로그인الوطن – المنزل القديم – شرفة الطابق العلوي – بعد أسبوع من جلسة المحكمة كانت الشرفة تطل على الحديقة الخلفية، حيث كانت أشجار الليمون والزيتون تصطف في صفوف منتظمة، وأضواء المدينة البعيدة تتلألأ في الأفق كجواهر سوداء. كان الجو دافئاً، والنسيم الخفيف يحمل رائحة التراب والزهور. كان الوقت مساءً، والشمس قد بدأت تغرب، تاركة خلفها ألواناً برتقالية وحمراء تلونت بها السماء. كان علي جالساً على كرسي خشبي قديم، ويداه مشبوكتان على ركبتيه، وعيناه مثبتتان على الأفق. كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، وشعره الرمادي يرفرف في الريح. إلى جانبه، كان آدم جالساً على كرسي مماثل، يحمل كوباً من الشاي الساخن، وينظر إلى والده بفضول وقلق. كان قد عاد من لندن قبل يومين، بعد أن أنهى بعض أعماله هناك، وكانت مريم قد وعدته بزيارته قريباً. ساد صمت طويل بينهما. لم يكن صمتاً محرجاً، بل كان صمتاً مريحاً، صمت من يعرفان بعضهما جيداً، ولا يحتاجان إلى الكلام طوال الوقت. آدم أخيراً: «بابا، لقد مر وقت طويل منذ أن جلسنا هكذا. وحدنا. بدون أحد يستمع. بدون خوف. بدون هروب.» علي: «نعم. سنوات طويلة. أتذكر آخر مرة جلسنا فيها هكذا... كنت في
الوطن – المحكمة الابتدائية – بعد شهر من استقرار العائلة في المنزل القديم كانت قاعة المحكمة مكتظة بالصحفيين والمحامين والمتفرجين. كانت القضية التي اعتقد الجميع أنها انتهت قبل سنوات، عادت لتطفو على السطح مجدداً. هانز، الذي كان يقبع في زنزانة انفرادية في سويسرا بانتظار محاكمته النهائية، تمكن من تحريك دعوى قضائية جديدة ضد علي بتهم قديمة تتعلق بصفقات أسلحة في إفريقيا، كانت قد سقطت من الملف الأصلي بسبب عدم كفاية الأدلة. لكن هانز تمكن من إقناع محاميه بتقديم ما زعم أنها "أدلة جديدة"، وعُقدت جلسة استماع طارئة في الوطن، حيث كان علي مقيماً. جلس علي في قفص الاتهام، ووجهه هادئ، ويداه مشبوكتان على الطاولة أمامه. كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة، وربطة عنق رمادية، وشعره الرمادي مصفف بعناية. إلى جانبه، جلس ميشيل لوبلان، محاميه القديم الذي سافر خصيصاً من سويسرا للدفاع عنه. كان الملف الذي بحوزته ضخماً، يحتوي على أدلة جديدة تدعم براءة موكله. على الجانب الآخر، جلس محامي هانز، وهو شاب طموح يحاول إثبات نفسه على حساب قضية شهيرة. كان يحمل ملفاً مماثلاً، لكن أدلته كانت هشة، مبنية على شهادات شهود غير موثوقين، ووث
لم أعرف لماذا فتحتُ اسمها في هاتفي. لم أعرف، حتى وأنا أضغط على زر الاتصال، ماذا سأقول لها، أو لماذا، من بين كل الأشخاص الذين يمكن أن أتصل بهم في هذه اللحظة، اختار عقلي الغارق أن يذهب إليها. سارة. رنّ الهاتف مرتين، ثلاثاً، وكنتُ على وشك أن أغلق الخط، أن أتراجع عن قرار لم يكن قراراً حقيقياً بقدر ما كان غريزة هاربة، حين سمعتُ صوتها أخيراً. "كريم؟" اسمي في فمها بدا غريباً بعد كل هذه الأسابيع من الصمت بيننا. تردّدتُ قبل أن أجيب، وشعرتُ بصمتي يمتد أطول مما ينبغي. "سارة. أعرف أن هذا غريب، أن أتصل بعد كل هذا الوقت، لكنني..." توقفتُ، أبحث عن كلمات لا تخون حجم ما أحمله. "أحتاج أن أراك. إن كان هذا ممكناً." صمتت من جهتها هي أيضاً، وشعرتُ بثقل ذلك الصمت يمتد عبر الخط، كأنها تزن السؤال، تزن العلاقة التي تركناها معلقة بلا نهاية واضحة، بلا كلمة فراق حقيقية، فقط تباعد بطيء لم يجرؤ أحدنا على تسميته بنهايته الحقيقية. "لماذا؟" سألت أخيراً، وصوتها حمل حذراً لم أعهده فيها من قبل، حذر امرأة تعلمت، ولو متأخرة، أن لا تفتح بابها لكل من يطرقه بصوت متعب. "لا أعرف بالضبط." قلتُ بصدق غريب، صدق لم أخطط له.
