Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-05-20 20:33:48

كانت تطيل النظر إليه كما لو كانت تدخر وقتًا لهذا، وكلما سرحت في تفاصيله، يزداد قلبها خفقانًا، وكأن دقات قلبها قد تسارعت لتواكب حركة أصابعه على الطعام. كانت ترى بؤبؤ عينيه يتمدد حينما يضحك، وكأن هذا يكشف عن جزء من روحه هو لا يعلمه. لكن في تلك اللحظة، وجدت نفسها تسرق النظر إليه أكثر من المعتاد، كأنها تتحدى الوقت، أو تتحدى نفسها أن تظل خفية في هذا الشعور الذي يشتعل فيها.

لكن فاجأتها عيون "نادر"، عينيه كانت تتسلل نحوها كخناجر حادة، مباشرة إلى قلبها، كما لو كانت تملك قدرة على اكتشاف ما تخفيه عن الجميع. تلبدت الأجواء من حولها، وتوترت أعصابها، فبينما كانت تُحاول التظاهر بأنها لا تشعر بشيء، كانت تدرك أن نظرات "نادر" لم تكن عابرة. سرعان ما رجعت لتركز في طعامها، لكن اللقمة التي وضعتها في فمها لم تكن كما يجب...

وفي تلك اللحظة، ارتفع رنين جرس الباب، وكأن العالم بأسره توقّف عن الدوران. خادمة المنزل تقدمت سريعًا لفتح الباب، وفي ثوانٍ، ظهر أكثر وجه لا ترغب في رؤيته في هذا التوقيت. كان الظرف الذي يحمل هذا الوجه هو أكبر كارثة يمكن أن تواجهها في تلك اللحظة. تنبهت بشكل غريزي أن هذا الظهور لا يحمل إلا الكوارث،

،قائمتها المُخصصة لكتابة ضحياها تلوح أمام عينيها الآن،لقد جائت بأقدامها للهلاك.......

أغلقت الخادمة الباب تبعهُ صوت كعب أنثوي تعرفه جيدًا، ألتفت الجميع ينظرون إلي هوية الزائرة ، مُبتسمين لها بإتساع، بينما تقدمت هي بإبتسامتها المعتادة والتي تكرهها" رضوي "للغاية، أن أتينا للحق هي تكره الإبتسامة وصاحبتها أكثر من أي شيء، أكثر من" نادر "السَمج، وحتي أكثر من كلمة" عمو"التي تُجَبر علي قولها لـ "مُراد".......

كانت وما زالت جالسة بمكانها مُمسكة بسكينة صغيرة بيد، وباليد الأخري شوكة، ثبتت نظرها علي ردة فعل" مُراد"، تود أن تستشف ردة فعله هل كان سعيدًا لرؤيتها اليوم، بالطبع وأكثر، دليل، أنه منحها إبتسامة كبيرة مُرحبًا بها ...... أحدكم يُسدل الستار كفا إلي هنا.......

نغزت السكينة بقطعة اللحم المسكينة أسفل يديها بغلٍ وغيظ، كادت تكسر الطبق، مُتخيلة أن تلك الحيزبونة مكان قطعة اللحم، أليسَ يقولون أن القتل عند الغيرة حلال حلال حلال، إذن لمَ هي جالسة مكانها هكذا؟ فالتنقضُ عليها وتنحر رقبتها الجميلة تلك المُزينة بعقد لؤلؤي أبيض...

تسللت "نانسي" إلى المشهد كما تتسلل الرياح الباردة إلى غرفة دافئة، حضورها لا يُخطئه أحد. وقف الزمن للحظة وهي تُلقي بنفسها في عناق "مُراد"، وكأنها تُعلن سيطرتها على المساحة بأكملها. بدت وكأنها خرجت للتو من إحدى لوحات البورتريه؛ شعرها الأسود الداكن متموج بخفة على كتفيها العاريين، وكنزتها ذات الأكتاف الرفيعة تكشف عن بشرة مشرقة، توحي بترف لا يُقاوم.

نطقت بصوت يحمل نغمة مميزة، ليست فقط دافئة ولكنها محاطة بلمسة من الإغواء المُتقن:

"مُفاجأة مش كده....".

لم يكن المشهد يعني شيئًا لأي شخص آخر، لكنه بالنسبة لـ"رضوى" بدا وكأن كل كلمة هي سهم يُطلق نحوها. نظرت إلى "مراد"، كأنها تتوسل إجابة، لكنه كان منشغلاً بالرد بابتسامة واسعة، تلك الابتسامة التي تكرهها حين تُوجه لغيرها.

"وأحلى مُفاجأة كمان، جيتي إمتى؟ وليه مقولتليش أجي أخدك؟!".

قالها "مراد" بنبرة ودودة تحمل ألفة خاصة، نبرة لم تسمعها "رضوى" منذ وقت طويل..... ظلت في مكانها، تُراقب كأنها ضيف غير مدعو على مشهد تُدرك أنه لن يُنسيها هذا اليوم أبدًا. أحكمت قبضتها على أصابعها لتُمنع نفسها من التقدم وإفساد تلك اللحظة، لكن عقلها كان يشتعل بسيناريوهات مُدمرة؛ هل تُلقي بكأس العصير القريب نحو أحدهم أم تتظاهر بعدم الاكتراث؟

"نانسي"، وكأنها استشعرت الحريق الصامت، أجابت "مراد" وهي تهز كتفيها العاريين برشاقة، تلك الحركة التي بدت بالنسبة لـ"رضوى" استعراضًا مقصودًا:

_"قولت أعملهالكم مُفاجأة، أنا يادوب وديت الشُنط الفندق وجيت على هنا على طول."

لم يكن هناك مكان للأمل في هذا المشهد، كل كلمة من "نانسي" كانت تزيد الطين بلة، لكن الضربة القاضية جاءت من السيدة "حنان" التي أطلقت استنكارها بصوت مرتفع:

_"فُندق! فُندق أي يا بنتي وبيت عمك موجود؟!"

"نانسي"، التي لم تفقد توازنها للحظة، التفتت بابتسامة بريئة، لكنها كانت أكثر إيلامًا لـ"رضوى" من أي هجوم مباشر:

_"معلش محبتش أتقل عليكم."

هنا، لم يتحمل "مُراد" هذه المجاملة المتكلفة، فقاطعها بصوت بدا وكأنه يحمل الأمر والنهي معًا، لكنه أيضًا مليء بالدفء الذي يزيد "رضوى" غليانًا:

_"أنتِ عبيطة يا نانسي، بيت عمك زي بيتك بالضبط، أنتِ مش هتمشي من هنا هتقضي الإجازة هنا كلها معانا."

كانت الكلمات تسقط كحجارة صغيرة، لكن أثرها كجرفٍ هائل يتصدع في عقل "رضوى" التي بدأت تتخيل سيناريوهات تصدر فيها عناوين الصحف: "فتاة قتلت حبيبها لشدة غيرتها في لحظة غضب عارمة". لكنها استعادت تركيزها سريعًا، وراحت تتظاهر بالهدوء وهي تُراقب "نانسي" تُلقي قنبلتها الأخيرة بابتسامة دلال ونبرة رقيقة:

_"حاضر، هقضي الإجازة هنا.".

كانت" نانسي" تمكث في مدينة الأسكندرية، وتعمل مع "مُراد"، في شركتهم الخاصة بالأستيراد والتصدير، مُنذ ما يُقارب السنتين، حيث كانت" نانسي"متفوقة دراسيًا، وعندما تخرجت تدربت فالشركة، من ثم بعد فترة قصيرة أثبتت كفائتها، تم تعيينها فورًا ومُنذ ذالك الحين و"مُراد"لا يستغني عنها، معه خطوة بخطوة فالعمل نظرًا لأنها متفوقة في عملها جدًا كما يثرثر هو عنها دائمًا، تأمل أن يكون لهذا السبب فقط، حتمًا أن كان هُناك سببًا آخر، ستتصدر العناوين، شاهد فتاة أُلقت بالسجن بسبب أنها قتلت إحداهنَ بمبرد الأظافر، وهنا يمكنكم تحديد من هي إحداهنَ.......

استأنف "مُراد" حديثهِ يؤكد عليها:

_"أنا هبعت السواق يجيب حاجتك من الفُندق، أوضتك جاهزة وزي ما سبتيها آخر مرة! ".

