LOGINتسللت خيوط الصباح الأولى عبر النوافذ العالية، فأغرقت غرفة الطعام بضوءٍ ذهبي هادئ، انعكس فوق المائدة الطويلة التي ازدانت بإفطارٍ بسيط أعدَّه الخدم منذ وقتٍ مبكر. جلست والدة "مازن" في مكانها المعتاد، تقلب صفحات الجريدة بين الحين والآخر، بينما وقفت الممرضة إلى جوار المهد الصغير الذي ينام فيه "يزيد"، تهزه برفق كلما تحرك في نومه، قبل أن يعود إلى سكينته. أما "آسيا"، فكانت تساعد إحدى الخادمات في ترتيب الأطباق وأدوات المائدة. ومنذ أن استعاد "يزيد" عافيته، بدأت تستعيد هي الأخرى شيئًا من هدوئها، وعادت تشارك في تفاصيل المنزل اليومية. كانت تطمئن على الصغير، وتساعد والدة "مازن" فيما خفَّ عليها من أعباء، وتشرف على إعداد الإفطار قبل نزول الجميع. ومع تكرار الأيام... استقرت في ذاكرتها تفاصيل صغيرة لم تتعمد يومًا حفظها. تعرف الفنجان الذي تفضله والدة "مازن"، وتعرف موضع الدواء الذي تتناوله كل صباح، كما أصبحت تعلم أن "مازن" لا يبدأ إفطاره إلا بقطعةٍ من الجبن الأبيض، وأن فنجان قهوته يُوضع دائمًا إلى يمينه. لم تكن تراقبه... إنها مجرد عاداتٍ تتكرر كل يوم، حتى حفظتها دون أن تنتبه.في تلك اللحظة، دخل "
في اليوم التالي. كانت "آسيا" تجلس في الشرفة المطلة على الحديقة، تحمل كوبًا من الشاي بين يديها، بينما كانت عيناها معلقتين بـ"يزيد"، الذي كانت المربية تدفع عربته ببطء بين الممرات الحجرية. اقتربت والدة "مازن"، وجلست إلى جوارها دون أن تتكلم. مرَّت لحظات من الصمت، لم يقطعها سوى زقزقة العصافير. ثم قالت بهدوء: ــ هل ضايقكِ مازن؟ التفتت إليها "آسيا" بسرعة. ــ لا... أبدًا. ابتسمت السيدة. ــ إذن فقد خمنتُ صحيحًا... لقد صارحكِ بما في نفسه. احمرَّ وجه "آسيا" قليلًا، واكتفت بخفض بصرها. لم تبتسم السيدة، ولم تُظهر حماسًا، بل قالت في هدوءٍ يشبه حديث أمٍّ مع ابنتها: ــ لا تقلقي... لن أحدثكِ عن الزواج، ولن أطلب منكِ أن تغيري قرارك. بدت الدهشة على وجه "آسيا". فأكملت: ــ جئت فقط لأقول شيئًا واحدًا. سكتت لحظة، ثم أشارت بعينيها نحو "يزيد". ــ ذلك الصغير... يستحق أن يكبر في بيتٍ هادئ. تنهدت "آسيا". ــ وأنا أفكر في هذا كل يوم. ــ أعلم. قالتها السيدة بنبرةٍ مطمئنة. ــ ولهذا لم ألومكِ حين رفضتِ.لكن... لا تجعلي خوفكِ من الماضي يحرم "يزيد" من مستقبلٍ قد يكون أجمل. ظ
