تسجيل الدخولدخلت ريم إلى القاعة حيث كان زملاؤها مجتمعين. كان صوت الضحكات يملأ أرجاء المكان، والموسيقى تتعالى بين الحين والآخر، بينما انشغل الجميع بالحديث والمرح.اتجهت ريم نحو لين وآدم، وجلست بجانبهما.التفتت إليها لين فورًا وقالت:— أين ذهبتِ؟ لقد بحثنا عنكِ.ابتسمت ريم محاولةً أن تبدو طبيعية:— كنت في الخارج... التقيت بصديق لي.رفعت لين حاجبها، وكأنها لم تقتنع تمامًا بالإجابة، لكنها لم تسأل أكثر.— حسنًا، لم يفُتكِ شيء مهم. لكن يبدو أن هناك بعض الأساتذة سيحضرون حقا الحفل.اقتربت لين منها قليلًا وقالت بحماس:— والأستاذ مجد سيأتي بالطبع.تجمدت ريم للحظة.— كانت تعلم حضوره لكن لا تعلم لماذا اخفت عن لين ذلك—حقا استاذ مجد؟ضحكت لين:— نعم، ومن الغريب أنكِ تسألين! هذا الفندق ملك لعائلته، أليس كذلك؟ من المؤكد أنه سيأتي.اتسعت عينا ريم قليلًا، ونظرت حولها وكأنها تكتشف الأمر للمرة الأولى.حتى هذا الفندق ملك لمجد؟وضعت يدها على جبينها وهي تقول في داخلها:هل هناك مكان واحد أذهب إليه ولا يكون ملكًا لمجد؟لكن سرعان ما تذكرت الساعات القليلة التي قضتها معه.تذكرت حديثهما في السيارة، وضحكاتهما في المطعم، وطر
خرجت ريم ومجد من المصعد واتجها معًا نحو السيارة الخاصة بمجد. كانت سيارة مرسيدس بنز سوداء تقف في مكان قريب من مدخل الفندق. تقدم مجد وفتح لها باب السيارة، فابتسمت له ريم وقالت: — شكرًا لك. صعدت إلى السيارة، ثم أغلق مجد الباب بهدوء واتجه إلى الجهة الأخرى، قبل أن يستقل مقعده خلف عجلة القيادة. ساد الصمت بينهما. كان صوت محرك السيارة الهادئ يكسر سكون المكان، لكن ريم شعرت أن الصمت نفسه يزيد توترها. جلست إلى جانبه وهي تحاول أن تبدو طبيعية، إلا أن أفكارها كانت تسبقها في كل لحظة. وفجأة، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم المتصل حتى توترت ملامحها. ابتلعت ريقها، ثم أجابت على الاتصال. — مرحبًا. جاءها صوت والدها من الطرف الآخر، يسألها إن كانت قد وصلت إلى الفندق، وكيف تسير الأمور مع حفل المبيت، وما إذا كانت تحتاج إلى أي شيء. كانت إجابات ريم قصيرة ومقتضبة. — نعم، وصلت. — كل شيء بخير. — لا، لا يوجد شيء. — نعم، سأنتبه لنفسي. ظل مجد يقود بصمت، لكنه كان يستمع دون قصد إلى نبرة صوتها. لاحظ أنها تتحدث بطريقة رسمية أكثر مما اعتاد أن يسمعها منها، وكأنها تختار كل كلمة قبل
سرت قشعريرة خفيفة في جسد ريم، وخفق قلبها تباعًا، حتى شعرت أن نبضاته باتت مسموعة في أذنيها. كان هناك شيء بداخلها يدفعها إلى الاقتراب منه واحتضانه. أرادت أن تشكره، لا أكثر. لكنها، في تلك اللحظة، اعترفت لنفسها بحقيقة حاولت طويلًا إنكارها؛ أنها لم تستطع الابتعاد عنه حتى ليوم واحد. لم تكن تريد منه شيئًا. كانت تريد فقط أن تراه. رفعت عينيها إليه، وحاولت أن تحافظ على ثبات ملامحها، ثم قالت: — أستاذ مجد... ابتسم مجد ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر منها هذه الكلمة. تابعت ريم بنبرة حاولت أن تجعلها عادية: — في الواقع... لم أتوقع حضورك. نظر إليها مجد للحظات، ثم قال بهدوء: — في الحقيقة، أنا لا أحضر حفلات الطلاب عادةً، لكن كان لدي عمل في الفندق اليوم. توقف قليلًا، ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة: — وأيضًا... هذه المرة كانت الدعوة من شخص خاص. تجمدت ريم للحظة، ولم تعرف ماذا تقول. خفضت عينيها محاولة إخفاء ابتسامتها، بينما تابع مجد بنبرة مختلفة: — وبالمناسبة، أستاذ مجد هذه فقط في الجامعة. رفعت ريم عينيها إليه باستغراب. — ماذا تقصد؟ اقترب منها خطوة، ثم قال بابتسامة هادئة:
في اليوم التالي، ارتدت ريم ملابسها استعدادًا لقضاء يومها مع زملائها. اختارت إطلالة مريحة وأنيقة في الوقت نفسه؛ كانت ترتدي طقمًا رياضيًا مكوّنًا من قطعتين باللون الوردي الفاتح، يتألف من تيشيرت قصير يصل إلى منطقة السرة بأكمام قصيرة، وبنطال واسع الساق. كانت إطلالتها بسيطة ومناسبة للحركة واللعب، وفي الوقت نفسه حافظت على أناقتها المعتادة. حملت حقيبتها ونزلت إلى الطابق السفلي، حيث وجدت والدها. ودعته ثم توجهت إلى سيارتها، استقلت مقعدها، وانطلقت باتجاه الفندق الذي أُقيم فيه حفل المبيت. وبعد مرور بعض الوقت، بدأت السيارات تتوافد تباعًا إلى الفندق، وبدأت الساحة تمتلئ بأصوات الطلاب وضحكاتهم وحماسهم. كان الجميع يرتدون ملابس مريحة تناسب اللعب والحركة، فقد اتفقوا على أن يكون هذا اليوم مختلفًا عن أي يوم جامعي آخر. لم يكن الهدف مجرد قضاء ليلة في الفندق، بل الاحتفال بأول عطلة لهم منذ دخولهم الجامعة، ولهذا قرروا أن يستغلوا الوقت بالكامل في المرح والسهر، وألا يسمحوا للنوم بأن يفسد أجواء الليلة. كانت الأجواء مليئة بالحماس، والجميع يتحدث عن الألعاب والأنشطة التي أُعدّت لهم، بينما كانت ريم تقود سي
عادت ريم إلى الفيلا في ذلك اليوم، لكنها لم تعد كما خرجت منها. كانت مفعمة بالحياة، وكأن شيئًا ما بداخلها قد تغيّر فجأة. صحيح أن مجد لم يخبرها بأنه يحبها، ولم يقل لها كلمة صريحة يمكنها أن تبني عليها كل تلك المشاعر، لكنه أخبرها بطريقته الخاصة. بنظراته، باهتمامه، وبكلماته غير المباشرة التي جعلتها تشعر بأن لديه شيئًا تجاهها... وربما كانت لديه خطط أخرى لإخبارها بما يشعر به. أما نظرات عينيه، فكانت كفيلة بإذابة أي فتاة أمامه. أي فتاة... إلا ريم. فقد بقيت متماسكة أمامه، تتظاهر بالهدوء والثبات، بينما كان قلبها في الداخل يعيش فوضى كاملة. دخلت الفيلا، فوجدت إلياس لم يعد بعد. في الآونة الأخيرة أصبح يتأخر كثيرًا، فقد كان منشغلًا بالتجهيزات الأخيرة لافتتاح جامعته الثانية المتخصصة في الكيمياء، والتي كان يعمل على إنشائها منذ فترة طويلة. ألقت التحية على مليكة، ثم صعدت إلى غرفتها. بعد أن استحمت، جلست على سريرها وأمسكت هاتفها، وأخذت تتصفح حسابها على إنستغرام بلا هدف. وفجأة توقفت. ظهر أمامها إشعار جديد. مجد الأغا طلب متابعتك. توقفت أنفاسها للحظة. — مجد؟ عادت دقات قلبها للتسارع
لحقت ريم بمجد الى مكتبه، ثم دخلت خلفه بخطوات مترددة. أشار مجد إلى المقعد المقابل لمكتبه وقال بهدوء: — تفضلي. — شكرًا لك. اتجه مجد نحو آلة القهوة، أعدّ كوبين، ثم وضع أحدهما أمامها. تناولت ريم الكوب بين يديها واحتست منه رشفة صغيرة، بينما جلس مجد أمامها. مال بجسده قليلًا إلى الأمام، مستندًا إلى حافة الكرسي الجلدي، ووضع إحدى يديه بين ركبتيه في وضعية توحي بالاسترخاء، لكنها لم تخفِ التوتر الكامن في ملامحه. بعد لحظات، أخرج سيجارة وأشعلها. كانت السيجارة مستقرة بين إصبعي السبابة والوسطى في يده اليمنى، بينما رفعها إلى مستوى صدره، وأمال رأسه قليلًا وهو ينظر بعيدًا، وكأنه غارق في أفكاره. تصاعد الدخان الأبيض من طرف السيجارة، وراح يتلاشى في الهواء على هيئة دوامات خفيفة. ظلت ريم تحدق فيه لثوانٍ، ثم قالت دون أن تشعر: — لم أكن أعرف أنك تدخن. نظر إليها مجد للحظة، ثم أجاب بهدوء: — لست مدمنًا... لكنني أدخن من حين إلى آخر، أو عندما أكون متوترًا. ترددت ريم قليلًا، ثم قالت: — هل وجودي يجعلك متوترًا؟ ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، لم تعرف إن كانت ساخرة أم حقيقية. — أمم... لا







