LOGINبعد ثمانية عشر عاماً كانت برودة الشتاء تتسلل بين الشقوق، وتلقي بثقلها على الغابة القديمة التي لم تتغير معالمها منذ ثمانية عشر عامًا. لم تكن الغابة سوى حلقة من الضباب الكثيف الذي يخفي خلفه سرًا لا يعرف عنه العالم الخارجي شيئًا. ففي الوقت الذي كانت فيه المدن ترتفع وتتغير دورة الحياة فيها بشكل طبيعي، كان الزمن يقف شبه متجمد عند حدود الجبل. الليالي تتعاقب في صمت، بينما يمر كل عام تلو الآخر والقرابين تُقدَّم بانتظام للحفاظ على الحاجز الذي يمنع اللعنة من الخروج، ويخفي القرية بعيدًا عن أنظار البشر.داخل أحشاء الجبل، لم تعد الأنفاق القديمة كما كانت في السابق. اتساع الجدران الصخرية بعد سنوات طويلة من النحت المستمر، وامتدت ممرات جديدة تعمق أكثر في قلب الصخر الصلب. كانت المشاعل المشتعلة تثبت على جوانب الطرقات، لتضيء الظلمة بنور برتقالي متوهج، ينعكس على الصخور السوداء المبتلة كأنها خطوط من النار الهادئة. واستقرت التغييرات القيادية لتواكب هذا التوسع؛ فقد أصبح إلياس قائدًا للجيش وحراس الأنفاق، يمتلك حضورًا وهدوءًا يفرضان احترام الجميع، بينما اعتلت آريا منصب قائدة تدريب القوات والجيل الجديد، بص
❦ طفلة الظلال والنبوءة ❦ مرت الشهور بطيئة داخل لازومارا. كبر الجنين في أحشاء ميلا، بينما كان السر الذي تحمله يكبر معه. أصبحت خطواتها أثقل، ولم تعد قادرة على المشاركة في رحلات الاستدراج كما كانت من قبل. أما إلياس... فلم يفارقها. كان يحمل عنها الماء، ويجمع لها الحطب. ويحرص على ألا تبذل أي مجهود. وفي كل ليلة... كان يجلس إلى جوارها، يضع يده برفق فوق بطنها، ثم يبتسم وهو يشعر بحركة الجنين. إلياس: «سيكون قويًا... أشعر بذلك.» كانت ميلا تبتسم ابتسامة صغيرة. ثم تدير وجهها بعيدًا حتى لا يرى الدموع التي تحاول إخفاءها. كان رجلًا طيبًا... ورغم أنها لم تستطع أن تمنحه قلبها... كانت تعرف أنه لا يستحق الكذب الذي يعيش فيه. لكن الحقيقة... كانت ستقتل طفلها. ولهذا... واصلت الصمت. وفي ليلةٍ هز الرعد فيها الجبل، وارتطم المطر بصخور لازومارا كأنه يريد اقتلاعها... اجتمعت القابلات داخل المنزل الحجري. بينما وقف إلياس خارج الباب، يذرع الممر ذهابًا وإيابًا بعصبية. كانت أصوات الألم تتردد داخل المنزل. ثم... شق صراخ طفلة صغيرة سكون الليل. توقف إلياس مكانه. واتسعت ابتسامته لأول مرة
❦ طفلة الظلال والنبوءة ❦ مرت الشهور بطيئة داخل لازومارا. كبر الجنين في أحشاء ميلا، بينما كان السر الذي تحمله يكبر معه. أصبحت خطواتها أثقل، ولم تعد قادرة على المشاركة في رحلات الاستدراج كما كانت من قبل. أما إلياس... فلم يفارقها. كان يحمل عنها الماء، ويجمع لها الحطب. ويحرص على ألا تبذل أي مجهود. وفي كل ليلة... كان يجلس إلى جوارها، يضع يده برفق فوق بطنها، ثم يبتسم وهو يشعر بحركة الجنين. إلياس: «سيكون قويًا... أشعر بذلك.» كانت ميلا تبتسم ابتسامة صغيرة. ثم تدير وجهها بعيدًا حتى لا يرى الدموع التي تحاول إخفاءها. كان رجلًا طيبًا... ورغم أنها لم تستطع أن تمنحه قلبها... كانت تعرف أنه لا يستحق الكذب الذي يعيش فيه. لكن الحقيقة... كانت ستقتل طفلها. ولهذا... واصلت الصمت. وفي ليلةٍ هز الرعد فيها الجبل، وارتطم المطر بصخور لازومارا كأنه يريد اقتلاعها... اجتمعت القابلات داخل المنزل الحجري. بينما وقف إلياس خارج الباب، يذرع الممر ذهابًا وإيابًا بعصبية. كانت أصوات الألم تتردد داخل المنزل. ثم... شق صراخ طفلة صغيرة سكون الليل. توقف إلياس مكانه. واتسعت ابتسامته لأول مرة
❦ العهد الصامت على أطراف الغابة ❦ ساد صمتٌ ثقيل ومرعب في أرجاء الغابة المظلمة بعد أن ابتلعت العتمة الشديدة آخر أضواء سيارة باسل المسرعة. وقف إلياس عند حافة الطريق الإسفلتي المظلم، يراقب بعينين حادتين المكان البعيد الذي اختفت فيه السيارة، بينما كانت ملامح وجهه تزداد قسوة وجفافًا مع كل ثانية تمر. ثم استدار ببطء شديد نحو المجموعة.كانت ميلا لا تزال واقفة قرب جدار الضباب، تلهث بصعوبة وتتنفس بصوتٍ مسموع، وقد بدا الذعر والخوف واضحين على وجهها الشاحب. اقترب إلياس منها بخطواتٍ ثقيلة حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة جداً. وقال لها بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل غضبًا مكتومًا وواضحًا: إلياس: «لقد كان ذلك البشري بين أيدينا... كيف سمحتِ له بالفرار؟» أنزلت ميلا رأسها إلى الأرض لتخفي ارتباك عينيها، ثم أجابت بصوتٍ متقطع ومذعور: ميلا: «ظننت... ظننت حقاً أن الحاجز السحري بدأ ينهار ويتقطع!» نظر إليها إلياس صامتاً لفترة طويلة وكأنه يخترق أفكارها. ثم التفت ببطء نحو جدار الضباب الساحر. كان الضباب ساكنًا تمامًا الآن... هادئًا كعادته... كأنه لم يتحرك أو يتأثر أصلًا بأي ريح. اقترب أ
❦ نداءٌ عبر الضباب ❦ كانت برودة الليل القارص تلسع وجنتي ميلا الشاحبتين كالسكاكين الباردة، بينما بقيت عيناها الحزينتان معلقتين بالشاب القادم من العالم الخارجي البشري. كان باسل يحمل الكاميرا القديمة بيدٍ ترتجف من الصدمة والقلق، فيما كان ضوء كشافه اليدوي يشق سحب الضباب الأبيض الكثيف المتسلل بين جذوع أشجار الصنوبر. ملامحه القريبة... وقفته الشجاعة... حتى نبرة صوته المكسورة وهو ينادي اسم وسيم بعالي صوته وسط الغابة المظلمة... كلها أشياء أعادت إلى قلب ميلا المكسور أحداث تلك الليلة الشؤم التي غاص فيها الخنجر الطقسي في صدر الرجل الوحيد الذي أحبته بصدق. ومن خلفها في الظلام... بدأت الظلال المظلمة تحث خطواتها وتتحرك. خرج أفراد السلالة النقية من بين الأشجار بصمتٍ قاتل واحترافٍ اعتادوه جيدًا في طقوس الصيد. كانت الخناج
❦ تقاطع الطرق عند خط الضباب ❦ كانت الليلة شديدة البرودة، والريح العاتية تعبر بقسوة بين أغصان أشجار الصنوبر الكثيفة كأنها تهمس بأصداء وأسماء قديمة نسيها الزمن. تسلل ضوء القمر الفضي الناصع من بين السحب والأغصان المبتلة، فرسم خيوطًا ناعمة وباهتة فوق جدار الضباب الأبيض الكثيف الذي ظل ساكنًا ومريبًا عند حدود لازومارا، كأنه كائنٌ يتنفس ويتأهب وينتظر الضحية القادمة. وقفت ميلا عند طرف الحاجز الفاصل، تشد غطاء رأسها الصوفي حول كتفيها الباردتين لتقي نفسها زمهرير الليل، بينما بقيت عيناها الحزينتان معلقتين بذلك المكان تحديدًا. هنا... في هذا الموضع بالذات فوق الحشائش المبتلة... التقت بالحبيب وسيم لأول مرة وعاشت معه أدفأ اللحظات. وهنا أيضًا... انتهت حياته وجُرّ كالقربان نحو الموت. أغمضت عينيها لثوانٍ طويلة، وكأنها تحاول بكل قوتها أن تطرد تلك الذكرى الأليمة من رأسها، لكن صورتها كانت أوضح من أن تُنسى أو تتلاشى. صوته الدافئ... ابتسامته الصادقة التي أضاءت عتمتها... ونظرته الأخيرة المكسورة فوق المذبح الحجري قبل أن يلفظ أنفاسه. شعرت بوخزةٍ حادة وألمٍ يعصر قلبها في صدرها. وقبل أن







