LOGINأجابته بنبرة خافتة خرجت هكذا رُغمًا عنها:
_"صباح النور يا.... ". وهُنا بلعت غُصة مريرة تشكلت في حلقها عقب تذكرها لتلك الكلمة التي تمقتها أكثر من أي شئ، حتى أكثر، من" نادر "نفسه، وتود لو تشطبها من أبجدية الكلمات نهائيًا، لكن بالنهاية قالتها مغصوبة، وكأنها تخرج علقم من حلقها وليس مجرد كلمة: _" صباح النور يا عمو مُراد..... أبدًا كنت بعمل حاجه ومخدتش بالي؟ ". نظر إلي ساعة هاتفهُ، من ثم خطي درجة إلي الأسفل، يقرصها من وجنتها بشقاوة وكأنها أحدي الأطفال فالمنزل وليست شابة بالتاسعة عشر من عمرها، قائلاً بمشاكسة: _" طيب يلا يا بيضة عديني الخُطبة قربت تخلص، ومتنسيش تصلي أنتِ كمان". غادر سريعًا يخطو المُتبقي من الدرج بخطواتهِ السريعة، حتى قبل أن يستمع إلي أجابتها، بينما هي تمتمت بالإجابة بين نفسها: _"حاضر يا حبيبي ". ظلّت خطواتها تتباطأ خلفه وكأنها تخشى أن تعبر حاجز المسافة بينهما، كأن الاقتراب أكثر قد يفضح عينَيها التي لا تعرف سوى أن تسرق النظر إليه في صمت. كانت تتأمله بشغف يفيض عن احتماله. ظهره العريض، ذلك الكتف الممشوق الذي يعلن عن قوة رجل يحمل على عاتقه ثقل الأيام، بدا أكثر وضوحًا في الجلباب الأبيض الفضفاض الذي صُمم لصلاة الجمعة كان انعكاسًا لصورة أكثر بساطة وعفوية منه، تعزز جاذبيته القاسية التي تفطر قلبها كلما رمقته. كان الأبيض على جسده أكثر من مجرد لون؛ كان هالة تحيط به، تضفي عليه مهابة تنتمي لعالم آخر. خطوط الجلباب التي تسقط بنعومة فوق كتفيه تُبرز ملامح جسده الرجولي، وكأنها تتحد مع هيئته لتعلن عن رجل ينتمي إلى الرجولة بمعناها الأصلي، غير المصطنع. خطواته الواثقة كانت لها إيقاع خاص، تُحدث صوتًا خافتًا فوق الأرض وكأن كل خطوة تحفر أثرًا في الأرض، وأثرًا أقوى في قلبها الذي لم يعد يعرف الاستقرار منذ عرفته. كان من العجيب كيف يجمع بين عالمين متناقضين. حينما يكون رجل أعمال، ذلك الرجل الذي يرتدي بذلته الرسمية بكل تفاصيلها الدقيقة، بدت عليه الهيبة وكأنها جزء أصيل من تكوينه. بذلته الأنيقة التي تُزيد من جاذبيته بأزرارها الفضية وربطة عنقه المنسجمة مع ألوان ملابسه، تعكس رجلاً يفرض نفسه في أي مكان يدخله، يتحدث لغة الأرقام والخطط، رجل له مكانة تُشعر الجميع أنهم أمام قائد لا يُستهان به. تلك الأوقات كانت تخطف قلبها في كل مرة، لكنها لم تكن تعلم أن قلبها سيزداد ضعفًا عندما تراه كما هو الآن، في تلك البساطة التي تنتمي إلى عالم الحارة الشعبية. في ذلك الجلباب الأبيض ، بدا وسيمًا لدرجة تُخيفها على قلبها الصغير، وكأن بساطته تضيف بريقًا لا يستطيع أي ملابس فاخرة تحقيقه. عادت إلى ذهنها كل المرات التي رأته فيها في أزياء مختلفة، لكنها أدركت الآن أن هذه البساطة هي الأكثر تأثيرًا على ضعفها. كانت تُتابع انسيابية القماش على جسده وكأنه لوحة مرسومة بدقة، وكيف أن حركة جسده تحت الجلباب تُظهر قوة رجولية لا تحتاج إلى إثبات. تفاصيل كتفيه، انحناءة ظهره الطفيفة حينما يتحدث مع أحد أو يميل لإصلاح شيءٍ ما، وحتى الطريقة التي يقف بها، كأن الأرض تحت قدميه ملك له وحده. كيف لتفاصيل صغيرة مثل تلك أن تصبح مدمرة؟ أدركت فجأة أنها واقفة، متسمرة في مكانها، بينما هو يتحرك للأمام دون أن يشعر بشيء مما يدور في داخلها. شعرت بالدفء يتسرب إلى وجهها، ليس بسبب الشمس التي تسلل ضوؤها إلى الحارة، بل بسبب أفكارها. كيف يمكن لظهر رجل في جلباب بسيط أن يثير هذا الكم من الحنين والشغف؟ حاولت أن تستجمع شتات نفسها، لكن تلك التفاصيل لم تكن ترحمها.... شعرت بأنها غارقة في بحر من المشاعر، بحر لا يُنقذها منه سوى تلك الخطوات التي تبقيها على مسافة آمنة منه. لكنها، في قرارة نفسها، عرفت أنه مهما حاولت، فإن تلك المسافة لن تحميها من تأثيره الذي يمتد عبر الزمان والمكان، ليُبقي قلبها رهينًا له، دائمًا وأبدًا. ❈-❈-❈ عقب الانتهاء من صلاة الجمعة، وحينما أسدل الهدوء ثوبه على المكان، تدفق الجميع إلى المائدة الطويلة التي تزينت بنقوش قديمه، فكانت المفروشات العتيقة تتناثر فوقها كما لو كانت آثارًا من الزمن الجميل، كانت الصالة الكبيرة تكتظ بالضجيج الذي يعقب الصلاة، ومع ذلك كان الجو مفعمًا بالتوتر الذي يكاد ينكشف عن أنفاسه بين كل حركه..... جلست" رضوى" بجانب والدتها، وتراصت شقيقتاها الصغيرتان حولها، وكأنما كان هذا ترتيبًا طبيعيًا بالنسبة لها، مكانها في العائلة وسط ذلك الحشد. وفي الجهة الأخرى، كانت "ليلي" قد جلست على المقعد المواجه لها، يرافقها "طارق" الذي جلس بجانبها، وفي النهاية والدة "ليلي" التي كانت تراقب كل شيء في هدوء، رافضةً أن تترك المكان إلا بعد أن تفرغ من مراقبة كل التفاصيل، وأن الجميع أمامهم طعامهم كاملاً بينما على الجانب الآخر، جلس السيد "حاتم"، زوج والدتها، يحيط به شقيقه "عمران" الذي كان يبدو شاردًا في مكانه، نادرًا ما يلتفت للحديث إلا إذا كان في سبيل رفع موقفه أو توجيه كلمة مثيرة للجدل... إلى جانبه كان يجلس "نادر"، الذي كان يتعمد بشكلٍ مكشوف أن يكون مقابلًا لها، وكان كل فعلٍ من أفعاله هدفه الوحيد، أن يسبب لها اضطرابًا داخليًا يشعره بمتعة سرية. كان يضايقها بأبسط الحركات، بنظرةٍ خاطفة، أو بحركة من يديه كما لو كان يعزف على أوتار حساسيتها المتناثرة. أما "مراد"، فقد اختار الجلوس علي رأس الطاولة، كأنه قائد يجلس في المكان الذي يليق به. على يمينه جلست والدته، كأنها حارس شخصي لكل حركة له. انطلقت حركة الطعام بهدوء، الجميع منهمك في أطباقهم، وأصوات الشوك والملاعق تتناغم برقة، إلا أن "رضوى" كانت في عالمٍ آخر. لم تكن مشغولة بما يجري حولها من أحاديث بسيطة، أو حتى نكات مرحة ترددت على أطراف الألسن. كانت عيونها لا تبارح "مُراد" كانت تراقب كل حركة تصدر عنه، كل حركة من يديه الطويلتين، كل حركة لشفتيه وهو يمضغ الطعام، وكأن هذه اللحظات الصغيرة تحمل في طياتها أسرارًا لا يمكن أن تدركها عيون غيرها... أشياء بسيطة تافهة لكن بالنسبة لها متعة، كمتعة أحصاء النجوم في ليلة صحراوية مثلاً، يقولون عند رؤية من تحب فإن بؤبؤ العين يتسع فرحًا، أما هي تكاد تشهق أكسجين الأرض كُله حينما تقع عينيها عليهِ فقط..... كانت تراقب ابتسامته الرجولية،تلك الابتسامة التي تمتلك سرًا في عينيه، وعندما كان يضحك، مع تحريك تُفاخة آدم في منتصف عنقه الطويل، كانت تنهض في قلبها رغبة متمردة تدفعها للاقتراب منه، لتقبيله، لتُريك له ولعها دون كلمات. كانت تطيل النظر إليه كما لو كانت تدخر وقتًا لهذا، وكلما سرحت في تفاصيله، يزداد قلبها خفقانًا، وكأن دقات قلبها قد تسارعت لتواكب حركة أصابعه على الطعام. كانت ترى بؤبؤ عينيه يتمدد حينما يضحك، وكأن هذا يكشف عن جزء من روحه هو لا يعلمه. لكن في تلك اللحظة، وجدت نفسها تسرق النظر إليه أكثر من المعتاد، كأنها تتحدى الوقت، أو تتحدى نفسها أن تظل خفية في هذا الشعور الذي يشتعل فيها. لكن فاجأتها عيون "نادر"، عينيه كانت تتسلل نحوها كخناجر حادة، مباشرة إلى قلبها، كما لو كانت تملك قدرة على اكتشاف ما تخفيه عن الجميع. تلبدت الأجواء من حولها، وتوترت أعصابها، فبينما كانت تُحاول التظاهر بأنها لا تشعر بشيء، كانت تدرك أن نظرات "نادر" لم تكن عابرة. سرعان ما رجعت لتركز في طعامها، لكن اللقمة التي وضعتها في فمها لم تكن كما يجب... وفي تلك اللحظة، ارتفع رنين جرس الباب، وكأن العالم بأسره توقّف عن الدوران. خادمة المنزل تقدمت سريعًا لفتح الباب، وفي ثوانٍ، ظهر أكثر وجه لا ترغب في رؤيته في هذا التوقيت. كان الظرف الذي يحمل هذا الوجه هو أكبر كارثة يمكن أن تواجهها في تلك اللحظة. تنبهت بشكل غريزي أن هذا الظهور لا يحمل إلا الكوارث، ،قائمتها المُخصصة لكتابة ضحياها تلوح أمام عينيها الآن،لقد جائت بأقدامها للهلاك....... ❈-❈-❈ ." يُتبع".الخاتمةوها نحن نقف على عتبة النهاية، نطوي صفحات حكاية جمعتنا بشخصيات لم تكن مجرد أسماء على الورق، بل أرواحًا نابضة بالحياة، عاشت بين السطور حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا. رضوى ومراد، بأوجاعهما وانتصاراتهما، بخيباتهما وأحلامهما، كانا انعكاسًا لكل ما نحمله نحن من تناقضات البشر؛ من خوفٍ ورجاء، من حبٍ ورغبةٍ في التمسك رغم الانكسار، ومن إيمانٍ بأن النهايات القاسية قد تقودنا إلى بداياتٍ أكثر رحمة.هذه الرحلة لم تكن فقط قصتهم، بل كانت قصتنا جميعًا. كل سطر فيها لامس قلبًا، وكل كلمة أعادت فتح جراحٍ قديمة، وربما منحت بلسماً جديدًا لروحٍ كانت تبحث عن بعض السكينة. كنتم شركاء حقيقيين في هذا العالم، شهودًا على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، وأصدقاء للشخصيات التي ربما وجدتم في عذاباتها وابتساماتها، وفي أخطائها وانتصاراتها، شيئًا يشبهكم. وربما بكيتم معهم في لحظة، وابتسمتم لهم في أخرى، وانتظرتم النهاية كما لو أنها تخصكم أنتم أيضًا.لقد كانت الكتابة رحلة طويلة، امتلأت بالمشاعر قبل الكلمات. كانت هناك ليالٍ سهرنا فيها معًا، وصفحات كُتبت بقلوبٍ مثقلة، وأخرى وُلدت من لحظات أملٍ وإيمان. وكلما خطوت خطوةً في هذه
"إيه ده؟ حفلة أكل من ورايا ولا إيه؟". قالها طارق بصوت نصف ساخر، نصف مصدوم.رفعت رانيا رأسها ببطء، وشفتاها ملطختان ببقايا الشوكولاتة. حدقت فيه للحظة، ثم ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت وهي تمد يدها بكيس رقائق البطاطس نحوه:_ "تعالي شاركني ."رفع حاجبيه باندهاش، ثم وضع يده على رأسه، وهو يقول بنبرة لا تخلو من المرح:_"أي ده؟ أي ده؟ بسم الله ما شاء الله... وأنا أقول مُرتبي بيخلص قبل نص الشهر ليه!"رفعت" رانيا "رأسها منغمسًة في لقمة من بسكويت مغطى بالشوكولاتة، ثم ردت بلهجة دفاعية مزاحًا:_"أي يا توتي يا حبيبي! أنت هتبصلي فالأكل؟"وقف متكئًا على إطار الباب، يضع يديه على خاصرته قائلاً بنبرة تمزج بين الاستغراب والضحك:_"توتي!... لا يا ستي، بالهنا والشفا. بس مش كده، أنت داخلة على علبة الشوكولاتة العشرين من إمبارح."ابتسمت رانيا، تمد يدها له بكيس رقائق البطاطس وهي تقول بدلال:_"تعالى، تعالى، كُل معايا."نظر إلى الطاولة، ثم إليها، وأخذ خطوة للوراء قائلاً:_"أكل إيه بقى! هو أنت سايبة حاجة! ده أنت منتقمة من الأكل... عليه العوض ومنه العوض."ضحكت ضحكة خفيفة، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بنبرة مرحة، وكأنها
أخيرًا، الست رضوى قررت تنضم إلينا!"_"طبعًا، لازم يكون عندكم صبر على الطباخ الرئيسي."وضعت "رضوى" الأطباق أمامهما بعناية، ثم استرخت بجواره على الأريكة، تسحب نفسًا عميقًا وكأنها تتنفس كل السكينة التي يغمرها بها وجوده. طرف عينيها لاحقه وهو يمد يده ليأخذ حفنة من الفشار، يراقب الشاشة أمامه بنظرة تحمل ألف ذكرى للفيلم الذي حفظاه معًا عن ظهر قلب._"روبنزل للمرة المئة، أنا مش فاهم إحنا ليه عمرنا ما بنزهق!"قالها "مراد" بنبرة ساخرة، يتظاهر بالملل بينما عينيه تلمعان بمرح. ضحكت "رضوى"، وفي لحظة عفوية، أسندت رأسها على كتفه، مستسلمة لذلك الدفء الذي يرافقه دائمًا، ثم همست، وكأنها تبوح بسر يخصها وحدها:_"لو عرفت تزهق مني، هتزهق من الفيلم ده."التفت إليها "مراد"، عيناه تتمعنان في تفاصيل وجهها، في تلك اللمعة الخفيفة التي تزين نظرتها، في صوتها الذي يحمل في طياته شيئًا من الحنين واليقين. مد يده يلامس وجنتها برقة، وكأنه يختبر نعومتها تحت أطراف أصابعه، ثم قال بخفوت عميق:_"مقدرش أزهق منك، حقيقي أنا بحمد ربنا على وجودك يا رضوى، غيرتِ حاجات كتيرة أوي."ابتسمت، نظرة ممتنة تملأ عينيها، ثم رفعت يدها لتداعب خده
أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها على ألا يُخطئ ثانية، وقال بصوت مفعم باليقين:_"وعد يا رضوى... وعد قدامك وقدام نفسي."رفع رأسه إليها، نظرة رجاء صادقة ترتسم في عينيه، نظرت إليه بعمق، وكأنها تبحث عن بقايا الأمان الذي كانت تعرفه فيه. ثم قالت بصوت خافت:"الفرصة دي مش عشانك بس يا مراد... عشاننا إحنا الاتنين. لو حسيت إنك مش قادر تكمل، أو مش قد الوعد ده، أنا اللي هقفل الباب المرة دي... للأبد."أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها من جديد، ثم قال بصوت مفعم باليقين:_"مش هخذلك، وعد يا رضوى. وعد بصدق قلبي، مش بكلامي."وبين كلماتهم المتشابكة، كانت المسافة بينهما تضيق رويدًا،هزت رأسها بخفة، ثم أشارت إلى الباب بحركة خفيفة، وقالت بابتسامة لم تخف مزيج المشاعر بداخلها:_"يلا، عشان بابا هيبدأ يسألنا أسئلة إحنا مش جاهزين نرد عليها."ضحك بخفة، ضحكة بدت كأنها أول نسمة أمل بعد عاصفة طويلة. وتقدمت هي أمامه بخطوات ثابتة، بينما لحق بها ببطء، يحمل في قلبه وعدًا جديدًا، وإصرارًا على أن يجعل تلك الفرصة بدايةً جديدة، وليست نهايةً أخرى... مراد سار خلفها، عينيه معلقتان على تفاصيل خطواتها، كأنها البوصلة التي أعادته إلى المسا
اومأت برأسها مُوافقة علي حديث والداها، وبداخلها تعلم أنها توافق علي حديث قلبها اولاً..... تركها والداها ونهضَ يخرج من الحديقة، دقيقتين ووجدت"مُراد"يحتل المكان وقد سبقهُ عطره وقفت ، يدها تتشبث بطرف الطاولة كأنها تحاول الإمساك بتوازنها بينما عينها تراقبه يخطو نحوها ببطء. لم تكن تتوقع حضوره، لكن مجرد رؤيته كان كفيلاً بأن يُشعل اضطرابًا عميقًا في صدرها. شعرت بضربة قلبها تتسارع، ثم ترتبك، وكأن نبضها يعلن عصيانًا ضد تلك الجدية التي طالما حاولت أن تتمسك بها.وقف" مراد" على بعد خطوات، يحمل بين يديه تلك النظرة التي عرفتها جيدًا، نظرة ملأتها مزيج من الاعتذار والرجاء. خفق قلبها للحظة، تكاد قدماها تهويان بها. لوهلة، خيل إليها أنها ستنهار، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها. ابتلعت غصة تشبه البكاء وأجبرت جسدها على الاستقامة.نظرت إليه بجدية مصطنعة، رفعت ذقنها قليلًا، وكسرت حاجز الضعف الذي شعرت به منذ الوهلة الأولى. جمدت ملامحها كأنها نحتت صخرة باردة مكان وجهها، زمت شفتيها قليلاً، وأسقطت يدها عن الطاولة ببطء لتضعها على جانبها، كأنما تعلن لجسدها أن يتوقف عن ارتعاشه. ثم ببرود متكلف، لكنها تعلم أنه هش
❈-❈." بعد مرور يومين، بـ دولة المغرب ". كانت الحديقة الخلفية لمنزل والديها في" المغرب" أشبه بلوحة فنية تتنفس الحياة. الأشجار العتيقة بظلالها الممتدة، والأزهار المتناثرة بعشوائية متقنة، تشكلت بألوان حادة: أرجواني الجهنمية، أصفر زهر الخزامى، والأبيض الناصع للياسمين الذي كانت رائحته تطفو مع نسمات المساء. كانت الشمس في آخر مراحل غروبها، تلون السماء بأطياف ذهبية وبرتقالية، وكأنها تحاكي قلب رضوى الذي غمره الحزن بتدرجاته.جلست على مقعد خشبي في زاوية بعيدة عن الأعين، حيث كانت تتقاطع أغصان شجرة زيتون معمرة فوق رأسها، جلستها المُفضلة مُنذ أن جاءت الي هنا قبل يومين.... ارتدت فستانًا بسيطًا من الكتان بلون أزرق باهت، أطرافه مزينة بتطريز مغربي دقيق بألوان خضراء وبيضاء. كان الفستان يصل إلى آخر ساقيها، أعطتهُ لها زوجة والدها "نرجس"، وضعت حول كتفيها شال ناعم بلون رمادي، بدا وكأنه يحمل دفء حزنها معها..... شعرها الطويل كان مرفوعًا بتلقائية، وترك بعض الخصل تتناثر على وجهها كأنها ستائر تخفي عن العالم دموعًا حاولت ألا تنساب. قدماها الحافيتان كانتا تغوصان برفق في العشب الرطب، وكأنها تبحث عن ملاذ ما في ب
غرفة واسعة يغلبُ عليها الطابع الانثوى الرقيق، بألوانها المُختلطة بين الابيض والوردي، تعكسُ رقة صاحبتها، بأثاثها الرقيق باللون الابيض، تَسللت اشاعة الشمس الذهبية تُداعب عيون تلك النائمة بأرياحية علي فراشها الوثير، أغمضت عينيها بتذمرٍ وضيق ترفع كفها تضعه سريعًا علي عينيها تحميها من اشعة الشمس التي تز
_"هو أنا مش بصعب عليكم بجد والله، مش بصعب عليكم خالص، لي كده، أنتِ ناوية تموتني صح، لا وجاية في اليوم اللي أتولدت فيه علشان أبقي مميزة مُت فاليوم اللي أتولدت فيه، لا كتر خيرك والله." كانت كلماتها تحمل مرارة خفيفة مغلفة بسخرية لاذعة، نبرتها تعكس استسلامًا فكاهيًا للعبث الذي لا ينتهي من "ليلي". الأخ
عاملة أي دلوقتي مش أحسن." قالها "مراد" وهو يلتفت برأسه إليها، نظرة عينيه حانية ومليئة بالقلق. كان يجلس على مقعد السائق، لكن انتباهه كان موزعًا ما بين الطريق و"نانسي" التي بدت شاحبة الجسد وضعيفة الملامح. يده امتدت برفق نحو يديها الباردتين كأنما يحاول بث الطمأنينة فيها من خلال لمسة واحدة. كانت "نان
. "بعد نصفِ ساعة". ❈-❈-❈هبطت هي علي درجات السُلم الخشبي العتيق، مُرتدية بنطال من اللون الأبيض، تعتليهِ سُترة رمادية اللون بأكمام قصيرة، لكنها واسعة قليلاً تصل إلي مُنتصف بطنها، وعكصت شعرها الذهبي بتسريحة هادئة تُخفي طوله كي لا يُزعجها، وصلت إلي مُنتصف الصالة الكبيرة بالدور الأرضي حيث تمكث السيدة"







