Partager

راما

Auteur: Alaa issa
last update Date de publication: 2026-08-19 20:03:24

استيقظت راما في السادسة صباحاً دون حاجة لمنبه. كان الضوء الفجري يتسلل بنعومة فائقة عبر ستائر غرفتها، مسلطاً خيطاً لؤلؤياً دافئاً على الفستان العاجي المعلق بعناية على خزانة الملابس. ساد الصمت أرجاء الشقة، صمتٌ مفعم بالسكينة والعمق، خالي تماماً من أي طيف للقلق أو التوتر الذي ينتاب العرائس عادة في مثل هذا الصباح المفصلي.

​جلست على طرف سريرها لعدة دقائق، تتنفس ببطء وتستشعر لحظة الاسترخاء التام. لم تكن تفكر في تفاصيل الجدول الزمني المزدق للحفل، ولا في حركة المعازيم أو ترتيبات الصالة، بل كانت تستحضر
Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application
Chapitre verrouillé

Dernier chapitre

  • لعبة المرايا   الختام

    مرت خمس سنوات كاملة؛ سنوات انقضت كالبرق الخاطف، لكنها حملت في طياتها نضجاً عميقاً، واستقراراً متيناً، وتغيراً جذرياً شفيفاً أرسى أركان هذه العائلة على أرضٍ من النور واليقين. لم تكن تلك السنوات مجرد أرقام تتوالى في التقويم، بل كانت البناء الفعلي والحقيقي لكل الحصاد الصادق الذي زُرِع في ليالي التعب والصبر والتصالح. ​في عصر يوم صيفي دافئ، كان نسيمٌ عليل يلطّف حرارة المدى المفتوح في حديقة البيت العائلي الكبير. كانت الأشجار المشجرة التي زرعها الأب قبل سنوات طويلة قد نمت واستطالت، تظلل بكتفها الخضراء المساحة الرخامية والعشب الندي. كانت الحديقة تموج بحركةٍ مفعمة بالحياة والحيوية، وصوت ضحكات الأطفال المرتفعة يتردد بنقاءٍ مستحب في الأرجاء، يبعث في النفس دفئاً خالصاً لا يشوبه طيف للماضي. ​كان كريم يقف قرب شجرة الياسمين المزهرة في منتصف الحديقة، يحمل على كتفيه ابنته الصغرى ذات الثلاث سنوات، "سارة". كانت الصغيرة تضحك بملء فيها وهي تحاول التقاط بعض أوراق الشجر، بينما كان كريم يدور بها ببراعة وحذر، وعيناه تفيضان بعاطفة الأبوة الحانية والمسؤولية الكاملة. لم يعد كريم ذلك الشاب المتردد أو القلق الذي

  • لعبة المرايا   عشاء الثلاثاء

    ​عاد طقس "عشاء الثلاثاء" الأسبوعي ليعتلي صدارة جدول الأسرة، غير أنه لم يعد ذلك اللقاء الثقيل والمجهد الذي تكتنفه التوترات المكتومة وتسيطر عليه النظرات المتحفظة. لم تعد هناك تلك الهواجس الصامتة والشكوك القديمة حول صحة الأب وحالته النفسية، أو مخاوف الماضي التي طالما حاصرت تعافي أحمد وتخبطات كريم. بل تحول العشاء إلى ملتقى أسبوعي دافئ يفيض بالأنس الصافي، والدفء العفوي، والارتياح العميق لعائلة اجتازت كافة عواصفها بصلابة، واستقرت أركانها على أرض صلبة من التراحم، والوفاء، والتسامح النقي. ​في تمام الساعة السابعة مساءً من يوم الثلاثاء، كانت الصالة الرئيسية في بيت الوالدين تشع بنور لؤلؤي دافئ، وتفوح في أرجائها رائحة الطعام البيتي الفاخر المطهو بكل رعاية ومحبة. كانت أم كريم تتنقل بين المطبخ وسفرة الطعام العريضة بابتسامة عريضة لا تغيب عن وجهها، تنظم الأطباق بدقة وتتأكد من إعداد أصناف المأكولات المفضلة لولدها وزوجته راما، بينما كان الأب يتحرك بخطى واثقة ونشاط هادئ ينم عن استعادة كامل صحته وعافيته، يساعدها في ترتيب المقاعد وتنسيق الصالة بوقار وحنان. ​مع حلول الساعة السابعة والنصف، وصل كريم وراما

