بيت / المدينة / لازومارا / الفصل الثاني

مشاركة

الفصل الثاني

مؤلف: amjad
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 14:43:45

❦ اللقاء الأول عند حدود العالمين ❦

في تلك الليلة، كانت السماء فوق الطريق الإسفلتي الخالي، المحاذي للغابة المظلمة، ملبدة بغيومٍ حجبت ضوء القمر، فلم يبقَ سوى خيوطٍ باهتة تتسلل بين الأشجار الساكنة.

خرجت ميلا من أطراف الضباب بخطواتٍ مترددة... توقفت للحظة، وأغمضت عينيها وهي تستنشق هواء العالم الخارجي لأول مرة. كان مختلفاً... أخفَّ، أنقى، وخالياً من تلك الرائحة الثقيلة التي التصقت بأنفاسها منذ ولادتها في لازومارا.

تقدمت حتى جلست على رصيفٍ متهالك بمحاذاة الطريق الترابي، تضم يديها إلى صدرها، وتبدو بكل براءتها كفتاةٍ ضلّت طريقها في ليلةٍ موحشة. لم تكن تحتاج إلى التمثيل كثيرًا... فداخلها كان الخوف حقيقيًا.

مرّت دقائق ثقيلة، لم يُسمع خلالها سوى صفير الريح بين الأشجار... وفجأة... شقَّ سكون الليل ضوء كشافي سيارةٍ قديمة، أخذ يقترب شيئاً فشيئاً حتى تباطأت السيارة وتوقفت بمحاذاتها.

فُتح الباب، وترجل منها شاب في أواخر العشرينيات. كانت ملامحه هادئة، يرتدي معطفاً بسيطاً، وفي عينيه دفءٌ صادق سبق كلماته. وما إن وقعت عيناه على الفتاة الجميلة الجالسة وحدها في ذلك المكان المقفر، حتى ارتسم القلق على وجهه.

اقترب منها بحذر، محافظاً على مسافةٍ لا تشعرها بالخوف: «هل أنتِ بخير؟»

لم تجب.

ظل ينظر إليها لحظات، ثم أردف بنبرةٍ أكثر لطفاً:

وسيم: «ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟ المكان مهجور... وخطر، خصوصاً بعد حلول الليل.»

رفعت ميلا رأسها ببطء... ولأول مرة في حياتها... التقت بعيني إنسان.

لم يكن فيهما ذلك الاصفرار القاسي الذي اعتادته في أهل لازومارا، ولا تلك النظرات الجامدة التي تخلو من الرحمة. كانتا دافئتين، مليئتين بالقلق، وكأن صاحبتهما يخشى عليها رغم أنه لا يعرف عنها شيئاً.

ترددت قبل أن تنطق، ثم همست بصوتٍ أنثوي بالكاد سُمع: «ضللت الطريق... ولا أعرف إلى أين أذهب.»

ساد صمتٌ قصير. نظر وسيم إلى الطريق الخالي من حوله، ثم عاد ينظر إليها. كانت ملابسها بسيطة، ويداها ترتجفان من البرد، ولم يرَ في ملامحها البريئة ما يدعوه إلى الشك، بل فتاةً تائهة تحتاج إلى المساعدة.

تنهد بهدوء، ثم قال: «لا أستطيع أن أترككِ هنا... ليس في هذا الوقت. بيتي قريب من هنا، يمكنكِ البقاء الليلة حتى نجد طريقة لإعادتك إلى المكان الذي جئتِ منه.»

تجمدت ميلا لثوانٍ... تذكرت كلمات الكاهن: «اجعلوا البشري يتبعكم بإرادته...» لكنها لم تتوقع أبدًا أن يبادر هو بمدّ يده إليها قبل أن تطلب شيئاً.

ترددت لحظة، ثم أومأت برأسها موافقة. فتح لها وسيم باب السيارة، وانتظر حتى جلست، قبل أن يغلقه بهدوء، ثم دار إلى مقعده وأدار المحرك.

