LOGINساد صمت طويل، لدقائق ربما.. ظلت فيهن الثلاث سيدات يتبادلن النظرات الصامتة، لكل نظرة منهن سؤال مختلف، وأجابة مختلفة... "ريم" التي جلست علي طرف الاريكة، بالكاد تلمسها، وكأنها تخشي علي فُستانها الثمين ذو الماركة الشهيرة بأن يُفسد من الأتربة.
"آسيا" كانت لها النصيب الأكبر من التوتر في هذه الجلسة، فبقيت جالسة بمكانها وبداخل عقلها يتردد تحذيرات"سلمي"وما سردته لها عن تلك المرأة. أما والدتها، فبقيت واقفة بمكانها بعد أن قدمت العصير للضيفة، وهي لا تفهم بالضبط ما الذي يحدث. _"لأن وقتي ثمين، فلا داعي لأضاعته في النظرات". أجابتها "آسيا" بنبرة محايدة: _"أرجو ذلك". _"أنا ريم الزهيري، زوجة رجل الأعمال مازن آل دهشان... الذي يسكن طلفه في رحمكِ". أذن هي تعرف، ولا شك أن ما حدث لها ليس إلا تدبير مرتب منها: _"والمطلوب؟ ". القت" ريم"نظرات عابرة علي المكان حولها، في نظرة تقييمة قصيرة، من ثم هتفت بتكبرٍ: _"اظن أن حياتكم الصعبة، لا تحتمل وجود فرد جديد يحتاج رعاية والمزيد من الأموال... والحال كما ترين مهددين بالطرد ". أشتد شحوب" آسيا"، لكنها رفضت أن تمنحها متعة رؤية أرتباكها، من أين لها بتلك المعلومات، التي من المفترض أنها خاصة... خاصة جدا، وكانها بذلك ترسل لها رسائل مضمونها أنها تعرف كل شئ... واي شئ قالت ببرود متعمد: _"يبدو إنكِ قد بذلتِ مجهودًا كبيرًا قبل أن تأتي إلي هنا". ابتسمت بثقة، تجيبها بتمهلٍ ونبرة ثقيلة: _"أنا عادة لا أحب الدخول إلي أي معركة دون أن أعرف تفاصيلها". تدخلت والدتها، وقد بدأ القلق يتسلل إليها: _"عفوا، هل لي أن أفهم ما الذي يحدث هنا؟ وماذا تريدين من أبنتي؟ ". حولت" ريم "نظرها إليها: _" لا شيء يستدعي القلق، جئت فقط لمصلحتكم، ومصلحة الطفل ". تشنج جسد" آسيا"فور سماع الكلمة... الطفل؟، لذا أسرعت بالقول: _"أمي من فضلك أتركينا وحدنا قليلاً". وزعت بينهن نظرات مترددة، من ثم غادرت الصالون علي مضض، وقد أعتادت علي الالغاز هذه الأيام. وما أن أختفي صوت خطواتها، حتى عادت "ريم" تنظر إليها مباشرةً، بينما تعبث أصابعها بحواف كوب العصير الذي لم تمسه: _"الآن يمكننا التحدث بصراحة اكثر". _"تفضلي". وضعت حقيبتها ذات الجلد الطبيعي الفاخر بجانبها، وشبكت أصابعها فوق ساقيها: _"كم سيكلفك هذا الطفل عند مجيئه". _"ماذا؟ ". _" سؤال بسيط، الحفاضات، الحليب، والطبيب والملابس والمدرسة والطعام لاحقًا". من ثم القت نظرة بطيئة علي الأثاث القديم من حولها: _"حتى هذا المنزل، بالكاد تستطيعون الاحتفاظ به". أشتعلت عينا "آسيا" غضبا، فحذرتها بنبرة حادة: _"أحذري ما تقولين؟ ". _" ولماذا؟ هل قلت شيئا غير صحيح.. ". قاطعتها بأندفاع: _" ليس من شأنك". اومأت "ريم" بهدوء: _"بل أصبح من شأني، منذ اللحظة التي حملتِ فيها طفل زوجي ". كانت كلماتها قاسية متعمدة ومهينة لكنها لم تظهر أي ندم عليها، وبل اكملت بنفس ذات النبرة: _" دعينا نختصر الأمر... ونتحدث بلغة يفهمها الجميع... المال". سحبت حقيبتها وسريعا ما أخرجت من حقيبتها دفترًا، أتضح أنه دفتر للشيكات، هذه المرة أتسعت عينا"آسيا"فعلاً. _"ما الذي تفعلينه؟ ". قالت ببساطة: _" أحل مشكلة ". _" أي مشكلة ". _" مشكلتك أنتِ". من ثم كتبت رقما لم يتبين لها فالبداية، وسريعا دارت بالورقه نحوها، أمام عينيها: _"هذا الملبغ يكفي لشراء شقة صغيرة، وسداد ديونكم، وتأمين مستقبلك لسنوات طويلة ". نظرت إلي الورقة للحظة، من ثم دفعتها بعيدا تقول بجمود: _" أحتفظي بأموالك" لم يظهر أي انزعاج علي وجه"ريم"، بل وكأنها كانت تتوقع الرد، فقالت بهدوء: _"حسنا". مزقت الشيك بهدوء إلي قصاصات صغيرة جدا والقته جانبا، ثم أخرجت آخر، وكتبت رقم أكبر... أكبر بكثير، حتى "آسيا" لم تستطع منع نفسها من النظر إليه، لاحظت "ريم" ذلك فورا، فقالت بإبتسامة: _"الآن بدأنا نتحدث بواقعية ". _" قلت لك لا أريد مالاً". _"أذن ماذا تريدين؟ ". صاحت بأنفعال حقيقي، وقد نهضت من مكانها: _" أريد أن تبتعدوا عن حياتي ". لأول مرة منذ بداية الجلسة، تختفي الابتسامة عن وجه" ريم"، ونظرت إليها مطولاً، ثم قالت بصوت هادئ علي نحو مخيف: _"لو كان ذلك ممكنًا لما كنت اجلس هنا.... أنتِ تعتقدين أنني جئت لأشتري الطفل؟! ". _" أليس هذا ما تفعلينه الآن؟ ". _" لا، بل احاول شراء مستقبلكِ، قبل أن يدمره مازن ". أرتعشت أصابع" آسيا": _"ماذا تقصدين؟ ". _" لأنكِ لا تعرفينه كما أعرفه أنا، حين يعلم مازن بوجود هذا الطفل ستكونين آخر شخص يملك حق اتخاذ القرار بشأنه... هذا أن لم يتخلص هو منه ". صمتت تراقب وقع كلماتها، فأضافت ببطء: _" وبنفسه" ❈-❈-❈مرّت الأيام التالية بهدوءٍ أسرع مما توقعت آسيا. انشغلت والدتها ووالدة مازن بتفاصيل الزواج الصغيرة، بينما تولّت سلمى معظم الأمور التي كانت ترى أن آسيا لا ينبغي أن تشغل نفسها بها. موعدٌ هنا، ومقاسٌ هناك، وبعض الزيارات القصيرة التي كانت تنتهي دائمًا بعبارة من نوع: «لم يبقَ إلا القليل». أما آسيا، فكانت تعيش الأيام وكأنها تقف على عتبة شيء لا تزال غير قادرة على استيعابه بالكامل. كلما نظرت إلى الخاتم في إصبعها، تذكرت أنها لم تعد تفكر في الزواج بوصفه احتمالًا بعيدًا. لقد أصبح موعدًا. وبيتًا. ورجلًا ينتظرها في الجهة الأخرى من هذا اليوم. ومع ذلك، لم يحاول مازن أن يجعل الأيام السابقة للزواج أثقل عليها. ظل كما اعتادته؛ قريبًا دون أن يضيّق عليها، حاضرًا دون أن يطالبها بشيء، ويكتفي أحيانًا برسالة قصيرة أو مكالمة سريعة يسأل فيها عن يزيد، ثم ينتهي به الأمر إلى سؤالها هي أيضًا عن يومها. وبمرور الوقت، بدأت رهبة الأمر تخف قليلًا. لم تختفِ تمامًا. لكنها لم تعد تخيفها كما كانت. وفي صباح يوم الفرح، استيقظت آسيا قبل موعدها بوقت طويل. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدّق في السقف دون أن تتحرك.