لماذا لماذا؟، هي لا تود رؤيتها أمامها مُطلقًا، حتما سترتكبُ جناية، خاصةً وأنها تشك لا لا بل مُتأكدة أن" نانسي"تكنُ المشاعر تجاه "مُراد"، ويُمكن أن نقول أنها تُحبه بالفعل، وهذا يظهر بوضوح مهما حاولت هي أخفاء ذالك خلف شخصيتها الهادئة والرزينة، هي مفضوحة حتمًا، علي الأقل أمام" رضوي".......

فجأة، وكأنها لم تعد قادرة على تحمل ثقل الغضب الجاثم على صدرها، نهضت من كرسيها بحركة عنيفة ومباغتة. أصدر الكرسي صوت ارتطام مدوٍ مع الأرض، اهتزت أرجله الخلفية وكاد أن يرتد بفعل قوة النهوض. توقف الحديث في المكان للحظة، وكأن الزمن تجمد، ووجه الجميع أنظارهم نحوها بدهشة واستغراب.

كانت الأنظار تثقل كاهلها، وكأنها طعنة أخرى تُضاف إلى جراحها المفتوحة. حاولت أن تخفي توترها خلف ابتسامة متكلفة، لكنها جاءت باهتة، أشبه بمحاولة فاشلة لطمس أثر خطأ فادح. أخذت نفسًا عميقًا، ثم نطقت بصوت مرتفع قليلاً وبنبرة باردة، محاولة أن تبدو طبيعية :

"الحمدلله شبعت، أنا هروح أقعد فالجنينة شويه لحد ما تخلصوا، عن إذنكم!"

كلماتها خرجت متتابعة بسرعة، وكأنها تخشى أن يوقفها أحدهم ليسألها عن سبب تصرفها المفاجئ. لم تنتظر أي رد، بل أدارت ظهرها فورًا وتوجهت نحو الباب بخطوات متعجلة، قدماها تسبق عقلها في محاولة للهرب من ساحة المشهد التي شعرت أنها أصبحت مسرحًا لمحاكمتها النفسية.

فتحت الباب المؤدي إلى الحديقة، لتُغلق خلفها فصلًا من التوتر داخل المنزل وتستعد لمواجهة صراعها الداخلي في الهواء الطلق. تركت وراءها جلبة الكرسي وصمت الحضور وأعينهم التي ظلّت شاخصة نحو الباب لدقائق، وكأنهم يحاولون فك شيفرة تصرفها الغريب والمفاجئ.. تلك الفتاة بدت تصرفاتها غريبة تلك الفترة، فترة مُراهقة لا بأس.

❈-❈-❈

جلست في نهاية الحديقة التي تُحيط بالمنزل من الأربع جهات، حديقة حرصت السيدة" حنان"، علي الأعتناء بها جيدًا، ودومًا ما تزرعُ بها النعنان والقُرنفل، والورود لذا رائحة الهواء هنا مُنعشة، ورائحة الجو مُختلطة ما بين الثلاثة مزروعات، تُعطي هدوئًا كبيرًا للنفس، مرت علي جلستها تلك ربع ساعة تقريبًا، لم تفعل شئ سوى اللعب في أظافرها، والتفكير.....

ولنكون صُرحاء، ليس تفكيرًا بل تخطيطًا، ترسمُ خطة، نعم خطة لإبعاد تلك الحيزبونة عن طريق "مُراد"، تتحدث وكأنها بالفعل تملك القدرة علي فعل ذالك، نعم لا تملك، لكن يكفي شرف المُحاولة، هي أن أستطاعت إبعادها عنهُ وهي هنا، لن تسطع بالطبع أبعادها عنه بالعمل، أنها تتبعه مثل ظلهِ، يثق بها جدًا، دومًا ما يمدح عقلها وذكائها و قدرتها الفائقة علي حل جميع المُشكلات، كانت تستشعر من نبرتهِ فالحديث عنها أنه فخورً بها، وبما تفعله من تقدم......

متي يحين موعد تخرجها، لكي تعمل معهم وتثبت له أنها جديرة أكثر منها وذكية أيضًا و... وتُحبهُ، تنهدت بأنزعاج شديد، مُجرد التفكير فقط بأنه من المُمكن أن يكون يكن لها مشاعر الحُب المتبادل، تشعرُ بالأختناق الشديد،وأنعدام الهواء من حولها،فلتذهب للجحيم .....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب نازف بالحب    خاتمة

    الخاتمةوها نحن نقف على عتبة النهاية، نطوي صفحات حكاية جمعتنا بشخصيات لم تكن مجرد أسماء على الورق، بل أرواحًا نابضة بالحياة، عاشت بين السطور حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا. رضوى ومراد، بأوجاعهما وانتصاراتهما، بخيباتهما وأحلامهما، كانا انعكاسًا لكل ما نحمله نحن من تناقضات البشر؛ من خوفٍ ورجاء، من حبٍ ورغبةٍ في التمسك رغم الانكسار، ومن إيمانٍ بأن النهايات القاسية قد تقودنا إلى بداياتٍ أكثر رحمة.هذه الرحلة لم تكن فقط قصتهم، بل كانت قصتنا جميعًا. كل سطر فيها لامس قلبًا، وكل كلمة أعادت فتح جراحٍ قديمة، وربما منحت بلسماً جديدًا لروحٍ كانت تبحث عن بعض السكينة. كنتم شركاء حقيقيين في هذا العالم، شهودًا على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، وأصدقاء للشخصيات التي ربما وجدتم في عذاباتها وابتساماتها، وفي أخطائها وانتصاراتها، شيئًا يشبهكم. وربما بكيتم معهم في لحظة، وابتسمتم لهم في أخرى، وانتظرتم النهاية كما لو أنها تخصكم أنتم أيضًا.لقد كانت الكتابة رحلة طويلة، امتلأت بالمشاعر قبل الكلمات. كانت هناك ليالٍ سهرنا فيها معًا، وصفحات كُتبت بقلوبٍ مثقلة، وأخرى وُلدت من لحظات أملٍ وإيمان. وكلما خطوت خطوةً في هذه

  • قلب نازف بالحب    132

    "إيه ده؟ حفلة أكل من ورايا ولا إيه؟". قالها طارق بصوت نصف ساخر، نصف مصدوم.رفعت رانيا رأسها ببطء، وشفتاها ملطختان ببقايا الشوكولاتة. حدقت فيه للحظة، ثم ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت وهي تمد يدها بكيس رقائق البطاطس نحوه:_ "تعالي شاركني ."رفع حاجبيه باندهاش، ثم وضع يده على رأسه، وهو يقول بنبرة لا تخلو من المرح:_"أي ده؟ أي ده؟ بسم الله ما شاء الله... وأنا أقول مُرتبي بيخلص قبل نص الشهر ليه!"رفعت" رانيا "رأسها منغمسًة في لقمة من بسكويت مغطى بالشوكولاتة، ثم ردت بلهجة دفاعية مزاحًا:_"أي يا توتي يا حبيبي! أنت هتبصلي فالأكل؟"وقف متكئًا على إطار الباب، يضع يديه على خاصرته قائلاً بنبرة تمزج بين الاستغراب والضحك:_"توتي!... لا يا ستي، بالهنا والشفا. بس مش كده، أنت داخلة على علبة الشوكولاتة العشرين من إمبارح."ابتسمت رانيا، تمد يدها له بكيس رقائق البطاطس وهي تقول بدلال:_"تعالى، تعالى، كُل معايا."نظر إلى الطاولة، ثم إليها، وأخذ خطوة للوراء قائلاً:_"أكل إيه بقى! هو أنت سايبة حاجة! ده أنت منتقمة من الأكل... عليه العوض ومنه العوض."ضحكت ضحكة خفيفة، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بنبرة مرحة، وكأنها