اتصلتُ به للمرة الخامسة، والهاتف يرنّ، يرنّ، ثم يصمت، كأن الصوت نفسه يستسلم لاستحالة الوصول إليه. لم أتركه يذهب إلى البريد الصوتي هذه المرة. أغلقتُ المكالمة بنفسي قبل أن يفعل النظام ذلك، كأنني أحاول أن أحتفظ بآخر قطعة من السيطرة في يدٍ بدأت تشعر، للمرة الأولى منذ ضغطتُ "إرسال"، بأنها لا تملك شيئاً حقيقياً. نظرتُ إلى الساعة. مرّت ثلاث ساعات منذ آخر مرة رأيتُه فيها، يجمع قميصه بيدين مرتبكتين، يقول "لا أستطيع أن أكون هنا حين يدخل" بصوت رجل يكتشف حدود شجاعته. ثلاث ساعات بدت أطول من كل الأيام التي عشتُها في هذا البيت بانتظار أحمد، لأن انتظار أحمد كان عادة قديمة، روتيناً تآكلت حدته منذ زمن، أما هذا الانتظار، انتظار كريم، كان جديداً، حاداً، يخدش شيئاً لم أعرف أنه لا يزال طرياً فيّ. كتبتُ له رسالة. "كريم، أين أنت؟" لم تظهر علامة "وصلت" حتى. لا رمادي يتحول إلى أزرق، لا أي إشارة أنه فتح هاتفه ورآها، أو أنه، ببساطة، تركها معلقة هناك، تنتظر اهتماماً لا يأتي. جلستُ على حافة السرير الذي شهد كل شيء، وشعرتُ بشيء غريب يتسلل إلى داخلي، شيء لم أتوقع أن يزورني بعد كل ما فعلته. كنتُ أظن أن القوة التي
اتصلتُ بهما معاً، أبي وأمي، عبر مكالمة فيديو لم أستطع أن أنظر فيها إلى وجهيهما طويلاً. كان أبي يجلس في صالته المعتادة، الكرسي الذي لا يتغير مكانه منذ سنوات، وأمي بجانبه، يداها متشابكتان في حجرها بشكل بدا، حتى قبل أن أبدأ، كأنها تستعد لخبرٍ لا تريد أن تسمعه. "أحمد، ما بك؟ وجهك..." بدأت أمي، وصوتها يحمل ذلك القلق الذي لا يفارقها أبداً حيال أي تغيّر في ملامح أبنائها. لم أعرف من أين أبدأ. جلستُ على حافة سريري، والهاتف بين يدي يرتجف بشكل لم أستطع إخفاءه. "كريم..." قلتُ، والاسم خرج كأنه شوكة. "وراما. هما... كانا معاً." صمتٌ. صمتٌ طويل، ثقيل، امتد عبر الشاشة كجدارٍ من الجليد. "ماذا تقول؟" سأل أبي أخيراً، صوته منخفضاً، كأنه يأمل أن يكون قد أخطأ في فهم كلماتي. "أرسلت لي صوراً، أبي. راما. صوراً لها مع كريم." لم أستطع أن أصف التفاصيل، لم أرد أن أرى وجه أبي وهو يتخيلها. "أخي خاننا جميعاً. أخي الذي—" "اصمت لحظة." قاطعني أبي، ويده ارتفعت أمام الكاميرا كأنه يحاول أن يوقف الزمن نفسه. "اصمت، وأعد ما قلته، ببطء." أعدتُ القصة، بصوت أكثر اتزاناً هذه المرة، أحاول أن أرتب الكلمات كما رتبتها مع ليل
اتصلتُ بليلى لأنني لم أعرف بمن أتصل غيرها. لم أكن أبحث عن حل، ولا عن نصيحة، كنتُ فقط أحتاج صوتاً لا يحاكمني، صوتاً لا يعرف كيف وصلتُ إلى هذه اللحظة لأنه لا يملك الحق في أن يسأل. ليلى ردّت من النفس الثاني، كأنها كانت تنتظر، كأن جسدها بأكمله مهيأ دائماً لاستقبال انكساري. "أحمد؟ ما بك؟ صوتك..." لم أستطع أن أبدأ بالكلام مباشرة. جلستُ في السيارة، في الموقف الذي ركنتُ فيه بلا تفكير، والمدينة تتحرك حولي بلا مبالاة، كأن شيئاً لم يحدث، كأن العالم لا يعرف أن بيتي انهار منذ ساعة فقط. "كريم،" قلتُ أخيراً، والكلمة خرجت كأنها شوكة في حلقي. "أخي. راما." "ماذا؟ ماذا بهم؟" "هما... معاً." لم أجد كلمة أخف من هذه. "أرسلت لي صوراً، ليلى. صوراً لها معه. أخي اللعين، الذي ربّيته بيدي، الذي حملته على ظهري حين كان طفلاً، يخون زوجتي... يخونني... في بيتي." صمتت ليلى لحظة، ثم جاء صوتها أكثر حنواً مما توقعت. "يا إلهي، أحمد. أنا آسفة، آسفة جداً." "كيف فعلت هذا بي؟" استمررتُ، والكلمات تنهال من فمي بلا ترتيب، بلا منطق يحكمها. "راما، التي ظننتُ أنها لا تعرف شيئاً عن العالم، التي حسبتها بريئة، طاهرة، تجلس في بي







