LOGINكانت برودة الأرض الحجرية تتسلل عبر حذائها النحيل، لتسري في جسدها كقشعريرة لا تنتهي. لم تكن ميلا تسمع صدى قطرات الماء المتساقطة من سقف الكهف فحسب، بل كانت تسمع دقات قلبها وهي تتسارع داخل صدرها كطبول تحذيرية حادة.
وقفت في مقدمة الصف، محاولة قدر الإمكان ألا تظهر ارتجاف يديها أو اضطراب أنفاسها. كانت تعلم أن عين الكاهن كيان الصفراء الغائرتين لا تغفلان عن أصغر التفاصيل، وأن أي إشارة ضعف قد تكلفها الكثير. وعندما ارتفع صوته الخشن المجوف وهو يتحدث عن الحاجز السحري وعن دماء الغرباء التي تجدد حياته، شعرت ميلا بضيق شديد في تنفسها، وكأن الهواء حولها تحول إلى عبء ثقيل يكتسح رئتيها. لم يكن الخوف من المهمة المجهولة فقط هو ما يعصر قلبها، بل تلك النظرات المظلمة التي تخيم على أرجاء القاعة. كانت نظرات الحسد الصامت تبدو جلية في عيون المشوهين الواقفين عند أطراف الكهف، وهم يراقبون أجساد السلالة النقية بشوق وحسرة. وإلى جوارها، كانت تشعر بحضور آريا الثقيل، و تلك النظرة الحادة الحاقدة التي أطلقتها نحوها. رمقت آريا بطرف عينها للحظة قصيرة؛ كانت آريا تقف بثبات يشبه الصخر، واثقة ومستعدة، بينما كانت ميلا تشعر في أعماقها بأنها مجرد قشة ضعيفة على وشك أن تطير مع أول نفخة ضباب. أغمضت ميلا عينيها لحظة، وتذكرت الحقيقة المريرة التي تحكم لازومارا منذ عقود طويلة: "أنتم الوسيلة، بكم يستمر الحاجز". لم يكن أمامها أي خيار آخر، فإما أن تنجح في استدراج روح بشرية إلى هذا القبر الحجري، أو تتساقط قيمتها لتتحول إلى مجرد ظل مشوه آخر يعيش في زوايا هذا الكهف المظلم إلى الأبد. عندما امتدت يد الكاهن بالخنجر الطقسي العتيق، واشتعلت النقوش المحفورة على المذبح بالضوء الأحمر الدموي، شعرت ميلا برعب حقيقي يحثها على الهرب والابتعاد فوراً. خطت خطواتها الأولى نحو الضباب الأبيض الكثيف الذي كان يلتف عند مخرج القاعة. كل خطوة كانت تبتعد بها عن هيبة الكاهن ونظرات آريا المتربصة، كانت تخفف القليل من ذلك الثقل الخانق على صدرها، لكنها في الوقت نفسه كانت تفتح باباً لرعب أكبر؛ رعب الخروج إلى عالم البشر المجهول الذي لم تطأه قدمها من قبل إلا مرات معدودة اثناء تدريبها. تسللت بخفة عبر حافة الجبل الصخرية الضيقة، حيث بدأت معالم لازومارا تبتعد وتختفي تدريجياً وراء خط فاصل من الضباب الأبيض الحارق. وما إن تجاوزت تلك المنطقة العازلة التي تفصل بين العالمين، حتى تبدل الهواء تماماً. استنشقت رطوبة المطر ورائحة التراب الندي، وكان صمت الغابة يسود المكان برهبة غريبة. أخذت تتخبط بين الأشجار الكثيفة و أغصانها الحادة التي خدشت أطراف ثوبها وأربكت خطواتها السريعة، حتى خرجت أخيراً إلى الطريق الترابي المحاذي للشارع الإسفلتي