Startseite / الرومانسية / قصتي مع جلادي / الفصل العاشر: تسلل محمود إلى قلبي المجروح

Teilen

الفصل العاشر: تسلل محمود إلى قلبي المجروح

last update Veröffentlichungsdatum: 18.06.2026 22:58:45

عند رؤيتي لاتصاله بي في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وليست مكالمة صوتية حتى، بل كانت مكالمة فيديو، شعرتُ برعشة سرت في أطرافي وظلام غرفتي الصامتة يتلاشى أمام ضوء الشاشة. حدقتُ في اسمه الذي يلمع، وأكثر ما شعرتُ به في تلك الثواني القاتلة هو الحنين الجارف إلى أيام الماضي؛ الأيام البعيدة والفريدة التي من خلالها تسلل محمود إلى حياتي أول مرة، معلناً بغروره المعهود وثقته المفرطة أنني ملكيته الخاصة، وأن قوانينه هي التي ستسري عليّ.

تركتُ الهاتف يهتز بين يدي، وسافرت برأسي إلى الخلف، متسائلة كيف لركام الحزن الحالي الذي خلّفه رحيل أخي "وليد" أن يتقاطع مجدداً مع هذا الإنسان. لم يكن محمود الرجل الأول الذي يطرق أبواب قلبي المثقل، ولم يكن الثاني، ولا حتى الثالث. لقد جاء في وقتٍ سابق كنتُ قد ملأتُ فيه قلبي بالندوب والخيبات التي تركتها تجارب الماضي خلفها، تاركة وراءها امرأة حذرة لا تثق بالكلمات المعسولة بسهولة. كان الكثير ممن حولي، حين يرون ملامحه أو يستمعون إلى حديثه، يخبرونني بثقة أنه سيكون بمثابة البلسم الذي سيشفي جروحي القديمة، بينما كنتُ أنا في داخلي أضحك بطريقة هيستيرية، لأنني أعلم أن القلوب التي كسرتها الخيبات المتتالية لا تُشفى بكلمات عابرة.

حتى الطريقة التي تعرفتُ بها عليه كانت عجيبة ومباغتة تماماً، لا تخضع لأي منطق. أتذكر تلك الأيام بدقة؛ كانت هناك أجواء زفة وفرح صاخب في بيت عمي الذي يسكن في الطابق السفلي من مبنانا. كانت أياماً فريدة، مليئة بالضحكات، الأغاني، السهر الطويل، والزغاريد التي كانت تملأ الفضاء وتبهج القلب والسرور، كأنها تطرد كل هموم الدنيا. في تلك الليلة تحديداً، من شدة التعب والبهجة، لم أصعد إلى بيتنا في الطابق العلوي، بل فضلتُ البقاء لأنام في شقة ابنة عمي، حيث كنا مجتمعات مع بقية بنات أعمامي الأخريات، نتبادل الأحاديث والضحكات العفوية.

وسط ذلك الصخب الأنثوي الجميل، رن هاتفي فجأة برقم غريب. شعرتُ بفضول عابر، فضغطتُ على زر الرد وقلت بنبرة هادئة:

— "ألو.. نعم؟"

لم يأتِ أي رد من الطرف الآخر. كان هناك سكوت مطبق ومريب، فلم أتردد ثانية واحدة وقمت بإقفال الخط فوراً. لكن الهاتف لم يهدأ؛ عاد ليرن مجدداً ويهتز بين يدي، وهنا بدأ القلق والخوف يسريان في عروقي ببطء. رددتُ هذه المرة بنبرة حادة تخفي توتري ونفاد صبري:

— "ألو.. نعم! مَن معي؟"

أقسمتُ في نفسي لو أنه لم ينطق بكلمة "ألو" هذه المرة، ولم يعلن عن هويته، لكان قد سمع مني كلاماً لا يرضيه حتماً، ولأمطرتُه بوجهي القاسي وكلماتي اللاذعة. لكن صوتاً رجولياً واثقاً قاطع أفكاري قائلاً ببرود استفزني:

— "أنا شخص رأيتكِ في الفرح، فأُعجبتُ بكِ وبحضوركِ."

ارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة، وضحكتُ بخفة تنم عن عدم التصديق قبل أن أرد بجفاء واضح:

— "نعم؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لي؟"

قال بنبرة آمرة غريبة لا تخلو من كبرياء وغرور شديد:

— "يعني أنه يجب عليكِ أن تتحدثي معي."

تضاعف عجبي من جرأته التي تتخطى الحدود، فرددتُ عليه مستنكرة ومتهكمة:

— "ماذا؟! أتمزح معي أم أنك مجنون فاقد لعقلك؟"

رد بسرعة ونبرة جدية صارمة أقسم فيها بيقين:

— "لا والله.. لستُ مجنوناً. منذ الدقيقة الأولى التي رأيتكِ فيها وأنا أفكر فيكِ ولا تغيبين عن بالي."

أطلقتُ ضحكة استخفاف عالية وقلت له محاولة إنهاء هذه المهزلة:

— "والله؟ لقد صدقتك تماماً! تصبح على خير."

وقبل أن أغلق الهاتف، استوقفني صوته المستفز وهو يقول بثقة عجيبة:

— "ليس الأمر مثلما ترغبين أنتِ!"

تنهدتُ بضيق شديد وقلت في نفسي بمرارة: "هذا ما كان ينقصني فعلاً! شخص آخر غريب يحاول التحكم بحياتي وفرض رأيه عليّ منذ الدقيقة الأولى!". ولكني تراجعت وسألته بحدة لأفهم:

— "وكيف تجرأت وأخذت رقمي أصلاً؟"

هنا، أجاب ببرودة أعصاب منقطعة النظير، كشف فيها عن المفاجأة التي لم تخطر لي على بال:

— "لقد اشتريتُ رقمكِ من عند ابن عمكِ بمبلغ رمزي.. وعلى أقل تقدير، يتوجب عليكِ الآن أن تتحدثي معي تقديراً للمجهود والمال الذي دفعته!"

استغرق مني الأمر بعض الوقت وأنا واقفة في مكاني، مذهولة تماماً وعقلي عاجز عن استيعاب هذا الموقف الغريب والجرأة غير المسبوقة التي يتحدث بها. طال صمتي وجدودي في مكاني حتى نادتني ابنة عمي من الغرفة الأخرى مستغربة من غيابي:

— "ريم! مع مَن تتحدثين كل هذا الوقت؟ هيا تعالي إلينا!"

أقفلتُ المكالمة بوجهه فوراً ودون كلمة إضافية واحدة، وعدتُ إلى البنات وجلستُ بينهن، لكن عقلي لم يكن معهن تماماً؛ كان الإندهاش يلف عقلي وتدور في رأسي ألف علامة استفهام حائرة: "من هذا الشخص؟ ومَن مِن أبناء عمي تجرأ وباع له رقمي؟ وكيف حدث هذا في وسط الفرح؟ ومن يكون أصلاً؟". أسئلة كثيرة ومتشابكة كانت تدور في مخيلتي كالإعصار الهائج.

بعد حوالي عشر دقائق فقط، عاد الهاتف ليرن مجدداً حاملاً نفس الرقم. أجبته هذه المرة بنبرة تهكمية وسخرية واضحة:

— "يبدو كأنك لا تملك شيئاً تفعله في حياتك سوى إزعاجي وملاحقتي!"

رد بنبرة واثقة، هادئة، ولها وقع ساحر غريب:

— "أنتِ فقط ما أريد أن أفعله وأنشغل به في هذه الدنيا."

شعرت ابنة عمي التي كانت تجلس بقربي وتراقب ملامح وجهي بفضول كبير، واقتربت مني واقترحت عليّ بخبث ومرح البنات المعتاد في السهرات: "دعنا نتركه يتحدث ونحن نمازحه ونسايره لنرى إلى أين سيصل بجرأته!". وافقتها الرأي للتسلية فقط، وتحولت المكالمة فجأة إلى سهرة كوميدية صاخبة؛ استمرت لأربع ساعات متواصلة من الضحك والقهقهة والمزاح المشترك بيننا وبينه عبر مكبر الصوت. بصراحة، لم أضحك في حياتي كلها من قبل بمثل ما ضحكتُ في تلك الليلة الفريدة التي أنستنا تعب اليوم.

