Share

الفصل 3

Author: عابر الفصول الثلاثة
بعد عامين، كانت هذه أول مرة تنظر فيها مباشرةً إلى ملامحه.

في ملامحه مسحة غربية ممزوجة بنعومة شرقية، وحاجبان ما يزالان حادّين صارمين، يشيان بهيبةٍ ضاغطة تنمّ عن صاحب مكانةٍ عليا، ومع ذلك ظلّت ملامحه وسيمة إلى حدٍّ يأسر الأنفاس.

كان يرتدي بدلة سوداء من دون ربطة عنق، وقميصه الأبيض مفتوحًا قليلًا، وتحت بروز حنجرته خطوطٌ انسيابية واضحة المعالم.

ومن هذا المظهر العفوي، يبدو واضحًا أنه غير مكترث بدعوة طارق الجوهري اليوم، بل لم يضعها في حسبانه أصلًا.

كانت تعلم أن شخصًا مثل رائد، متطلّب وصعب المراس، ليس من السهل على طارق الجوهري أن يتفاهم معه بنجاح.

يبدو أن أمل ليان سيتبدّد.

لم يُجبها، بل ثبّت عليها عينيه السوداوين، الحادّتين كعينَي صقر، وقال: "متى عدتِ؟"

تلاقت أعينهما، وكانت نظراته عميقة كبحرٍ بلا قاع، تكفي بسهولة لأن تُربك أنفاس مرام لوهلة، وتغرقها فيه.

أشاحت بنظرها سريعًا، ولم تعد تنظر إليه، وأجابت بصدق: "وصلتُ بعد ظهر اليوم."

انطلقت السيارة بسرعةٍ ثابتة، واندست في زحام السير المكتظ.

سأل رائد: "أين تقيمين؟"

"في فندق." وذكرت مرام اسم الفندق، وكأنها، دون وعي، تخشى أن يغضب، فأضافت: "لم أجد وقتًا بعد للبحث عن سكن."

وكما توقّعت، عقد رائد حاجبيه قليلًا، وانخفض صوته: "ألن تعودي إلى البيت؟"

كلمة "البيت" على لسانه جعلت مرام تعجز عن تحديد أيّ بيتٍ يقصد.

أهو بيت عائلة السويفي، أم منزل رائد الخاص؟

دخلت مرام بيت عائلة السويفي وهي في العاشرة من عمرها، وتكفّلوا بتربيتها حتى بلغت الثامنة عشرة، والعودة الآن لم تعد مناسبة.

ومنذ بلغت الثامنة عشرة، عاشت مع رائد تحت سقفٍ واحد لعامين كاملين.

وفي منزله الخاص احتضنت أحلى ذكرياتها، كما أخفى أكثر مشاعرها خزيًا.

وكذلك تلك الأيام والليالي الحميمة، الملتصقة به، التي لا تنفصل عنه.

ابتسمت ابتسامة حلوة، وقالت بنبرةٍ مشاكسة: "لا أظنّه مناسبًا."

ولم يكن لدى رائد صبر ليستفهم أكثر، فاكتفى بقولٍ مقتضب: "كما تشائين."

خيّم صمتٌ على السيارة، وأصبح الجوّ متوتّرًا على نحوٍ خفي.

وكان السائق بلال يقود، وقد شعر هو الآخر بموجاتٍ من البرودة تسري في المقصورة.

كانت الآنسة مرام تخشى البرد دائمًا، وفي السابق، كلما ركبت سيارة السيد رائد، كان يوصيه برفع درجة الحرارة درجتين.

ورغم أن الوقت لم يحن بعد لتشغيل التدفئة، أخذ السائق بلال في اعتباره أنها قد تشعر بالبرد، فشغّلها بصمت.

كان مشهد الليل خلف النافذة يتراجع باستمرار، سريعًا إلى حدّ يكاد لا يُرى بوضوح.

تسلّلت أضواء النيون المتناثرة عبر زجاج السيارة، وانسكبت على المقعد الخلفي، فقسّمت الجالسين فيه إلى عالمين.

كان المقعد الخلفي فسيحًا للغاية، ومع ذلك جلس كلٌّ منهما عند طرف، وكأن بينهما فجوةً لا يمكن تجاوزها، ولم يبقَ بينهما سوى ظلال الأضواء المتناثرة.

لكن مرام تتذكّر جيدًا كم مرّة تبادلا القُبَل في المقعد الخلفي لهذه السيارة خلال العامين الماضيين.

في الظلال، رفع جفنيه قليلًا، واستقرّت نظراته العميقة عليها في خفاء.