  • قلب نازف بالحب    131

    أخيرًا، الست رضوى قررت تنضم إلينا!"_"طبعًا، لازم يكون عندكم صبر على الطباخ الرئيسي."وضعت "رضوى" الأطباق أمامهما بعناية، ثم استرخت بجواره على الأريكة، تسحب نفسًا عميقًا وكأنها تتنفس كل السكينة التي يغمرها بها وجوده. طرف عينيها لاحقه وهو يمد يده ليأخذ حفنة من الفشار، يراقب الشاشة أمامه بنظرة تحمل ألف ذكرى للفيلم الذي حفظاه معًا عن ظهر قلب._"روبنزل للمرة المئة، أنا مش فاهم إحنا ليه عمرنا ما بنزهق!"قالها "مراد" بنبرة ساخرة، يتظاهر بالملل بينما عينيه تلمعان بمرح. ضحكت "رضوى"، وفي لحظة عفوية، أسندت رأسها على كتفه، مستسلمة لذلك الدفء الذي يرافقه دائمًا، ثم همست، وكأنها تبوح بسر يخصها وحدها:_"لو عرفت تزهق مني، هتزهق من الفيلم ده."التفت إليها "مراد"، عيناه تتمعنان في تفاصيل وجهها، في تلك اللمعة الخفيفة التي تزين نظرتها، في صوتها الذي يحمل في طياته شيئًا من الحنين واليقين. مد يده يلامس وجنتها برقة، وكأنه يختبر نعومتها تحت أطراف أصابعه، ثم قال بخفوت عميق:_"مقدرش أزهق منك، حقيقي أنا بحمد ربنا على وجودك يا رضوى، غيرتِ حاجات كتيرة أوي."ابتسمت، نظرة ممتنة تملأ عينيها، ثم رفعت يدها لتداعب خده

  • قلب نازف بالحب    130

    أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها على ألا يُخطئ ثانية، وقال بصوت مفعم باليقين:_"وعد يا رضوى... وعد قدامك وقدام نفسي."رفع رأسه إليها، نظرة رجاء صادقة ترتسم في عينيه، نظرت إليه بعمق، وكأنها تبحث عن بقايا الأمان الذي كانت تعرفه فيه. ثم قالت بصوت خافت:"الفرصة دي مش عشانك بس يا مراد... عشاننا إحنا الاتنين. لو حسيت إنك مش قادر تكمل، أو مش قد الوعد ده، أنا اللي هقفل الباب المرة دي... للأبد."أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها من جديد، ثم قال بصوت مفعم باليقين:_"مش هخذلك، وعد يا رضوى. وعد بصدق قلبي، مش بكلامي."وبين كلماتهم المتشابكة، كانت المسافة بينهما تضيق رويدًا،هزت رأسها بخفة، ثم أشارت إلى الباب بحركة خفيفة، وقالت بابتسامة لم تخف مزيج المشاعر بداخلها:_"يلا، عشان بابا هيبدأ يسألنا أسئلة إحنا مش جاهزين نرد عليها."ضحك بخفة، ضحكة بدت كأنها أول نسمة أمل بعد عاصفة طويلة. وتقدمت هي أمامه بخطوات ثابتة، بينما لحق بها ببطء، يحمل في قلبه وعدًا جديدًا، وإصرارًا على أن يجعل تلك الفرصة بدايةً جديدة، وليست نهايةً أخرى... مراد سار خلفها، عينيه معلقتان على تفاصيل خطواتها، كأنها البوصلة التي أعادته إلى المسا

  • قلب نازف بالحب    129

    اومأت برأسها مُوافقة علي حديث والداها، وبداخلها تعلم أنها توافق علي حديث قلبها اولاً..... تركها والداها ونهضَ يخرج من الحديقة، دقيقتين ووجدت"مُراد"يحتل المكان وقد سبقهُ عطره وقفت ، يدها تتشبث بطرف الطاولة كأنها تحاول الإمساك بتوازنها بينما عينها تراقبه يخطو نحوها ببطء. لم تكن تتوقع حضوره، لكن مجرد رؤيته كان كفيلاً بأن يُشعل اضطرابًا عميقًا في صدرها. شعرت بضربة قلبها تتسارع، ثم ترتبك، وكأن نبضها يعلن عصيانًا ضد تلك الجدية التي طالما حاولت أن تتمسك بها.وقف" مراد" على بعد خطوات، يحمل بين يديه تلك النظرة التي عرفتها جيدًا، نظرة ملأتها مزيج من الاعتذار والرجاء. خفق قلبها للحظة، تكاد قدماها تهويان بها. لوهلة، خيل إليها أنها ستنهار، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها. ابتلعت غصة تشبه البكاء وأجبرت جسدها على الاستقامة.نظرت إليه بجدية مصطنعة، رفعت ذقنها قليلًا، وكسرت حاجز الضعف الذي شعرت به منذ الوهلة الأولى. جمدت ملامحها كأنها نحتت صخرة باردة مكان وجهها، زمت شفتيها قليلاً، وأسقطت يدها عن الطاولة ببطء لتضعها على جانبها، كأنما تعلن لجسدها أن يتوقف عن ارتعاشه. ثم ببرود متكلف، لكنها تعلم أنه هش

