ログインقالوا إنني حامل… لكنني لست زوجته. رجل في الأربعين من عمره لا يعرفني كزوجة، ومع ذلك ترك أثره في داخلي بطريقة لا أستطيع تفسيرها. كل شيء يبدو خطأ… التحاليل، الواقع، وحتى أنا. لكن هناك حقيقة واحدة لا تهتز: أنا أحمل طفله. ومن هنا بدأت الكارثة.
もっと見るأنتظرت لساعة كاملة علي الاريكة الجلدية، في غرفة الأنتظار، وسط عشرات من النساء، معظمهن ببطن منتخفة،وعلي مايبدو أنهن بلغن شهورهن الأخيرة من الحمل...كانت متوترة،وصوت جهاز التكييف الذي يلفظ هواءً باردًا يحمل رائحة الكحول الطبي والمعقمات النفاذة يخنقها
حاولت أشغال نفسها بتفحص هاتفها مرات عديدة، لكن الشعور الغريب الذي يلازمها طوال الاسبوع الماضي لم يمنحها راحة ملموسة... أرهاق لا تعرف مصدره، غثيان يهاجمها كل صباح، ودوار خفيف يجعل الأرض تتمايل تحت اقدامها احيانا تنفست بأرتياح حينما أقتربت منها الممرضة اخيرا: _"تفضلي يا آنسة، حان دوركِ". نهضت سريعا،تتبع الممرضة عبر الممر الأبيض الهادي حتي وصلت لغرفة الكشف، أستقبلتها الطبيبة بوجه بشوش، ونهضت بجسدها الممتلئ نسبيا تحييها بحفاوة. _"أهلاً سيدتي... مما تشتكين ". جلست أمام المكتب، بينما تناولت الطبيبة ملفا صغيرا وفتحت صفحاته. _" اوه، حالتي الصحية متدهورة منذ أسبوع... أرهاق في كامل جسدي، وغثيان مستمر". ساعدتها الطبيبة تقول بجدية: _"بالأضافة إلي نفور من الطعام اليس كذلك؟ ". هزت رأسها أيجابيا: _" نعم.. ظننته فالبداية مجرد أرهاق من العمل". _"اذن استأذنك بالصعود إلي سرير الفحص... ". بعد دقيقتين من الفحص الصامت، ساعدتها الطبيية فالنهوض علي قدميها، بينما أحتلت بعد ذلك مقعدها خلف المكتب، وارتسمت علي وجهها الأبيض المستدير، أبتسامة واسعة، تزف لها الخبر. _" أظن أن الأسرة الصغيرة ستذداد فردًا " رمشت بعينيها عدة مرات، تسألها مستفسرة: _"معذرة؟" ابتسمت الطبيبة ابتسامة أوسع وهي تدفع تقرير الفحص نحوها. _"تهانيّ، أنتِ حامل في الشهر الثاني... والأعراض السابقة، كانت أعراض الحمل" ظلت تحدق إليها لثوانٍ طويلة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة مرتبكة. "لا... لابد أن هناك خطأ ما." اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجه الطبيبة. "لا يوجد أي خطأ في الفحص." هزت رأسها بعنف وكأنها تحاول طرد الكلمات من أذنيها. "هذا مستحيل." "ولماذا مستحيل؟" رفعت عينيها نحو الطبيبة، وقد شحب وجهها بالكامل. "لأنني غير متزوجة." عقدت الطبيبة حاجبيها قليلًا، لكن "آسيا" غرقت في صدمتها، ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست: "ولأنني لم أقترب من رجل في حياتي أصلًا." ❈-❈-❈ خرجت من غرفة الكشف بخطوات سريعة، تحاول أن تُقنع نفسها أن الأمر بسيط… خطأ في تحليل، التباس في اسم، أي تفسير عادي يعيد كل شيء لمكانه الأول. لكن جملة الطبيبة لم تتوقف عن الدوران داخل رأسها: "أنتِ حامل في الشهر الثاني." تشددت أصابعها على حقيبتها أكثر من اللازم، وكأنها تحتاج شيئًا ماديًا يثبت لها أنها ما زالت واقفة على أرض منطقية. حاولت أن تضحك داخليًا على الفكرة، أن تنفيها تمامًا، أن تضعها في خانة المستحيل… لكنها لم تستطع الوصول لليقين الذي يُنقذها. هي تعرف جسدها… تعرف حياتها… ومع ذلك، كان هناك شيء غريب في داخلها يرفض أن يطمئن أرتفع رنين هاتفها، ينبهها بالكارثة الأكبر والداتها... توالي الأتصال مرات متتالية، تجاهلته تعيد الهاتف إلي حقيبتها، مقررة أن تتحدث اليها عند عودتها للمنزل... أين المفر، هي عائدة عائدة .