من جانب وجهها الدقيق إلى شعرها الطويل المنسدل على ظهرها، هبطت عيناه ببطءٍ متدرّج.

انسدل شعرها الطويل متموّجًا، متدفّقًا حتى كاد يغطي ظهرها الرشيق.

وكانت ترتدي فستانًا بسيطًا بحمّالات، تكشف أطرافها النحيلة التي بدت ناعمةً صافية تحت الضوء المتسلّل.

وانزلقت نظراته إلى خصرها النحيل الذي لا يكاد يُقبض عليه بكفٍّ واحدة؛ وحين يشتدّ قبضه عليه، كانت تتألم فتقطّب حاجبيها بخفّة.

ثم انتقلت نظرته ذات النزعة المتملّكة إلى ساقيها العاريتين الطويلتين، نحيلتين بيضاوين متناسقتين.

كاحلها النحيل الدقيق، كان يطوّقه بكفّه بسهولة.

لقد أصبحت أنحف، وأجمل.

وحتى مزاجها ازداد حدّة.

ارتسمت على زاوية شفتيه ابتسامة خفيفة بالكاد تُلحظ، ولم يكن يرغب حتى في أن يبادلها بضع كلمات.

جيد جدًا.

...

قطع صوتُ اهتزاز الهاتف داخل حقيبتها الصمتَ المحرج في المقصورة.

ألقى الرجل نظرة جانبية، وحين رآها تُخرج هاتفها مالت قليلًا بجسدها، كأنها تتعمّد تجنّب نظره.

سخر في داخله؛ فالتي كانت من قبل تُبلغه بكل صغيرة وكبيرة، تعلّمت الآن الإخفاء والمراوغة.

خفضت مرام رأسها ونظرت إلى اسم المتصل على هاتفها، ثم أطفأت الشاشة ولم تُجب.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى عاد الهاتف يرنّ.

فأطفأته مجددًا، ثم أغلقت الهاتف تمامًا.

وما إن أدخلت الهاتف إلى حقيبتها، حتى ارتفع في المقصورة صوته البارد: "لن تُجيبي؟"

كان صوته هادئًا بلا انفعال، لا يُستشفّ منه أي شعور.

التفتت مرام إليه، وقالت بابتسامةٍ لطيفة: "أكثر من عشرة اتصالات في اليوم أمرٌ خانق، لا أرغب في الردّ."

لم يتغيّر تعبير الرجل، وسأل بلامبالاة: "رجل؟"

تمعّنت في وجهه الخالي من الانفعال، وأومأت مُقرّة: "رجل أكبر سنًّا، كمن اشتعل فيه الشغف فجأة، مُلحّ إلى حدّ خانق."

لم يقل شيئًا آخر، لكنها شعرت بوضوح أن درجة الحرارة في السيارة انخفضت قليلًا.

أعادت نظرها إلى الأمام، وسرى في قلبها شعورٌ غريب بالمتعة.

بعد برهة، توقّفت السيارة الفاخرة السوداء ذات لوحة الأرقام المتباهية على نحوٍ لافت أمام مدخل الفندق، ولم ينزل السائق بلال فورًا لأخذ الأمتعة.

فالآنسة مرام لم يسبق لها أن أقامت وحدها في فندق، ولم يكن سيّده ليسمح لها بالمبيت وحدها خارج المنزل.

في تلك اللحظة، نظرت عبر المرآة الخلفية إلى المقعد الخلفي، منتظرة أن يصدر الرجل أمره.

وعندما توقّفت السيارة، انحبس معها نَفَس مرام لثانيتين.

في المقصورة الساكنة، كان الصمت عميقًا حتى يُسمَع فيه وقع الإبرة.

اتكأ الرجل إلى ظهر المقعد الخلفي، وأغمض عينيه إغماضة خفيفة، وفكّه المحدّد حادٌّ واضح، ولم يبدُ عليه أدنى نية للكلام.

بعد بضع ثوانٍ، ابتسمت مرام في سرّها ابتسامةً خفيفة، وكأنها شعرت أن تلك اللمحة من الترقّب في قلبها كانت مثيرةً للسخرية.

كانت ما تزال تتوقّع أن يحاول رائد استبقائها.

لكنه رائد السويفي، ولم يكن يومًا يستبقي أحدًا.

حتى قبل عامين، حين أحدثت ضجّة كالمجنونة وقالت أقسى ما لديها من كلمات، لم تسمع منه ولو كلمة تطلب منها البقاء.

"وداعًا، عمي، شكرًا لك."

انحنت شفاهها بابتسامةٍ مهذّبة وهي تشكره، وزادت غمازتاها ابتسامتها حلاوةً.