تحركت السيارة ببطء، وابتلعتها عتمة الطريق... أما خلفهما... فعند أطراف الغابة... ظل الضباب الأبيض ساكناً، كأنه يراقبهما بصمت.

❦ في منزل وسيم: التحول ❦

كان منزل وسيم بسيطاً، يقع عند أطراف المدينة، تحيط به أشجار الصنوبر وسياجٌ خشبي قديم. لم يكن بيتًا فخماً، لكنه كان يحمل دفئاً ورائحة غريباً لم تعرفه ميلا من قبل.

في الليلة الأولى، بقيت مستيقظة لساعات... كانت تنظر إلى أرجاء المنزل في صمت إلى المصابيح المعلقة، والستائر التي تحركها الريح، وإلى أصوات المطر الخفيفة وهي تلامس النوافذ. كل شيء بدا مختلفاً عن برودة الكهوف الحجرية التي نشأت فيها.

أما وسيم، فلم يكثر من الأسئلة... اكتفى بأن أحضر لها بطانية جافة، ثم قال بابتسامة هادئة: «ارتاحي الليلة... عندما تشعرين أنكِ مستعدة للكلام، سأستمع.»

ثم انسحب إلى غرفته، تاركاً لها مساحة تشعر فيها بالأمان.

نظرت ميلا إلى الباب الذي أغلقه خلفه، وقد راودها شعورٌ لم تحس به من قبل ...

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لازومارا   الفصل السابع

    الفصل الثالث: الهروب وطفلة الظلال ❦ نداءٌ عبر الضباب ❦ كانت برودة الليل تلسع وجنتي ميلا كالسكاكين، بينما بقيت عيناها معلقتين بالشاب القادم من العالم الخارجي. كان باسل يحمل الكاميرا القديمة بيدٍ ترتجف، فيما كان ضوء كشافه يشق الضباب الأبيض المتسلل بين أشجار الصنوبر. ملامحه... وقفته... حتى نبرة صوته وهو ينادي اسم وسيم وسط الغابة... كلها أعادت إلى قلبها تلك الليلة التي غاص فيها الخنجر في صدر الرجل الوحيد الذي أحبته. ومن خلفها... بدأت الظلال تتحرك. خرج أفراد السلالة النقية من بين الأشجار بصمتٍ اعتادته جيدًا. كانت الخناجر الطقسية تلمع تحت ضوء القمر، بينما انعكست العيون الصفراء بين الأغصان كأنها عيون وحوشٍ تترقب لحظة الانقضاض. وفي المقدمة... كان إلياس. ثبت نظره على باسل، ينتظر اللحظة التي يخطو فيها داخل الضباب. لم يكن يفصل ذلك البشري عن الموت... إلا خطوات قليلة. شعرت ميلا بأن أنفاسها تضيق. وبدون وعي... تسللت يدها تحت معطفها، واستقرت فوق بطنها. كان قلب صغير ينبض هناك... آخر ما تبقى لها من وسيم. تردد صوت الكاهن كيان في أعماقها: «لا مكان للعاطفة... بقا

  • لازومارا   الفصل السادس

    الفصل الثاني: أثر الضحية ❦ أثر على الطريق ❦ في العالم الخارجي، كانت أضواء المدينة تتلألأ تحت زخات المطر الخفيف، بينما خيّم الصمت على مبنى الشركة التي يعمل بها وسيم. مرّت ثلاثة أيام كاملة على اختفائه. ثلاثة أيام... دون اتصال، أو رسالة، أو حتى عذرٍ يبرر غيابه. لم يكن ذلك يشبه وسيم أبدًا. فمنذ أن عرفه باسل، لم يتأخر يومًا عن عمله، ولم يختفِ بهذه الطريقة الغامضة. كان أكثر الموظفين التزامًا، وأكثرهم حرصًا على إنهاء كل شيء قبل موعده، حتى أصبح حضوره أمرًا بديهيًا لا ينتبه إليه أحد... إلا عندما غاب. في اليوم الأول، أقنع باسل نفسه بأن صديقه ربما اضطر للسفر أو تعرض لظرفٍ مفاجئ. وفي اليوم الثاني، بدأ القلق يتسلل إلى قلبه. أما مع غروب اليوم الثالث... فلم يعد قادرًا على الكذب على نفسه. كان هناك شيءٌ سيئ قد حدث. استقل سيارته، واتجه مباشرة نحو منزل وسيم الواقع عند أطراف المدينة. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء محملًا برائحة المطر والصنوبر. ترجل أمام السياج الخشبي القديم، وقد غطّت الأوراق المبتلة الممر المؤدي إلى الباب. طرق الباب مرة... ثم مرتين... ثم ثلاثًا. لكن

