LOGIN
عملي الذي يبدو للآخرين سهلاً ومريحاً من خلف الشاشات، ليس بالسهل أبداً. أحياناً أجد نفسي مصلوبة أمام شاشة الكمبيوتر لساعات وساعات طويلة، وعندما أقرر النهوض أخيراً، أشعر بعظام خاصرتي وظهري يطرطقان في بعضهما البعض، كأنما يعاتبانني على كل تلك الأوقات التي أقضيها في التخطيط والتسويق الرقمي.
في تلك الليلة، كان التعب قد بلغ مني مأخذه، وأمي—التي لطامها كانت تعيش بمزاجها الخاص، تطبخ متى أرادت وتمتنع متى أرادت—لم تكن لديها أي رغبة في دخول المطبخ. نظرتُ إليها وقلت براحة: — "لا داعي للطبخ يا أمي، سأقوم بطلب عشاء خاص من مطعم فاخر." أجابتني بنبرتها الهادئة المحببة: — "هذا جيد يا ريم.. ولكن على الأقل، دعيني أحضر بعض المملحات الخفيفة." تبسمتُ وقلت لها وأنا أعود لهاتفي: — "أوه يا أمي، افعلي ما شئتِ، أصلاً لم يتبقَّ الكثير من الوقت وسيصل الجميع واحداً تلو الآخر." (طين.. طين.. طين) فجأة تعالت رنات جرس الباب. ركضتُ وفتحته لأجد عامل التوصيل يبتسم خلف أكياس الطعام الفاخر. شكرته، وطيلة الساعة التالية، بقيتُ بين فتح الباب واستقبال طلبيات الطعام والحلويات المخصصة للسهرة. نظرتُ إلى المائدة المستديرة التي امتلأت بما لذ وطاب، وقلت متفاجئة: — "أمي! لم تخبريني أنكِ أنتِ أيضاً طلبتِ كل هذه الحلويات والفواكه؟" ردت عليّ وعيناها لا تفارقان صفحات كتابها البوليسي المفضل: — "زوجة أخيكِ تعشق هذه التفاصيل، وأردتُ أن يكون كل شيء مثالياً." كان الجو في شقتي الصغيرة الراقية مفعماً بطاقة إيجابية لا تُوصف. كنتُ أشعر باستقرار نفسي داخلي عميق برغم أنني لم أتزوج بعد، ولكن وجود أمي معي كان يمثل لي الدنيا وما فيها. وقبل أذان المغرب بدقائق معدودات، رنّ الجرس مجدداً. فُتح الباب ليدخلوا معاً في نفس اللحظة. هتفتُ بضحكة: — "أوه يا إلهي! لقد أتيتم معاً؟ هل هذه صدفة أم كان موعداً مسبقاً؟" ضحكت أختي إيما وقالت وهي تخطو للداخل: — "لقد كانت صدفة، أقسم لكِ!" بينما علقت زوجة أخي بنبرة رقيقة: — "بل كانت صدفة جميلة جداً." تأفف أخي أسامة بوقار مصطنع وهو يدفعهم بلطف: — "هل ستدخلون أم سنقضي السهرة عند عتبة الباب؟ إنكم لا تتغيرون بالمرة!" تعالت ضحكاتنا، ودخلوا بعد أن غيّروا أحذيتهم وسلموا على أمي واحداً تلو الآخر، وكأنهم يقبلون جدار الأمان في العائلة. لم أتمالك نفسي من مداعبتهم كالعادة فقلت بصوت جهوري: — "أمي بركة بالنسبة إليكم، لذا من هذا اليوم فصاعداً، من يريد أن يسلم عليها ويأخذ بركتها عليه بدفع ألف دينار!" التفت إليّ زوج أختي مستنكراً ومبتسماً: — "أتمزحين؟ هل أصبحتِ تتاجرين بالبركة الآن؟" ردت عليه إيما فوراً وهي تغمزني: — "إنها ملكة التسويق يا عزيزي، تستطيع أن تبيع أي شيء، في أي وقت ولأي شخص!" على طاولة العشاء، تداخلت الأصوات بين ضحكات وحكايات وسمر صيفي دافئ. كانت مايسة، حفيدتنا الأولى والوحيدة في العائلة، تلعب بيننا ونحن نداعبها، حتى قادنا الحديث فجأة للمقارنة والتشابه: — "إنها تأخذ شيئاً من لون عيني أبيها.. لكنها بيضاء مسمرة بوجنتين محمرتين، تماماً مثل مرحوم جدها..." بمجرد نطق جملة "مثل مرحوم جدها"، غزا السكوت المفاجئ أهل البيت. سقط صمت ثقيل، سكون يئن بمرارة وكأنها دقيقة صمت حداداً على زمن مضى. وفي قلب هذا السكون المريب، قطعت أمي حبل الصمت بطلب لم تطلبه من قبل أبداً طيلة سنوات.. طلب هز أركان استقرارنا: — "أريد أن نعود إلى بيت العائلة القديم.. لنقضي العطلة الصيفية هناك." وقع الطلب على نفسي فجعلها تئن بألم صامت مألوف. تذكرتُ على الفور أنني كنتُ الوحيدة التي لم ترغب في الرحيل من هناك آنذاك، ولم ترغب في الهروب، ولكن الخيار كان خيار أمي.. وأينما تكون أمي، سأكون أنا. بقي زوج أختي مندهشاً، زاغت عيناه في أرجاء الصالة ولم يعرف أين ينظر، ثم قال بصوت خافت بالكاد يُسمع: "إيما.. أنتِ تعلمين أنني أعمل شرطياً، وكشرطي ليس لدي وقت فراغ. ابقي أنتِ هنا واذهبي مع والدتكِ وعائلتكِ إلى بيت والدكِ القديم." لم تجبه إيما بكلمة، بل اكتفت بهز رأسها إلى الأسفل باختناق. أما أخي أسامة، فتنحنح معتذراً: — "أنا أيضاً لا أستطيع المجيء معكم، مشغول جداً بالعمل، وفي الأصل لم أكن سأذهب في رحلة هذا الصيف ككل سنة." نهضت أمي من المائدة بحزمها المعتاد، وقالت ببرود وكأنها كانت تتوقع ردود أفعالهم: — "كما ترغبون.. لا يهم، ولا أهتم. ولكن أنا، وريم، وإيما، سنذهب غداً بإذنه تعالى." انتهى العشاء وانفضت السهرة مبكراً على غير العادة. دخلت أمي إلى غرفتها وأغلقت بابها. بينما كانت زوجة أخي نادية ترتب حقيبتها وتستعد للمغادرة، وقفتُ أنا في المطبخ أغسل الأواني وأحاول جرف أفكاري مع المياه المتدفقة. فجأة، دخل أخي أسامة إلى المطبخ. بدا متوتراً، وانال عليّ بمجموعة من الأسئلة المتلاحقة دفعة واحدة: — "ريم، هل أمي بخير؟ هل حدث شيء لم تخبرينا به؟ لماذا هذا البيت الآن بالذات؟" أنا التي هي أنا، أعيش مع أمي في بيت واحد، وأجلس معها طيلة الوقت لأكثر من أربعين سنة.. وجدتُ نفسي أقف عاجزة أمام أسئلته. أنا لا أعرف أمي تماماً، ولا زلت أجهل تفاصيل تفكيرها المعقد والغامض. توقفتُ عن غسل الصحون، سحبتُ منديلاً ورقياً كان أمامي ومسحتُ يداي ببطء، ثم نظرتُ إليه بعينين متعجبتين وقلت محاولة تهدئته: — "يا علي.. اسأل سؤالاً واحداً فحسب! أمي اشتقت إلى منزلنا القديم، ربما تشتاق إلى وجودها القديم هناك.. لا أعلم حقيقة ما يدور في رأسها." عقد حاجبيه وقال بنبرة قلقة: — "أتمنى فقط ألا يكون الموضوع هو نفس الشيء الذي يدور في رأسي الآن.." قبل أن يسترسل، قطعت إيما حديثنا وهي تدخل المطبخ قائلة بعتاب: — "لماذا تفكرون دائماً بطريقة سلبية؟ الأمر عادي جداً! امرأة اشتقت لبيتها الذي عاشت فيه ثلاثين سنة، أهذا شيء يستحق كل هذا الكم من التهويل والتفاعل؟" ثم استدارت إيما لترافق زوجها إلى أسفل البناية، بينما أطل الصهر علينا مودعاً: — "إن احتجتم لأي شيء اتصلوا بي فوراً.. دمتم في أمان الله." بعد دقائق، غادر أخي وزوجته وابنته الصغيرة مايسة. بقيتُ أنا وأختي إيما لوحدنا. جلسنا في شرفة الشقة الراقية، نرتشف ما تبقى من السهرة، ونستبق الأحداث المتسارعة.. نتحدث بهمس عما سنلقاه غداً في منزلنا العائلي القديم، وعن الالام التي تنتظرنا خلف جدرانه المحاطة بمنازل الأعمام.مرت سنة كاملة بحلوها ومرها، سنة كانت كفيلة بأن تغير ملامح ديارنا وتكسو حياتنا برداء جديد من النضج والاستقرار.سبعة أشهر كاملة انقضت منذ أن وطأت قدمي أرض الغربة، بعد أن جاءتني فرصة عمل ممتازة في الخارج في مجال التسويق ومرافقة المشاريع. لم يكن قرار السفر هرباً أو تراجعاً، بل كان خطوة واثقة ومحسوبة لتوسيع آفاقي وتأمين مستقبل عائلتي على نطاق أكبر. تركتُ خلفي المحل الصغير بعد أن أصبح مؤسسة قائمة بذاتها تُدار بحرفية، ووضعتُ مفاتيحه وأمانته في يد أخي أسامة، الذي تخرج من مدرستي العملية وأصبح رجلاً عصامياً يُعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة.عبر شاشة هاتف محمول في غرفتي الغريبة، كانت الصورة الحية تنبض بالدفء القادم من صالة بيتنا في الوطن."ريم! انظري إلى هذا الترتيب، أليس رائعاً؟" جاءني صوت أختي إيما مفعماً بالحيوية وهي تدير كاميرا الهاتف لنصفي الصالة المليئة بصناديق التجهيز الراقية وثياب زفاف أخي أسامة.ابتسمتُ بصفاء وعيناي تتأملان وجه إيما؛ لقد أصبحت طالبة ماستر متألقة، واثقة من خطواتها الأكاديمية، وتستعد هي الأخرى لإتمام ترتيبات زفافها من خالد بعد أن قطعا شوطاً كبيراً في التخطيط، بينما كانت أمي
في صباح يوم الجمعة، كان الهواء يحمل برودة خفيفة ونقاءً غسلت به السماء أزقة الحي القديم.خرجنا من البيت متأنقين بثياب وقورة، لا لنحضر حفل تهنئة ولا لنستقبل أحداً، بل لنوفي بوعد قديم ظل معلقاً في أطراف قلوبنا منذ سنوات الفقد الأولى. ارتدت أمي ملاءتها السوداء، ومشت بجانبي بخطوات هادئة يستند ثقلها إلى ذراعي، بينما كانت إيما تحضن إلى صدرها ملفاً انطوت داخله نسختان مصدقتان؛ الأولى لشهادة الليسانس، والأخرى لوثيقة قبولها في مرحلة "الماستر".خلفنا بيمين واثقة، كان أخي الأصغر يسير بنخوة هادئة، يحمل في يده سلة صغيرة أودعنا فيها أواني المعجنات الفاخرة التي أعددناها في المحل صباحاً لتوزيعها صدقة على روح الراحلين.كان الطريق إلى المقبرة هادئاً، يلفه سكون يبعث السكينة في النفوس المجهدة.وعندما وطئت أقدامنا التراب الندي، اتجهنا بخطوات معروفة نحو الزاوية الشرقية؛ حيث ينام أبي وأخي الراحل تحت ثرى أرض واحدة، تجاورهما شواهد سادة لا تحمل إلا اسميهما ودعوات الصابرين.توقفت أمي عند الشاهد، وجلست على الدكة الحجرية الصغيرة. بللت يدها ببعض الماء المنسكب من الإبريق، ومسحت به الحصى الناعم فوق القبرين، بينما شفته
في ذلك الصباح المشرق، لم تكن زغاريد الحي تشبه أي صوت آخر سمعناه من قبل.كانت الشمس تشرق على أسطح حينا القديم وهي تسكب نوراً دافئاً صافياً، وكأن السماء نفسها قررت أن تشاركنا هودء الانتظار طويل المدى. وقفتُ عند عتبة الصالة أراقب أختي "إيما" وهي تمسك بالشاشة الفضية لهاتفها المحمول، يداها ترتجفان بحدة غير مسبوقة، وعيناها تتنقلان بارتباك بين الأرقام والأسماء المكتوبة على الصفحة الرسمية لنتائج الكلية.كان الصمت في البيت ثقيلاً وخانقاً كجبل يجثم على الصدور. تقف أمي خلفها مباشرة، يداها المرتجفتان تمسكان بالسبحة الخشبية، وشفتها تتحركان بدعوات خافتة تحترق بالرجاء والابتهال.وفجأة... صرخت إيما صرخة مدوية انشق لها سكون الدار، وسقط الهاتف من بين أصابعها لتخرّ ساجدة على الأرض الباردة وهي تبكي بدموع حارة كالمطر!"نجحتُ يا ريم... نجحتُ وأخيراً! أخذتُ شهادة الليسانس!"انطلقت زغروتة طويلة هزت أرجاء البيت والشارع من حنجرة أمي، زغروتة امتزجت فيها فرحة العمر بمرارة الفقد. ارتمت إيما في أحضان أمي الدافئة، ثم تحولت فوراً لترتمي في حضني، وكانت أنفاسها المتلاحقة تحكي قصة سنوات طويلة من العناء والتعطيل والتعب
