تسجيل الدخولوقف كريم عند مدخل المبنى الهندسي في أول يوم من سنته الجامعية الثانية، يشعر بفرق واضح عن العام الماضي. لم يكن هناك ذلك القلق الذي رافقه في يومه الأول في هذا التخصص، حين كان كل وجه غريب يذكّره بمدى المجهول الذي أقدم عليه. الآن، كان يمشي بخطى واثقة، يعرف أين تقع كل قاعة، ويتذكر أي أستاذ يفضّل أي أسلوب في التدريس. دخل القاعة الأولى ليجد زياد قد سبقه، جالساً في المقعد المعتاد الذي أصبح مكانهما الثابت منذ العام الماضي. "شكلك مختلف هذا العام." قال زياد وهو يرفع نظره من هاتفه. "مختلف كيف؟" سأل كريم وهو يجلس بجانبه. "لا تبدو خائفاً كالعام الماضي. تبدو وكأنك تعرف بالضبط ماذا تفعل هنا." ضحك كريم. "لأنني أعرف بالضبط ماذا أفعل هنا، على عكس العام الماضي حين كنت أتساءل كل يوم إن كنت اتخذت القرار الصحيح." بدأت المحاضرة الأولى، ولاحظ كريم عدداً من الوجوه الجديدة بين الطلاب، طلاب سنة أولى جاؤوا لتوهم، يحملون نفس القلق الذي حمله هو قبل عام. رأى أحدهم يجلس منفرداً في الصف الخلفي، ينظر حوله بارتباك واضح، وتذكّر نفسه بالضبط في ذلك المكان. بعد المحاضرة، اقترب كريم من ذلك الطالب. "أول سنة لك هنا؟" أوم
استيقظت راما مبكراً قليلاً على وقع أشعة الشمس التي تسللت عبر الستائر النصف مغلقة في شقتها. كان أول يوم من إجازة الصيف الجامعية بالنسبة لكريم، الذي جاء ليقضي الأسبوع الأول منها معها، بعد فصل دراسي كامل ناجح ومليء بالتحديات التي تجاوزها بثقة متنامية. استدارت في السرير لتجده لا يزال نائماً بجانبها، وجهه هادئ تماماً، بلا أي أثر لذلك القلق الذي كان يرافقه أحياناً في الأشهر الأولى من علاقتهما. ابتسمت وهي تراقبه للحظة، ثم نهضت بهدوء لتحضّر القهوة قبل أن يستيقظ. جلست في المطبخ الصغير، تستمع لصوت الغلاية، وتنظر من النافذة إلى الشارع الهادئ في هذا الصباح الصيفي المبكر. فكرت في كل الأشهر الماضية، في كل التحولات الكبيرة والصغيرة التي مرت بها هي وكل من حولها: أحمد الذي أنهى علاجه النفسي وأعاد بناء علاقاته واحدة تلو الأخرى، الأب الذي وجد سلاماً داخلياً بعد سنوات من القلق الأبوي، كريم الذي أثبت لنفسه وللعالم أن الشجاعة في تغيير المسار تستحق كل مخاطرها، وهي نفسها، التي أعادت بناء حياتها بالكامل من رماد طلاق مؤلم إلى حياة تحمل معنى حقيقياً. استيقظ كريم بعد قليل، ودخل المطبخ بشعر مرتبك من النوم، يبت
دخلت راما إلى مكتب منى صباح الاثنين، تحمل تقريراً عن أداء فريقها في الأشهر الأخيرة، لكنها لم تكن تتوقع أن يتحول هذا الاجتماع الروتيني إلى شيء أكبر بكثير."جلست أراجع أرقام فريقك للربع الأخير." بدأت منى وهي تشير إلى الشاشة أمامها. "النتائج مذهلة، تفوق كل التوقعات التي وضعتها حين منحتك القيادة أول مرة.""الفريق يعمل بجد كبير." قالت راما بتواضع. "أنا فقط أحاول أن أوجّه هذا الجهد بالطريقة الصحيحة.""لا تقللي من دورك." ردت منى بحزم لطيف. "القيادة الجيدة هي بالضبط ما يحوّل جهداً فردياً إلى نتائج جماعية استثنائية، وأنتِ أثبتِ ذلك مراراً."جلست راما تستمع، تشعر بفضول متزايد عن سبب هذا التقييم المفصّل في اجتماع كان من المفترض أن يكون سريعاً."لهذا السبب،" تابعت منى، "قررت الإدارة العليا توسيع نطاق مسؤولياتك. ستتولين الآن حسابات عملاء أكبر، من ضمنهم اثنان من أهم عملاء الشركة."توقفت راما عن الكتابة على دفترها، تنظر إلى منى بدهشة واضحة. "عملاء أكبر؟ هذا يعني مسؤولية أضخم بكثير مما أتعامل معه الآن.""بالضبط." أكدت منى. "ويعني أيضاً فريقاً أكبر تحت إمرتك، وميزانية أكبر تديرينها، وحضوراً أكثر في ال
