Share

الفصل الثامن

last update publish date: 2026-05-22 18:30:25

قالتها والداته المُنصدمة من أفعاله المجهول سببها بالنسبة لهم:

_"لو سمحتي يا أُمي، أنا عارف أنا بعمل أي محدش يناقشني".

قال كلماتهِ بنبرة صارمة، ثم تركهم تأكل من رؤسهم الطير، إلي الآن لا يفهم احد شيئًا، عدا منها هي، هي وحدها من كانت تعلمَ سبب كل هذا، وكادت بالفعل تبكي ندمًا لمَ فعلتهُ بأندفاع دون تفكير، فقط لأنها تغار، لم تكن تعلم أنها ستتسبب في قطع عيش أحدهم وهو لا ذنب له، كل الذنب عليها هي، وهي المُذنبة الوحيدة هنا، نعم "نانسي" تستحق، لكن ما ذنب تلك المسكينة التي قُطعَ أكل عيشها اليوم بسببها.....؟

أبتعدت الخادمة منكسة الرأس وقد شبه فهمت ما الذي يجري، وما أن وصلت إلي "رضوي" التي كادت أن تُشيح بوجهها للجهة الأخري، لانها تعلم أنها فهمت أنها هي من فعلت هذا، لكن الخادمة نظرت لها بنظرة كادت تحرق الآخري، نظرة متخاذلة مذلولة وكأنها تُعاتبها علي ما تسببت لها بفعلهِ دون الشفقة عليها، نظرة كانت كفيلة بجعل "رضوي" تود لو تهرول الآن وتعترف بفعلتها الشنيعة..... لكنها لم تقوى علي الحراك، ثواني وخرجَ "مُراد" يحملُ بين يديهِ "نانسي" بين أحضانهِ، شهقات الواقفين المنصدمة، افقاتها من شرودها...؟

سألته والدته بصوت مرتجف بالكاد استطاعت أن تجعله مسموعًا، وكأن الكلمات نفسها تخشى الخروج من فمها:

_"إيه ده... مالها نانسي؟"

عيناها تجولتا في الأرجاء، تبحثان عن تفسير في وجوههم المذهولة، لكن ما رأته زاد من اضطرابها. كل شيء بدا وكأنه عالق بين صرخة مكتومة وزمن توقف فجأة، إلا الألم الذي كان ينهش وجه نانسي، وهي متكورة بين أحضانه كطائر جريح يحتمي من عاصفة لا ترحم.

رفع رأسه ببطء، وكأن العالم كله ضغط على كتفيه في تلك اللحظة. عيناه كانتا مزيجًا عاصفًا من الغضب والخوف والذنب، كأنهما تسألان الجميع بصمت قاتل:

_"إنتو شايفين إي؟! بتتفرجوا ليه؟!"

صوته انفجر كالرعد، حادًا وجارحًا، لكنه محمل بثقل لا يحتمله أحد. يداه كانتا تقبضان على كتفي نانسي برفق متناقض مع صوته، كأنه يحاول أن يثبتها في مكانها، أو ربما أن ينقل إليها بعضًا من قوته المنهكة.

لم ينتظر إجابة، بل انقض بنظره نحو" طارق" كالسهم، وصرخ بأمر لا يحتمل التردد:

_"طارق... قدامي على العربية! يلا، بسرعه! أتحرك !"

"طارق" الذي بدا كأنه لم يعد سيد جسده، تلعثم برده، صوت كلماته بالكاد سُمِع وسط الفوضى التي اجتاحت المكان:

_"حاضر... حاضر!".

❈-❈-❈

بأقدام كالهلام، صعدت هي إلي حيثُ شقتهم، فتحت شقتهم، من ثم دخلت إلي غرفة نومها مباشرةً، جلست علي سريرها، تضعُ رأسها الذي كاد ينفجر بين يديها بضيق شديد، الندم يتآكلها حرفيًا..... صرخت صرخة مكتومة بغيظ كبير، أنانية، أنانية.

ظلت تلك الكلمة تُلاحقها كـ طنين ذبابة مزعجة، زفرت بقوة من ثم أرتمت بظهرها بمكانها تنظر إلي السقف، ونظرة" أم محمد "تتراقص أمام عينيها لتذيد من شعورها بالندم الشديد، ظلت علي وضعيتها تلك لعدة دقائق تفكر في حل لتلك المشكلة.... حتى أستمعت إلي طرق علي باب غرفتها، علمت فورًا أنها" ليلي"من طرقاتها المُميزة، فـ سمحت لها بالدخول وما زالت علي نفس الوضعية...

ما إن دلفت "ليلى" إلى الغرفة، حتى توقفت عند العتبة، عيناها تضيقان كأنهما تتفحصان ساحة معركة قبل الهجوم. وجهها كان متجهمًا، يموج بغضب مكتوم، بينما يداها تُطويان أسفل صدرها في حركة تعكس توترًا دفينًا، كأنها تُحكم السيطرة على عاصفة من الاتهامات التي على وشك الانفجار.

لم تنتظر كثيرًا قبل أن توجه سهام سؤالها مباشرة، بصوت مشحون بالاتهام والارتياب:

_"إنتِ إللي عملتي كده، صح؟"

كانت "رضوى" تجلس غير مبالية، أو هكذا بدت للعين المجردة، لكن ملامح وجهها لم تخف تلك النظرة الصغيرة، الغاضبة والنادمة ، التي اختفت سريعًا خلف قناع من الجهل المصطنع. ببطء، كأنها تؤدي دورًا في مسرحية، نهضت واقفة، كتفيها يرتفعان بخفة، وملامحها تتشكل بعفوية متقنة، وهي ترد بصوت ناعم يحمل استنكارًا بريئًا:

_"عملت أي؟"

لكن "ليلى" لم تكن لتُخدع بسهولة،هي تعرفها جيدًا وتعرف تصرفاتها المندفعة، خطوة واحدة إلى الأمام، وثقل كلماتها زاد وهي تحاصرها بنبرة اتهام أكثر وضوحًا، عيناها كالسكاكين تطعن في نواياها:

_"حطيتي لنانسي إيه في القهوة يا رضوى؟"

الجو في الغرفة أصبح ثقيلًا كأن الهواء نفسه بات لا يُحتمل. الصمت بين الكلمات كان أشبه بصدى خطوات خفية، والأنظار، إن وُجدت، كانت تتحرك بينهما، تراقب الحرب الباردة التي اشتعلت فجأة.

حسنًا حسنًا لا داعي للأنكار، فَـ" ليلي" تعرفها أكثر من نفسها، وهي بالفعل مُتأكدة أنها المسؤلة عن ما حدث، لذا زفرت بأحباط قائلة:

_"أيوه أنا إللي عملت كده، حطتلها بهارات وحاجات كده معرفش أي هي أصلا لقيتهم فالمطبخ".

وهنا أنقلبت الطاولة، وأصبحت "ليلي" هي الكبيرة الناصحة، و"رضوي"هي التي تتلقي النصائح والتوبيخ، لكنها متقبلة ومستعدة لأي توبيخ، حتمًا تستحق أكثر من مجرد توبيخ، هتفت "ليلي" بعتاب ولَومٍ:

_"أنا مش هسألك عملتِ كده ليه لأني عارفة!، أنا عايزة أعرف بس أنتِ مفكرتيش خالص فأضرار ولا نتايج تهورك ده، وأدي النتيجة، مُراد قطع عيش الست اللي ملهاش أي ذنب، ده مش محرك جواكِ حاجة".

_"محركة والله العظيم محركة وهموت من الندم، أنا بجد مفكرتش فالنتيجة، كل اللي فكرت فيه هو إني أنتقم منها وبس."

كان صوتها مخنوقًا، يمزج بين التبرير واليأس، عيناها تائهتان تبحثان عن مخرج بين زوايا الغرفة الضيقة، وكأن كل ركن فيها يُدينها. أصابعها كانت تلتوي في حركة عصبية، وكأنها تعاقب نفسها، فيما جسدها يميل للأمام قليلًا، كأنها تحمل فوق كتفيها ثقل ما فعلته.