استقر نظام جديد داخل بيتنا وفي جنبات المحل الصغير، نظامٌ أرسى قواعده عرق الجبين والاحترام المتبادل.كان أخي يستيقظ مع فجر كل يوم دون حاجة لمن يناديه؛ يرتدي ملابس العمل البسيطة، يرافق الشاحنة إلى السوق، ويحمل الصناديق الثقيلة برحابة صدر ونخوة رجولية لم نعهدها فيه من قبل. تحول وجهه المترف إلى وجه شاب صلب تمرسه الحياة، وبدأت أرقام حسابه المستقل تنمو تدريجياً وبكرامة، حيث كان يجمع أجرته اليومية التي يتقاضاها منا بعرق جبينه، ليدفع منها أقساط تجهيز زواجه ومهر خطيبته، دون أن يمد يده بسنتيم واحد إلى ميزانية البيت أو المحل.لكن الرياح التي تهب على البيوت لا تستأذن أحداً، وحين يتغير الشخص ونظرته للحياة، تجبر الأقدار من حوله على كشف معادنهم الحقيقية.في ظهيرة يوم ساد فيه الجو ببرودة خفيفة، دخلت خطيبة أخي برفقة والدتها إلى المحل.كانتا ترتديان أفضل ما لديهما من ثياب أنيقة، ونظراتهما تتفقد المكان بفضول لم يخلُ من علامات التعالي الخفي. جاءتا بحجة التودد وشراء بعض المعجنات الخاصة التي اشتهر بها محلنا في الحي، لكن الهدف الحقيقي كان استكشاف سر هذا التحول المفاجئ في سلوك أخي وخططه المالية.في تلك اللحظ
في الخامسة والنصف صباحاً، وقبل أن تشرق الشمس على أسطح حينا القديم، كان الهواء البارد يلف الأزقة بصمت خافت. استيقظتُ على صوت حثيث في الصالة. فتحتُ باب غرفتي ببطء، لأجد أخي يقف أمام المرآة الخشبية. لم يكن يرتدي قميصه الأبيض ولا حذاءه المصقول الذي كان يختال به أمام خطيبته؛ بل كان يرتدي قميصاً قطنياً بسيطاً ورداءً رياضياً دافئاً. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان خليطاً غريباً من التوتر والتردد. نظر إليّ عبر المرآة، ونطق بصوت خافت يقطعه الخجل: — "أنا جاهز... السوق الأسبوعي يفتح أبوابه الآن، أليس كذلك؟" أومأتُ برأسي بهدوء، ودون أن أزيد كلمة واحدة، سلمته القائمة المكتوبة بخط يدي ورقعة المال الخاصة بشراء مستلزمات اليوم. خرجنا معاً نحو الشارع المظلم. كانت السيارة الشاحنة الصغيرة التي استأجرتها لنقل البضائع تنتظر عند الزاوية. طوال الطريق نحو السوق الكبير، كان الصمت يسود بيننا، صمتٌ ثقيل يختزن أشهراً من الجفاء والأنانية، لكنه كان صمتاً أفسح المجال لواقع جديد يبدأ بالت شكل. في السوق الأسبوعي، كان الصخب يملأ المكان؛ صراح الباعة، واحتكاك الصناديق الخشبية، ورائحة الخضار واللحوم الطازجة.
انقضى أسبوعان على انتشار حركة الشفاء والتجدد في محلنا الصغير.كانت الحياة تدور في مجراها الجديد بانتظام دقيق؛ المحل يغلي بالحركة والزبائن، وأنا وأمي ندير دفة العمل بصلابة ومحبة يزداد عمقها كل يوم. لكن تحت هذا السطح المستقر، كانت حبال الواهية تُقطع حابلاً تلو الآخر، والوجوه المستعارة تتساقط دون رحمة.تعلمتُ في الأيام الماضية درساً كان أشد قسوة من المرض نفسه. حين أُصبتُ بتلك الوعكة وتوقفت الحركة في البيت، جربتُ، بقلب سليم ونيّة صادقة، أن أطرق أبواب من كانوا يملؤون سمائي بعبارات الود الجوفاء: "نحن أهلكِ... إن احتجتِ أي شيء، هاتف واحد فقط وستجديننا أمامكِ!".يا لسرعة تبخر تلك الشعارات عند أول نداء حقيقي!حين اتصلتُ للضرورة، وجدّتُ الأعذار الباردة جاهزة ومصوغة ببراعة: هذا مشغول، وتلك تداهمها الظروف، وذاك يتوارى خلف الصمت. وحتى الصداقات التي كنتُ أحسبها ملاذاً آمناً، اكتشفتُ أنها تجارة مقنّعة؛ لا أحد يمدّ يد المساعدة دون أن يضع في حسابه مقابلاً أو مصلحة قادمة. في تلك الليالي الباردة، وأنا أستمع لصدى صمتهم، اتخذتُ قراراً صارماً نزل على قلبي كالسيف: لن أطلب أحداً بعد اليوم... لا عائلة، ولا أص