توقف. ولم يلتفت مباشرة. انتظر. قالت بعد تردد طويل: ــ «شكرًا.» أدار رأسه إليها. بدت مرتبكة، حتى إنها لم تستطع النظر في عينيه. فهمس: ــ «على ماذا؟» ابتسمت ابتسامة صغيرة، يغلبها الخجل. ــ «لأنك...» تعثرت الكلمات. ثم قالت أخيرًا: ــ «لأنك جعلتني أشعر أن لي حق الاختيار.» ساد الصمت. ابتسم "مازن" ابتسامة دافئة، لم يحاول إخفاءها هذه المرة. ثم قال بهدوء: ــ «لأنه حقك منذ البداية.» ولم يزد. غادر الشرفة بخطوات هادئة. أما "آسيا"... فبقيت مكانها. رفعت كفيها إلى وجنتيها، وقد شعرت بحرارتهما للمرة الأولى. ثم نظرت إلى السترة التي لا تزال تستقر فوق كتفيها... وابتسمت رغماً عنها. قبل أن تهمس لنفسها، في حيرةٍ لم تعرفها من قبل: ــ «ماذا يحدث لي...؟» ❈-❈-❈ مرَّ أسبوعٌ كامل منذ غادر "مازن" القصر. سبعةُ أيامٍ تعاقبت في هدوء، حتى بدا الزمن خلالها كجدولٍ رائقٍ لا يعكر صفوه شيء، غير أن "آسيا" كانت تكتشف، مع انقضاء كل مساء، أن الأماكن تحتفظ بأصحابها أكثر مما يحتفظ بهم البشر. لم يكن غيابه يُحدث ضجيجًا... بل فراغًا. فراغًا صغيرًا، خفيًّا، لا يكاد يُرى، لك
ظل السؤال معلقًا بينهما... لا هو سحبه. ولا هي استطاعت الاقتراب منه. كانت تنظر إليه، بينما تتردد كلماته داخلها ببطء... «هل تقبلين... أن أطلب يدكِ من والدتك؟» لم يكن سؤالًا اندفع به تحت وطأة اللحظة. بل بدا كقرارٍ عاش معه طويلًا، حتى استقر أخيرًا على لسانه. أما هي... فشعرت أن قلبها، الذي اعتاد الركض خوفًا، صار يركض هذه المرة لسببٍ آخر لم تعرف له اسمًا. خفضت عينيها. وأخذت تعبث بطرف السترة التي لا تزال تغطي كتفيها. كان دفؤها يربكها أكثر. طال الصمت. حتى ظنت أنه سيكرر سؤاله. لكنه لم يفعل. وقف ينتظر... فقط. رفعت رأسها أخيرًا. وكانت المرة الأولى التي تجد صعوبة في النظر إليه. همست بصوتٍ خافت: ــ «لقد... فاجأتني.» ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة. ــ «أعرف.» ابتلعت ريقها. ثم قالت بعد تردد: ــ «لم أفكر في الأمر يومًا.» سكتت. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، امتزجت بالحيرة. ــ «بل... لم أتخيل أصلًا أن يأتي يوم أفكر فيه.» ظل يستمع. لم يقاطعها. ولم يحاول أن يشرح أو يقنع. فقالت وهي تتنفس ببطء: ــ «أنا... لا أستطيع.» ساد الصمت. لم يتغير وجه "مازن".