لم يفتح الرجل عينيه لينظر إليها، ولم يظهر على وجهه الوسيم أدنى أثرٍ لانفعال.

مستغلّةً نزول السائق بلال لأخذ الأمتعة، فتحت مرام باب السيارة ونزلت من تلقاء نفسها.

هبّت نسمة المساء، فلفحتها برودة خفيفة ورفعت خصلات شعرها برفق.

سلّمها السائق بلال حقيبة السفر باحترام، ثم عاد إلى السيارة. وبعد لحظة، انطلقت السيارة الفاخرة السوداء مبتعدةً، ولم تترك لمرام سوى ضوءها الخلفي الحادّ في عينيها.

نظرت إلى السيارة حتى اختفت وسط حركة السير، ثم أطلقت زفرةً عميقة، وبقي قلبها مضطربًا لوقتٍ طويل.

وعدّلت خصلات شعرها التي بعثرها الهواء قليلًا، ثم استدارت متجهةً إلى داخل الفندق.

أعادت تشغيل هاتفها بعد أن كانت قد أطفأته، فقفز الاتصال المزعج فورًا إلى الشاشة.

نظرت إلى الاسم الظاهر على الشاشة "ياسر الجبالي"، ثم أجابت.

لم تكد تنطق بكلمة، حتى انهمر صوت توبيخ عبر السماعة.

"مرام! هل أصابك الصمم؟ كم مرة اتصلت بكِ ولم تُجيبي، بل وأغلقتِ الهاتف! هل اشتدّ عودكِ هكذا؟ أما عدتِ ترين لي مكانًا كخالكِ!"

لم يتحدّث ياسر إليها بنبرةٍ متودّدة إلا مرّتين فقط.

إحداهما كانت قبل عامين، بعد وصولها إلى الخارج بوقت قصير، حين جاء ليُقرّ بصلته بها.

والمرة الأخرى كانت حين وافقت على المصاهرة مع عائلة الشربيني.

جلست مرام على أريكة في بهو الفندق، وألقت هاتفها على الطاولة أمامها بلا مبالاة، وقالت بنبرة فاترة: "قل ما عندك، أنا مشغولة."

"وبماذا أنتِ مشغولة أصلًا؟" ارتفع صوت ياسر، "كم مرة قلتُ لكِ إن إضاعة وقتكِ وجهدكِ في كتابة تلك السيناريوهات التافهة لن تجلب لكِ مالًا يُذكر، إن كان لديكِ هذا القدر من الطاقة، فالأجدر بكِ أن تسعي لإرضاء عائلة الشربيني! لو استطعتِ الزواج منهم، لكان خيرًا لكِ من كتابة مئة سيناريو!"

وبلا اكتراث، عبثت مرام بأذنها، ولم تُجب.

وما يزال صوته في الهاتف يثرثر بلا توقف: "ما إن تنزلين من الطائرة اليوم حتى تذهبي فورًا للبحث عن آسر، وأحسني التصرّف أمامه! إن تجرّأتِ وأفسدتِ هذه الخطوبة فلن أترككِ! والشيء الذي تريدينه، انسَي أن تناليه في حياتك!"

وما إن انتهى كلامه، حتى خفَت بريق عيني مرام، وبرَد وجهها.
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 30

    وما إن بادرتها بالإهانة من دون مقدّمة، حتى خفَتت ابتسامة مرام، ونظرت إلى سما ببرود."سما، هل أكلتِ الكثير من القذارة حتى صار فمكِ بهذه الرائحة الكريهة؟"لم تتوقّع سما أن تتحدّث مرام بهذه الفظاظة في مكانٍ عام. انعقد حاجباها على وجهها الهادئ، وتبدّل لون وجهها بين الشحوب والاحمرار.كما فوجئت صديقتها التي تقف بجانبها بمثل هذا الكلام الفظّ، فتمتمت بصوتٍ خافت: "يا سما، من هذه؟ كيف تتحدث بهذا الكلام السيّئ؟"أخذت مرام تعبث بمفتاح السيارة في يدها بازدراء وقالت: "لديّ كلامٌ أسوأ من هذا، أتريدين سماعه؟""مرام."تقدّمت سما خطوة إلى الأمام، وكتمت غضبها بينما علّقت ابتسامة على وجهها وقالت: "أنتِ تعلمين جيدًا كيف حصلتِ على هذه السيارة. أنا فقط أنبّهك بحسن نيّة؛ فأنتِ مقبلة على الزواج، فلا تتصرفي بلا حياء."انتقلت نظرتها من السيارة الرياضية إلى شعار شركة الأضواء للإنتاج، ثم عادت إلى مرام، فتجمّدت نظرتها لحظة عندما رأت بوضوح الفستان الذي ترتديه مرام.كانت قد رأت هذا الفستان من قبل في عرضٍ للأزياء؛ قطعة فاخرة من التصميمات الراقية، فريدة في هذا الموسم.الفستان الذي ظلّت تتمنّاه طويلًا، ها هو الآن على جس

