เข้าสู่ระบบعند رؤيتي لاتصاله بي في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وليست مكالمة صوتية حتى، بل كانت مكالمة فيديو، شعرتُ برعشة سرت في أطرافي وظلام غرفتي الصامتة يتلاشى أمام ضوء الشاشة. حدقتُ في اسمه الذي يلمع، وأكثر ما شعرتُ به في تلك الثواني القاتلة هو الحنين الجارف إلى أيام الماضي؛ الأيام البعيدة والفريدة التي من خلالها تسلل محمود إلى حياتي أول مرة، معلناً بغروره المعهود وثقته المفرطة أنني ملكيته الخاصة، وأن قوانينه هي التي ستسري عليّ.
تركتُ الهاتف يهتز بين يدي، وسافرت برأسي إلى الخلف، متسائلة كيف لركام الحزن الحالي الذي خلّفه رحيل أخي "وليد" أن يتقاطع مجدداً مع هذا الإنسان. لم يكن محمود الرجل الأول الذي يطرق أبواب قلبي المثقل، ولم يكن الثاني، ولا حتى الثالث. لقد جاء في وقتٍ سابق كنتُ قد ملأتُ فيه قلبي بالندوب والخيبات التي تركتها تجارب الماضي خلفها، تاركة وراءها امرأة حذرة لا تثق بالكلمات المعسولة بسهولة. كان الكثير ممن حولي، حين يرون ملامحه أو يستمعون إلى حديثه، يخبرونني بثقة أنه سيكون بمثابة البلسم الذي سيشفي جروحي القديمة، بينما كنتُ أنا في داخلي أضحك بطريقة هيستيرية، لأنني أعلم أن القلوب التي كسرتها الخيبات المتتالية لا تُشفى بكلمات عابرة. حتى الطريقة التي تعرفتُ بها عليه كانت عجيبة ومباغتة تماماً، لا تخضع لأي منطق. أتذكر تلك الأيام بدقة؛ كانت هناك أجواء زفة وفرح صاخب في بيت عمي الذي يسكن في الطابق السفلي من مبنانا. كانت أياماً فريدة، مليئة بالضحكات، الأغاني، السهر الطويل، والزغاريد التي كانت تملأ الفضاء وتبهج القلب والسرور، كأنها تطرد كل هموم الدنيا. في تلك الليلة تحديداً، من شدة التعب والبهجة، لم أصعد إلى بيتنا في الطابق العلوي، بل فضلتُ البقاء لأنام في شقة ابنة عمي، حيث كنا مجتمعات مع بقية بنات أعمامي الأخريات، نتبادل الأحاديث والضحكات العفوية. وسط ذلك الصخب الأنثوي الجميل، رن هاتفي فجأة برقم غريب. شعرتُ بفضول عابر، فضغطتُ على زر الرد وقلت بنبرة هادئة: — "ألو.. نعم؟" لم يأتِ أي رد من الطرف الآخر. كان هناك سكوت مطبق ومريب، فلم أتردد ثانية واحدة وقمت بإقفال الخط فوراً. لكن الهاتف لم يهدأ؛ عاد ليرن مجدداً ويهتز بين يدي، وهنا بدأ القلق والخوف يسريان في عروقي ببطء. رددتُ هذه المرة بنبرة حادة تخفي توتري ونفاد صبري: — "ألو.. نعم! مَن معي؟" أقسمتُ في نفسي لو أنه لم ينطق بكلمة "ألو" هذه المرة، ولم يعلن عن هويته، لكان قد سمع مني كلاماً لا يرضيه حتماً، ولأمطرتُه بوجهي القاسي وكلماتي اللاذعة. لكن صوتاً رجولياً واثقاً قاطع أفكاري قائلاً ببرود استفزني: — "أنا شخص رأيتكِ في الفرح، فأُعجبتُ بكِ وبحضوركِ." ارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة، وضحكتُ بخفة تنم عن عدم التصديق قبل أن أرد بجفاء واضح: — "نعم؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لي؟" قال بنبرة آمرة غريبة لا تخلو من كبرياء وغرور شديد: — "يعني أنه يجب عليكِ أن تتحدثي معي." تضاعف عجبي من جرأته التي تتخطى الحدود، فرددتُ عليه مستنكرة ومتهكمة: — "ماذا؟! أتمزح معي أم أنك مجنون فاقد لعقلك؟" رد بسرعة ونبرة جدية صارمة أقسم فيها بيقين: — "لا والله.. لستُ مجنوناً. منذ الدقيقة الأولى التي رأيتكِ فيها وأنا أفكر فيكِ ولا تغيبين عن بالي." أطلقتُ ضحكة استخفاف عالية وقلت له محاولة إنهاء هذه المهزلة: — "والله؟ لقد صدقتك تماماً! تصبح على خير." وقبل أن أغلق الهاتف، استوقفني صوته المستفز وهو يقول بثقة عجيبة: — "ليس الأمر مثلما ترغبين أنتِ!" تنهدتُ بضيق شديد وقلت في نفسي بمرارة: "هذا ما كان ينقصني فعلاً! شخص آخر غريب يحاول التحكم بحياتي وفرض رأيه عليّ منذ الدقيقة الأولى!". ولكني تراجعت وسألته بحدة لأفهم: — "وكيف تجرأت وأخذت رقمي أصلاً؟" هنا، أجاب ببرودة أعصاب منقطعة النظير، كشف فيها عن المفاجأة التي لم تخطر لي على بال: — "لقد اشتريتُ رقمكِ من عند ابن عمكِ بمبلغ رمزي.. وعلى أقل تقدير، يتوجب عليكِ الآن أن تتحدثي معي تقديراً للمجهود والمال الذي دفعته!" استغرق مني الأمر بعض الوقت وأنا واقفة في مكاني، مذهولة تماماً وعقلي عاجز عن استيعاب هذا الموقف الغريب والجرأة غير المسبوقة التي يتحدث بها. طال صمتي وجدودي في مكاني حتى نادتني ابنة عمي من الغرفة الأخرى مستغربة من غيابي: — "ريم! مع مَن تتحدثين كل هذا الوقت؟ هيا تعالي إلينا!" أقفلتُ المكالمة بوجهه فوراً ودون كلمة إضافية واحدة، وعدتُ إلى البنات وجلستُ بينهن، لكن عقلي لم يكن معهن تماماً؛ كان الإندهاش يلف عقلي وتدور في رأسي ألف علامة استفهام حائرة: "من هذا الشخص؟ ومَن مِن أبناء عمي تجرأ وباع له رقمي؟ وكيف حدث هذا في وسط الفرح؟ ومن يكون أصلاً؟". أسئلة كثيرة ومتشابكة كانت تدور في مخيلتي كالإعصار الهائج. بعد حوالي عشر دقائق فقط، عاد الهاتف ليرن مجدداً حاملاً نفس الرقم. أجبته هذه المرة بنبرة تهكمية وسخرية واضحة: — "يبدو كأنك لا تملك شيئاً تفعله في حياتك سوى إزعاجي وملاحقتي!" رد بنبرة واثقة، هادئة، ولها وقع ساحر غريب: — "أنتِ فقط ما أريد أن أفعله وأنشغل به في هذه الدنيا." شعرت ابنة عمي التي كانت تجلس بقربي وتراقب ملامح وجهي بفضول كبير، واقتربت مني واقترحت عليّ بخبث ومرح البنات المعتاد في السهرات: "دعنا نتركه يتحدث ونحن نمازحه ونسايره لنرى إلى أين سيصل بجرأته!". وافقتها الرأي للتسلية فقط، وتحولت المكالمة فجأة إلى سهرة كوميدية صاخبة؛ استمرت لأربع ساعات متواصلة من الضحك والقهقهة والمزاح المشترك بيننا وبينه عبر مكبر الصوت. بصراحة، لم أضحك في حياتي كلها من قبل بمثل ما ضحكتُ في تلك الليلة الفريدة التي أنستنا تعب اليوم. لكني في داخلي لم أكن أنوي أخذ الأمر بجدية أو فتح باب لقصة جديدة؛ منحتُه ثلاث ليالٍ فقط من المحادثات الممازحة العابرة، وفي الليلة الرابعة، وبمجرد أن انتهى الحفل وانتهت السهرات الصاخبة وعاد كل شيء إلى طبيعته وهدوئه، وضعتُ رقمه مباشرة في "قائمة الحظر". بالنسبة لي، كانت حلقته قد انتهت تماماً، وكانت مجرد تسلية عابرة لكسر روتين الفرح، ولم أكن أظن أو أتوقع أنه سيعود مجدداً. مرّ الأسبوع الأول، ثم الأسبوع الثاني، وفي أحد الأيام رن هاتفي مجدداً لكن من رقم مختلف وجديد. بمجرد أن فتحتُ الخط وقبل أن أنطق بحرف واحد، فاجأني صوته المألوف والعاتب يخترق أذني ويقول بقوة جافة: — "لماذا وضعتِ رقمي في الحظر؟!" كان يتحدث بلهجة غريبة ومستفزة، كما لو كنتُ ملكاً خاصاً له منذ زمن، أو كأن له حقاً مكتسباً مسجلاً عليّ؛ يعطي الأوامر وعليّ أنا أن أقبل وأطيع بلا مناقشة أو اعتراض. في تلك اللحظة، راجعتُ نفسي مستغربة ومتسائلة؛ لم تكن هذه شخصيتي أبداً! كل من يعرفني عن قرب يعلم جيداً بأنني صاحبة شخصية قوية، عنيدة، ولا أفعل ما يؤمرني به أحد أو يفرضه عليّ ما لم أكن مقتنعة به اقتناعاً كاملاً من غياهب ذاتي وأعماقها. لكني، ولا أعلم كيف أو لماذا حدث ذلك التنازل، شعرت بضعف غريب أو ربما بفضول وجاذبية خفية نحو هذه الشخصية المختلفة والجديدة على عالمي. سمحتُ له بالدخول تدريجياً إلى مساحتي الخاصة، وتحدثتُ معه مطولاً تلك الليلة، بل إنني قمت بفك الحظر عن رقمه الأساسي بناءً على طلبه الآمر. ومع مرور الأيام والأسابيع، تحول الأمر بيننا إلى عادة يومية، ثم إلى ما يشبه الإدمان الحقيقي؛ أصبحتُ مدمنة على اتصالاته الليلية، وأنتظر رنين هاتفه بشغف غريب لا أفهمه ولا أجد له تبريراً منطقياً. اكتشفتُ مع الوقت أن شخصيته نرجسية قليلاً، يملك غروراً كبيراً وثقة مفرطة وفوق العادة بنفسه؛ يرى أن الكل لا شيء، وهو وحده كل شيء في هذا الكون الفسيح. ولكن، خلف هذا القناع المغرور والبارد الذي يواجه به العالم، كان يملك جانباً آخر هدم كل حصوني الدفاعية وجعلني أستسلم: كان طيب القلب وحنوناً جداً عندما ينفرد بي في الكلام ويترك كبرياءه جانباً. مرت أيام وأسابيع طويلة، وهو يعرف كل تفصيلة صغيرة وكبيرة عني وعن حياتي وطبعي، في حين أنني لم تره عيناي قط في الواقع، ولم أكن أعرف ملامح وجهه أو تفاصيله. حتى جاء ذلك اليوم الحاسم والمنعطف الصادم؛ خرجتُ رفقة ابنة عمي "ليلى" للتجول في أزقة المدينة، وفجأة صدمتني وقطعت أنفاسي حين أشارت بيدها نحو مكان قريب وقالت بهمس مرتبك: — "ريم.. انظري هناك، ذلك الشاب الذي يرتدي طقم الجينز ويقف هناك.. هو محمود!" أصابتني في تلك الثواني دهشة أخرى كانت أكبر بكثير وبمراحل من كل سابقاتها. نظرتُ إليه، وفي تلك اللحظة تضاربت مشاعري بشكل غريب ومربك؛ شعرتُ برغبة مفاجئة وعارمة في البكاء والهرب، وكأن ملامحه الواقعية عندما تجسدت أمامي قد هزت شيئاً عميقاً ودفيناً في داخلي لم أكن مستعدة لمواجهته أو تقبله. كأن ابنة عمي فهمت ما كنتُ أقصده بنظرتي الصامتة، المصدومة، والخائفة، فالتفتت إليّ تحاول تهدئتي بكل الطرق وإقناعي بجدوى الأمر، وقالت ببراغماتية وواقعية شديدة: — "المهم يا ريم هو أنه شاب محترم، ويرغب بكِ في الحلال ويدق الباب من البداية، ليس مثلما فعل محمد معكِ من قبل! وهل نفعكِ طول وعضلات محمد في أي شيء سوى الخذلان وكسر الخاطر؟" ساد الصمت لثوانٍ بيننا وأنا أتأمله بقلب يرتجف، وتابعت هي محاولة معالجة مخاوفي ومقاومتي الداخلية: — "ريم، لا تفكري في الطول والجمال الخارجي أبداً، فالجمال شكل خارجي لا يدوم قط، والجوهر هو الأهم." قاطعتها بسرعة ونبرة متوترة، وأنا أحاول التشبث بأي قشة وأي حجة واهية للهرب وإغلاق الموضوع: — "ولكني بالفعل طويلة يا ليلى! هل سأحتاج من الآن فصاعداً أن ألبس حذاءً رياضياً مسطحاً دائماً وبدون أي كعب عندما أمشي بجانبه لتفادي الفارق؟!" كانت هي تحاول بكل الطرق والوسائل إقناعي بفرصته وميزاته وأخلاقه، بينما كنتُ أنا أختلق الحجج تلو الحجج لأحمي قلبي من خيبة سادسة تجتاح ما تبقى من مشاعري. وفي الأخير، وتحت ضغط كلماتها الصادقة ومنطقها القوي الذي لامس عقلي، وافقتُ على خوض التجربة؛ واتفقنا أنا وهو أن نكون أحباء لفترة معينة، نتعرف فيها على بعضنا البعض أكثر وبشكل أعمق قبل أن يخطو الخطوة الرسمية ويتقدم بشكل علني إلى أهلي. المثير جداً في الأمر، والذي اكتشفته لاحقاً وعقد لساني، هو أن الدوائر العائلية بيننا كانت متشابكة جداً ومتجذرة؛ فوالده كان الصديق الحميم والقديم لأبي منذ أيام الشباب، وليس هذا فحسب، بل إن جدته تكون ابنة خالة جدتي رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته. هذه الروابط والصدف العجيبة جعلت الأمر يبدو في نظري ونظر الجميع وكأنه قدر محتوم مكتوب ومسطر لا مفر منه. مضت الستة أشهر الأولى من علاقتنا بحلوها ومرها، بتفاصيلها اليومية وشجاراتنا الصغيرة، وكنا قد تحدثنا سابقاً ومراراً عن ضرورة جعل الأمر رسمياً والانتقال للخطوة التالية. وقبل أن أفتح أنا الموضوع مجدداً وأسأله بوضوح عن موعد قدومه، بادر هو واقترح فكرة قائلاً بثقته المعتادة وبروده الدبلوماسي: — "أرغب في أن تتعرف عليكِ أمي أولاً في البيت وتجلس معكم، وإن وافقتْ وأعجبتِها، سأتقدم لخطبتكِ من والدكِ فوراً." وافقتُ على مضض، وتعرفتُ على أمه بالفعل في زيارة خاصة، وسبحان الله، نشأت بيننا كيمياء جميلة وتوافق غير متوقع، وأصبحنا مقربتين كثيراً وتتصل بي وتتحدث معي باستمرار كابنة لها. ولكن، رغم هذا التقارب الكبير ورغم موافقة الأهل المبدئية والترحيب، مرت الأسابيع تلو الأسابيع ودخلنا فجأة في نفق برود غريب ومبهم؛ متى يتقدم رسمياً ويدخل البيوت من أبوابها؟ لم يكن يحدد موعداً قاطعاً أبداً، وكان يتهرب بدبلوماسية وذكاء كلما فتحتُ معه الموضوع أو حاولتُ الضغط عليه. بدأ يتسلل إلى قلبي شعور خانق بالملل، الركود، والضيق من هذه العلاقة المعلقة في الهواء بلا سقف وبلا نهاية واضحة، وشعرتُ أنني أدور في حلقة مفرغة لا بداية لها ولا نهاية.. حتى جاء ذلك اليوم الذي غير كل الحسابات.و فجأة عدت إلى واقع و مازال هاتفي يرن محمود لم يتغير مازال كعادته لذلك قررت استقبال مكالمته .
لم يكن الصمت الثقيل الذي خيم على أرجاء المكان عقب إحضار قارورة العطر صمت إقرار بالحق أو تراجع عن الظلم، بل كان ذلك الهدوء المفخخ والشديد التوتر الذي يسبق اندلاع العاصفة.تنحّت زوجة عمي "راتبة" جانباً بخطوات بطيئة، وتفحّصت العلبة الفاخرة بنظرات تطفح بالحقد والغلّ الدفين، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة ومسمومة كشفت عن نواياها الدفينة، وقالت بصوت متهدج يحمل كل معاني التشفي والافتراء:— عطر فاخر بستمئة ألف سنتيم أو يزيد؟ فتاة أغلقت مشروعها للتو واستسلمت للفشل، من أين لها هذا البذخ والترف؟اتسعت عينا أمي ذهولاً واستنكاراً، وخطت خطوة حازمة نحوها لتقف بصلابة تجابه ذلك الطغيان:— ألم تعودي لوعيكِ وعقلكِ يا راتبة؟ ألم تري الدليل القاطع بآمال عينيكِ والقارورة في يدها؟ عن أي فشل وبذخ تتحدثين وأنتِ تشاهدين حقها بعينيكِ؟التفتت راتبة بنظرها نحو كبار العمات والأعمام المصطفين في مجلس الشك، ورفعت نبرة صوتها لتصل كلماتها إلى مسامع الجميع وتزرع الفتنة في نفوسهم:— لا تتظاهري بالجهل والغفلة يا أم ريم! العطور الفاخرة والماركات العالمية لا تهبط من السماء هكذا على الفتيات دون مقابل! إن لم تخبرينا وتوضحي
مثلما يُقال في مأثور القول: لكل بداية نهاية، وكانت تجربة مشروع "الموتشي" محطة ممتعة ومضيئة رغم قصرها، ونهايتها السريعة كانت أمرًا متوقعًا ومقدورًا على كل حال، وإن كان يعصر القلب ألمًا أنها جاءت في أول الطريق وقبل أن تؤتي أكلها كاملاً.هكذا هي عجلة الحياة، لا تنتظر أحدًا كي يستجمع شتات أفكاره أو يركب الموج في توقيته المثالي. وأنا تحديدًا، مع كل مشروع جديد أطلقه وتجربة مغايرة أخوضها، تُضاف صفحة جديدة ممتلئة بالدروس إلى سيرتي الذاتية والمهنية.تعلمت درسي القاسي بوضوح هذه المرة: قبل الإقدام على خطوات أي مشروع أو فكرة جديدة، يجب دراسة سلاسل التوريد والظروف من الألف إلى الياء، وإلا فإن البناء سينهار ويجف ينبوعه قبل أن ينطلق أصلاً.عندما كنت أكثر حداثة وسنًا، كنت صاغرة ومندفعة، صاخبة في مشاعري وأحب اللهو والانطلاق دون قيود. وكنت حين أرى شخصًا يتسم بالهدوء والصمت، أسرع بإخباره أن هدوءه هذا ليس سوى مقبرة للمشاعر يجلب التعاسة والملل. لكنني اليوم، ومع مر الأيام والتجارب، أصبحت نسخة مطابقة لما كنت أنقده في الماضي.قال لي صابر ذات مرة في جلسة عتاب قديمة إنني سأتغيّر حتمًا، وإن حياتي ومبادئي وقواعد
كان لدي حسابان متوازيان على مواقع التواصل الاجتماعي. في الحساب الثاني والأقل نشاطًا، كنت صديقة لأخت محمود الصغرى، وكانت صورة البروفايل فيه تعكس مشهدًا غامضًا؛ نُظرة عينيّ فقط في كادر ضيق، دون إظهار ملامح وجهي كاملاً.في تلك الفترة الطويلة من الجفاء والحظر، أصبح محمود هوايتي السرية الجديدة، رغم كل الصفعات والمعاملة الجافة التي يتلقاها كبريائي منه. كنت أفتح حسابه كل يوم تقريبًا، وأجلس أتأمل شاشته الصامتة؛ ورغم أنه لم يكن ينشر شيئًا يُذكر، إلا أنني كنت أقنع نفسي بلعبة طفولية؛ لعبة "التجاذب غير المباشر"، كأنني أحاول استدعاء طيفه وجذبه ونقله نحو طاعتي بصمت ودون أن يدرك.وفعلاً، كما تدربت في خيالي، تواصل معي في أحد الأيام عبر ذلك الحساب البديل.قررت هذه المرة أن أرتدي قناع الثبات وألعب دوري التكتيكي بإتقان؛ فلم أرد على طلب التواصل إلا بعد أربعة أيام كاملة من الانتظار القاتل، لأثبت لنفسي أولاً وله ثانيًا أنني لم أعد تلك الفتاة المتاحة دومًا. أرسلت له رسالة قصيرة ومحايدة:— سلام، من معي؟لم تمضِ ثانية واحدة، حتى وصلني الرد في تسجيل صوتي مفاجئ، لم يحمل دفقًا من الشوق ولا نبرة اعتذار، بل جاء بن
الإنسان يتغيّر وفق ظروفه الصعبة، ومعتقداته تتطوّر وتتنقّح بناءً على ما يراه وما يطّلع عليه من تجارب الحياة. وعلى هذا الأساس، يمكنني القول بثقة إنني أنا أيضًا تغيّرت كثيرًا، بعدما نظرت إلى مسار حياتي وقسّمته على خمس مراحل متتابعة، كل مرحلة منها تمتد لخمس سنوات كاملة من النضج والألم.مررت بتجارب قاسية وخيبات أمل متتالية، تجارب أبكتني شلالات من الدموع الحارقة في ظلمات الليالي، وأخرى كادت تدفعني نحو أفكار سوداوية لا أرغب حتى في مجرد تسميتها أو تذكرها. لكن هل توقف عجلة الزمن حينها لأجلي؟ هل بكى معي أحد أو انتشلني من قاع حزني؟ لا، لم يفعل أحد.لذلك، اتخذت قرارًا مصيريًا بأن أبقي شخصيتي وكرامتي في المرتبة الأولى دائمًا، وأن يكون البقية مجرد ضيوف يعبرون حياتي ويخرجون منها، مهما طال بقاؤهم أو قصر، دون أن يتركوا شرخًا لا يُبرأ.لطالما دعوت على محمد في صلواتي القديمة، بسبب هجره القاسي لي وبسبب وعوده البراقة التي لم يفِ بأي منها. لكن مع مرور الوقت ونضج الفكر، أصبحتُ أحمد الله وأشكره في كل لحظة لأنني لم أكن من نصيبه.أما محمود، فبنرجسيته المتأصلة تلك، كان يتضح لي يومًا بعد يوم أنه رجل لا يتغيّر أب
مثل كل أفراد المجتمع حول العالم، كان كوفيد-19 نقطة توقف كاملة ومباغتة في حياتي. عطلة غير مدفوعة الأجر، بل يمكنني تسميتها سجنًا خانقًا لغير المذنبين.أثر ذلك الوباء على حياتي بشكل مزدوج، محملًا بتناقض غريب بين السلب والإيجاب.سلبًا، أن تجد نفسك تنام وتستيقظ وتأكل وتعيش في خوف مستمر، خوف دائم من إصابة خاطفة قد تعني الموت، خاصة إذا كنت تعاني من أمراض ومشاكل صحية معقدة تجعل جسدك أضعف، مثلي أنا تمامًا.وإيجابًا، أن تأخذ زمام الأمور بنفسك وتتحمل المسؤولية. وهذا ما فعلته أنا بالضبط. كان تدفق الإنترنت متوفرًا، فوجدت نفسي أُكوّن نفسي بنفسي، عبر منصات تعليمية مختلفة لم أكن أعرفها من قبل. وبهذا، اكتشفت نفسي من جديد، وطموحًا آخر، وأهدافًا لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي تنتظر من يكتشفها.الإنسان سريع التأقلم مع كل ما يحيط به، حتى وإن كان جحيمًا، سيجد طريقًا أو مكانًا يحميه فيه. غريزة إنسانية موجودة بالفطرة لا يمكن لأحد أن يخلو منها تمامًا.في تلك الأيام الصعبة، كنت على يقين أن تلك العطلة القسرية سيكون لها ثمن باهظ لا محالة. لكنني لم أكن أعلم أن الثمن سيكون عجيبًا إلى هذا الحد.بعد مرور سنة كاملة،
تحوّلت حكاية الميراث إلى سلسلة تُروى كل يوم في منزلنا. كل مرة يصل اتصال، تهرع أمي مسرعة، وتعود فارغة اليدين. ومع مرور الوقت، أصبح الأمر شبه روتيني، حتى فقد الجميع شغفهم في متابعة تلك القضية، وكأنهم أخيرًا رضخوا لأمر الواقع الأليم. حياتي أنا الخاصة دخلت هي الأخرى في روتين مشابه. لا عمل ثابت، وأصبحت فريسة سهلة لرؤوس أموال التسويق الشبكي، كل واحد منهم يعرض عليّ فرصة تدخل شهريًا مبالغ خيالية، وآخر يعرض شركة أجنبية واعدة. هاتفي لا يتوقف عن الرنين، وحسابي على مواقع التواصل امتلأ بإعلانات ورسائل لا تنتهي. حتى جاء يوم، وتواصل معي شخص يُدعى محمد، اقترح عليّ مؤسسة تعمل في نفس المجال، لكنها شركة تونسية جزائرية، في بداياتها. حضرت بعض ملتقياتها، ووجدت أسعارها معقولة، لا تعِد بأحلام وهمية كالسابقة، لكنها كانت جيدة من عدة نواحٍ. وبما أن مبلغ الدخول كان زهيدًا جدًا، قلت لنفسي: — هيا يا ريم، لننطلق. ربما تكون هذه فرصتنا الحقيقية. دخلت الشركة، وبدأت أبيع منتجاتها، أصمم صورًا وفيديوهات، وأشارك في فعالياتها في كل الولايات. وهذا بالضبط ما كنت أحبه في التسويق الشبكي: مكان تجني منه المال، وتتعرف فيه عل