المظلم والممتد إلى المجهول. كانت المسافة بين عتمة الكهوف وهذا الطريق تبدو وكأنها فاصل عميق بين حلم مرعب وكابوس جديد. مشت بخطوات بطيئة ومترددة، تشعر ببرودة الليل الخارجي تحيط بجسدها الشاحب، تاركة أثراً من الخوف في كل خطوة. جلسَت أخيراً على رصيف متهالك عند حافة الطريق، وانكمشت على نفسها في محاولة لجلب القليل من الدفء، تضغط يديها الباردتين إلى صدرها لتهدئة ارتجافها الداخلي. بدأت الأفكار تتصارع وتتضارب داخل رأسها بشكل مجنون: كيف لفتاة مثلها لا تعرف المكر أن تغري بشرياً ليتبعها؟ هل ستستطيع الخداع والتمثيل كما طلب الكاهن دون أن ينكشف أمرها؟ كل أفكارها تضاربت مع طبيعتها الرقيقة التي لم تعتد الإيذاء. رفعت عينيها البنيتين بنظرة تائهة نحو الشارع الخالي، تنتظر القدر المجهول والتضحية الأولى التي ستجبرها قوانين لازومارا عليها. وفجأة، شق سكون الظلام شعاعان قويان من الضوء الأصفر، يندفعان من بعيد من خلال سيارة قديمة تقترب ببطء شديد. سارعت ميلا بإمساك طرف رداءها وشده حول جسدها، متظاهرة بالضعف، بينما كان قلبها يدق برعب حقيقي وملموس، منتظرة ما ستحمله تلك السيارة القادمة إليها.❦ ما وراء الكلمات ❦بقي باسل للحظات طويلة يحدّق في الجملة الأخيرة.لم يتحرك.كانت كلمات زيراثا ما تزال أمام عينيه، واضحة في شكلها، لكنها تحمل معنىً أبعد من قدرتهم على الفهم.«لم أستطع كسر العهد... لكنني عرفت كيف يمكن أن ينتهي.»أعاد قراءتها بصمت مرة أخرى.ثم أغلق المذكرات ببطء.صدر صوت خافت حين أُطبقت الصفحات القديمة، وكأن الكتاب نفسه كان يرفض أن تنتهي قصته عند هذه النقطة.وضعه باسل أمامه على الطاولة.ولم يتحدث أحد.ظل الأربعة جالسين في صمت داخل الغرفة القديمة، بينما كانت آثار الكلمات التي قرأوها أثقل من أي جواب.كانت مارا تنظر إلى المذكرات، تحاول ترتيب كل ما سمعته.دم يحمل جهتين.حجر شهد بداية العهد.باب يفصل بين عالمين.وعهد بدأ بالحماية ثم تحول إلى استعباد.لكن كلما حاولت جمع الكلمات معًا، شعرت بأنها تبتعد أكثر.قالت بهدوء:«زيراثا لم تترك لنا حلاً... تركت لنا أجزاء من شيء أكبر.»رفع باسل نظره إليها.«بالضبط.»أشار إلى المذكرات.«لم تكن تريد أن تعطينا الإجابة كاملة. كانت تعرف أن كيان لو وجدها قد يفهمها قبلنا.»أخذ فارس نفسًا عميقًا.ثم قال:«لكن بعض الجمل لا تزال عالقة في رأسي.»نظ