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 29

    وبعد أن أنهت كلامها، ذكّرته مرام مبتسمة: "مخرج شركة الأضواء رجلٌ متزوّج، ومع ذلك تربطه علاقة مشبوهة بإحدى النجمات الصاعدات. ولو انكشف هذا الأمر، فسيكون خبرًا مثيرًا جدًا."وما إن أنهت كلامها حتى اسودّ وجه طارق."من لا يملك شيئًا لا يخاف الخسارة." قالت وهي تبتسم بعينين مقوّستين: "سيد طارق، لنرَ في النهاية من سيستنزف من."ظلّ طارق يحدّق في ظهر مرام وهي تغادر بخطى متعالية، وقد اتّسعت عيناه من شدّة الغضب. ثم رفع يده واتصل برقمٍ ما."أبلغوا القسم القانوني، أريد مقاضاة كاتبة السيناريو مرام من استوديو إيكو!""قاضوها حتى النهاية!"..."ماذا!""طارق الجوهري يريد مقاضاتك!"وما إن خرجت مرام من بوابة شركة الأضواء، حتى جاءها اتصال من ليان.وبعد أن سمعت تفاصيل ما جرى في الحديث ونتيجته، انفجرت عبر الهاتف تسبّ وتشتم: "هذا الرجل عديم الحياء! يبدو في الظاهر محترمًا وجادًّا، ولم أتوقع أنه في الخفاء بهذا القدر من الدناءة! هو من بدأ بالإساءة أولًا، والآن يريد أن يقاضينا نحن!""فليقاضِ إن شاء! نحن لا نخافه!" قالت ليان وهي تسبّ وتشتم، ثم حاولت طمأنة مرام: "مرام، سأبحث عن محامٍ، لا تقلقي!""ليان، ألا تلومينني

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 28

    كانت مرام تعبث بحافة الفنجان بطرف إصبعها، ولم ترتشف من الشاي شيئًا، بينما ظلت على شفتيها ابتسامة خفيفة.وفي عينيها اللامعتين ارتسمت ابتسامة باردة وهي تقول: "حقًّا، السيد طارق كريم جدًا."التقت نظرتها بنظرة الرجل المليئة بالشهوة، فابتسمت وقالت: "إذًا يتّضح أن السيد طارق لا يعقد الصفقات بقدراته، بل بجمال النساء."ثم رفعت الفنجان بين أصابعها إلى الأعلى قليلًا، وأمالته عمدًا، فانسكب الشاي على الطاولة وتناثر ليبلّل بدلة طارق.فتراجع نصف خطوة على عجل، واختفت ابتسامته وهو ينظر إلى المرأة أمامه.قالت مرام بنظرة ازدراء: "ما دمتَ تحبّ أن تهمس بكلمات الوسادة إلى هذا الحد، فلماذا لا تصعد أنت إلى سرير السيد رائد؟"أطلقت ضحكة خفيفة، غير آبهة بوجه طارق الذي اسودّ غضبًا، ثم ألقت الفنجان بقوة على الطاولة ونهضت استعدادًا للمغادرة.ولمّا رأى أنها غضبت حقًّا، لم يشأ طارق أن يترك هذه الحسناء ترحل بهذه السهولة.فناداها على عجل: "أستاذة مرام."فتوقّفت مرام في خطوتها.وقف طارق خلفها يحدّق في ظهرها النحيل، ثم قال مبتسمًا ابتسامة محرجة: "كنت أمزح فحسب، لا تغضبي. ما زال بإمكاننا التفاوض بشأن سعر هذا السيناريو."