لكني في داخلي لم أكن أنوي أخذ الأمر بجدية أو فتح باب لقصة جديدة؛ منحتُه ثلاث ليالٍ فقط من المحادثات الممازحة العابرة، وفي الليلة الرابعة، وبمجرد أن انتهى الحفل وانتهت السهرات الصاخبة وعاد كل شيء إلى طبيعته وهدوئه، وضعتُ رقمه مباشرة في "قائمة الحظر". بالنسبة لي، كانت حلقته قد انتهت تماماً، وكانت مجرد تسلية عابرة لكسر روتين الفرح، ولم أكن أظن أو أتوقع أنه سيعود مجدداً.

مرّ الأسبوع الأول، ثم الأسبوع الثاني، وفي أحد الأيام رن هاتفي مجدداً لكن من رقم مختلف وجديد. بمجرد أن فتحتُ الخط وقبل أن أنطق بحرف واحد، فاجأني صوته المألوف والعاتب يخترق أذني ويقول بقوة جافة:

— "لماذا وضعتِ رقمي في الحظر؟!"

كان يتحدث بلهجة غريبة ومستفزة، كما لو كنتُ ملكاً خاصاً له منذ زمن، أو كأن له حقاً مكتسباً مسجلاً عليّ؛ يعطي الأوامر وعليّ أنا أن أقبل وأطيع بلا مناقشة أو اعتراض. في تلك اللحظة، راجعتُ نفسي مستغربة ومتسائلة؛ لم تكن هذه شخصيتي أبداً! كل من يعرفني عن قرب يعلم جيداً بأنني صاحبة شخصية قوية، عنيدة، ولا أفعل ما يؤمرني به أحد أو يفرضه عليّ ما لم أكن مقتنعة به اقتناعاً كاملاً من غياهب ذاتي وأعماقها.

لكني، ولا أعلم كيف أو لماذا حدث ذلك التنازل، شعرت بضعف غريب أو ربما بفضول وجاذبية خفية نحو هذه الشخصية المختلفة والجديدة على عالمي. سمحتُ له بالدخول تدريجياً إلى مساحتي الخاصة، وتحدثتُ معه مطولاً تلك الليلة، بل إنني قمت بفك الحظر عن رقمه الأساسي بناءً على طلبه الآمر. ومع مرور الأيام والأسابيع، تحول الأمر بيننا إلى عادة يومية، ثم إلى ما يشبه الإدمان الحقيقي؛ أصبحتُ مدمنة على اتصالاته الليلية، وأنتظر رنين هاتفه بشغف غريب لا أفهمه ولا أجد له تبريراً منطقياً.

اكتشفتُ مع الوقت أن شخصيته نرجسية قليلاً، يملك غروراً كبيراً وثقة مفرطة وفوق العادة بنفسه؛ يرى أن الكل لا شيء، وهو وحده كل شيء في هذا الكون الفسيح. ولكن، خلف هذا القناع المغرور والبارد الذي يواجه به العالم، كان يملك جانباً آخر هدم كل حصوني الدفاعية وجعلني أستسلم: كان طيب القلب وحنوناً جداً عندما ينفرد بي في الكلام ويترك كبرياءه جانباً.

مرت أيام وأسابيع طويلة، وهو يعرف كل تفصيلة صغيرة وكبيرة عني وعن حياتي وطبعي، في حين أنني لم تره عيناي قط في الواقع، ولم أكن أعرف ملامح وجهه أو تفاصيله. حتى جاء ذلك اليوم الحاسم والمنعطف الصادم؛ خرجتُ رفقة ابنة عمي "ليلى" للتجول في أزقة المدينة، وفجأة صدمتني وقطعت أنفاسي حين أشارت بيدها نحو مكان قريب وقالت بهمس مرتبك:

— "ريم.. انظري هناك، ذلك الشاب الذي يرتدي طقم الجينز ويقف هناك.. هو محمود!"

