Home / الرومانسية / قصتي مع جلادي / الفصل 21 : يوم الاول في قفص النرجسية

Share

الفصل 21 : يوم الاول في قفص النرجسية

last update publish date: 2026-06-27 00:09:57

غادر عادل وعائلته منزلنا المتواضع، تاركين خلفهم "ريم" التي حسمت أمرها في أعماق نفسها: استحالة أن يكون هذا الرجل شريكاً لحياتها. كانت الفجوة بينهما سحيقة، فبينما أحلم أنا بالاستقرار والروحانية، كان هو يمثل عالماً من الجمود والنرجسية. كنت أدرك بيقينٍ بارد أن الارتباط به لن ينتهي إلا بامرين: إما طلاقٌ مبكر، أو ضياع أبدي في تلك المدينة البعيدة، القابعة وسط الكثبان الرملية الذهبية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت طموحاته.

كان أفراد العائلة مشغولين بإعادة ترتيب البيت بعد صخب الضيوف، فغلف الصمتُ الموضوعَ مؤقت
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • قصتي مع جلادي    الفصل الرابع والستون: ارتجاف الظلال

    ساد المكان صمتٌ مأتميٌّ شلّ الألسن وحبس الأنفاس في الصدور.كانت راتبة ممددة على الأرض، تحتضن خدها المحمرّ بذهول وتلعثم، وعيناها تتسعان بغير تصديق مما حدث للتو. لم تكن الصدمة من قوة الصفعة المادية فحسب، بل من انكسار هيبتها المزيفة أمام كبار العائلة وفي بيتها بالذات.لم يتجرأ أحد على الاقتراب منها في اللحظات الأولى.حتى أنا بقيت واقفة في مكاني، أراقب المشهد وقلبـي يخفق بعنف. لم أتوقع أن تصل الأمور إلى هذه النقطة، رغم أنني كنت أعرف أن أمي حين يتعلق الأمر بكرامتي لا تعرف التراجع.كانت يداها ترتجفان، ليس خوفًا، بل من شدة الغضب الذي حاولت كتمانه طوال الجلسة.استجمعت راتبة أنفاسها بصعوبة، ورفعت رأسها وهي تنتفض من القهر، ثم صرخت بصوت مبحوح ينازع البكاء:— أ تضربينني في بيتي يا أم ريم؟ أ تمدين يدكِ عليّ أمام الأعمام؟!لم تتراجع أمي خطوة واحدة، بل ظلت واقفة فوقها كالجبل الأشم، وقالت بنبرة حادة كالشفرة ثقبت الفضاء:— الشرف والكرامة ليس فيهما بيت كبير ولا صغير يا راتبة! من يدوس على عرضي وعرض ابنتي، أطأ على كبريائه بأقدامي دون أن يطرف لي جفن!ساد همس خافت بين الحاضرين.إحدى عماتي وضعت يدها على صدر

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثالث والستون: حد الكرامة

    لم يكن الصمت الثقيل الذي خيم على أرجاء المكان عقب إحضار قارورة العطر صمت إقرار بالحق أو تراجع عن الظلم، بل كان ذلك الهدوء المفخخ والشديد التوتر الذي يسبق اندلاع العاصفة.تنحّت زوجة عمي "راتبة" جانباً بخطوات بطيئة، وتفحّصت العلبة الفاخرة بنظرات تطفح بالحقد والغلّ الدفين، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة ومسمومة كشفت عن نواياها الدفينة، وقالت بصوت متهدج يحمل كل معاني التشفي والافتراء:— عطر فاخر بستمئة ألف سنتيم أو يزيد؟ فتاة أغلقت مشروعها للتو واستسلمت للفشل، من أين لها هذا البذخ والترف؟اتسعت عينا أمي ذهولاً واستنكاراً، وخطت خطوة حازمة نحوها لتقف بصلابة تجابه ذلك الطغيان:— ألم تعودي لوعيكِ وعقلكِ يا راتبة؟ ألم تري الدليل القاطع بآمال عينيكِ والقارورة في يدها؟ عن أي فشل وبذخ تتحدثين وأنتِ تشاهدين حقها بعينيكِ؟التفتت راتبة بنظرها نحو كبار العمات والأعمام المصطفين في مجلس الشك، ورفعت نبرة صوتها لتصل كلماتها إلى مسامع الجميع وتزرع الفتنة في نفوسهم:— لا تتظاهري بالجهل والغفلة يا أم ريم! العطور الفاخرة والماركات العالمية لا تهبط من السماء هكذا على الفتيات دون مقابل! إن لم تخبرينا وتوضحي