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 27

    كانت لمى السعيد شابةً جميلة، تتحدّث بصوتٍ لطيفٍ هادئ، وقد وصفها المتابعون على الإنترنت بأنها "فتاة أحلام الشباب".ولها قاعدة جماهيرية واسعة، كما أنها البطلة المفضّلة لدى طارق الجوهري.كانت مرام قد فكّرت في الأصل أن تُسنِد دور البطولة في هذا السيناريو إلى لمى السعيد، لكن طارق الجوهري رفض ذلك، قائلًا إن سيناريو شركةٍ صغيرة مثل شركتها لا يليق بمكانة لمى السعيد."مرحبًا، السيد طارق."طرقت مرام بخفة على جانب الباب لتنبههما.وما إن لاحظ الاثنان دخول شخصٍ ما، حتى ابتعدا سريعًا وتركَا مسافةً مناسبة بينهما.أشار طارق بعينيه إلى لمى لتغادر أولًا.ثم نظر إلى المرأة الجميلة جدًا أمامه، وألقى عليها نظرةً فاحصة خفيفة وقال: "مرام؟"ارتسمت على وجه مرام ابتسامة مهذّبة، وظهرت على زاويتي شفتيها غمازتان خفيفتان، ثم مدّت يدها نحوه قائلة: "مرحبًا، السيد طارق. أنا مرام، كبيرة كُتّاب السيناريو في استوديو إيكو."كانت المحادثات بينهما في التعاون السابق تجري عبر مكالمات الفيديو، وقد سبق أن أثنى طارق الجوهري على جمالها، وقال إن لديها مقوّمات تؤهلها لأن تصبح نجمة."مرام، سمعتُ عنك كثيرًا، لكن يبدو أن رؤيتك اليوم أ

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 26

    فلماذا وافقت إذن على هذه الخطبة؟هل كان هناك شيءٌ ما قُدِّم لها مقابل ذلك، اضطرّها إلى قبول الخطبة؟وعند هذه الفكرة، ضيّق رائد عينيه قليلًا وقال: "كيف يعاملها أفراد عائلة الجبالي؟""منذ أن عثر ياسر الجبالي وزوجته على الآنسة مرام في الخارج قبل عامين، لم يكن بينهما وبينها تواصلٌ كثير، لكنهما أمام الناس يعاملانها معاملةً لا بأس بها."وبعد أن أنهى بلال كلامه أضاف: "لكن الزوجين في عالم الأعمال بارعان في المسايرة والتعامل مع الناس، ويجيدان التملّق والتصرّف بلباقة في المواقف."نفض رائد رماد السيجارة عن أطراف أصابعه، ولم يقل شيئًا.وعلى المقعد المجاور وُضع ملف من الورق المقوّى.نقر عليه قليلًا وسأل بصوتٍ منخفض: "هل أُرسلت الملفات؟""لقد أُرسلت بالفعل إلى بريد الآنسة نادين."وبعد أن أنهى بلال كلامه، تجرّأ قليلًا وأضاف مُذكّرًا: "سيدي، قد تدفع هذه الأمور إلى تسريع زواج عائلتي الجبالي والشربيني. وإذا كانت الآنسة مرام لا ترغب في الخطبة أصلًا، فلو علمت بتدخّلك في هذا الأمر، ألن تلومك؟"رمقه رائد بنظرةٍ جانبية وقال: "هي أذكى منك.""..." عجز بلال عن الردّ، فاكتفى بالإيماء وأغلق فمه.ارتسمت على زاوية

  • قبلة في الضباب... حين أغوته خفق قلب الرجل المتحفّظ بجنون   الفصل 25

    متابعةً لكلام ليان قبل قليل، سألت مرام: "إذًا، هل تريد شركة الأضواء أن نتنازل عن حقّ وضع الاسم؟"ففي أيّ مجال، يعود الأمر في النهاية إلى أمرين: الاسم والمصلحة.ويبدو أن شركة الأضواء لا تريد سوى أن تتحكّم في هذا السيناريو من هاتين الناحيتين.وكما توقعت، رفعت ليان إبهامها لها وقالت: "أصبتِ. تقول شركة الأضواء إن صناعة الدراما والسينما تمرّ بمرحلة ركود مؤخرًا، وإنهم يخسرون مع كل عمل ينتجونه، حتى إنهم باتوا يعانون نقصًا في التمويل.""تردّد أن مجموعة القمة للاستثمار تتجه مؤخرًا للاستثمار في قطاع الترفيه، فبمجرد أن سمع طارق الجوهري بذلك، أراد أن يتواصل مع رئيس المجموعة لجذب استثمار منهم."وعند هذه النقطة، بسطت ليان يديها وهزّت كتفيها قائلة: "أما النتيجة فكما تعلمين؛ رئيس مجموعة القمة لم يمنح طارق الجوهري سوى أقل من عشر دقائق، ولم ينتظر حتى يسمع كلامه كاملًا قبل أن يغادر."عند سماع ذلك، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي مرام.ولم تكن بحاجة إلى أن ترى الأمر بعينيها؛ فقد استطاعت أن تتخيّل كم كان رائد ينظر إلى طارق الجوهري ببرودٍ ونفور.فهو دائمًا هكذا؛ حين يتعامل مع أشخاص أو أمور لا تعجبه، لا يمنحهم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status