Partager

لازومارا
لازومارا
Auteur: amjad

الفصل 1

Auteur: amjad
last update Date de publication: 2026-07-26 17:36:51

❦ ثمن البقاء ❦

كانت قاعة الكاهن كيان أشبه بنفقٍ غائر في أحشاء الجبل السحيقة، حيث لا يعرف الضوء طريقه إلا عبر ألسنة المشاعل المعلقة بين الشقوق الصخرية. امتزج الهواء برائحة الرطوبة والحديد الصدئ، حتى بدا كل نَفَسٍ يُستنشق أثقل من سابقه، وكأنه يحمل في أعماقه أثر اللعنة التي خيمت على لازومارا منذ قرون.

كانت قطرات الماء تتساقط من سقف الكهف بإيقاعٍ ثابت، ترتطم بالأرض الحجرية ثم يتردد صداها في أرجاء القاعة، فيخيل للسامع أنها نبضات قلبٍ يحتضر في أعماق الجبل.

في منتصف القاعة، ارتفع الضباب الأبيض في دواماتٍ بطيئة، يلتف حول عددٍ قليل من الواقفين في صمت. كانوا أبناء السلالة النقية... النخبة التي حافظت اللعنة على ملامحها البشرية، بينما سلبت بقية سكان القرية أشكالهم حتى غدت وجوههم وأجسادهم مشوهة، يعيشون في الظلال وكأنهم أشباح نسيت كيف كانت هيئة الإنسان.

وعلى أطراف القاعة، وقفت تلك الوجوه تحدق في السلالة النقية بصمتٍ ثقيل. لم تكن نظرات إعجاب... ولا احتقار... بل مزيجًا مؤلمًا من الحسد والاعتياد. كانوا يعلمون أن الجمال الذي حُرموا منه لم يكن نعمة، بل عبئًا اختاره الجبل ليبقي قريتهم على قيد الحياة.

في مقدمة القاعة، وقف الكاهن كيان أمام المذبح الحجري.

كان جسده الضخم مغطى بجلدٍ رمادي متشقق يشبه لحاء شجرةٍ ماتت منذ زمن بعيد، بينما بدت أصابعه طويلة وعظمية على نحوٍ غير طبيعي. أما عيناه الغائرتان، فقد كان يخرج منهما بريقٌ أصفر خافت، لا يحمل غضبًا ولا رحمة... بل يقينًا باردًا اعتاد أن يأمر فيُطاع.

وعندما تكلم، خرج صوته خشنًا، كاحتكاك صخرتين في بئرٍ مهجور.

«الحاجز السحري الذي يفصل عالمنا عن عالم البشر... ليس أبديًا.»

ساد الصمت.

«إنه يعيش على دماء الغرباء.»

ثم جال بنظره بين الواقفين.

«ومهمتكم، يا أبناء السلالة النقية، ليست شرفًا ولا اختيارًا... أنتم الوسيلة التي تحفظ لازومارا من الزوال. بكم يُفتح الطريق... وبكم يستمر الحاجز.»

قبض بعض الواقفين على أيديهم بصمت، بينما بقيت الوجوه منحنية نحو الأرض.

كانت ميلا تقف في مقدمة الصف.

بدت في أوائل العشرينات، ببشرةٍ ناعمة شاحبة زادها ضوء المشاعل صفاءً، وشعرٍ أسود طويل انسدل فوق كتفيها في تموجاتٍ هادئة، كأن الليل نفسه استقر عليه. أما عيناها البنيتان الواسعتان، فكانتا تحملان براءةً دافئة يصعب الشك فيها، يتناقض عمقها الحزين مع هدوء ملامحها الرقيقة. كان جمالها هادئًا، لا يفرض نفسه بالصخب، بل يجذب النظر إليه دون أن يشعر صاحبه.

إلى جوارها وقفت آريا.

كانت تختلف عنها تمامًا.

قامة ممشوقة، وكتفان مستقيمان، وملامح حادة منحوتة بثقةٍ واضحة. انعكس ضوء المشاعل على عينيها العسليتين فبدتا أكثر حدة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة يصعب معرفة إن كانت سخريةً أم تحديًا. كان حضورها يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى؛ جمالٌ لافت يمتزج بقوة الشخصية، حتى إن نظراتها وحدها كانت كافية لتجعل من يقف أمامها يعيد حساب كلماته.

ورغم وقوفهما جنبًا إلى جنب...

بدتا كأنهما وجهان متناقضان للجمال نفسه.

ميلا تشبه نسمةً هادئة تدعو للاطمئنان...

أما آريا، فكانت تشبه لهبًا ساكنًا يوحي بالخطر.

رمقت آريا ميلا بطرف عينها.

لم تنطق بكلمة.

لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية لتكشف ما تخفيه في صدرها من غيرةٍ ورغبةٍ دفينة بأن تتعثر ميلا يومًا، فتكون هي صاحبة المكانة الأولى بين أفراد السلالة النقية.

رفع الكاهن إصبعه العظمي، وأشار نحوهم.

«البشر كائناتٌ تقودهم مشاعرهم قبل عقولهم.»

ثم تابع بصوتٍ ثابت: «اقتربوا من حدود الضباب... اجعلوهم يطمئنون إليكم، ويختارون السير معكم بإرادتهم. وما إن يطؤوا أرض لازومارا... ينتهي دوركم، ويبدأ دور الطقوس.»

ثم أمسك بالخنجر الطقسي العتيق، ومرر نصله ببطء فوق الرموز المحفورة في المذبح.

وفي اللحظة التالية...

اشتعلت النقوش بضوءٍ أحمر ساطع، وانعكس على الجدران والوجوه حتى بدا وكأن القاعة بأكملها غُمرت بلون الدم.

لم يكن ذلك مجرد طقسٍ يتكرر كل شهر...

بل تذكيرًا لهم بالحقيقة التي لا يجرؤ أحد على نسيانها.

كل يومٍ تعيشه لازومارا في أمان... كان ثمنه روح إنسانٍ تُراق دماؤها فوق هذا المذبح.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • لازومارا   الفصل 60

    ❦ الفصل 69: الدم الذي يحمل السر ❦لم تستطع مارا أن ترفع عينيها عن فارس ومازن.كان كيان واقفاً أمامهما، والحراس يحيطون بالمذبح من كل جانب، أما الناس فكانوا ينتظرون في صمت؛ لم يكن أحد يتحدث الآن، فالجميع ينتظر اللحظة التي سيبدأ فيها القربان.شعرت مارا بأنها لا تستطيع الوقوف في مكانها أكثر من ذلك، وكان عليها أن تفعل شيئاً، لكن ماذا؟ إذا حاولت مساعدتهما الآن فسيمسكون بها أيضاً، وإذا بقيت صامتة فقد تخسرهما أمام عينيها.نظرت إلى فارس، فوجدته يراقبها، ثم حرّك رأسه قليلاً وكأنه يطلب منها ألا تقترب، لكنها لم تستطع تنفيذ طلبه؛ تقدمت خطوة، ثم أخرى، واقتربت من المذبح وهي تحاول أن تبدو طبيعية.قال أحد الحراس: ـ إلى أين تذهبين؟توقفت مارا وقالت: ـ أريد أن أرى.نظر إليها للحظات، ثم ابتعد.اقتربت أكثر، فنظر مازن إليها وقال بصوت خافت: ـ مارا، لا تقتربي.تظاهرت بأنها لم تسمعه، أما فارس فقال: ـ لماذا جئتِ؟أجابته ببرود مت

  • لازومارا   الفصل 59

    ❦ قربان الكاهن ❦كان فارس ومازن مقيدين فوق المذبح.لم تستطع مارا أن تتحرك؛ كانت تقف بين أهل لازومارا تحاول أن تخفي خوفها، بينما كان كل شيء من حولها يبدو كأنه يسير نحو نهاية لا تستطيع منعها.اقترب أحد الحراس من فارس، وانتزع السكين الصغيرة من يده، ثم رفعها أمامه وقال:«كان يحاول فك قيود السجين.»نظر الحارس إلى مازن، ثم إلى فارس:«والآن أصبح لدينا قربانان بدلاً من واحد.»ارتفعت أصوات الناس من حولهم؛ بعضهم هتف، وبعضهم بدأ يتحدث عن كيان وعن قوته.أما مارا فكانت تنظر إلى فارس، وكان يحاول الحفاظ على هدوئه.قال له مازن بصوت منخفض:«قلت لك إن هذا سينتهي بنا هنا.»ابتسم فارس ابتسامة خفيفة:«كان عليك أن تتحمل أكثر قليلاً.»«أنا؟ أنت الذي قررت أن تأتي إليّ.»«ولم أكن سأتركك.»سمعت مارا كلماتهما وشعرت بغصة في صدرها؛ كانا مقيدين أمام الجميع، ومع ذلك لم يكن أي منهما يفكر في نفسه.فجأة، ساد الصمت وتوقفت الأصوات، وتراجعت المخلوقات عن الطريق، ثم بدأت خطوات تقترب من داخل المعبد... خطوة، ثم أخرى.

  • لازومارا   الفصل 58

    ❦ السجين الهارب ❦ لم تستطع مارا أن تبعد عينيها عن مازن. كان الحراس يقتادونه بعيداً، بينما بدأ أهل لازومارا يتجمعون حوله واحداً تلو الآخر؛ بعضهم كان يهتف، وبعضهم يراقبه بصمت، أما المخلوقات المنتشرة بينهم فكانت تتحرك بعصبية، وكأن القبض على سجين هارب كان حدثاً مهماً بالنسبة لهم. قال فارس بصوت خافت: «يجب أن نذهب خلفه.» أمسك باسل بذراعه: «ليس بهذه الطريقة.» نظر إليه فارس بغضب: «ماذا تقصد؟» «إذا خرجنا الآن، سيقبضون علينا جميعاً.» نظرت مارا إلى مازن من جديد؛ كان يمشي بصعوبة، والحارسان يمسكان بذراعيه. ثم التفت فجأة وبحث بعينيه بين الناس، وعندما وجد مارا، توقف للحظة. لم يقل شيئاً، لكنها فهمت ما أراد قوله: «لا تتركيني.» ابتلعت مارا خوفها، ثم قالت: «سأذهب إليه.» نظر إليها فارس بدهشة: «مارا...» «إذا بقيت هنا، سيعرفون أنني أساعده.»

  • لازومارا   الفصل 57

    بقيت مارا تحدق في الصفحة الأخيرة للحظات، وكانت الكلمات التي كتبتها زيراثا لا تزال تدور في رأسها: دم، حجر، باب، وعهد قديم. لم يكن أحد منهم يعرف كيف يجمعها معًا، ولا ماذا كانت تعني بالتحديد، لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا بالنسبة لمارا: لم يكن من الآمن أن يبقوا هنا أكثر.رفعت رأسها ونظرت إلى الآخرين:ـ «يجب أن نخرج من هنا.»نظر إليها باسل:ـ «الآن؟»أومأت مارا:ـ «كريم ولارين ما زالا ينتظراننا خارج الغابة، لا يعرفان أين ذهبنا، ولا يعرفان ما حدث لنا.»قال فارس:ـ «معكِ حق.» ثم نظر إلى المذكرات: «لكن ماذا سنفعل بها؟»أجاب باسل دون تردد:ـ «ستأتي معنا.»أخذ باسل المذكرات وأعاد لفها بالقطعة القماشية القديمة، ثم وضعها بعناية داخل حقيبته.قال مازن:ـ «هل تعتقد أن أحداً سيبحث عن هذا المكان؟»نظر باسل إلى الباب:ـ «بعد كل ما قرأناه عن كيان... لا أستبعد شيئاً.»اقتربت مارا من الجدار مرة أخيرة، ومررت أصابعها فوق الرموز القديمة التي قضوا وقتاً طويلاً يحاولون فهمها. كان هناك شيء في تلك