أصابتني في تلك الثواني دهشة أخرى كانت أكبر بكثير وبمراحل من كل سابقاتها. نظرتُ إليه، وفي تلك اللحظة تضاربت مشاعري بشكل غريب ومربك؛ شعرتُ برغبة مفاجئة وعارمة في البكاء والهرب، وكأن ملامحه الواقعية عندما تجسدت أمامي قد هزت شيئاً عميقاً ودفيناً في داخلي لم أكن مستعدة لمواجهته أو تقبله.

كأن ابنة عمي فهمت ما كنتُ أقصده بنظرتي الصامتة، المصدومة، والخائفة، فالتفتت إليّ تحاول تهدئتي بكل الطرق وإقناعي بجدوى الأمر، وقالت ببراغماتية وواقعية شديدة:

— "المهم يا ريم هو أنه شاب محترم، ويرغب بكِ في الحلال ويدق الباب من البداية، ليس مثلما فعل محمد معكِ من قبل! وهل نفعكِ طول وعضلات محمد في أي شيء سوى الخذلان وكسر الخاطر؟"

ساد الصمت لثوانٍ بيننا وأنا أتأمله بقلب يرتجف، وتابعت هي محاولة معالجة مخاوفي ومقاومتي الداخلية:

— "ريم، لا تفكري في الطول والجمال الخارجي أبداً، فالجمال شكل خارجي لا يدوم قط، والجوهر هو الأهم."

قاطعتها بسرعة ونبرة متوترة، وأنا أحاول التشبث بأي قشة وأي حجة واهية للهرب وإغلاق الموضوع:

— "ولكني بالفعل طويلة يا ليلى! هل سأحتاج من الآن فصاعداً أن ألبس حذاءً رياضياً مسطحاً دائماً وبدون أي كعب عندما أمشي بجانبه لتفادي الفارق؟!"

كانت هي تحاول بكل الطرق والوسائل إقناعي بفرصته وميزاته وأخلاقه، بينما كنتُ أنا أختلق الحجج تلو الحجج لأحمي قلبي من خيبة سادسة تجتاح ما تبقى من مشاعري. وفي الأخير، وتحت ضغط كلماتها الصادقة ومنطقها القوي الذي لامس عقلي، وافقتُ على خوض التجربة؛ واتفقنا أنا وهو أن نكون أحباء لفترة معينة، نتعرف فيها على بعضنا البعض أكثر وبشكل أعمق قبل أن يخطو الخطوة الرسمية ويتقدم بشكل علني إلى أهلي.

المثير جداً في الأمر، والذي اكتشفته لاحقاً وعقد لساني، هو أن الدوائر العائلية بيننا كانت متشابكة جداً ومتجذرة؛ فوالده كان الصديق الحميم والقديم لأبي منذ أيام الشباب، وليس هذا فحسب، بل إن جدته تكون ابنة خالة جدتي رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته. هذه الروابط والصدف العجيبة جعلت الأمر يبدو في نظري ونظر الجميع وكأنه قدر محتوم مكتوب ومسطر لا مفر منه.

مضت الستة أشهر الأولى من علاقتنا بحلوها ومرها، بتفاصيلها اليومية وشجاراتنا الصغيرة، وكنا قد تحدثنا سابقاً ومراراً عن ضرورة جعل الأمر رسمياً والانتقال للخطوة التالية. وقبل أن أفتح أنا الموضوع مجدداً وأسأله بوضوح عن موعد قدومه، بادر هو واقترح فكرة قائلاً بثقته المعتادة وبروده الدبلوماسي:

— "أرغب في أن تتعرف عليكِ أمي أولاً في البيت وتجلس معكم، وإن وافقتْ وأعجبتِها، سأتقدم لخطبتكِ من والدكِ فوراً."

وافقتُ على مضض، وتعرفتُ على أمه بالفعل في زيارة خاصة، وسبحان الله، نشأت بيننا كيمياء جميلة وتوافق غير متوقع، وأصبحنا مقربتين كثيراً وتتصل بي وتتحدث معي باستمرار كابنة لها. ولكن، رغم هذا التقارب الكبير ورغم موافقة الأهل المبدئية والترحيب، مرت الأسابيع تلو الأسابيع ودخلنا فجأة في نفق برود غريب ومبهم؛ متى يتقدم رسمياً ويدخل البيوت من أبوابها؟ لم يكن يحدد موعداً قاطعاً أبداً، وكان يتهرب بدبلوماسية وذكاء كلما فتحتُ معه الموضوع أو حاولتُ الضغط عليه.

بدأ يتسلل إلى قلبي شعور خانق بالملل، الركود، والضيق من هذه العلاقة المعلقة في الهواء بلا سقف وبلا نهاية واضحة، وشعرتُ أنني أدور في حلقة مفرغة لا بداية لها ولا نهاية.. حتى جاء ذلك اليوم الذي غير كل الحسابات.

و فجأة عدت إلى واقع و مازال هاتفي يرن محمود لم يتغير مازال كعادته لذلك قررت استقبال مكالمته .

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • قصتي مع جلادي    الفصل الرابع والسبعون: سند البيت

    بعد شهرين كاملين من وفاة أخي، لم يعد البيت كما كان في السابق قط. لم يتغير أثاث الغرف المعتمة، ولا ألوان الجدران العتيقة، ولا حتى ترتيب الأواني النحاسية على رفوف المطبخ... لكن شيئاً جوهرياً وعميقاً قد تحول في روح هذا المكان إلى الأبد: لقد تغيرت الأدوار تماماً، وتبدلت ملامح السكينة لتفسح المجال لمسؤوليات لم تكن في الحسبان.تلك المهام الكثيرة والأشياء الدقيقة التي كان أخي يتولاها بمرونة وخفة، أصبحت فجأة معلقة في الهواء، تنتظر يدين تلتقطانها قبل أن تسقط وتتحطم. في البداية، لم أنتبه إلى أنني بدأتُ أملأ مكانه بالتدريج؛ كنتُ أفعل الأشياء لمجرد أن لا أحد غيري موجود ليفعلها، ولأن رؤية أمي حائرة أو أبي عاجزاً كانت تمزق قلبي. صرتُ أخرج مبكرة لقضاء حاجات البيت المتراكمة، أتابع فواتير الكهرباء والماء، أراعي أمي وألبي متطلباتها الصغيرة قبل أن تنطق بها، وأحل المشاكل اليومية الطارئة التي تظهر بلا استئذان عند كل باب. ومع مرور الأيام والأسابيع، أصبح اسمي هو الأول والوحيد الذي يُنادى في كل صغيرة وكبيرة داخل هذا السكون:"ريم!""نعم يا أمي؟""هل يمكنكِ أن تذهبي إلى المصلحة الحكومية لتسوية الورق؟""ريم...

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثالث والسبعون: رسالة وصلت متأخرة

    مرّ شهران كاملان...شهران فقط، لكنني كنتُ أشعر وكأن سنوات طويلة وثقيلة قد مرت فوق رأسي. منذ رحيل أخي والسند الحقيقي في حياتنا، لم يعد للبيت ذلك الصوت الدافئ الذي اعتدتُ عليه طوال عمري؛ لم يعد هناك من يطرق باب غرفتي بهدوء ليسألني بابتسامة عما أفعل، ولا من يمازحني بحرارة حين أستغرق في العمل أمام الحاسوب لساعات طويلة، ولا ذلك النبر الخافق باليقين وهو يكرر على مسامعي: "ستنهضين وتعودين أقوى قبل رمضان... أنا متأكد."كنتُ قد نهضتُ بالفعل وقفتُ على قدمي مجدداً، لكنني في كل لحظة كنتُ أتمنى من أعمق نقطة في قلبي لو أنه كان هنا ليراني ويشاركني الفرحة. كنتُ أجد نفسي أحياناً أمد يدي بعفوية نحو هاتفي لأرسل له صورة أو شيئاً طريفاً حدث معي، ثم أتذكر الفراق المفاجئ، فتتوقف يدي في منتصف الهواء، وأضع الهاتف جانباً وأنا أبتلع غصتي.في تلك الفترة، تغيرت أشياء كثيرة ودقيقة في تفاصيل حياتنا؛ أصبحت مسؤولياتي أكبر وأثقل، وصرتُ أفكر في أمي قبل كل شيء... أفكر في حالتها النفسية، في سكون البيت، في المصاريف اليومية، وفي كل الفراغ الكبير الذي تركه رحيل أخي خلفه. لم يعد السفر والترحال في مقدمة قائمة أحلامي كما كان في