  • لازومارا   الفصل السابع

    ❦ خيار الضرورة ❦في أعماق لازومارا المظلمة، كانت الأيام تمر بطيئة وثقيلة كأنها دهورٌ لا تنتهي، وكأن الزمن نفسه يرفض التحرك ويتجمد داخل أزقة تلك القرية الملعونة.أما ميلا... فلم تعد كما كانت قط.بدأ جسدها المنهك يرسل إشاراتٍ لم تستطع تجاهلها أو الهروب منها؛ غثيانٌ حاد يوقظها مع أول ضوءٍ شاحب يتسلل إلى حجرتها، وإرهاقٌ ثقيل يكبّل خطواتها ويحرمها النوم، وحرارةٌ غريبة ودفيئة تسري في عروقها الباردة كلما وضعت يدها المرتجفة على بطنها.لم تكن بحاجة إلى طبيبٍ أو كاهن ليخبرها بالحقيقة المرة والمفرحه في آنٍ واحد...كانت تعرف بيقين ..لقد بدأ الجنين، نطفة وسيم المتبقية، ينمو ويعلن عن حياته في أحشائها.لكن ما كان يثير رعبها ويعصر قلبها لم يكن الحمل نفسه ولا ألم الولادة المرتقب، بل ما قد يحدث لو اكتشف هذا السر أحدٌ من أهل القرية الميتة أرواحهم. ففي لازومارا، لا يمر شيءٌ خفيًا أو مكتومًا لفترة طويلة؛ فالعيون تترصد الظلال، وكانت آريا تحديدًا تراقبها بحدة منذ مقتل وسيم فوق المذبح، ترصد نظراتها الهاربة، وصمتها المريب، وحتى شرودها الطويل ونبضات عنقها المتسارعة.كانت ميلا تعلم بيقينٍ مرعب أن مجرد شكٍ واحد

  • لازومارا   الفصل السادس

    ❦ أثر على الطريق ❦في العالم الخارجي البشري، كانت أضواء المدينة تتلألأ وتنعكس فوق الأسفلت المبتل تحت زخات المطر الخفيف، بينما خيّم صمتٌ ثقيل ومريب على مبنى الشركة الهادئ التي يعمل بها وسيم.مرّت ثلاثة أيام كاملة على اختفائه المفاجئ.ثلاثة أيام بلياليها الطويلة... دون اتصالٍ يطمئن القلوب، أو رسالةٍ نصية خاطفة، أو حتى عذرٍ طارئ يبرر هذا الغياب الذي أشعل التساؤلات في الوجوه.لم يكن ذلك التصرف يشبه وسيم أبدًا... فمنذ أن عرفه باسل قبل سنواتٍ طويلة وسارا معاً في دروب الحياة، لم يتأخر وسيم يومًا واحدًا عن عمله، ولم يختفِ بتلك الطريقة الغامضة التي تترك خلفها ألف علامة استفهام. كان أكثر الموظفين التزامًا وانضباطاً، وأكثرهم حرصاً على إنهاء كل تفصيلة صغيرة قبل موعدها المحدد، حتى أصبح حضوره اليومي بابتسامته الهادئة أمرًا بديهيًا لا ينتبه إليه أحد... إلا عندما غاب، وترك مقعده الخالي يصرخ بالصمت.في اليوم الأول، حاول باسل أن يطرد الأفكار السوداء، وأقنع نفسه بابتسامة متكلفة بأن صديقه المقرب ربما اضطر للسفر العاجل دون إعلام أحد، أو تعرض لظرفٍ عائلي مفاجئ شغله عن العالم.وفي اليوم الثاني، بدأ القلق ال