  • لازومارا   الفصل 56

    ❦ ما وراء الكلمات ❦ بقي باسل للحظات طويلة يحدّق في الجملة الأخيرة. لم يتحرك. كانت كلمات زيراثا ما تزال أمام عينيه، واضحة في شكلها، لكنها تحمل معنىً أبعد من قدرتهم على الفهم. «لم أستطع كسر العهد... لكنني عرفت كيف يمكن أن ينتهي.» أعاد قراءتها بصمت مرة أخرى. ثم أغلق المذكرات ببطء. صدر صوت خافت حين أُطبقت الصفحات القديمة، وكأن الكتاب نفسه كان يرفض أن تنتهي قصته عند هذه النقطة. وضعه باسل أمامه على الطاولة. ولم يتحدث أحد. ظل الأربعة جالسين في صمت داخل الغرفة القديمة، بينما كانت آثار الكلمات التي قرأوها أثقل من أي جواب. كانت مارا تنظر إلى المذكرات، تحاول ترتيب كل ما سمعته. دم يحمل جهتين. حجر شهد بداية العهد. باب يفصل بين عالمين. وعهد بدأ بالحماية ثم تحول إلى استعباد. لكن كلما حاولت جمع الكلمات معًا، شعرت بأنها تبتعد أكثر. قالت بهدوء: «زيراثا لم تترك لنا حلاً... تركت لنا أجزاء من شيء أكبر.» رفع باسل نظره إليها. «بالضبط.» أشار إلى المذكرات. «لم تكن تريد أن تعطينا الإجابة كاملة. كانت تعرف أن كيان لو وجدها قد يفهمها قبلنا.» أخذ فارس نفسًا عميقًا. ثم قال: «لكن بعض الجمل لا

  • لازومارا   الفصل 55

    وتجمّدت أصابع باسل قبل أن يقلب الورقة الأخيرة؛ بقي للحظات يحدّق في طرفها، وكأن شيئًا داخله يخبره أن ما سيقرأه لن يكون مجرد كلمات أخرى في مذكرات زيراثا.ثم قلب الصفحة... كانت مختلفة تمامًا.لم يكن فيها شرح، ولا أسماء، ولا تواريخ؛ فقط رموز قديمة مرسومة في أعلى الورقة، وتحتها كلمات كُتبت بحبر داكن، رغم أن الورقة نفسها بدت أقدم من الصفحات السابقة.وفي منتصفها، كتبت زيراثا:«إلى من يصل إلى هنا...لا تبحث عن نهاية العهد في السيوف، ولا في النار، ولا في قوة أقوى من قوة كيان.فالعهد الذي حُفظ بالخوف لا يسقط بالقوة وحدها، بل يعود إلى أصله حين يُفهم ما كان عليه قبل أن يُشوَّه.»توقف باسل لحظة، ثم تابع:«كان هناك دم... دمٌ يحمل جهتين، ولا تعترف به جهة كاملة، ولا تنكره الجهة الأخرى. دمٌ يحمل أثر طريقين، دون أن ينتمي إلى أحدهما وحده.فإن سألتم: أي الدمين هو الأصل؟ فاعلموا أن السؤال نفسه خاطئ؛ فما اجتمع في دمٍ واحد... لا يحتاج إلى أن ينفصل ليُثبت أصله، وما انقسم يومًا... قد يجتمع من جديد.»قطّب باسل حاجبيه.قال مازن:ـ هذا لا يشبه نبوءة.أجاب فارس بصوت خافت:ـ بل يشبه شيئًا أقدم من النبوءات.تابع با

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status