  • قلب نازف بالحب    128

    ❈-❈." بعد مرور يومين، بـ دولة المغرب ". كانت الحديقة الخلفية لمنزل والديها في" المغرب" أشبه بلوحة فنية تتنفس الحياة. الأشجار العتيقة بظلالها الممتدة، والأزهار المتناثرة بعشوائية متقنة، تشكلت بألوان حادة: أرجواني الجهنمية، أصفر زهر الخزامى، والأبيض الناصع للياسمين الذي كانت رائحته تطفو مع نسمات المساء. كانت الشمس في آخر مراحل غروبها، تلون السماء بأطياف ذهبية وبرتقالية، وكأنها تحاكي قلب رضوى الذي غمره الحزن بتدرجاته.جلست على مقعد خشبي في زاوية بعيدة عن الأعين، حيث كانت تتقاطع أغصان شجرة زيتون معمرة فوق رأسها، جلستها المُفضلة مُنذ أن جاءت الي هنا قبل يومين.... ارتدت فستانًا بسيطًا من الكتان بلون أزرق باهت، أطرافه مزينة بتطريز مغربي دقيق بألوان خضراء وبيضاء. كان الفستان يصل إلى آخر ساقيها، أعطتهُ لها زوجة والدها "نرجس"، وضعت حول كتفيها شال ناعم بلون رمادي، بدا وكأنه يحمل دفء حزنها معها..... شعرها الطويل كان مرفوعًا بتلقائية، وترك بعض الخصل تتناثر على وجهها كأنها ستائر تخفي عن العالم دموعًا حاولت ألا تنساب. قدماها الحافيتان كانتا تغوصان برفق في العشب الرطب، وكأنها تبحث عن ملاذ ما في ب

  • قلب نازف بالحب    الفصل الحادي عشر

    _"هو أنا مش بصعب عليكم بجد والله، مش بصعب عليكم خالص، لي كده، أنتِ ناوية تموتني صح، لا وجاية في اليوم اللي أتولدت فيه علشان أبقي مميزة مُت فاليوم اللي أتولدت فيه، لا كتر خيرك والله." كانت كلماتها تحمل مرارة خفيفة مغلفة بسخرية لاذعة، نبرتها تعكس استسلامًا فكاهيًا للعبث الذي لا ينتهي من "ليلي". الأخ

  • قلب نازف بالحب    الفصل التاسع

    عاملة أي دلوقتي مش أحسن." قالها "مراد" وهو يلتفت برأسه إليها، نظرة عينيه حانية ومليئة بالقلق. كان يجلس على مقعد السائق، لكن انتباهه كان موزعًا ما بين الطريق و"نانسي" التي بدت شاحبة الجسد وضعيفة الملامح. يده امتدت برفق نحو يديها الباردتين كأنما يحاول بث الطمأنينة فيها من خلال لمسة واحدة. كانت "نان

  • قلب نازف بالحب    الفصل الثامن

    قالتها والداته المُنصدمة من أفعاله المجهول سببها بالنسبة لهم: _"لو سمحتي يا أُمي، أنا عارف أنا بعمل أي محدش يناقشني". قال كلماتهِ بنبرة صارمة، ثم تركهم تأكل من رؤسهم الطير، إلي الآن لا يفهم احد شيئًا، عدا منها هي، هي وحدها من كانت تعلمَ سبب كل هذا، وكادت بالفعل تبكي ندمًا لمَ فعلتهُ بأندفاع دون ت

  • قلب نازف بالحب    الفصل السابع

    ارتفعت ضحكتها الأنثوية خافتة، تُزينها مسحة خجل حاولت أن تُخفيها برفع حاجبيها بثقة مصطنعة. دفعت خصلة شعرها من جديد خلف أذنها، وهي تُجيبه بعينين براقتين يملؤهما يقين بما تقول: _" أن شاءلله هتبقي لينا، وأنا واثقة، أنا عمري قولت حاجه ومحصلتش". قهقه ضاحكًا بصوت أجش، ارتفعت معه تفاحة آدم أسفل ذقنه وا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status