وتجمّدت أصابع باسل قبل أن يقلب الورقة الأخيرة؛ بقي للحظات يحدّق في طرفها، وكأن شيئًا داخله يخبره أن ما سيقرأه لن يكون مجرد كلمات أخرى في مذكرات زيراثا.ثم قلب الصفحة... كانت مختلفة تمامًا.لم يكن فيها شرح، ولا أسماء، ولا تواريخ؛ فقط رموز قديمة مرسومة في أعلى الورقة، وتحتها كلمات كُتبت بحبر داكن، رغم أن الورقة نفسها بدت أقدم من الصفحات السابقة.وفي منتصفها، كتبت زيراثا:«إلى من يصل إلى هنا...لا تبحث عن نهاية العهد في السيوف، ولا في النار، ولا في قوة أقوى من قوة كيان.فالعهد الذي حُفظ بالخوف لا يسقط بالقوة وحدها، بل يعود إلى أصله حين يُفهم ما كان عليه قبل أن يُشوَّه.»توقف باسل لحظة، ثم تابع:«كان هناك دم... دمٌ يحمل جهتين، ولا تعترف به جهة كاملة، ولا تنكره الجهة الأخرى. دمٌ يحمل أثر طريقين، دون أن ينتمي إلى أحدهما وحده.فإن سألتم: أي الدمين هو الأصل؟ فاعلموا أن السؤال نفسه خاطئ؛ فما اجتمع في دمٍ واحد... لا يحتاج إلى أن ينفصل ليُثبت أصله، وما انقسم يومًا... قد يجتمع من جديد.»قطّب باسل حاجبيه.قال مازن:ـ هذا لا يشبه نبوءة.أجاب فارس بصوت خافت:ـ بل يشبه شيئًا أقدم من النبوءات.تابع با
❦ سر الكاهن ❦لم تكن الصفحة التالية تشبه ما سبقها.كانت الورقة أقدم، وحوافها متآكلة، بينما بدا الحبر باهتاً في بعض المواضع، كأن الزمن حاول محو الكلمات قبل أن تصل إلى أحد.قلب باسل الصفحة بحذر.ثم ظهرت جملة في منتصف الورقة.قرأها بصوت منخفض:«إذا وصلت هذه المذكرات إلى أحد بعدي، فاعلموا أنني كنت الوحيدة التي عرفت الحقيقة كاملة.»تبادل باسل ومارا النظرات.تابع القراءة.«عرفت من يكون كيان.»«ليس كما أخبر أهل لازومارا.»«وليس كما أرادهم أن يعتقدوا.»توقفت أنفاس مارا.قال فارس:«شيطان مارد..»لم يجب باسل.كانت عيناه تنتقلان بين السطور بسرعة.«عرفت أصله قبل أن يصبح كاهناً.»«وعرفت أن الحاجز لم يظهر بإرادته وحدها.»«وعرفت أن القوة التي يستخدمها ليست ملكاً له بالكامل.»توقّف قليلاً.ثم قرأ:«إنها قوة العهد القديم.»ساد الصمت.قال مازن:«العهد مع والديه؟»قلب باسل الصفحة.كانت الكلمات التالية أشد غموضاً.«منذ سنوات، ظننت أن كيان يحمي العهد.»«لكنني اكتشفت الحقيقة متأخرة.»«كيان لم يكن يحميه.»«كيان هو أحد من ارتبطوا به واستغلوه.»رفع باسل عينيه.كان في وجهه شيء من القلق.تابع:«كلما استخدم كيان
❦ لعنة الهاربين ❦قلب باسل الصفحة التالية ببطء.كانت الكتابة أكثر اضطراباً هذه المرة.بدت الحروف وكأنها كُتبت على عجل، وبعض الكلمات امتدت فوق السطور كأن صاحبتها لم تكن تملك وقتاً لتتوقف.قرأ باسل:«عرف كيان بأمر الهاربين.»توقفت أنفاس مارا للحظة.تابع:«في البداية، لم يرسل أحداً خلفهم.»«ولم يحاول إيقافهم عند الحاجز.»قال مازن:«إذن تركهم يرحلون؟»هز باسل رأسه، وعيناه ما زالتا على الصفحة.«هكذا ظنوا.»«كانوا يعتقدون أن كيان فهم أخيراً أن زمن الحاجز قد انتهى.»«لم يعرفوا أنه كان ينتظرهم.»نظر فارس إلى مارا.كانت تحدق في المذكرات بصمت.ثم تابع باسل القراءة:«وصلوا إلى الحاجز في الليل.»«كان عددهم كبيراً.»«بعضهم حمل أطفاله.»«وبعضهم لم يحمل سوى أشياء قليلة، لأنه كان يؤمن أن العالم الخارجي ينتظرهم.»«وقفوا أمام الحاجز لأول مرة دون خوف.»«ثم عبر أولهم.»توقف باسل.رفع عينيه إلى الآخرين.قال:«هنا تبدأ اللعنة.»عاد إلى الصفحة.«ما إن تجاوزوا الحاجز حتى تغيّر كل شيء.»«لم يكن كيان بحاجة إلى الاقتراب منهم.»«رفع يده فقط.»«وفجأة، شعر الهاربون بأن شيئاً يطاردهم من الداخل.»«توقفت خطواتهم.»«ح