جلست راما على شرفتها في مساء هادئ، تحمل بين يديها الدفتر الصغير الذي بدأت الكتابة فيه منذ بداية هذا العام تقريباً، ذلك الدفتر الذي رافقها منذ أول أسابيعها بعد الطلاق، حين كانت تجلس في مقاهٍ غريبة تحاول أن تفهم من هي دون أحمد. فتحت الصفحة الأولى، وقرأت خط يدها القديم، مضطرباً بعض الشيء، يحمل أثر يد كانت لا تزال ترتجف من هول ما حدث. "لا أعرف من أنا الآن. كل ما كنت أعرفه عن نفسي كان مرتبطاً بكونه زوجتي. الآن أشعر أنني أبدأ من الصفر." توقفت عند هذه الجملة طويلاً، تتذكر الألم الذي رافق كتابتها، ذلك الشعور بالضياع الكامل الذي بدا حينها بلا نهاية. قلبت الصفحات ببطء، تقرأ مقاطع متفرقة كتبتها على مدى الأشهر: قلقها من مواجهة أمها بالحقيقة، توترها في أول يوم عمل، خوفها من أن تحب مرة أخرى بعد كل ما مرت به. وصلت إلى صفحة كتبت فيها عن كريم لأول مرة، جملة مترددة، حذرة: "أشعر بشيء تجاهه، لكنني خائفة من أن أثق بمشاعري بعد كل ما حدث." ابتسمت وهي تقرأ هذه الجملة، تقارنها بيقينها الحالي، بالثقة الكاملة التي تشعر بها الآن تجاه علاقتها به. تصفحت المزيد، ووصلت إلى الصفحات الأخيرة، تلك التي كتبتها في الأ
أصبح حضور كريم في عشاء الثلاثاء أمراً معتاداً الآن، لا استثناءً يحتاج ترتيباً مسبقاً. وصل ذلك المساء دون أن يتصل مسبقاً، يعرف أن مكاناً على الطاولة سيكون بانتظاره كعادة الأسابيع الأخيرة. جلس الثلاثة حول طاولة العشاء، الأب في رأسها كعادته، وأحمد وكريم على الجانبين، بينما كانت الأم تتنقل بين المطبخ والصالة، تحمل الأطباق الأخيرة قبل أن تنضم إليهم أخيراً. "كيف كانت جلستك الأخيرة مع الدكتور سليم؟" سأل الأب كريم وهو يمرر له طبق الأرز. "كانت جلسة ختامية، بمعنى الكلمة." أجاب كريم بابتسامة. "قال لي 'عُد إذا احتجت'، وهذا بالضبط ما شعرت أنه يعنيه أيضاً حديثنا الأخير مع الدكتور رأفت، أليس كذلك يا أحمد؟" ابتسم أحمد وهو يومئ برأسه. "نفس الجملة تقريباً. أعتقد أن هذا نمط جميل: أن تصل إلى نقطة لا تحتاج فيها المرافقة المستمرة، لكن الباب يبقى مفتوحاً دائماً إن احتجتها مجدداً." "هذا ينطبق على أكثر من الاستشارات الأكاديمية والنفسية." قال الأب بتأمل، ينظر إلى ابنيه بالتناوب. "أعتقد أنه ينطبق علينا نحن الثلاثة أيضاً. لم نعد بحاجة لجدولة كل لقاء بعناية، أو الحذر في كل كلمة نقولها. أصبحنا فقط... عائلة تت
جلس كريم في مكتب الدكتور سليم، المستشار الأكاديمي الذي رافقه منذ أول يوم قرر فيه تغيير تخصصه بالكامل، ذلك القرار الذي بدا حينها أشبه بقفزة في الفراغ. كان هذا اللقاء مختلفاً عن كل اللقاءات السابقة؛ لم يكن هناك جدول مواد يحتاج توقيعاً، ولا استشارة عاجلة بخصوص مادة يخشى الرسوب فيها، بل مجرد لقاء ختامي للسنة الدراسية الأولى. "إذن،" بدأ الدكتور سليم وهو يفتح ملف كريم على شاشته، "سنة كاملة مرت منذ أن جلست في هذا المكتب أول مرة، خائفاً، غير متأكد إن كان قرارك صائباً." "أتذكر ذلك اليوم جيداً." ابتسم كريم. "كنت مقتنعاً أنك ستحاول ثنيي عن القرار." "لم أحاول ثنيك أبداً، فقط تأكدت أنك تفهم حجم التحدي." صحح الدكتور سليم بلطف. "والآن، بعد سنة كاملة، أرى أمامي طالباً أنهى فصلين دراسيين بمعدل ممتاز، دون أي مادة أقل من المتوسط الجيد." نظر كريم إلى الشاشة التي عرضها له الدكتور سليم، كشف الدرجات الكامل للسنة: معدل تراكمي فوق المتوسط بكثير، تحسن ملحوظ من الفصل الأول إلى الثاني، ونجاح واضح في كل مادة تقريباً. "لم أكن أتخيل أنني سأصل إلى هذا المستوى حين بدأت." اعترف كريم بصدق. "كانت هناك أسابيع كاملة
فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة
جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. "ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن
كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال







