد من الجاكوزي الضخم، ورائحة الزيوت العطرية الثقيلة تمتزج برائحة البارود والدماء.. مزيج يختصر عالم "بدر" بأكمله.
ساد صمتٌ ثقيل في القبو، لم يكسره سوى صوت أمواج البحر التي تضرب صخور "سانتوريني" في الخارج. كان بدر السيوف، الرجل الذي ارتعدت لذكراه عواصم المافيا، يقف الآن منحنياً أمام ناي، ليس انحناء ضعف، بل انحناء رجلٍ أدرك أن "سلاحه" الوحيد —وهو حبها— قد ارتدّ إلى صدره."حارس شخصي؟" كرر بدر الكلمة بمرارة، وعيناه العسليتان تتفرسان في وجه ناي البارد. "أنا الذي علمتكِ كيف تضغطين على الزناد، تريدين مني الآن أن أقف خلف بابكِ كخادم؟"ابتسمت ناي ابتسامة جانبية، وخطت نحوه بخطوات واثقة، لتتوقف على بعد سنتيمترات قليلة من صدره. "أنت لست خادماً يا بدر.. أنت 'أداة'. تماماً كما كنتُ أنا 'أداة' لفتح خزائنك. الفرق الوحيد أنني أمنحك خياراً: إما أن تكون الحارس الشخصي لابنك، تراقب نموه من وراء الزجاج ولا تلمسه إلا بإذني.. أو تخرج من هذه الجزيرة وتنتظر رصاصة أعدائك التي لن أتأخر في كشف موقعك لهم."نظر بدر إلى الطفل الذي كان يضحك ببراءة في حضن المربية، ثم نظر إلى ناي. شعر بغصة في حلقه؛ فهذه المرأة التي كانت ترتجف لمجرد رؤية دمه، تقايضه الآن بحياة ابنهما."موافق،" قال بدر بصوتٍ مبحوح. "سأكون ظلكِ وظله. سأحميكما من المن
صقر —الذي دفع حياته ثمناً لولائها— قد ترك لها "سترة نجاة" حرارية مخبأة تحت ملابسها، وزورقاً مطاطياً صغيراً يعمل بالنبض الكهرومغناطيسي، كان ينتظر إشارة من جهاز التحكم الذي كانت تمسكه. بعد مرور عام: القصر الجليدي في "سانتوريني"في جزيرة سانتوريني اليونانية، حيث تلتقي السماء الزرقاء بالبيوت البيضاء، كان هناك قصرٌ معلق على جرف صخري، يُعرف بين أثرياء العالم بـ "عرين الكمان الصامت". لم تكن صاحبته مجرد امرأة ثرية، بل كانت تُلقب بـ "السيدة نون"، المرأة التي تدير أكبر شبكة لتبادل المعلومات المشفرة في أوروبا.دخل أحد الحراس الشخصيين ببدلة سوداء ونظارات قاتمة، وانحنى باحترام أمام امرأة تقف بظهرها نحو النافذة، ترتدي فستاناً أسود طويلاً يبرز قوامها الذي استعاد رشقته، وشعرها الذي قصته قصيراً ليناسب ملامحها الجديدة الحادة."سيدتي، لقد وصل 'الهدف' إلى الميناء،" قال الحارس بنبرة حذرة. "إنه يرفض المغادرة قبل مقابلتك. يقول إنه يملك شيئاً يخصك."التفتت ناي ببطء. لم تعد تلك النظرة المنكسرة موجودة؛ استبدلتها عيون باردة كالمحيط المتجمد. "بدر السيوف؟" سألت بصوتٍ رخيم، فيه بحّة من السلطة والقوة."نعم يا سيدة
وسط دوي صفارات الإنذار التي تعلن بدء العد التنازلي لتدمير السفينة، استعاد بدر وعيه بصعوبة. فتح عينيه ليجد ناي تقف فوق رأس أخيها لوكا، تمسك بجهاز التحكم والمسدس في يدها الأخرى، وعيناها تلمعان ببريقٍ مخيف لم يره فيها من قبل.بدر، وبغريزة البقاء وحبه المتملك، صرخ بصوتٍ مبحوح وهو يحاول الزحف نحوها بسلاسل مكسورة: "ناي! أعطني الجهاز.. سأنهي لوكا وأخرجكِ من هنا! لا تلوثي يدكِ بدمه أكثر!"لكن ناي لم تتحرك. نظرت إليه بنظرة فارغة، كأنها تراه لأول مرة. وفي تلك اللحظة الحرجة، ضحك لوكا وهو ينزف على الأرض، ونظر إلى بدر بسخرية مريرة: "أخبريها يا بدر.. أخبرها بالحقيقة قبل أن تفجرنا جميعاً. أخبرها لماذا اخترت 'ناي' تحديداً من بين كل عازفات أوروبا."تجمّد بدر في مكانه. خفتت نبرة صوته وتغيرت ملامحه. "لوكا.. اصمت!""لا، لن أصمت،" تابع لوكا وهو ينظر لناي بشماتة. "بدر لم يخطفكِ لأنه أحبكِ يا ناي. لقد خطفكِ لأن والده —الذي قتله والدي— ترك وصية غريبة: 'لن تفتح خزائن السيوف إلا بدم ابنة الرجل الذي قتلني'. ناي.. أنتِ لم تكوني حبيبته، كنتِ 'قرباناً' رقمياً. هو من وضع الوشم ليفعل الشفرة بدمكِ إذا لزم الأمر. الحم
ظلّ النصل الفضي يرتجف بِيَدِ ناي، ملامساً بشرتها الرقيقة فوق موضع "الوريث" تماماً. كان المشهد سريالياً؛ لوكا ببدلته البيضاء الناصعة التي تعكس ضوء الطوارئ الأحمر كأنها كفنٌ ملطخ، وبدر المكبل بالسلاسل الثقيلة التي تنهش لحمه الجريح، وناي التي تقف عارية الروح والجسد إلا من كرامتها المتمردة. "أنزلِ الخنجر يا ناي،" قال لوكا بصوتٍ بدأ يفقد بروده المعتاد، وظهرت فيه نبرة هستيرية. "أنتِ لا تملكين الشجاعة لقتل قطعة منكِ.. أنتِ أضعف من أن تنهي سلالتنا." ضحكت ناي ضحكة جافة، اخترقت صمت القمرة كتمزق الحرير. "أنا عازفة، يا لوكا.. والعازف يعرف متى ينهي المعزوفة بضربة واحدة حادة. لقد علمني بدر أن الحب هو أقصى درجات القسوة، وسأكون قاسية الآن لأحمي طفلي من أن يصبح مسخاً مثلك." ضغطت ناي بالنصل قليلاً، لتبدأ قطرة دم صغيرة ودافئة بالانسلال فوق جلدها. صرخ بدر صرخة هزت جدران السفينة المعدنية، صرخة رجل يرى عالمه ينهار أمام عينيه: "نااااي! لا تفعليها! سأعطيه كل شيء.. سأعطيه بصمة صوتي، سأعطيه حياتي، فقط أنزلِ السلاح!" التفت لوكا نحو بدر، وعيناه تلمعان بحقدٍ شيطاني. "انظر إليها يا بدر.. انظر إلى ما صنعته بها.
ساد سكونٌ مرعب في جوف السفينة بعد انتحار "صقر" وانفجار المولدات الكهربائية. لم يكن هناك سوى ضوء الطوارئ الأحمر الخافت الذي يصبغ جدران القمرة بلون الدم، وصوت أنفاس ناي المتسارعة وهي تنظر إلى جثة الشخص الوحيد الذي ظنت أنه الأمان المتبقي لهما. وقف بدر في وسط الظلام، مسدسه في يده، وعيناه العسليتان اللتان استحالتا إلى سوادٍ قاتم تمسحان الممرات. لم يكن يبكي صقر؛ ففي عالمه، الدموع هي ترفٌ للموتى. التفت نحو ناي، وجذبها إليه بقوة اعتصرت أنفاسها، ليلصق ظهرها بصدره العاري المبلل بعرق الخوف والرغبة. "لوكا لم يمت يا ناي،" همس بدر في أذنها، وصوته كان كفحيح الأفعى الجريحة. "أخوكِ ليس بشراً.. إنه الشيطان الذي صنعته المنظمة ليكون ظلي. والآن، هو يريد استعادة 'ملكيته'.. يريدكِ أنتِ والوشم والجنين." في تلك اللحظة، وبينما كانت السفينة تهتز بفعل الأمواج العاتية، أدركت ناي أن هذه قد تكون ليلتهما الأخيرة. لم تعد تخشى الموت، بل كانت تخشى أن تفارق بدر وهي تحمل "وسمه" دون أن تفرغ ما في قلبها من جنون. التفتت ناي في أحضانه، وأحاطت عنقه بذراعيها، ونظرت في عينيه بنظرة تملؤها الشهوة الممزوجة باليأس. "إذا كان
لم يكن البحر يرحم أحداً، لكنه في تلك الليلة كان شاهداً على ولادة جديدة. عندما انقشع دخان الانفجار الذي دمر مروحية ألكسندر وقارب بدر، خيم سكونٌ مرعب على مياه المتوسط. سحبت ناي جسد بدر المنهك نحو قطعة حطام خشبية كبيرة، كانت أنفاسه متقطعة ودمه يختلط بماء البحر المالح، لكنه كان ينظر إليها بنظرة لم ترها من قبل؛ نظرة رجلٍ سلم روحه ومصيره لامرأةٍ كان يظنها يوماً مجرد "أداة"."بدر.. لا تغمض عينيك،" همست ناي، وصوتها الذي كان يوماً رقيقاً كأوتار الكمان، أصبح الآن حاداً كالنصل. "لقد قتلتُ لك ماريا وألكسندر.. لن أسمح للموت أن يأخذك مني الآن."بصق بدر الماء والدم، وابتسم بوهن وهو يضع يده المرتجفة على بطنها. "لقد أصبحتِ.. وحشاً جميلاً يا ناي. لقد أخرجتُ الشرير الذي بداخلك.. والآن أنتِ من سيقود هذه الرحلة."بعد ساعات، تمكن "صقر" من العثور عليهما وانتشالهما إلى سفينة شحن عملاقة كانت تنتظر في عرض البحر، تابعة لشبكة بدر السرية. داخل قمرة القيادة الفاخرة والمظلمة، كانت ناي تقف أمام المرآة، تنظر إلى جسدها الذي تعمد بالماء والنار. كان الوشم الموجود أسفل خصرها يلمع بلونٍ أحمر قاني بسبب الحرارة والجهد، وكأن