  • لازومارا   الفصل الخامس

    ❦ قناع الثلج على المذبح ❦حين استعاد وعيه... كان مقيداً بسلاسل معدنية باردة فوق المذبح الحجري الصُلب، وثقل الظلام يضغط على صدره. اشتعلت المشاعل الفسفورية فجأة من حوله، فارتسمت ظلال الوحوش وأقنعة الصخر على الجدران الرطبة، كأنها كوابيس أسطورية خرجت لتوهها من أعماق الأرض وتنفست الخوف في أرجاء المكان.رفع رأسه بصعوبة بالغة وهو يشعر برأسه يغلي، كانت القاعة المعتمة مكتظة بأهل لازومارا بوجوههم الشاحبة الصامتة، وفي مقدمتهم وقف الكاهن كيان بعباءته الثقيلة، وعيناه تشرقان ببريق صفراوي مرعب. وعلى يمينه كانت آريا تراقبه بابتسامةٍ باردة وقاسية تجردت من أي رحمة... أما أمامه مباشرة، وعلى بعد خطوات معدودة، فوقفت ميلا.رفع بصره إليها بضعف وشوق، وكأن وجودها وحده هو القشة الأخيرة القادرة على تفسير هذا الكابوس وشق سكون الموت:وسيم: «ميلا... ما هذا المكان؟ قولي أي شيء...»لكنها بقيت صامتة كالصنم. كانت ملامحها جامدة كالصخر الصم: لا دموع تتوسل... لا خوف يكسر النظرة... ولا حتى ارتجافة واحدة في جسدها المنهك. لو رآها غريب، لظن أنها لم تعرف هذا الرجل يومًا، وأن قصة الحب الثلاثية الأيام لم تكن إلا خيالاً مريضاً.

  • لازومارا   الفصل الرابع

    ❦ لحظات تحبس الأنفاس ❦ ساد صمتٌ ثقيل يُشبه حشرجة الأنفاس الأخيرة... كان كلٌ منهما ينظر إلى الآخر، وكأن بينهما عالماً كاملا انهار في لحظة بينما ازداد التوهج الأحمر الخارج من جسدها العاري وترددت أصداء أنفاسهما المتسارعة في أرجاء المكان المظلم، وقطع وسيم الصمت أخيرًا، بصوتآ مرتبكاً وتائهاً. وسيم: «ميلا... ما... هذا؟» لم تجب... خفضت رأسها، وأسرعت تشد أكمام ثوبها محاولةً إخفاء الوسوم المشعة، لكن الضوء الفسفوري الساطع كان يزداد وضوحاً ليفضح السر الخبيث. اقترب منها خطوة، ونظرات الشك والاندهاش تتصارعان في عينيه: «من أنتِ؟ منذ ثلاثة أيام وأنا أحاول أن أقنع نفسي أن وراء صمتكِ قصةً مؤلمة... لكن ما أراه الآن، لا أستطيع تفسيره. هل كنتِ تكذبين علي؟» هزت ميلا رأسها بسرعة، وكأنها تختنق بحسرتها: «لا...» لكن صوتها خرج مكسوراً خافتاً، وكأنه لم يقنع حتى صاحبه. ظل وسيم ينظر إليها طويلًا... ولم يتحرك، كانت الحيرة والذهول وحدها تملأ ملامحه المشدودة. أما هي... فكانت تسمع صوت الكاهن يتردد كالحديد في رأسها: «من يعبر الضباب... لا يعود. السر فوق الجميع. بقاء القرية... قبل كل شيء.»، شعرت بقلبها يض

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status