Masuk_"هو أنا مش بصعب عليكم بجد والله، مش بصعب عليكم خالص، لي كده، أنتِ ناوية تموتني صح، لا وجاية في اليوم اللي أتولدت فيه علشان أبقي مميزة مُت فاليوم اللي أتولدت فيه، لا كتر خيرك والله."
كانت كلماتها تحمل مرارة خفيفة مغلفة بسخرية لاذعة، نبرتها تعكس استسلامًا فكاهيًا للعبث الذي لا ينتهي من "ليلي". الأخيرة لم تأبه كثيرًا، بل زادت الأمر سوءًا بضحكاتها المرحة التي ملأت الغرفة كصوت فيضان عارم، تنظر إليها بنظرة بريئة كأنها لم تفعل شيئًا يُذكر. _"أي يا ريري، يوم مميز بقا وكده، نبدأه بحاجة ساسبنس كده ولا أي؟" ضحكت "ليلي" وهي تُلقي العبارة وكأنها تلقي شرارة إضافية على نار الغيظ التي أشعلتها في "رضوي ". لم تدرك أن الرد سيأتي سريعًا وبصورة مُباغتة. في لحظة، دون سابق إنذار، اندفعت وسادة كبيرة باتجاه وجهها. الضربة جاءت بمهارة، وكأن "رضوي " كانت تتدرب على الرماية طوال الليل. _"هستني أي منك، ماهو أخوكِ مين؟، مش نادر، يا باردة، فزعتيني منك لله رُكبي سابت." "ليلي" تمتمت بالكلمات بينما تحاول أن تلتقط أنفاسها من المفاجأة. ضحكاتها تحولت إلى خليط بين انفعال وتوتر، بينما يدها تمسح وجهها ببطء وكأنها تتحقق من سلامته بعد الهجوم غير المتوقع. _"معلش معلش، يلا قومي اجهزي عايزين ننزل نشتري فساتين الحفلة بدري، الليلة ليلتك يا عم." "ليلي " تداركت الموقف سريعًا، تعود لابتسامتها المعتادة وكأن شيئًا لم يكن. كانت تعلم أن "رضوي " مهما أظهرت من غضب، ستُسامحها في النهاية. دائمًا ما تكون هذه اللحظات الممتلئة بالشغب عنوانًا ليومٍ سعيد يجمعهما. _"ولله اليوم هيخرب بسبب قَركْ ده أولاً، وبسبب إني أصطبحت بوشك ثانيًا، أمشي من قدامي، وأنا نص ساعة ونازلة." أدارت "رضوي" عينيها في حركة أشبه بدحرجة كرة زجاجية صغيرة، نظرتها تعكس مزيجًا من السخرية والجدية، بينما تشير بيدها لـ"ليلي" أن تُغادر. كلماتها خرجت بنبرة محايدة تحمل نفحة استياء، لكنها كانت تعرف أنها لا تستطيع أن تبقى غاضبة طويلًا "ليلي" ابتسمت بخفة، تتراجع بخطواتها للخلف وكأنها تعلم أنها أزعجتها لكنها على يقين أنها ستعود بعد دقائق لمواصلة شغبها. الغرفة هدأت فجأة، الصمت كان أشبه بنهاية عرض مسرحي صاخب، و"رضوي " أخيرًا أخذت نفسًا عميقًا وهي تستند بظهرها إلى الوسادة التي ألقت بها منذ قليل، تنظر إلى السقف بابتسامة صغيرة حاولت أن تخفيها لكنها فضحتها، الحب الذي يجمعهما كان أقوى من أي شغب، وأجمل من أي كلمات. ❈-❈-❈ سُترة سوداء، بأكمام قصيرة تغطي بطنها كاملة، أسفلها، سروال رياضي كعادة ملابسها، باللون الأسود، مع حذاء رياضي باللون الأبيض، أرتدتهم هي بعد أن أنتهت من حمامها الصباحي، وها هي تقفُ أمام المرآه ، تتأكد من هيئتها للمرة الأخيرة قبل أن تغادر، قبل أن تأتي العاصفة المُسماه بـ "ليلي"، لتستعجلها،أو تسحبها من قدميها!. أليسَ اليوم يومها كما تقول، أذًن تتأخر كيفما تشأء، أخيرًا ألتقطت حقيبتها الصغيرة باللون الوردي، ونظرتها الشمسية، مُغلقة الغرفة خلفها ، وقد كانت الشقة خالية من البشر، لانهم كالعادة بالأسفل يتناول الأفطار، كم هو لذيذ ذالك الترابط الأسري،الذي لا تتذكر أنها شاركت بهِ أكثر من ثلاث مرات بالكثير .......... أخذت تنزل علي السُلم، وكأنها فتاة فالعاشرة من عمرها، كانت تنزل سلِمتين سويًا بطريقة طفولية بحتة، أو سِلمّة، وأخري تتخطاها، أليست بمفردها ولا أحد يراها، لا بأس بقليلٍ من الطفولية، حياة الكِبار هذهِ مزعجة...... وما أن وصلت للطابق الثاني، أعتدلت في سيرها، خوفًا من أن تُصادف" مُراد"في طريقها، خاصةً أن اليوم، هو يوم السبت وهو أجازتهُ بالفعل، وبالرغم من أنه يملك عملاً خاصًا وليسَ حكوميًا كي تكون أيام عطلتهُ ممثالة لعُطلات المؤسسات الحكومية، لكنها حقًا لا تعرف السبب حيال أختياره لهذه الأيام علي وجهِ الخصوص، كان بأمكانه أن يتخذ يوم الأحد مثلا، مثل الدول الأجنبية، عادةً سيكون الأمر خارج الصندوق...... مرت بهدوء، أمام شقتهُ فالدور الثاني، كانت تتمني أن تراه يخرج من الشقة تزامنًا مع مرورها، لكن مرت دقيقة ولم يخرج أحد، لذا أكملت سيرها إلي الأسفل، وقبل أن تنتهي من عبور الردهة الطويلة الفارقة بين السُلم والشقة، وجدتهُ يصعد تجاه شقتهِ،يقولون أنّ الرجفّة التي تشعرُ بها عندما ترى شخصًا تُحبه ،طبيعية ،هي من أعراض عودة الحياة لجسدك، جُملة صادفة قرآتها سابقًا علي أحدي، مواقع التواصل ولكنها علقت بذهنها قليلاً، والآن أستشعرت معناها تمامًا، فلا يوجد أعمق من تلك الجملة ما يعبر عن حالتها الآن، لم ترآه مُنذ أسبوع حيث أنها كانت مُتعمدة أن لا تنزل أو تجتمع معهم، لا تود رؤية "نانسي" تقترب منه او هو يقترب منها بأي حركة حتى لو بالحديث فقط..... لذَا أعتكفت في شقتهم لا تخرج، ولم يكن الأمر غريبًا عليهم فـ هم مُعتادون علي إنعزالها وقتمًا تشاء، ولنكن صادقين أكثر، هي لا تود أن تُقابل "نادر"، أو تلمح وجههِ خاصةً بعد أخر مُشاجرة حدثت بينهم قبل ثلاثة أيام، وكلماتهُ التي ترن بعقلها حتى الآن...... لذا أول ما رأتهُ الآن وكأن الحياة عادت لجسدها الآن، وأنّ الأسبوع الذي مضي لم ترآهُ فيه غير مُحتسب من عمرها، وسيكون ذالكَ ظُلمًا أن تم أحتسابهِ...... قابلها بإبتسامتهِ العذبة المُعتادة منه دومًا، أبتسامة دافئة هادئة كـ هدوئهِ، منحتهُ أبتسامة مُماثلة تُزين شفتيها المطلية بمرطب شفاه طبي لامع ذو لون وردي خفيف..... _" صباح النور، كُل سنة وأنتِ طيبة، مشاء الله صاحية منورة علشان النهارده عيد ميلادها، البت متحمسة للهدايا اللي هتخدها النهاردة، آه منك". قالَ آخر كلماتهِ مُضيقًا عينيهِ بخُبث، أرتفعت ضحكاتها، بينما أحمّرت خديها خجلاً، وتصبغت باللون الأحمر، فقط لأنه مدحها للتو، حتى وأن كان مدحًا تلقائيًا، لكن فالنهاية مدح، هو يرآها مُضيئة الآن، حسنًا ماسك الجرجير والشاي الأخضر يبدو أنهُ أتي بنتيجة، تجاهلوا أسّم الماسك، أنه ماسك من الأساس من أختراع "ليلي"، الخرقاء كشقيقها...... _" شكرًا، أنا فعلاً متحمسة للهدايا، خصوصًا أن ماما وعدتني أنها هتجيبلي لاب توب بديل للبوظته ". _" رأسمة علي كبير أنتِ، عمومًا هديتك جاهزة يا ست البنات، ومفأجأة مش هتتخيلها". لَمعت عينيها بحماس ، عن تعديل خصلة شاردة من شعرها، واستدارت نحوه بلهفة، عيناها تتألقان كطفلة تنتظر هدية العيد. سألته بسرعة وبصوت مليء بالتشويق: _"لا قولي أي، أنا تحمست جدًا." هز رأسه بالنفي وهو يبتسم، متعمدًا أن يزيد حماسها: _"تؤتؤ، بالليل هتعرفي.... يلا علشان شكلك خارجة." أشارت إليه بمرح، وكأنها تحاول إقناعه بالكشف عن المفاجأة، لكنها في النهاية استسلمت وهي تضحك بخفة: " ماشي.... آه نازلين نشتري شويّة حاجات أنا وليلي." أومأ "مراد" برأسه، مظهرًا اهتمامه المعتاد، قبل أن يرد بنبرة هادئة مليئة بالعناية: _"ماشي خلي بالكم من نفسكم كويس." أجابته بابتسامة صغيرة ونبرة مطمئنة: _"حاضر." انتهت تلك المحادثة الصغيرة جدًا بمغادرتهِ ودخوله لشقتهِ، بينما هي أكملت طريقها للأسفل، ومزاجها أصبح أفصل بكثير، أيمكن لمحادثة صغيرة منه أن تحدث كل هذهِ الربكة بداخلها، من عمق إنبهارها به، تشعر بأن الكلمات العادية منه تُقال لأول مرة، تمر علي مسامعها بطريقة مميزة......... سؤال هنا يطرح نفسهِ، لماذا مُقبالتهم دومًا ما تصدف علي السُلم، أمر مميز، لكن غريب، وهي تُحبه لا يهم المكان، المُهم أن ترآه فقط ليسَ إلاَ..... وقبل أن تصل إلي الطابق الأرضي وقفت قليلاً، وأخرجت هاتفها، من ثم فتحت ذالك الحساب الوهمي، لتَكتب بأناملها الصغيره كلمات ودت أن تقولها له في وجههِ "أخبر عيناكَ الجميلةَ أنّ تكُفَعبثاً بِقلبي ".الخاتمةوها نحن نقف على عتبة النهاية، نطوي صفحات حكاية جمعتنا بشخصيات لم تكن مجرد أسماء على الورق، بل أرواحًا نابضة بالحياة، عاشت بين السطور حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا. رضوى ومراد، بأوجاعهما وانتصاراتهما، بخيباتهما وأحلامهما، كانا انعكاسًا لكل ما نحمله نحن من تناقضات البشر؛ من خوفٍ ورجاء، من حبٍ ورغبةٍ في التمسك رغم الانكسار، ومن إيمانٍ بأن النهايات القاسية قد تقودنا إلى بداياتٍ أكثر رحمة.هذه الرحلة لم تكن فقط قصتهم، بل كانت قصتنا جميعًا. كل سطر فيها لامس قلبًا، وكل كلمة أعادت فتح جراحٍ قديمة، وربما منحت بلسماً جديدًا لروحٍ كانت تبحث عن بعض السكينة. كنتم شركاء حقيقيين في هذا العالم، شهودًا على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، وأصدقاء للشخصيات التي ربما وجدتم في عذاباتها وابتساماتها، وفي أخطائها وانتصاراتها، شيئًا يشبهكم. وربما بكيتم معهم في لحظة، وابتسمتم لهم في أخرى، وانتظرتم النهاية كما لو أنها تخصكم أنتم أيضًا.لقد كانت الكتابة رحلة طويلة، امتلأت بالمشاعر قبل الكلمات. كانت هناك ليالٍ سهرنا فيها معًا، وصفحات كُتبت بقلوبٍ مثقلة، وأخرى وُلدت من لحظات أملٍ وإيمان. وكلما خطوت خطوةً في هذه
"إيه ده؟ حفلة أكل من ورايا ولا إيه؟". قالها طارق بصوت نصف ساخر، نصف مصدوم.رفعت رانيا رأسها ببطء، وشفتاها ملطختان ببقايا الشوكولاتة. حدقت فيه للحظة، ثم ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت وهي تمد يدها بكيس رقائق البطاطس نحوه:_ "تعالي شاركني ."رفع حاجبيه باندهاش، ثم وضع يده على رأسه، وهو يقول بنبرة لا تخلو من المرح:_"أي ده؟ أي ده؟ بسم الله ما شاء الله... وأنا أقول مُرتبي بيخلص قبل نص الشهر ليه!"رفعت" رانيا "رأسها منغمسًة في لقمة من بسكويت مغطى بالشوكولاتة، ثم ردت بلهجة دفاعية مزاحًا:_"أي يا توتي يا حبيبي! أنت هتبصلي فالأكل؟"وقف متكئًا على إطار الباب، يضع يديه على خاصرته قائلاً بنبرة تمزج بين الاستغراب والضحك:_"توتي!... لا يا ستي، بالهنا والشفا. بس مش كده، أنت داخلة على علبة الشوكولاتة العشرين من إمبارح."ابتسمت رانيا، تمد يدها له بكيس رقائق البطاطس وهي تقول بدلال:_"تعالى، تعالى، كُل معايا."نظر إلى الطاولة، ثم إليها، وأخذ خطوة للوراء قائلاً:_"أكل إيه بقى! هو أنت سايبة حاجة! ده أنت منتقمة من الأكل... عليه العوض ومنه العوض."ضحكت ضحكة خفيفة، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بنبرة مرحة، وكأنها
أخيرًا، الست رضوى قررت تنضم إلينا!"_"طبعًا، لازم يكون عندكم صبر على الطباخ الرئيسي."وضعت "رضوى" الأطباق أمامهما بعناية، ثم استرخت بجواره على الأريكة، تسحب نفسًا عميقًا وكأنها تتنفس كل السكينة التي يغمرها بها وجوده. طرف عينيها لاحقه وهو يمد يده ليأخذ حفنة من الفشار، يراقب الشاشة أمامه بنظرة تحمل ألف ذكرى للفيلم الذي حفظاه معًا عن ظهر قلب._"روبنزل للمرة المئة، أنا مش فاهم إحنا ليه عمرنا ما بنزهق!"قالها "مراد" بنبرة ساخرة، يتظاهر بالملل بينما عينيه تلمعان بمرح. ضحكت "رضوى"، وفي لحظة عفوية، أسندت رأسها على كتفه، مستسلمة لذلك الدفء الذي يرافقه دائمًا، ثم همست، وكأنها تبوح بسر يخصها وحدها:_"لو عرفت تزهق مني، هتزهق من الفيلم ده."التفت إليها "مراد"، عيناه تتمعنان في تفاصيل وجهها، في تلك اللمعة الخفيفة التي تزين نظرتها، في صوتها الذي يحمل في طياته شيئًا من الحنين واليقين. مد يده يلامس وجنتها برقة، وكأنه يختبر نعومتها تحت أطراف أصابعه، ثم قال بخفوت عميق:_"مقدرش أزهق منك، حقيقي أنا بحمد ربنا على وجودك يا رضوى، غيرتِ حاجات كتيرة أوي."ابتسمت، نظرة ممتنة تملأ عينيها، ثم رفعت يدها لتداعب خده
أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها على ألا يُخطئ ثانية، وقال بصوت مفعم باليقين:_"وعد يا رضوى... وعد قدامك وقدام نفسي."رفع رأسه إليها، نظرة رجاء صادقة ترتسم في عينيه، نظرت إليه بعمق، وكأنها تبحث عن بقايا الأمان الذي كانت تعرفه فيه. ثم قالت بصوت خافت:"الفرصة دي مش عشانك بس يا مراد... عشاننا إحنا الاتنين. لو حسيت إنك مش قادر تكمل، أو مش قد الوعد ده، أنا اللي هقفل الباب المرة دي... للأبد."أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها من جديد، ثم قال بصوت مفعم باليقين:_"مش هخذلك، وعد يا رضوى. وعد بصدق قلبي، مش بكلامي."وبين كلماتهم المتشابكة، كانت المسافة بينهما تضيق رويدًا،هزت رأسها بخفة، ثم أشارت إلى الباب بحركة خفيفة، وقالت بابتسامة لم تخف مزيج المشاعر بداخلها:_"يلا، عشان بابا هيبدأ يسألنا أسئلة إحنا مش جاهزين نرد عليها."ضحك بخفة، ضحكة بدت كأنها أول نسمة أمل بعد عاصفة طويلة. وتقدمت هي أمامه بخطوات ثابتة، بينما لحق بها ببطء، يحمل في قلبه وعدًا جديدًا، وإصرارًا على أن يجعل تلك الفرصة بدايةً جديدة، وليست نهايةً أخرى... مراد سار خلفها، عينيه معلقتان على تفاصيل خطواتها، كأنها البوصلة التي أعادته إلى المسا
اومأت برأسها مُوافقة علي حديث والداها، وبداخلها تعلم أنها توافق علي حديث قلبها اولاً..... تركها والداها ونهضَ يخرج من الحديقة، دقيقتين ووجدت"مُراد"يحتل المكان وقد سبقهُ عطره وقفت ، يدها تتشبث بطرف الطاولة كأنها تحاول الإمساك بتوازنها بينما عينها تراقبه يخطو نحوها ببطء. لم تكن تتوقع حضوره، لكن مجرد رؤيته كان كفيلاً بأن يُشعل اضطرابًا عميقًا في صدرها. شعرت بضربة قلبها تتسارع، ثم ترتبك، وكأن نبضها يعلن عصيانًا ضد تلك الجدية التي طالما حاولت أن تتمسك بها.وقف" مراد" على بعد خطوات، يحمل بين يديه تلك النظرة التي عرفتها جيدًا، نظرة ملأتها مزيج من الاعتذار والرجاء. خفق قلبها للحظة، تكاد قدماها تهويان بها. لوهلة، خيل إليها أنها ستنهار، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها. ابتلعت غصة تشبه البكاء وأجبرت جسدها على الاستقامة.نظرت إليه بجدية مصطنعة، رفعت ذقنها قليلًا، وكسرت حاجز الضعف الذي شعرت به منذ الوهلة الأولى. جمدت ملامحها كأنها نحتت صخرة باردة مكان وجهها، زمت شفتيها قليلاً، وأسقطت يدها عن الطاولة ببطء لتضعها على جانبها، كأنما تعلن لجسدها أن يتوقف عن ارتعاشه. ثم ببرود متكلف، لكنها تعلم أنه هش
❈-❈." بعد مرور يومين، بـ دولة المغرب ". كانت الحديقة الخلفية لمنزل والديها في" المغرب" أشبه بلوحة فنية تتنفس الحياة. الأشجار العتيقة بظلالها الممتدة، والأزهار المتناثرة بعشوائية متقنة، تشكلت بألوان حادة: أرجواني الجهنمية، أصفر زهر الخزامى، والأبيض الناصع للياسمين الذي كانت رائحته تطفو مع نسمات المساء. كانت الشمس في آخر مراحل غروبها، تلون السماء بأطياف ذهبية وبرتقالية، وكأنها تحاكي قلب رضوى الذي غمره الحزن بتدرجاته.جلست على مقعد خشبي في زاوية بعيدة عن الأعين، حيث كانت تتقاطع أغصان شجرة زيتون معمرة فوق رأسها، جلستها المُفضلة مُنذ أن جاءت الي هنا قبل يومين.... ارتدت فستانًا بسيطًا من الكتان بلون أزرق باهت، أطرافه مزينة بتطريز مغربي دقيق بألوان خضراء وبيضاء. كان الفستان يصل إلى آخر ساقيها، أعطتهُ لها زوجة والدها "نرجس"، وضعت حول كتفيها شال ناعم بلون رمادي، بدا وكأنه يحمل دفء حزنها معها..... شعرها الطويل كان مرفوعًا بتلقائية، وترك بعض الخصل تتناثر على وجهها كأنها ستائر تخفي عن العالم دموعًا حاولت ألا تنساب. قدماها الحافيتان كانتا تغوصان برفق في العشب الرطب، وكأنها تبحث عن ملاذ ما في ب
عاملة أي دلوقتي مش أحسن." قالها "مراد" وهو يلتفت برأسه إليها، نظرة عينيه حانية ومليئة بالقلق. كان يجلس على مقعد السائق، لكن انتباهه كان موزعًا ما بين الطريق و"نانسي" التي بدت شاحبة الجسد وضعيفة الملامح. يده امتدت برفق نحو يديها الباردتين كأنما يحاول بث الطمأنينة فيها من خلال لمسة واحدة. كانت "نان
قالتها والداته المُنصدمة من أفعاله المجهول سببها بالنسبة لهم: _"لو سمحتي يا أُمي، أنا عارف أنا بعمل أي محدش يناقشني". قال كلماتهِ بنبرة صارمة، ثم تركهم تأكل من رؤسهم الطير، إلي الآن لا يفهم احد شيئًا، عدا منها هي، هي وحدها من كانت تعلمَ سبب كل هذا، وكادت بالفعل تبكي ندمًا لمَ فعلتهُ بأندفاع دون ت
ارتفعت ضحكتها الأنثوية خافتة، تُزينها مسحة خجل حاولت أن تُخفيها برفع حاجبيها بثقة مصطنعة. دفعت خصلة شعرها من جديد خلف أذنها، وهي تُجيبه بعينين براقتين يملؤهما يقين بما تقول: _" أن شاءلله هتبقي لينا، وأنا واثقة، أنا عمري قولت حاجه ومحصلتش". قهقه ضاحكًا بصوت أجش، ارتفعت معه تفاحة آدم أسفل ذقنه وا
" مش خلاص صحيتني، عايز حاجه تاني، خلاص أنا صحيت، أتفضل بقا، شكرا علي أهتمامك! ". كلماتها تلك وكأنها لا تبالي بما يقوله بالرغم من أنه يعرف تماما أنها تفهمه، وتفهم ما يرمي إليه عبر تلك الكلمات، لذا لمعت عينيهِ بلمعة الغضب، ثم صاح بها بنبرة حادة عصبية مُتخليًا عن برودهُ: _" أنتِ في أي بالضبط، مالك؟،