نظرت لها الأخرى بنصف عين، ببرود محمل بالاستعلاء، كما لو كانت تُشاهد مشهدًا رخيصًا في مسرحية مملة، لتُعلق على كلماتها بصوت متهكم:

_"آه الغاية تُبرر الوسيلة يعني. ثم تعالي هنا، عايزة تنتقمي منها على أيه؟ هي عملت أيه أصلًا؟"

ارتعشت ملامح الأولى للحظة، عيناها تملؤهما الحيرة والألم. لكنها استجمعت ما تبقى من كبريائها المحطم لتطالع الأخرى بنظرة حزينة، صادقة حد الألم، وهي ترد بصوت منكسر:

_"يعني مش عارفة... مش عارفة إنها بتتلزق كل شويه في مراد زي اللزقة، وبتتمايص عليه كمان."

كان حديثها مزيجًا من الحقد المكبوت والخجل من الاعتراف بما لا يمكنها التحكم فيه. الكلمات خرجت ثقيلة، وكأنها تنزف كلما حاولت أن تبرر.

لكن الأخرى لم تتراجع. بالعكس، أخذت كلماتها وكأنها أسلحة تسخر بها، ترد بلهجة صارمة تحمل شيئًا من الاستفزاز:

_"على فكرة بقا ده في دماغك إنتِ وبس. أنا شايفة إن تصرفاتها عادية جدًا، بحكم إنهم قريبين من بعض بحكم القرابة وكمان بينهم شغل."

الكلمات الأخيرة أشعلت نارًا لا يمكن إخمادها. نهضت الأولى نحوها بعصبية، كأن النار في داخلها انفجرت فجأة، وبدأت تتحرك بخطوات ثقيلة ومتسرعة. عيناها اتسعتا كأنهما تلمعان بغضب لا يمكن السيطرة عليه. رفعت سبابتها بتهديد واضح، وكأنها تحذر العالم بأسره من الاقتراب منها في تلك اللحظة، ثم صاحت بصوت يحمل غضبًا حادًا حد الجنون:

_"بس متقوليش قريبين من بعض بس! أنتِ كده بتزيدي الطين بلة على فكرة، وهتخليني أروح أضربها بسكينة في قلبها دلوقتي."

الأخرى، رغم تصاعد التوتر، لم تبدُ عليها أي علامة من التأثر. اكتفت بالرد ببرود مقيت، كلماتها كانت كأنها تصب الزيت على النار:

_"مأفورة أوي بصراحة."

العبارة البسيطة كانت بمثابة صفعة. شعرت الأولى وكأنها تريد أن تلطمها على وجهها، لكن الغيظ كان أقوى من أن تترجمه لفعل. مشاعرها المتضاربة بين الغضب والندم أرهقتها حد الانهيار. ارتعشت شفتاها وهي تُمسك بكتفي الأخرى بعنف، ثم دفعتها من ظهرها تجاه الباب الموارب، صوتها خرج بحدةٍ مكتومة لكنها لا تقبل الجدل:

_"أمشي من وشي أحسن لك، ويُستحسن ما شوفش وشك النهارده تاني، ماشي؟"

زجتها خارج الغرفة بقوة، وكأنها تطرد معها كل مشاعرها المتفجرة. ثم أغلقت الباب بسرعة، كأنها تحاول أن تحبس خلفه كل ما بداخلها من ألم وعجز.

أسندت ظهرها إلى الباب، كأنها تتكئ عليه لتستمد بعض الثبات. أغمضت عينيها للحظة، ثم أطلقت تنهيدة طويلة، ثقيلة، كأنها تحاول أن تخرج معها كل ما يثقل روحها. بعد لحظة، كرمشت وجهها بحركة طفولية لا إرادية، شفتاها الوردية تذمتا كأنها طفلة حرمت من لعبتها المفضلة. رغبتها في الانفجار بالبكاء كانت واضحة، لكنها تراجعت. كل شيء بداخلها يصرخ، لكنها اكتفت بالصمت، تحارب نفسها في عزلتها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب نازف بالحب    خاتمة

    الخاتمةوها نحن نقف على عتبة النهاية، نطوي صفحات حكاية جمعتنا بشخصيات لم تكن مجرد أسماء على الورق، بل أرواحًا نابضة بالحياة، عاشت بين السطور حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا. رضوى ومراد، بأوجاعهما وانتصاراتهما، بخيباتهما وأحلامهما، كانا انعكاسًا لكل ما نحمله نحن من تناقضات البشر؛ من خوفٍ ورجاء، من حبٍ ورغبةٍ في التمسك رغم الانكسار، ومن إيمانٍ بأن النهايات القاسية قد تقودنا إلى بداياتٍ أكثر رحمة.هذه الرحلة لم تكن فقط قصتهم، بل كانت قصتنا جميعًا. كل سطر فيها لامس قلبًا، وكل كلمة أعادت فتح جراحٍ قديمة، وربما منحت بلسماً جديدًا لروحٍ كانت تبحث عن بعض السكينة. كنتم شركاء حقيقيين في هذا العالم، شهودًا على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، وأصدقاء للشخصيات التي ربما وجدتم في عذاباتها وابتساماتها، وفي أخطائها وانتصاراتها، شيئًا يشبهكم. وربما بكيتم معهم في لحظة، وابتسمتم لهم في أخرى، وانتظرتم النهاية كما لو أنها تخصكم أنتم أيضًا.لقد كانت الكتابة رحلة طويلة، امتلأت بالمشاعر قبل الكلمات. كانت هناك ليالٍ سهرنا فيها معًا، وصفحات كُتبت بقلوبٍ مثقلة، وأخرى وُلدت من لحظات أملٍ وإيمان. وكلما خطوت خطوةً في هذه

  • قلب نازف بالحب    132

    "إيه ده؟ حفلة أكل من ورايا ولا إيه؟". قالها طارق بصوت نصف ساخر، نصف مصدوم.رفعت رانيا رأسها ببطء، وشفتاها ملطختان ببقايا الشوكولاتة. حدقت فيه للحظة، ثم ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت وهي تمد يدها بكيس رقائق البطاطس نحوه:_ "تعالي شاركني ."رفع حاجبيه باندهاش، ثم وضع يده على رأسه، وهو يقول بنبرة لا تخلو من المرح:_"أي ده؟ أي ده؟ بسم الله ما شاء الله... وأنا أقول مُرتبي بيخلص قبل نص الشهر ليه!"رفعت" رانيا "رأسها منغمسًة في لقمة من بسكويت مغطى بالشوكولاتة، ثم ردت بلهجة دفاعية مزاحًا:_"أي يا توتي يا حبيبي! أنت هتبصلي فالأكل؟"وقف متكئًا على إطار الباب، يضع يديه على خاصرته قائلاً بنبرة تمزج بين الاستغراب والضحك:_"توتي!... لا يا ستي، بالهنا والشفا. بس مش كده، أنت داخلة على علبة الشوكولاتة العشرين من إمبارح."ابتسمت رانيا، تمد يدها له بكيس رقائق البطاطس وهي تقول بدلال:_"تعالى، تعالى، كُل معايا."نظر إلى الطاولة، ثم إليها، وأخذ خطوة للوراء قائلاً:_"أكل إيه بقى! هو أنت سايبة حاجة! ده أنت منتقمة من الأكل... عليه العوض ومنه العوض."ضحكت ضحكة خفيفة، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بنبرة مرحة، وكأنها

  • قلب نازف بالحب    131

    أخيرًا، الست رضوى قررت تنضم إلينا!"_"طبعًا، لازم يكون عندكم صبر على الطباخ الرئيسي."وضعت "رضوى" الأطباق أمامهما بعناية، ثم استرخت بجواره على الأريكة، تسحب نفسًا عميقًا وكأنها تتنفس كل السكينة التي يغمرها بها وجوده. طرف عينيها لاحقه وهو يمد يده ليأخذ حفنة من الفشار، يراقب الشاشة أمامه بنظرة تحمل ألف ذكرى للفيلم الذي حفظاه معًا عن ظهر قلب._"روبنزل للمرة المئة، أنا مش فاهم إحنا ليه عمرنا ما بنزهق!"قالها "مراد" بنبرة ساخرة، يتظاهر بالملل بينما عينيه تلمعان بمرح. ضحكت "رضوى"، وفي لحظة عفوية، أسندت رأسها على كتفه، مستسلمة لذلك الدفء الذي يرافقه دائمًا، ثم همست، وكأنها تبوح بسر يخصها وحدها:_"لو عرفت تزهق مني، هتزهق من الفيلم ده."التفت إليها "مراد"، عيناه تتمعنان في تفاصيل وجهها، في تلك اللمعة الخفيفة التي تزين نظرتها، في صوتها الذي يحمل في طياته شيئًا من الحنين واليقين. مد يده يلامس وجنتها برقة، وكأنه يختبر نعومتها تحت أطراف أصابعه، ثم قال بخفوت عميق:_"مقدرش أزهق منك، حقيقي أنا بحمد ربنا على وجودك يا رضوى، غيرتِ حاجات كتيرة أوي."ابتسمت، نظرة ممتنة تملأ عينيها، ثم رفعت يدها لتداعب خده