أصطدمت فجأة بجسد ممرضة في الممر لم تنتبه لها لانشغالها بالهاتف. تأوهت بخفوت وهي تتراجع خطوة، ثم اعتذرت بسرعة: "معذرة…" رفعت رأسها "هل أنتِ بخير سيدتي؟ أنا اسفه لم أقصد" لكنها لم تجب، لأن الممرضة توقفت.توقفت تمامًا.حدقت فيها لثوانٍ طويلة، اثارت غرابة الاخري. ثم… شحب وجهها فجأة، كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة، اتسعت عيناها قليلًا تتأكد أنها هي بالفعل، وارتجفت ملامحها دون صوت. كأنها رأت شيئًا لا يجب أن يكون موجودًا أصلًا... شئ تمنت اختفاءه من الكوكب للأبد. ❈-❈-❈خاتمة الجزء الأولوهكذا... وصلنا إلى نهاية الجزء الأول من حكاية «آسيا ومازن».حكاية بدأت بظروف لم تكن تشبه بدايات الحكايات المعتادة، وبزواج لم يكن قائمًا على الحب منذ اللحظة الأولى، ثم شيئًا فشيئًا أخذت المشاعر طريقها الخاص، وتشابكت حياة شخصين لم يتوقع أيٌّ منهما أن يصبح الآخر جزءًا أساسيًا من أيامه.عشنا مع «آسيا» تفاصيل كثيرة... رأيناها وهي تحاول أن تفهم مكانها في حياة «مازن»، وتحاول أن تتعامل مع مشاعر لم تكن تعرف كيف تصفها، ومع طفل أصبح الرابط الأكبر بينها وبين الرجل الذي دخل حياتها بطريقة لم تخطط لها.وعشنا مع «مازن» تناقضاته، وقراراته، وأخطائه، والأشياء التي أخفاها، والأسرار التي ظل يحملها بعيدًا عن الجميع، حتى ظننا أن أكثر ما يمكن أن تخفيه الأيام قد ظهر بالفعل...لكن يبدو أن الأيام كانت تخبئ شيئًا آخر.شيئًا لم يكن «آسيا» وحدها تعرفه.ولا عائلته.ولا حتى الأشخاص الذين كانوا يظنون أنهم يعرفون «مازن» أكثر من غيرهم.فجأة، وفي اللحظة التي ظنت فيها «آسيا» أن أصعب ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل، جاء رحيل «مازن» ليترك خلفه فراغًا لم يكن أحد مستعدًا له.رحل الرجل الذي كان محور حياة الجمي
مرّ أسبوعان منذ وفاة «مازن».أسبوعان كاملان، ومع ذلك لم يشعر أحد في المنزل أن الوقت مضى فعلًا.كان كل شيء كما تركه.الهدوء الثقيل الذي استقر في أرجاء المكان، المقاعد التي لم تعد تُشغل إلا في أوقات العزاء، والصور المعلقة على الجدران التي أصبحت فجأة تحمل معنى مختلفًا تمامًا.حتى صوت الأبواب كان يبدو أعلى من المعتاد.كانت «آسيا» تجلس في غرفتها معظم الوقت، لا تكاد تخرج منها إلا للضرورة.منذ وفاة مازن، انطفأ شيء بداخلها.لم تعد تهتم بما يدور حولها.لا الطعام.ولا المال.ولا العمل.ولا حتى الأشياء التي كانت تشغلها قبل رحيله.كل ما بقي في ذهنها هو ذلك السؤال الذي لم تجد له إجابة:كيف يمكن لرجل كان هنا بالأمس أن يصبح غائبًا إلى الأبد؟كانت أمها إلى جوارها معظم الوقت، بينما لم تتركها «سلمى» وحدها هي الأخرى.كانت تجلس معها لساعات طويلة، تتحدث إليها أحيانًا، وتصمت إلى جوارها أحيانًا أخرى، فقط حتى لا تشعر آسيا بأنها تواجه كل ذلك وحدها.وفي ذلك اليوم، كانت الثلاثة جالسات في غرفة المعيشة حين جاء أحد أفراد المنزل ليخبرهم بوجود رجل في الخارج.— «هناك محامٍ يسأل عن السيدة آسيا.»رفعت آسيا عينيها ببطء.