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثاني والستون: عطر بخمسمئة دولار

    مثلما يُقال في مأثور القول: لكل بداية نهاية، وكانت تجربة مشروع "الموتشي" محطة ممتعة ومضيئة رغم قصرها، ونهايتها السريعة كانت أمرًا متوقعًا ومقدورًا على كل حال، وإن كان يعصر القلب ألمًا أنها جاءت في أول الطريق وقبل أن تؤتي أكلها كاملاً.هكذا هي عجلة الحياة، لا تنتظر أحدًا كي يستجمع شتات أفكاره أو يركب الموج في توقيته المثالي. وأنا تحديدًا، مع كل مشروع جديد أطلقه وتجربة مغايرة أخوضها، تُضاف صفحة جديدة ممتلئة بالدروس إلى سيرتي الذاتية والمهنية.تعلمت درسي القاسي بوضوح هذه المرة: قبل الإقدام على خطوات أي مشروع أو فكرة جديدة، يجب دراسة سلاسل التوريد والظروف من الألف إلى الياء، وإلا فإن البناء سينهار ويجف ينبوعه قبل أن ينطلق أصلاً.عندما كنت أكثر حداثة وسنًا، كنت صاغرة ومندفعة، صاخبة في مشاعري وأحب اللهو والانطلاق دون قيود. وكنت حين أرى شخصًا يتسم بالهدوء والصمت، أسرع بإخباره أن هدوءه هذا ليس سوى مقبرة للمشاعر يجلب التعاسة والملل. لكنني اليوم، ومع مر الأيام والتجارب، أصبحت نسخة مطابقة لما كنت أنقده في الماضي.قال لي صابر ذات مرة في جلسة عتاب قديمة إنني سأتغيّر حتمًا، وإن حياتي ومبادئي وقواعد

  • قصتي مع جلادي    الفصل الواحد والستون: مذاق النهاية

    كان لدي حسابان متوازيان على مواقع التواصل الاجتماعي. في الحساب الثاني والأقل نشاطًا، كنت صديقة لأخت محمود الصغرى، وكانت صورة البروفايل فيه تعكس مشهدًا غامضًا؛ نُظرة عينيّ فقط في كادر ضيق، دون إظهار ملامح وجهي كاملاً.في تلك الفترة الطويلة من الجفاء والحظر، أصبح محمود هوايتي السرية الجديدة، رغم كل الصفعات والمعاملة الجافة التي يتلقاها كبريائي منه. كنت أفتح حسابه كل يوم تقريبًا، وأجلس أتأمل شاشته الصامتة؛ ورغم أنه لم يكن ينشر شيئًا يُذكر، إلا أنني كنت أقنع نفسي بلعبة طفولية؛ لعبة "التجاذب غير المباشر"، كأنني أحاول استدعاء طيفه وجذبه ونقله نحو طاعتي بصمت ودون أن يدرك.وفعلاً، كما تدربت في خيالي، تواصل معي في أحد الأيام عبر ذلك الحساب البديل.قررت هذه المرة أن أرتدي قناع الثبات وألعب دوري التكتيكي بإتقان؛ فلم أرد على طلب التواصل إلا بعد أربعة أيام كاملة من الانتظار القاتل، لأثبت لنفسي أولاً وله ثانيًا أنني لم أعد تلك الفتاة المتاحة دومًا. أرسلت له رسالة قصيرة ومحايدة:— سلام، من معي؟لم تمضِ ثانية واحدة، حتى وصلني الرد في تسجيل صوتي مفاجئ، لم يحمل دفقًا من الشوق ولا نبرة اعتذار، بل جاء بن

  • قصتي مع جلادي    الفصل الستون: الصمت الذي كلّفني سنتين

    الإنسان يتغيّر وفق ظروفه الصعبة، ومعتقداته تتطوّر وتتنقّح بناءً على ما يراه وما يطّلع عليه من تجارب الحياة. وعلى هذا الأساس، يمكنني القول بثقة إنني أنا أيضًا تغيّرت كثيرًا، بعدما نظرت إلى مسار حياتي وقسّمته على خمس مراحل متتابعة، كل مرحلة منها تمتد لخمس سنوات كاملة من النضج والألم.مررت بتجارب قاسية وخيبات أمل متتالية، تجارب أبكتني شلالات من الدموع الحارقة في ظلمات الليالي، وأخرى كادت تدفعني نحو أفكار سوداوية لا أرغب حتى في مجرد تسميتها أو تذكرها. لكن هل توقف عجلة الزمن حينها لأجلي؟ هل بكى معي أحد أو انتشلني من قاع حزني؟ لا، لم يفعل أحد.لذلك، اتخذت قرارًا مصيريًا بأن أبقي شخصيتي وكرامتي في المرتبة الأولى دائمًا، وأن يكون البقية مجرد ضيوف يعبرون حياتي ويخرجون منها، مهما طال بقاؤهم أو قصر، دون أن يتركوا شرخًا لا يُبرأ.لطالما دعوت على محمد في صلواتي القديمة، بسبب هجره القاسي لي وبسبب وعوده البراقة التي لم يفِ بأي منها. لكن مع مرور الوقت ونضج الفكر، أصبحتُ أحمد الله وأشكره في كل لحظة لأنني لم أكن من نصيبه.أما محمود، فبنرجسيته المتأصلة تلك، كان يتضح لي يومًا بعد يوم أنه رجل لا يتغيّر أب

  • قصتي مع جلادي    الفصل التاسع والخمسون: رماد الماضي وأمل الغربة

    مثل كل أفراد المجتمع حول العالم، كان كوفيد-19 نقطة توقف كاملة ومباغتة في حياتي. عطلة غير مدفوعة الأجر، بل يمكنني تسميتها سجنًا خانقًا لغير المذنبين.أثر ذلك الوباء على حياتي بشكل مزدوج، محملًا بتناقض غريب بين السلب والإيجاب.سلبًا، أن تجد نفسك تنام وتستيقظ وتأكل وتعيش في خوف مستمر، خوف دائم من إصابة خاطفة قد تعني الموت، خاصة إذا كنت تعاني من أمراض ومشاكل صحية معقدة تجعل جسدك أضعف، مثلي أنا تمامًا.وإيجابًا، أن تأخذ زمام الأمور بنفسك وتتحمل المسؤولية. وهذا ما فعلته أنا بالضبط. كان تدفق الإنترنت متوفرًا، فوجدت نفسي أُكوّن نفسي بنفسي، عبر منصات تعليمية مختلفة لم أكن أعرفها من قبل. وبهذا، اكتشفت نفسي من جديد، وطموحًا آخر، وأهدافًا لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي تنتظر من يكتشفها.الإنسان سريع التأقلم مع كل ما يحيط به، حتى وإن كان جحيمًا، سيجد طريقًا أو مكانًا يحميه فيه. غريزة إنسانية موجودة بالفطرة لا يمكن لأحد أن يخلو منها تمامًا.في تلك الأيام الصعبة، كنت على يقين أن تلك العطلة القسرية سيكون لها ثمن باهظ لا محالة. لكنني لم أكن أعلم أن الثمن سيكون عجيبًا إلى هذا الحد.بعد مرور سنة كاملة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status