❦ عندما تغيّر العالم ❦قلب باسل الصفحة التالية ببطء.كانت الكتابة مختلفة.أكثر هدوءًا من الصفحات السابقة، لكن ذلك الهدوء لم يكن مطمئنًا.قرأ:«مرت سنوات طويلة.»توقف قليلاً، ثم تابع:«لم أعد أحصي عددها.»«في البداية، كنت أظن أن العالم سيبقى كما كان عندما صنعت لازومارا.»«كنت أظن أن البشر سيواصلون مطاردتنا، وأن الخوف منهم لن ينتهي.»«ولهذا صدّق الجميع أن الحاجز سيبقى ضرورياً إلى الأبد.»رفعت مارا عينيها عن الصفحة.قالت:«هل تغير العالم؟.»أومأ باسل، وعاد إلى القراءة.«لم يتغير عالمنا وحده.»«في الخارج أيضاً... كانت أشياء كثيرة تتغير.»«بدأت الأخبار تصل إلينا بطرق متفرقة.»«في البداية، لم يصدقها أحد.»«قيل إن الحروب انتهت في بعض الأماكن.»«وإن الأراضي التي كان يُطرد منها الناس أصبحت تحكمها قوانين جديدة.»«وإن الذين كانوا يُعاملون على أنهم أقل من غيرهم أصبح لهم الحق في الحماية.»توقف باسل.قال فارس:«بعد كل تلك السنوات؟»أجاب باسل:«يبدو أن الأمر احتاج إلى وقت طويل.»ثم تابع:«بدأ الاستعمار يتراجع.»«وسقطت أنظمة كانت تقوم على إخضاع الناس.»«ظهرت قوانين تمنع الاضطهاد، وتحمي من كانوا بلا ص
❦ سقوط زيراثا ❦قلب باسل الصفحة ببطء.كانت الأوراق التالية أكثر اصفرارًا من سابقاتها، وبعض أطرافها أصبحت هشة، وكأن السنوات الطويلة لم تمر على لازومارا وحدها، بل مرّت على هذه المذكرات أيضًا.بدأ يقرأ:«مرت سنوات أخرى.»«كنت أظن أنني سأبقى قادرة على حماية القرية ما دمت موجودة، لكنني لم ألاحظ أن الزمن كان يأخذ مني قوتي شيئًا فشيئًا.»سكت باسل للحظة.ثم تابع:«كبرت.»«ولم تعد يداي كما كانتا من قبل.»«أصبحت الطقوس التي كنت أنجزها بسهولة تحتاج مني إلى وقت طويل، وبعضها لم أعد قادرة على إتمامه مهما حاولت.»نظرت مارا إلى الصفحة.قالت بهدوء:«بدأ سحرها يختفي.»أومأ باسل.«يبدو ذلك.»وعاد باسل إلى القراءة:«ولم يكن ضعفي هو الشيء الوحيد الذي تغير.»«الشياطين الذين كانوا يساعدونني بدأوا بالابتعاد.»«في البداية، كان بعضهم يأتي بين الحين والآخر.»«ثم أصبحوا يكتفون بإرسال رسائل قصيرة.»«وبعدها... لم يعودوا يأتون أبداً.»توقفت زيراثا عن الكتابة قليلاً.ثم كتبت:«كنت أعرف السبب.»«كيان.»رفع فارس عينيه وقال.«كانوا يخافون منه.»قال باسل:«نعم.»ثم تابع:«كانت قوته قد تجاوزت ما كنت أتوقعه. لم يعد مجرد ا