.كان الصباح ثقيلًا على نحوٍ لم تعرفه عائلة «مازن» من قبل.منذ الساعات الأولى، امتلأ المنزل بالوجوه القادمة من الأقارب والمعارف، وتوالت الاتصالات، وارتفعت أصوات الدعاء والقراءة في أرجاء المكان، بينما كانت والدته تجلس في صدر المجلس بملامح شاحبة، تحاول أن تبقي نفسها متماسكة أمام الجميع.لم تكن تبكي كما بكت في المستشفى.ربما لأن الصدمة لم تسمح لها بعد أن تستوعب حقيقة أن ابنها لن يعود.كانت تجلس ويداها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها ثابتتان أمامها، وكلما اقتربت منها امرأة لتعزيها، كانت ترفع رأسها وتستمع بصمت، ثم ترد بكلمات مقتضبة:— «جزاكِ الله خيرًا.»لكن عينيها كانتا تفضحان ما تحاول إخفاءه.كانت أمًا فقدت ابنها.ولا شيء يمكن أن يجعل ذلك سهلًا.أما «آسيا»، فلم تكن معهم.منذ عودتها إلى المنزل بعد فقدانها الوعي في المستشفى، وهي في حالة لم تسمح لها حتى بالوقوف على قدميها. بقيت في غرفتها، تحت رعاية أمها وسلمى، بينما كانت الحقيقة جاثمة فوق صدرها بثقل لا تستطيع احتماله.كلما أفاقت للحظات، كانت تسأل السؤال نفسه:— «هل مات فعلًا؟»ولم تكن تنتظر إجابة.فهي تعرف.لكنها كانت تسأل لأن قلبها لم يكن قاد
مرّت ساعة أخرى.ساعة كاملة ظلوا خلالها جالسين أمام ذلك الباب المغلق، يتشبث كل واحد منهم بأمل صغير، رغم أن أحدًا لم يعد يملك ما يطمئنه.كانت «آسيا» واقفة منذ وقت طويل، وقد جف حلقها من كثرة الدعاء.لم تعد تشعر بقدميها.لم تعد تعرف كم مرة نظرت إلى الساعة، ولا كم مرة رفعت عينيها إلى باب الطوارئ، ولا كم مرة تخيلت أن الباب سيفتح ويخرج منه الطبيب ليخبرهم بأن مازن بخير.لكن الباب ظل مغلقًا.حتى انفتح أخيرًا.هذه المرة لم يخرج ممرض.خرج الطبيب.بخطوات بطيئة.وبوجهٍ لم يحمل تلك الملامح التي كانوا يتمنون رؤيتها.توقفت آسيا عن التنفس تقريبًا.نهضت والدة مازن من مكانها، واقتربت منه بخطوات مرتعشة.أما ريم، التي كانت قد عادت بعد إجراء التحاليل، فقد وقفت هي الأخرى.وساد الممر صمت ثقيل.نظر الطبيب إليهم جميعًا.ثم قال:— «أنا آسف.»كلمتان فقط.لكن آسيا شعرت في اللحظة نفسها بأن شيئًا بداخلها انهار.هزت رأسها بعنف.— «لا...»لم يفهم أحد إن كانت قالتها للطبيب أم لنفسها.اقتربت خطوة.— «ماذا تقصد؟»لم يجب الطبيب فورًا.وكان ذلك الصمت وحده كافيًا.شهقت والدة مازن.— «ابني؟»خفض الطبيب عينيه قليلًا، ثم قال
ساد صمت طويل، لدقائق ربما.. ظلت فيهن الثلاث سيدات يتبادلن النظرات الصامتة، لكل نظرة منهن سؤال مختلف، وأجابة مختلفة... "ريم" التي جلست علي طرف الاريكة، بالكاد تلمسها، وكأنها تخشي علي فُستانها الثمين ذو الماركة الشهيرة بأن يُفسد من الأتربة. "آسيا" كانت لها النصيب الأكبر من التوتر في هذه الجلسة، فبق
ظلت "سلمي" تحدق بها لثوان طويلة بلاهة وفم مفتوح علي اخره، من ثم وضعت ما بيديها سريعا وكأنها فقدت شهيتها. _"مازن آل دهشان.... أنا أعرفه". جملتها القصيرة جذبت أنتباه"آسيا"لتعتدل، مترقبة بتركيز: _"حقا تعرفينه؟ من أين؟ ". اطلقت الاخري ضحكة قصيرة علي سذاجة صديقتها: _" ليس معرفة شخصية... و
بقيت في مكانها دون حركة تُذكر، وأصابعها ما زالت تستقر على المقبض، وبعيون لمع فيها الدمع، راقبت المشهد في مجال رؤيتها. كان كرسي مكتبه الضخم شاغرًا، بينما رنّت في الأرجاء أصوات طفلة تضحك عاليًا بمرح، تكسر قتامة المكتب الداكن المرتب على نحو مثالي. تخلّى "مازن" عن هيبته ومكانته وسط العاملين لديه، وجث
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد
レビューもっと