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثاني والسبعون: عام الأحلام

    مرّت الأيام التالية على روتين حياتي الجديد بسرعة لم أعتدها من قبل. لم أعد تلك الفتاة التي تجلس حائرة أمام مكتبها الخشبي، تسأل نفسها بعجز من أين تبدأ وكيف تخطو أول الطريق؛ بل بدأتُ بالفعل أتعلم، وأجرب، وأخطئ، ثم أعيد المحاولة بصرامة أشد. ومع كل مشروع صغير أنجزه وأسلمه لصاحبه، كنتُ أشعر بشيء داكن في داخلي ينجلي ليحل محله نور دافئ وثقة راسخة. لم يكن الأمر يتعلق بالمال وحده، رغم قيمته، بل بذلك الشعور البديع الذي يمنحه المرء حين يعتمد على نفسه ويبني كيانه بجهده الخاص. كنتُ أردد في سري دائمًا كلما واجهتني عقبة تقنية أو إرهاق: "أنا أستطيع... وسأصل." ورابما كانت تلك الجملة البسيطة هي أعظم درساً خرجتُ به من كل عثراتي السابقة. ثم أطلّ عام 2023 بكل ما يحمله من غمود وأمل. لم أكن أعرف حينها أنه سيكون أجمل عام أعيشه في حياتي، وأنه في الوقت نفسه سيترك في أعماق قلبي ندبة غائرة لن تزول بأمر الزمان. في بدايات ذلك العام، فتحت أمامي أبواب كثيرة لم أكن أتوقعها؛ عملتُ في مجالات متعددة عبر الإنترنت، وبدأتُ أكتشف بشغف أن مهاراتي البسيطة التي كنت أظنها عادية ولا قيمة لها، يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل حقيقي يضم

  • قصتي مع جلادي    الفصل الحادي والسبعون: اختبار جديد

    لم أستطع التوقف عن النظر إلى المبلغ البسيط الذي وصل إلى حسابي في ذلك الصباح. ربما لو رآه شخص آخر لابتسم بسخرية، فهو لم يكن ثروة هائلة، ولم يكن كافياً لتغيير مجرى حياتي بالكامل، لكنه بالنسبة إليّ كان يحمل معنى أكبر بكثير من قيمته المادية. كان أول مال أحصل عليه لأن شخصاً ما في هذا العالم رأى شيئاً صنعته بيدي وقال بيقين: "هذا يستحق أن أدفع مقابله." أغلقت شاشة الهاتف، ثم فتحتها من جديد لأتأكد من الرقم للمرة الثالثة، فانسابت ضحكة خفيفة من شفتي وأنا أقف وحدي في الغرفة، همستُ لنفسي بذهول فخور: "وصل فعلًا."سمعتُ صوت أمي القادم من خلف الباب المتكئ: "مع من تتكلمين؟". التفتُّ إليها بسرعة وأنا أحاول جمع شتات نفسي وقيلت: "مع نفسي." رفعت أمي حاجبها باستغراب ناعم وتساءلت: "منذ متى وأنتِ سعيدة بالحديث معها؟". ضحكتُ بحرارة ورفعتُ الهاتف أمام عينيها وقلت: "انظري هنا." اقتربت أمي بخطوات هادئة، وأخذت الهاتف من يدي لتتأمل الشاشة. لم تكن تفهم تماماً كيف تعمل هذه التطبيقات الرقمية، ولا معنى المشاريع التي كنت أبحث عنها أو الأعمال التي أنفذها على الحاسوب، لكنها كانت تفهم شيئاً واحداً واضحاً: أن ابنتها كانت س

  • قصتي مع جلادي    الفصل السبعون: ثمن المحاولة

    لم أنم تلك الليلة بسهولة.بقيت الرسالة مفتوحة أمامي على شاشة الحاسوب، أقرأها للمرة العاشرة وكأنني أخشى أن تختفي إذا أغمضت عيني.**«أعجبني عملك. هل يمكنكِ تنفيذ مشروع كامل لي؟»**كان مجرد سؤال، لكنه بالنسبة إليّ كان أكثر من ذلك بكثير.كان أول باب يُفتح أمامي بعد أن طرقت أبوابًا كثيرة ولم يجبني أحد.كتبت الرد بسرعة، ثم حذفته.كتبت ردًا آخر، ثم حذفته أيضًا.— «اهدئي... لا تظهري له أنكِ خائفة.»أخذت نفسًا عميقًا، وكتبت أخيرًا:— «نعم، يمكنني تنفيذ المشروع. أرسل لي التفاصيل وسأخبرك بالمدة والتكلفة.»ضغطت على إرسال.وضعت الهاتف جانبًا، ثم حدقت في السقف.— «ماذا فعلتِ بنفسك؟»في الصباح، جاء الرد.فتحت الرسالة، فوجدت تفاصيل المشروع أمامي.كان أكبر بكثير من النموذج الذي صممته.احتجت إلى تعديل عدة صفحات، اختيار الخطوط المناسبة، ترتيب العناصر، وإجراء تغييرات دقيقة لم أكن معتادة عليها.شعرت بقلبي يهبط.— «يا إلهي...»جلست أمام الحاسوب وبدأت العمل.مرت ساعة.ثم ساعتان.في البداية كنت متحمسة، لكن مع مرور الوقت بدأ القلق يتسلل إليّ.كلما أنهيت جزءًا، اكتشفت أن هناك شيئًا آخر يحتاج إلى تعديل.حذفت.أ

  • قصتي مع جلادي    الفصل التاسع والستون: أول خطوة

    استيقظتُ قبل أن يرن المنبه. فتحتُ عينيّ على ضوء الفجر الخافت المتسلل من بين ستائر نافذتي، وبقيت للحظات أحدق في السقف. كان البيت غارقًا في السكون، ولم أسمع سوى صوت تنفس أفراد عائلتي من الغرف المجاورة. في السابق، كنت أستغل مثل هذه الساعات لأعود إلى النوم. أما اليوم، فقد نهضت. غسلت وجهي، ارتديت ملابسي، ثم جلست أمام مكتبي الخشبي الصغير. فتحت دفتري. كانت الكلمات التي كتبتها بالأمس لا تزال أمامي: **تطوير مهاراتي. توسيع مشروعي. الاستقلال المالي.** مررت إصبعي فوق السطر الأخير. ثم تمتمت: — «الكلام عن الاستقلال سهل... لكن من أين سأبدأ؟» فتحت الحاسوب، وبدأت أبحث عن الدورات المتاحة في التصميم والعمل الرقمي. تنقلت بين الصفحات، أقرأ الأسعار والشروط، وأسجل الملاحظات في دفتري. بعض الدورات كانت أغلى مما أستطيع دفعه. تنهدت. — «طبعًا... لم يكن الأمر بهذه السهولة.» أغلقت الصفحة، ثم فتحت أخرى. لم أكن أبحث هذه المرة عن الطريق الأسهل. كنت أبحث عن الطريق الذي يمكنني أن أبدأ فيه بما أملك. مهاراتي. وقتي. وقلمي. بعد ساعات من البحث، بدأت أجرب بعض الأفكار بنفسي. صممت نموذجًا بسيطًا، عدلت ع

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status