مرّ اليومان التاليان لموافقة آسيا بصورة لم تتوقعها.لم يحدث فيهما شيء استثنائي بالمعنى الذي كانت تتخيله، ومع ذلك شعرت أن البيت كله تبدّل قليلًا.لم تعد كلمة الزواج تُقال بحذر كما كانت في السابق، ولم تعد والدة مازن تتجنب الحديث عن المستقبل أمامها، بل صار الأمر حاضرًا في تفاصيل صغيرة جدًا؛ موعد يُقترح، اسم يُذكر، اتصال تجريه إحدى الخادمات، أو ورقة تضعها والدته أمامها لتسألها عن رأيها.حتى سلمى حضرت في اليوم التالي، وقضت معها ساعات طويلة، تتحدثان عن أشياء لا علاقة لها بالزواج، ثم تعودان إليه فجأة، وكأن الحديث كان ينتظر الفرصة المناسبة.وكانت آسيا، رغم ارتباكها، تشعر بشيء لم تعتده.أن هناك من ينتظرها معه.لم تعد وحدها في التفكير في الغد.وحتى يزيد، الذي ظل يحتل معظم ساعات يومها، بدأ وجوده داخل البيت يأخذ شكلًا مختلفًا؛ فالمربية تساعدها أكثر، ووالدة مازن تتولى عنها أحيانًا بعض التفاصيل الصغيرة، حتى تجد آسيا وقتًا لنفسها دون أن تشعر بأنها مقصرة في حقه.أما مازن، فلم يتغير معها بطريقة واضحة.وهذا تحديدًا ما أراحها.لم يبدأ في معاملتها وكأنها أصبحت زوجته بالفعل، ولم يطالبها بمشاعر أكبر من قدر
استيقظت آسيا في ذلك الصباح على غير عادتها.لم يكن هناك بكاء يزيد، ولا صوت المربية وهي تحاول تهدئته، ولا حتى ذلك الهدوء الثقيل الذي اعتادت أن تستيقظ عليه منذ جاءت إلى هذا البيت.كان هناك شيء آخر.أصوات.حركة تأتي من الطابق السفلي، خطوات متعجلة تتردد فوق الدرج، أبواب تُفتح ثم تُغلق، وضحكات مكتومة تتسلل بين حين وآخر إلى الغرفة.بقيت للحظات مستلقية، تحدق في السقف، تحاول أن تفهم ما يحدث.ثم التفتت إلى يزيد.كان نائمًا بهدوء، فابتسمت دون إرادة منها، ومدت يدها تمرر أصابعها على وجنته الصغيرة قبل أن تنهض.ارتدت ثوبها على عجل، وحملت يزيد بين ذراعيها، ثم خرجت من الغرفة.كلما اقتربت من الدرج، ازدادت الأصوات وضوحًا.وحين وصلت إلى آخر درجة، توقفت.كانت الصالة مختلفة تمامًا عن المعتاد.الستائر مفتوحة، والشمس تملأ المكان، وعلى الطاولة الكبيرة تراصت فناجين القهوة وأطباق الحلوى، بينما تحركت الخادمات بين المقاعد في نشاط غير مألوف.كانت والدة مازن تجلس في المنتصف.وإلى جوارها...سلمى.ما إن وقعت عيناها عليها حتى رفعت سلمى رأسها، وابتسمت ابتسامة واسعة.ــ صباح الخير، يا عروس.توقفت آسيا مكانها.نظرت إليها،
كانت آسيا وحدها في الغرفة. كان يزيد نائمًا في سريره الصغير، وقد هدأ البيت من حولها بعد أن انشغل الجميع بأمورهم المسائية. لم يبقَ في الغرفة سوى صوت أنفاسه المنتظمة، والحفيف الخافت للستارة كلما تسلل الهواء من النافذة. جلست آسيا على طرف الأريكة، وأسندت رأسها إلى ظهرها، وأغمضت عينيها. منذ أيام، وهي تحاول ألا تفكر في الأمر. لكنها كانت تفكر فيه طوال الوقت. كلما رأت مازن في الممر، تذكرت عرضه، كلما سمعت صوته، عادت إليها اللحظة التي قال فيها إنه يريد الزواج منها. وكلما حاولت إقناع نفسها بأنها اتخذت القرار الصحيح برفضه، وجدت سؤالًا صغيرًا يظهر في آخر تفكيرها: وماذا لو لم يكن الرفض هو ما تريده حقًا؟ فتحت عينيها. نظرت إلى يزيد.كان صغيرًا إلى درجة تجعل فكرة المستقبل نفسها تبدو مخيفة. منذ جاء إلى حياتها، لم تعد القرارات تخصها وحدها. لم تعد تستطيع أن تقول: سأفعل، أو لن أفعل، ثم تمضي. هناك طفل يتعلق بها. وحياة كاملة تنتظرها خلف كل قرار. لكن المشكلة لم تكن يزيد وحده. كانت تعرف ذلك. لو كان الأمر متعلقًا به فقط، لربما كان القرار أسهل. كان يمكنها أن تقول لنفسها إن الزواج سيمنحه
تسللت خيوط الصباح الأولى عبر النوافذ العالية، فأغرقت غرفة الطعام بضوءٍ ذهبي هادئ، انعكس فوق المائدة الطويلة التي ازدانت بإفطارٍ بسيط أعدَّه الخدم منذ وقتٍ مبكر. جلست والدة "مازن" في مكانها المعتاد، تقلب صفحات الجريدة بين الحين والآخر، بينما وقفت الممرضة إلى جوار المهد الصغير الذي ينام فيه "يزيد"، تهزه برفق كلما تحرك في نومه، قبل أن يعود إلى سكينته. أما "آسيا"، فكانت تساعد إحدى الخادمات في ترتيب الأطباق وأدوات المائدة. ومنذ أن استعاد "يزيد" عافيته، بدأت تستعيد هي الأخرى شيئًا من هدوئها، وعادت تشارك في تفاصيل المنزل اليومية. كانت تطمئن على الصغير، وتساعد والدة "مازن" فيما خفَّ عليها من أعباء، وتشرف على إعداد الإفطار قبل نزول الجميع. ومع تكرار الأيام... استقرت في ذاكرتها تفاصيل صغيرة لم تتعمد يومًا حفظها. تعرف الفنجان الذي تفضله والدة "مازن"، وتعرف موضع الدواء الذي تتناوله كل صباح، كما أصبحت تعلم أن "مازن" لا يبدأ إفطاره إلا بقطعةٍ من الجبن الأبيض، وأن فنجان قهوته يُوضع دائمًا إلى يمينه. لم تكن تراقبه... إنها مجرد عاداتٍ تتكرر كل يوم، حتى حفظتها دون أن تنتبه.في تلك اللحظة، دخل "
في اليوم التالي. كانت "آسيا" تجلس في الشرفة المطلة على الحديقة، تحمل كوبًا من الشاي بين يديها، بينما كانت عيناها معلقتين بـ"يزيد"، الذي كانت المربية تدفع عربته ببطء بين الممرات الحجرية. اقتربت والدة "مازن"، وجلست إلى جوارها دون أن تتكلم. مرَّت لحظات من الصمت، لم يقطعها سوى زقزقة العصافير. ثم قالت بهدوء: ــ هل ضايقكِ مازن؟ التفتت إليها "آسيا" بسرعة. ــ لا... أبدًا. ابتسمت السيدة. ــ إذن فقد خمنتُ صحيحًا... لقد صارحكِ بما في نفسه. احمرَّ وجه "آسيا" قليلًا، واكتفت بخفض بصرها. لم تبتسم السيدة، ولم تُظهر حماسًا، بل قالت في هدوءٍ يشبه حديث أمٍّ مع ابنتها: ــ لا تقلقي... لن أحدثكِ عن الزواج، ولن أطلب منكِ أن تغيري قرارك. بدت الدهشة على وجه "آسيا". فأكملت: ــ جئت فقط لأقول شيئًا واحدًا. سكتت لحظة، ثم أشارت بعينيها نحو "يزيد". ــ ذلك الصغير... يستحق أن يكبر في بيتٍ هادئ. تنهدت "آسيا". ــ وأنا أفكر في هذا كل يوم. ــ أعلم. قالتها السيدة بنبرةٍ مطمئنة. ــ ولهذا لم ألومكِ حين رفضتِ.لكن... لا تجعلي خوفكِ من الماضي يحرم "يزيد" من مستقبلٍ قد يكون أجمل. ظ
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد
سبق خطواتها، صوت رنة خلخالها الشرقي الرنان، يعلن عن حضورها، وقفت بزاوية مائلة تستند بجزعها علي باب المكتب المفتوح...، رفعَ رأسه عن الأوراق امامه، وعطرها الفرنسي الباهظ يتغلغل إلي أنفه عنوةً. توقع خطوتها التالية، أذ أخذت تقترب منه تتمايل برشاقة قوامها الممشوق، تتعمد أن تكشف عن ساقيها السمراء الطو
أنتظرت لساعة كاملة علي الاريكة الجلدية، في غرفة الأنتظار، وسط عشرات من النساء، معظمهن ببطن منتخفة،وعلي مايبدو أنهن بلغن شهورهن الأخيرة من الحمل...كانت متوترة،وصوت جهاز التكييف الذي يلفظ هواءً باردًا يحمل رائحة الكحول الطبي والمعقمات النفاذة يخنقها حاولت أشغال نفسها بتفحص هاتفها مرات عديدة، لكن ال
ظلت "سلمي" تحدق بها لثوان طويلة بلاهة وفم مفتوح علي اخره، من ثم وضعت ما بيديها سريعا وكأنها فقدت شهيتها. _"مازن آل دهشان.... أنا أعرفه". جملتها القصيرة جذبت أنتباه"آسيا"لتعتدل، مترقبة بتركيز: _"حقا تعرفينه؟ من أين؟ ". اطلقت الاخري ضحكة قصيرة علي سذاجة صديقتها: _" ليس معرفة شخصية... و