  • قلب نازف بالحب    130

    أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها على ألا يُخطئ ثانية، وقال بصوت مفعم باليقين:_"وعد يا رضوى... وعد قدامك وقدام نفسي."رفع رأسه إليها، نظرة رجاء صادقة ترتسم في عينيه، نظرت إليه بعمق، وكأنها تبحث عن بقايا الأمان الذي كانت تعرفه فيه. ثم قالت بصوت خافت:"الفرصة دي مش عشانك بس يا مراد... عشاننا إحنا الاتنين. لو حسيت إنك مش قادر تكمل، أو مش قد الوعد ده، أنا اللي هقفل الباب المرة دي... للأبد."أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها من جديد، ثم قال بصوت مفعم باليقين:_"مش هخذلك، وعد يا رضوى. وعد بصدق قلبي، مش بكلامي."وبين كلماتهم المتشابكة، كانت المسافة بينهما تضيق رويدًا،هزت رأسها بخفة، ثم أشارت إلى الباب بحركة خفيفة، وقالت بابتسامة لم تخف مزيج المشاعر بداخلها:_"يلا، عشان بابا هيبدأ يسألنا أسئلة إحنا مش جاهزين نرد عليها."ضحك بخفة، ضحكة بدت كأنها أول نسمة أمل بعد عاصفة طويلة. وتقدمت هي أمامه بخطوات ثابتة، بينما لحق بها ببطء، يحمل في قلبه وعدًا جديدًا، وإصرارًا على أن يجعل تلك الفرصة بدايةً جديدة، وليست نهايةً أخرى... مراد سار خلفها، عينيه معلقتان على تفاصيل خطواتها، كأنها البوصلة التي أعادته إلى المسا

  • قلب نازف بالحب    129

    اومأت برأسها مُوافقة علي حديث والداها، وبداخلها تعلم أنها توافق علي حديث قلبها اولاً..... تركها والداها ونهضَ يخرج من الحديقة، دقيقتين ووجدت"مُراد"يحتل المكان وقد سبقهُ عطره وقفت ، يدها تتشبث بطرف الطاولة كأنها تحاول الإمساك بتوازنها بينما عينها تراقبه يخطو نحوها ببطء. لم تكن تتوقع حضوره، لكن مجرد رؤيته كان كفيلاً بأن يُشعل اضطرابًا عميقًا في صدرها. شعرت بضربة قلبها تتسارع، ثم ترتبك، وكأن نبضها يعلن عصيانًا ضد تلك الجدية التي طالما حاولت أن تتمسك بها.وقف" مراد" على بعد خطوات، يحمل بين يديه تلك النظرة التي عرفتها جيدًا، نظرة ملأتها مزيج من الاعتذار والرجاء. خفق قلبها للحظة، تكاد قدماها تهويان بها. لوهلة، خيل إليها أنها ستنهار، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها. ابتلعت غصة تشبه البكاء وأجبرت جسدها على الاستقامة.نظرت إليه بجدية مصطنعة، رفعت ذقنها قليلًا، وكسرت حاجز الضعف الذي شعرت به منذ الوهلة الأولى. جمدت ملامحها كأنها نحتت صخرة باردة مكان وجهها، زمت شفتيها قليلاً، وأسقطت يدها عن الطاولة ببطء لتضعها على جانبها، كأنما تعلن لجسدها أن يتوقف عن ارتعاشه. ثم ببرود متكلف، لكنها تعلم أنه هش

  • قلب نازف بالحب    128

    ❈-❈." بعد مرور يومين، بـ دولة المغرب ". كانت الحديقة الخلفية لمنزل والديها في" المغرب" أشبه بلوحة فنية تتنفس الحياة. الأشجار العتيقة بظلالها الممتدة، والأزهار المتناثرة بعشوائية متقنة، تشكلت بألوان حادة: أرجواني الجهنمية، أصفر زهر الخزامى، والأبيض الناصع للياسمين الذي كانت رائحته تطفو مع نسمات المساء. كانت الشمس في آخر مراحل غروبها، تلون السماء بأطياف ذهبية وبرتقالية، وكأنها تحاكي قلب رضوى الذي غمره الحزن بتدرجاته.جلست على مقعد خشبي في زاوية بعيدة عن الأعين، حيث كانت تتقاطع أغصان شجرة زيتون معمرة فوق رأسها، جلستها المُفضلة مُنذ أن جاءت الي هنا قبل يومين.... ارتدت فستانًا بسيطًا من الكتان بلون أزرق باهت، أطرافه مزينة بتطريز مغربي دقيق بألوان خضراء وبيضاء. كان الفستان يصل إلى آخر ساقيها، أعطتهُ لها زوجة والدها "نرجس"، وضعت حول كتفيها شال ناعم بلون رمادي، بدا وكأنه يحمل دفء حزنها معها..... شعرها الطويل كان مرفوعًا بتلقائية، وترك بعض الخصل تتناثر على وجهها كأنها ستائر تخفي عن العالم دموعًا حاولت ألا تنساب. قدماها الحافيتان كانتا تغوصان برفق في العشب الرطب، وكأنها تبحث عن ملاذ ما في ب

  • قلب نازف بالحب    الفصل الحادي عشر

    _"هو أنا مش بصعب عليكم بجد والله، مش بصعب عليكم خالص، لي كده، أنتِ ناوية تموتني صح، لا وجاية في اليوم اللي أتولدت فيه علشان أبقي مميزة مُت فاليوم اللي أتولدت فيه، لا كتر خيرك والله." كانت كلماتها تحمل مرارة خفيفة مغلفة بسخرية لاذعة، نبرتها تعكس استسلامًا فكاهيًا للعبث الذي لا ينتهي من "ليلي". الأخ

  • قلب نازف بالحب    الفصل التاسع

    عاملة أي دلوقتي مش أحسن." قالها "مراد" وهو يلتفت برأسه إليها، نظرة عينيه حانية ومليئة بالقلق. كان يجلس على مقعد السائق، لكن انتباهه كان موزعًا ما بين الطريق و"نانسي" التي بدت شاحبة الجسد وضعيفة الملامح. يده امتدت برفق نحو يديها الباردتين كأنما يحاول بث الطمأنينة فيها من خلال لمسة واحدة. كانت "نان

  • قلب نازف بالحب    الفصل السابع

    ارتفعت ضحكتها الأنثوية خافتة، تُزينها مسحة خجل حاولت أن تُخفيها برفع حاجبيها بثقة مصطنعة. دفعت خصلة شعرها من جديد خلف أذنها، وهي تُجيبه بعينين براقتين يملؤهما يقين بما تقول: _" أن شاءلله هتبقي لينا، وأنا واثقة، أنا عمري قولت حاجه ومحصلتش". قهقه ضاحكًا بصوت أجش، ارتفعت معه تفاحة آدم أسفل ذقنه وا

  • قلب نازف بالحب    الفصل السادس

    " مش خلاص صحيتني، عايز حاجه تاني، خلاص أنا صحيت، أتفضل بقا، شكرا علي أهتمامك! ". كلماتها تلك وكأنها لا تبالي بما يقوله بالرغم من أنه يعرف تماما أنها تفهمه، وتفهم ما يرمي إليه عبر تلك الكلمات، لذا لمعت عينيهِ بلمعة الغضب، ثم صاح بها بنبرة حادة عصبية مُتخليًا عن برودهُ: _" أنتِ في أي بالضبط، مالك؟،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status