ظلَّت تنظر إليه في صمت. كانت عيناه ثابتتين على ملامحها، لا تحملان استعجالًا، ولا تفرضان عليها أن تتكلم. وذلك... أربكها أكثر. ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت محاولةً كسر ذلك الصمت الذي أخذ يزداد عمقًا: ــ «تبدو جادًّا.» ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، بالكاد ظهرت. ــ «لأنني كذلك.» ساد الصمت مرة أخرى. لم تكن تلك اللحظات فارغة... بل كانت ممتلئة بما عجز كلٌّ منهما عن قوله. هبّت نسمة باردة، فضمّت "آسيا" طرف شالها حول كتفيها دون وعي. لاحظها "مازن". خلع سترته بهدوء، ومدها إليها. نظرت إلى السترة، ثم إليه. ــ «لا... لا داعي.» قال ببساطة: ــ «الهواء بارد.» ــ «وأنت؟» ابتسم ابتسامة خفيفة. ــ «لا أشعر بالبرد.» ظلت مترددة لحظة، ثم أخذتها منه على استحياء. وما إن وضعتها فوق كتفيها... حتى أحاطها دفء خفيف، امتزج برائحة عطره الهادئة. ارتبكت. لا بسبب العطر... بل لأنها للمرة الأولى تسمح لنفسها بأن تشعر بذلك الدفء. خفضت رأسها سريعًا. وكأنها تخشى أن يقرأ ما دار في خاطرها. أما هو... فاكتفى بالنظر إلى الحديقة، وكأنه تعمد أن يمنحها فرصة تستعيد بها هدوءها. قال ب
❈-❈-❈ مرّ أسبوعٌ كامل... واستعاد القصر شيئًا من هدوئه الذي افتقده طويلًا.كانت أشعة الصباح الذهبية تتسلل عبر ستائر غرفة الصغير، بينما وقفت "آسيا" إلى جوار المهد، تحمله بين ذراعيها للمرة الأولى داخل منزله. كان يفتح عينيه الصغيرتين بكسل، يحاول التحديق في وجهها، ثم أغلقهما مجددًا وهو يتمتم بأصواتٍ طفولية خافتة. ابتسمت دون شعور.وربتت بإصبعها على وجنته الممتلئة. ــ "صباح الخير... أيها المشاغب." وفي اللحظة نفسها...دخل "مازن" يحمل كوب قهوته، وما إن وقع بصره عليهما حتى توقفت خطواته. ظل يراقبهما في صمت.ابتسمت "آسيا" دون أن تنظر إليه ــ "أظنه بدأ يعرفني." اقترب حتى وقف إلى جوارها.ثم قال بهدوء: ــ "بل يعرف صوتك." رفعت رأسها إليه.فأضاف وهو ينظر إلى الصغير: ــ "كلما تكلمتِ... هدأ." سكتت قليلًا...ثم ابتسمت بخجل.طال الصمت بينهما، قبل أن يقول "مازن" فجأة: ــ "بالمناسبة..." التفتت إليه. ــ "لم نسمِّه حتى الآن." نظرت إلى الصغير بين ذراعيها، ثم تنهدت. ــ "انشغلنا بكل شيء... حتى نسينا أبسط حقٍ له." ابتسم. ــ "فلنختَر له اسمًا اليوم." هزت رأسها موافقة. ثم بدأ يقتر
ساد صمت طويل، لدقائق ربما.. ظلت فيهن الثلاث سيدات يتبادلن النظرات الصامتة، لكل نظرة منهن سؤال مختلف، وأجابة مختلفة... "ريم" التي جلست علي طرف الاريكة، بالكاد تلمسها، وكأنها تخشي علي فُستانها الثمين ذو الماركة الشهيرة بأن يُفسد من الأتربة. "آسيا" كانت لها النصيب الأكبر من التوتر في هذه الجلسة، فبق
ظلت "سلمي" تحدق بها لثوان طويلة بلاهة وفم مفتوح علي اخره، من ثم وضعت ما بيديها سريعا وكأنها فقدت شهيتها. _"مازن آل دهشان.... أنا أعرفه". جملتها القصيرة جذبت أنتباه"آسيا"لتعتدل، مترقبة بتركيز: _"حقا تعرفينه؟ من أين؟ ". اطلقت الاخري ضحكة قصيرة علي سذاجة صديقتها: _" ليس معرفة شخصية... و
بقيت في مكانها دون حركة تُذكر، وأصابعها ما زالت تستقر على المقبض، وبعيون لمع فيها الدمع، راقبت المشهد في مجال رؤيتها. كان كرسي مكتبه الضخم شاغرًا، بينما رنّت في الأرجاء أصوات طفلة تضحك عاليًا بمرح، تكسر قتامة المكتب الداكن المرتب على نحو مثالي. تخلّى "مازن" عن هيبته ومكانته وسط العاملين لديه، وجث
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد







