LOGINلم أكن يوماً من عشاق الموسيقى الحزينة، كنتُ محبة للحياة، أرى العالم بعيون ملونة بالأمل والفضول. لكن، للأسف، الحزن وموسيقاه الجنائزية سكنت قلبي دون استئذان، وأصبحت أقلامي لا ترسم على الورق سوى دموع وآهات. أعيش الآن في ظل ذكريات رفضت أن تتركني، ذكريات تلتف حول عنقي كالأفعى، وأمي.. تلك المرأة الصابرة، هي الأخرى رفضت استسلامي. كنت في أوج شبابي، لكن روحي كانت تشيخ. حاولت معي، حاولت منعي مراراً من التفكير في الانتحار، لكنني كنت أشعر بعجز خانق.. كنت أشعر بأنني لا أستطيع أن أتنفس، لا أستطيع أن أعيش بدونه.
لقد أدمنتُ لقاءه سابقاً، ثم بعد زواجه تحول ذلك إلى إدمان مرضيّ لترقبه. كنت في انتظار رؤيته صباحاً ومساءً، أحفظ عن ظهر قلب المسارات التي يسلكها، الأماكن التي يتوجه إليها.. هكذا مرت أيامي. فتيات في عمري مثل زهور تتفتح في الربيع، بينما أنا كنت أذبل، أذبل بصمت حتى لم يبقَ مني سوى هيكل باهت. في ذلك اليوم، وجدت نفسي في عيادة الطبيب النفسي. كانت الغرفة هادئة بشكل مستفز، رائحة التعقيم تمتزج برائحة الورق القديم. نظر إليّ الطبيب بعينين فاحصتين وقال بلهجة هادئة ولكن حازمة: "إلى متى تنوين البقاء هكذا؟". لم أجبه، فالحلق كان مغلقاً بغصة، والجواب كان يتوارى خجلاً. كنت أعلم في قرارة نفسي أنني "الضحية"، فلماذا كان يظهر هو دائماً بمظهر الضحية؟ لماذا؟ سألت الطبيب بصوت متقطع: "وماذا تقترح أن أفعل؟ هل سيغير أبي مكان بيتنا؟ هل سيعود هو راجياً؟ الموت لا يريدني، والحياة.. الحياة هي الأخرى ضاقت بي". قاطعني الطبيب، مائلاً بجسده نحوي، وقال جملة اخترقت جدار صمتي: "ليس مهماً من يريدكِ يا ريم، المهم ماذا تريدين أنتِ من الحياة؟". أجبتُ دون تفكير: "أريده هو". رد بصرامة: "ولكن هو انتهى. أصبح ماضيكِ، وأنتِ الآن في حاضركِ تقفين مكتوفة اليدين بينما هو يمرح هنا وهناك. ألا تشعرين بالغيرة على سنوات عمركِ؟ ألا ترغبين أن تكوني أنتِ ريم، لا ريم التابعة لمحمد؟". سكتَ الطبيب لبرهة، وكأن الكلمات تحتاج لتستقر في ذهني، ثم أضاف: "لدي حل لكِ. أنتِ ترغبين أن تجعليه يندم، أليس كذلك؟". قلتُ: "نعم، أكثر من أي شيء آخر". ضحك بمرارة وقال: "كيف ستفعلين ذلك وأنتِ حبيسة غرفتكِ؟ كيف تجعليه يصرخ ندماً وألماً بينما أنتِ تنامين وتتألمين؟ انظري حولكِ، الناس تعيش حياتها، لا أحد يراكِ. صحيح في البداية عندما خطب غيرك تحدثوا عنك، لكن هل بقوا يتحدثون؟ بالطبع لا. بالنسبة لهم أنتِ أصبحتِ ماضياً، وهم يبحثون عن مواضيع أخرى ليتحدثوا عنها. إذاً، هم يمضون.. وأنتِ ماذا؟ تنتظرينه أن يعود ليجدكِ كالمسكينة مكسورة الجناحين؟ أهذه هي ريم التي تمنيتِ أن تصلي إليها؟". في تلك الساعات، منحني الطبيب قوة خارقة، قوة شعرت بها تسري في عروقي. أخرجتُ ما في جوفي، كل الدموع التي كانت محصورة في زاوية ما في قلبي انفجرت كالسد المنكسر. شعرت بكلماته كأنها سهام تخترق قلبي، لا لتجرحه، بل لتوقظه من غيبوبته. عرفتُ أنني يجب أن أنهض، عرفت أنني بدون قيمة بالنسبة إليه، لذلك قررت أن أكون نسخة أخرى لم يرها ولم يعرفها من قبل. كنت أتوق للحظة انكساره، كنت أرغب في أن يشرب من نفس كأس المرار الذي سقاني به. لحظة تغيري بدأت من اللحظة التي وضعت فيها قدمي خارج العيادة. تذكرت كلامه؛ نعم، رأيت الناس تمشي، استمعت إلى ضحكات صبايا في الشوارع، وأنا كنت كالشبح يمر بجانبهم في سكون تام، غير ملحوظة لأي أحد، وكأنني في عالم موازي. أيقنتُ في تلك اللحظة: إما النجاح أو النجاح، وإلا سينتهي بي الحال في مستشفى الأمراض العقلية، لأعيش "مجنونة محمد" في عصر الألفية. وصلت إلى منزلي، دخلت إلى غرفتي مباشرة. طرقت أمي الباب ودخلت. نظرت إليّ بحنان وقالت: "هل تحسنت حالتك؟ إلى متى ستدمرين حياتك؟ ليس هو الرجل الوحيد". جرت يدها من وراء ظهرها وأخرجت علبة كبيرة الحجم: "ارمِ أشياءه.. إنها لا تستحق منكِ طاقتك". وقفت أمي معي منذ لحظة خيانته، برغم أنها لم تكن تتقبله يوماً، كانت دائماً تقول لي: "يا ابنتي، هذا الرجل لا يتسم بالوفاء"، لكني كنت أرفض تصديقها. الآن فقط، أدركت أن إحساس الأم حقيقة وليس مجرد أقاويل. خرجت أمي وأغلقت الباب خلفها، وتركتني أنظر في العلبة تارة، وفي هداياه تارة أخرى. نظرتُ إلى ساعة الحائط على شكل الدبدوب، ذلك الذي فزنا به في مدينة الألعاب، كانت الساعة التي تضبط وقتي على توقيته، تكتكتها باتت تشبه دقات قلبٍ مريض. وقفتُ في وسط الغرفة، أستنشق رائحة المكان التي تشبعت بذكرياته؛ رائحة كانت يوماً ما تمثل لي الأمان، لكنها اليوم صارت أشبه برائحة غبار عالق في مخزن مهجور. بدأتُ أتأمل يديّ؛ هاتان اليدان اللتان كانتا تتسابقان لتلمس كل ما يحمل توقيعه، ترفضان اليوم أن تستوعبا حجم الخديعة. لم يكن الأمر مجرد فراق، كان انسلاخاً لروحٍ عن جسدها. تساءلتُ: هل كان هو صادقاً في أي لحظة؟ أم أنني كنتُ فقط 'مشروعاً' مؤقتاً في حياته، يملأ به فراغاً لحين وصوله إلى وجهته الحقيقية؟ بدأتُ أتحسس كل قطعة بعناية كأنني أُجري تشريحاً لجثّة حبٍّ مات. في كل غرضٍ ألمسه، كنتُ أسمع صدى صوته وهو يعدني بالبقاء، وأتذكر كيف كانت أمي تحذرني في صمتها، نظراتها التي كانت تقرأ ما لا أراه أنا. لقد كنتُ عمياء، لا لأنني لا أرى، بل لأنني اخترت أن أغلق عينيّ طواعية. والآن، وبينما تلمس أصابعي خيوط الماضي، شعرتُ أنني لست بصدد التخلص من أغراض، بل بصدد إخراج 'محمد' من كل زاوية في عقلي ومن كل خيط في غرفتي. إنها عملية تطهير.. تنظيفٌ لمحرابٍ دنسه الخذلان." ثم أدرتُ وجهي نحو سلسلة كتب الطبخ، تلك الهدايا التي قدمها لي في المكتبة بوعودٍ واهية عن "مستقبلنا"، والآن أدركتُ أنها كانت مجرد قيود لأكون كما يريد هو، لا كما أريد أنا. كيف ستلتمس يداي هداياه؟ كيف سأرميها وأنا التي لطالما احتضنتها ونيمتها في حضني داخل فراشي؟ كل هدية هي ذكرى، هي "فخ" عاطفي. برغم خيانته، كنت لا أزال أحبه، كان حبي الأول الذي قيلت فيه الأشعار. ترددت للحظة، غيرت رأيي، قلت لنفسي: "لن أرميها". لكن صوتي الداخلي سخر مني: "لمن تنوين الاحتفاظ بها؟ لكي تستقبلي عودته بها؟". ردت ريم العاشقة: "ربما يعود". ردت ريم القوية بصوت يملؤه السخرية: "يا لكِ من ساذجة! تنتظرين عودته لكي تحضنيه بدلاً من أن تذليه؟". أعدت التفكير مراراً، والعلبة أمامي تبدو وكأنها صندوق أسرار يفتح أبواب الجحيم.. وقررت أخيراً.. وضعتُ ساعة الدبدوب فوق كتب الطبخ، ثم طويتُ سجادة الحروف التي حملت ذنوب حكايتنا. لم تكن مجرد أغراض، كانت سنوات عمري التي سرقها. وعندما أردتُ إغلاق العلبة، وقعت عيني على شيء لم ألحظه من قبل في زاوية السجادة، شيء كان مخبأً تحت الخيوط.. لم يكن هدية منه لي، بل كان شيئاً يخص 'فتحية'. في تلك اللحظة، لم تعد الدموع هي سلاحي، بل أصبح 'السر' الذي اكتشفته هو وقودي. أغلقتُ العلبة، وابتسمتُ ابتسامةً خالية من أي حب.. لقد بدأت لعبتي الحقيقية الآن."أعلم أن الكثيرين منكم قد مروا في لحظة ما بذلك الشعور.. لحظة الرغبة في إحراق الماضي والبدء من جديد. في هذا الفصل، لم أكن أكتب عن ريم فحسب، بل كنت أكتب عن كل واحدة فيكم قررت يوماً أن تنهض بعد انكسار. شاركوني في التعليقات: ما هو 'الشيء' الذي لو تخلصتم منه اليوم، ستشعرون أن حياتكم بدأت من جديد؟ أريد أن أسمع قصصكم، فربما تكون إجابتكم هي شرارة الفصل القادم!"
في الأسبوع الثالث من ثلاثين يوماً للتعارف مع خطيبي، بدأ هذا الأخير يكشف أسراره الدفينة. لقد حكى لي قصصه الغريبة مع العديد من النسوة اللواتي قام بخطبتهن ثم تركهن معلّقات، ليذهب إلى أخرى، وهكذا استمرت حياته لمدة ثلاث سنوات... كانت كلماته تتساقط في أذني كحجارة ثقيلة، كل واحدة منها تحدث دوياً داخلياً، وتترك ندبة في قلبي. وليس هذا فقط، فقد سألته: "هل أصابك مسّ أو جن؟ "قال ببرود: "لا، أنا فقط كنت أشعر بالملل منهن." كان صوته بارداً كريح شتوية، يصف كيف كان يغيّرهن كأنه يغيّر قميصه... عندها شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي، وأنني مجرد قطعة قماش في نظره، بلا روح ولا قيمة. فتساءلت مرة أخرى، وأنا أقاوم ارتجاف صوتي: "وماذا عني؟ هل أبدو لك كقميص يمكنك تبديله متى شئت ذلك؟" قال: "لا، أنتِ شيء آخر، لست مثلهن. هنّ أتين مجاناً، لم أفقد معهن الكثير. ولكن أنتِ... خالتك مدينة لي بمبلغ مهرك، لذلك مهرك تم دفعه مسبقاً." يا لها من فرحة( الفرحة تعني انني كنت انتظر باللهفة لكي يقول هذه الكلمات لأجمع دالائل ) أحسست بها تلك اللحظة، فرحة مشوبة بالمرارة، كأنها كأس ماء بارد في صحراء، لكنه ممزوج بملح يلسع الحل
مرت أيام وأيام، والسيد عادل يتصل بي في كل وقت تقريباً. أكثر ما كان يحيرني: ألهذه الدرجة لديه فراغ؟ أليس لديه عمل؟ هاتفي الذي كان لا يسمع رنته إلا مرة في الشهر أصبح وكأنه مكتب استعلامات، كل دقيقة يرنّ، يهتز على الطاولة كطائر محبوس يحاول الإفلات، وصوته يخترق سكون البيت مثل صفارة إنذار مزعجة.كنت أراقب الهاتف وهو يضيء فجأة في منتصف الليل، يقطع الظلام بوميض أحمر كعين متربصة، فأشعر أنني مراقَبة حتى وأنا في غرفتي. كل رنين كان يوقظ في داخلي شعوراً بالاختناق، كأنني أتنفس دخاناً ثقيلاً يملأ صدري.أول اتصال يبدأ يومه قبل أن تشرق الشمس، قبل أن يكتسي الأفق بخيوطها الذهبية. في البداية ظننت أنه يحاول إيقاظي لصلاة الفجر، لكنني تفاجأت أن سبب إيقاظه لي كان من أجل أبناء أخيه...وذلك صباح اتصل بي:– "لماذا أنت كسولة جداً؟!"كان صوته حاداً، كأنه سهم يخترق أذني، نبرته عالية كصفعة باردة.– "ليس الكسل، وإنما إذا نهضتُ في الخامسة صباحاً ماذا سأفعل؟ ليس لدينا أبقار تنتظر أن نحلب حليبها." هكذا أجبته، وأنا أتنفس ببطء لأكبح غضبي، أسمع أنفاسي تختلط بطنين الهاتف.– "في بيتي هذا هو الوقت الذي ستستيقظين فيه."– "عند
غادر عادل وعائلته منزلنا المتواضع، تاركين خلفهم "ريم" التي حسمت أمرها في أعماق نفسها: استحالة أن يكون هذا الرجل شريكاً لحياتها. كانت الفجوة بينهما سحيقة، فبينما أحلم أنا بالاستقرار والروحانية، كان هو يمثل عالماً من الجمود والنرجسية. كنت أدرك بيقينٍ بارد أن الارتباط به لن ينتهي إلا بامرين: إما طلاقٌ مبكر، أو ضياع أبدي في تلك المدينة البعيدة، القابعة وسط الكثبان الرملية الذهبية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت طموحاته.كان أفراد العائلة مشغولين بإعادة ترتيب البيت بعد صخب الضيوف، فغلف الصمتُ الموضوعَ مؤقتاً. لكن في أمسية ذلك اليوم، وبينما كانت القهوة توزع برائحتها المرة، فجرت خالتي الكبرى القنبلة حين قالت بنبرة لا تقبل التردد:– "أمامكم أسبوع واحد فقط لتقرروا؛ قبول أو رفض خطوبة عادل على ريم."وضع والدي فنجانه ببطء على الطاولة، وبدت عليه ملامح التفكير:– "يجب أن أبعث شخصاً لتلك المنطقة، ليسأل عنه وعن أهله."تدخلت خالتي بسرعة وكأنها تدافع عن قضية شخصية:– "أنا هنا! اسألني أنا، أعرفهم جيداً. هم أناس طيبون، لا تقلق من هذه الناحية. بل إني سأكون هناك بجانبها، داعمة لها في كل خطوة."لم أستطع الصمت أكثر
كانت خالتي قد أوصته مسبقاً بأن يتصل بها فور وصوله حتى تنزل لاستقبالهم، لكنهم خالفوا التوقعات وأتوا دون سابق إنذار. استقبلهم عمي في الأسفل ورحب بهم، بينما كانت بنات عمي يتلصصن عليهم من شرفة غرفتي. كنتُ في قمة توتري، شعورٌ غريب ومغصٌ شديد ينهش معدتي وكأنني على وشك مواجهة مصيري لا مجرد رؤية شرعية. ناديت ابنة عمي بحدة: "أنا أكاد أموت من التوتر وأنتن هنا تضيعن الوقت!" ضحكت أسماء وقالت: "ما كل هذا الدلع يا ابنة عمي؟" حسبما فهمت من ريحانة، فقد أتى هو ومعه زوجة أخيه وابنتها فقط. دخل الرجال إلى صالة الجلوس، بينما دلف النساء إلى الغرفة المخصصة لهن، حيث بدأت طقوس الترحيب والأسئلة التي لا تنتهي. في غرفتي، كنتُ أقبض على بطني بقوة بينما تنتظر ابنة عمي "الضوء الأخضر" لتنطلق وتستطلع الأجواء. مرّت الدقائق ثقيلة كأنها دهور، حتى بدأ النعاس يثقل جفوني من شدة الضغط النفسي. فجأة، دخلت خالتي تطلب مني الصعود إليهم. دخلتُ الغرفة، ويا ليتني ما دخلت! قلت بصوت خافت: "السلام عليكم". توجهتُ إلى ابنة أخيه التي تجلس في طرف المقعد، سلمتُ عليها وسألتها عن أحوالها. مررتُ بجانبها لأصل إلى زوجة أخيه، كنتُ أحاول أن
من هو عادل؟ وكيف دخل هذا الأخير إلى حياتي؟ تلك الحياة التي صرعتُ من أجل تحريرها من الماضي المؤلم والخادع، وقد عقدتُ العزم أن لا يميل قلبي ناحية الحب والرومانسية قبل أن أحقق إنجازات تعوض ما فاتني من العمر قبل خمس سنوات. لكن، للأسف، في مجتمعنا العربي لا يُنتظر من المرأة أن تقدم إنجازًا في ميدان، بل إن إنجازها الوحيد هو أن تكون ربة بيت، زوجة صالحة، وأمًّا تربي الأولاد. على هذه الخطى تربيت أنا كذلك. عادل لم يكن قصة حب عشتها في حياتي، ولم يكن أحدًا من معارف أهلي. كان أستاذًا للغة الفرنسية يدرّس ابنة خالتي أحمد في إكمالية بإحدى ولايات الجنوب، حيث كانت خالتي تسكن هناك بسبب عملها. تعرفت عليه وعلى زوجة أخيه، ويبدو أنها كانت تعرفه جيدًا. طلب منها أن تعرّفه بإحدى الفتيات المناسبات للزواج، فرأت في تلك اللحظة أنه فرصة ذهبية بالنسبة لي، وأنه من المستحيل أن أرفض عريسًا يُقدَّم على صحن من ذهب، يمتلك كل شيء، فلماذا يكون هناك شيء اسمه الرفض؟ جاءت خالتي ضيفة إلى بيتنا، وأخبرت أمي بتفاصيل حياته وشخصيته، وقد بدت معجبة به إلى درجة تجعل أي أحد يشك في الأمر. قالت خالتي: "انظري يا ريم، عادل لا ينقصه ش
جاءت أختي توقظني وقالت: "انهضي، لديكِ مفاجأة". لم أعلم حينها إن كانت مفاجأة سارة أم فاجعة. فتحتُ عينيّ بصعوبة، وسألتها بنعاس: "من هذا الضيف الذي يأتي في هذا الصباح الباكر؟". ردت قائلة: "وَمَن غيره؟ إنه محمد". من شدة دهشتي نهضتُ مباشرة، خرجتُ إلى الشرفة فوجدته واقفاً بوقفته المتعالية كعادته، بينما كان أبي يقف قربه واضعاً يديه خلف ظهره. عدتُ إلى غرفتي وسألت أختي: "ماذا يريد؟ ولماذا جاء؟". قاطعتني بحدة: "اخرجي إليه واعرفي السبب بنفسك". غسلتُ وجهي، غيرتُ ثيابي، ثم خرجتُ إليهما. قلتُ: "السلام عليكم يا أبي"، وكأنني قصدتُ إلقاء التحية على والدي فقط. كان محمد ينظر إليّ بطريقة غريبة؛ لا أعرف كيف أصفها، لكنني لمحت في عينيه مزيجاً من الغدر والغموض. قال أبي: "أنا ذاهب إلى المحل لأشتري بعض اللوازم، لا تطِيلي الحديث معه وعودي إلى البيت". أجبته: "حاضر يا أبي". بقيتُ أنتظر أن يتحدث، لكنه لم يفعل، كان يكتفي بالتحديق بي فقط. فجأة شعرتُ أنني تحولتُ إلى تمثالٍ من جليد. قلت له: "هل أنزلتني من بيتي لتبقى محدقاً هكذا؟ قل ما عندك ودعني أعد إلى منزلي، فليس لديك الحق في هذا الغرور". سكتُ قليلاً ث