  • لعبة المرايا   أحمد

    مرت عدة أشهر على زفاف كريم وراما، وكانت الحياة في شقة أحمد تسير في إيقاعٍ جديد من السكينة والانتظام المريح. لم تعد تلك الشقة بالنسبة له مجرد ملجأ هادئ يهرب إليه من ضغوط العمل وأحمال الشعور القديم بالذنب، بل أصبحت مساحته الخاصة التي تعكس استقراره النفسي، وتصالحها التام مع ذاته ومع العالم من حوله. ​في صباح يوم خميس مشمس من شهر نوفمبر، كان أحمد يجلس في مكتبه الفسيح بالشركة، يراجع بعض التقارير المالية والخطط الاستثمارية للعام الجديد. كان يعمل بتركيزٍ وثبات، يحركه الشغف المهني النقي والتحدي الممتع، خاليين من تلك الرغبة المجهدة القديمة في إثبات الذات أو التكفير القهري عن أخطاء الماضي. ​طُرِق باب المكتب بهدوء، ودخلت مهندسة الاستشارات والتقييم العقاري، "مي"، التي انضمت حديثاً إلى التعاقد مع الشركة لتطوير أحد المشاريع الكبرى. كانت مي امرأة في أوائل الثلاثينيات من عمرها، تتسم برزانةٍ واضحة، وذكاء هادئ، وأناقة بسبطة تخلو من التكلف. ​"صباح الخير يا سيد أحمد،" قالت مي بصوت هادئ وهي تضع ملفاً أزرق على الطاولة أمام مكتبه. "هذا هو التقييم النهائي للموقع الجغرافي وحسابات المخاطر للمشروع الجديد كما

  • لعبة المرايا   التأقلم الجديد

    مرّ شهرٌ كامل على ليلة الزفاف، شهرٌ انقضى بحسّه الهادئ كأنه حلمٌ طويل ومطمئن. في تلك الشقة المشرقة التي تقع في الطابق الرابع من بناية حديثة بالحي الهدائي، كانت الحياة تتخذ لها مجرى جديداً، ناصعاً ومستقراً كلياً. تتسلل أشعة الشمس الصباحية كل يوم عبر النوافذ الزجاجية العريضة المتمتدة في صالة المعيشة، لتنعكس على الأثاث الخشبي البسيط والألوان العاجية للجدران، مسبغة على المكان دفئاً خاصاً يبعث في النفس السكينة والسلام. ​لم تكن الشقة بالنسبة لكريم وراما مجرد مسكن جديد، بل كانت المساحة الأولى التي يمتلكانها بالكامل، مساحة خالية من ظلال الماضي، والتوقعات المجهدة، والشكوك القديمة التي طالما حاصرت بداياتهما. ​في صباح يوم ثلاثاء دافئ، استيقظ كريم في السابعة صباحاً دون حاجة لمنبه. نزل من السرير بخطى خفيفة كي لا يوقظ راما، وخرج إلى المطبخ المفتوح ذي التصميم العصري البسيط. فتح النافذة المطلة على الشارع المشجر المشبع ببرودة الصباح الخفيفة، وبدأ بإعداد القهوة وإبريق الشاي بالنعناع. كان يتأمل التفاصيل الصغيرة حوله؛ رفوف المطبخ المنظمة بعناية، والأكواب الثنائية التي اشترياها معاً من متجر الأثاث، والج

  • لعبة المرايا   كريم وراما

    بدأت أنوار القاعة الكبرى تخبو بالتدريج مع اقتراب الساعة من الثالثة صباحاً، وانحسرت ألحان الموسيقى لتفسح المجال لسكون هادئ أخذ يلف أرجاء المكان. غادر آخر الضيوف بعد أن ملأوا الجو بالتبريكات والدعوات الصالحة، ونزل الستار على ليلة طويلة كانت شواهدها تعج بالحركة والمشاعر الجياشة. وقف أحمد وزياد عند المدخل الخارجي يستكملان الترتيبات الأخيرة مع إدارة الفندق والمتعهدين، بينما كانت أم كريم وأم راما تجلسان في الصالة الداخلية يستريحين بابتسامات رضا متعبة ومستقرة بعد يوم حافل بكل ألوان المسرة. ​في تلك الأثناء، خرج كريم وراما من الرواق الداخلي المتصل بالقاعة اتجاه الممر الخارجي الهادئ الموصل إلى أجنحة الفندق الخاصة. كان نسيم الليل العليل يداعب أطراف الطرحة الحريرية الناعمة التي لا تزال تتدلى برقة خلف راما، ويلطف من حرارة المساء. كانت خطاهما متأنية ومتناسقة؛ كريم يبدو كاملاً في بدلته الكحلية الفاخرة، يمسك بثبات يد راما التي ترتدي فستانها العاجي، يحملان في صمتهما حميمية صادقة لا تحتاج إلى زاد من الكلمات. ​توقفا عند الشرفة المرتفعة المطلة على المساحات الخضراء والحديقة المضيئة بسبوتات خافتة. ساد ال

  • لعبة المرايا   الأب

    في منتصف الحفل، عندما كانت ألحان الموسيقى الكلاسيكية تنساب بدفء وتغمر القاعة ببهجة هادئة ورزينة، أحسّ الأب برغبة في الابتعاد قليلاً عن صخب التهنئة والمصافحة المتواصلة. استأذن بلطف من جلاّسه، وقام ببطء متكئاً بيده الثقيلة على عصاه الخشبية ذات المقبض العاجي المزخرف. كانت خطواته متأنية وموزونة، يحمل فيها وقار السنوات وثقل التجارب، اتجه نحو الشرفة الخارجية الفسيحة الملحقة بالقاعة، والتي تطل على حديقة الفندق الغناء وعلى انعكاس أضواء المدينة البعيدة. ​كان هواء الليل صافياً، يتردد فيه نسيم عليل يلطّف حرارة الصيف، وأصوات الموسيقى والضحكات داخل القاعة تصل إلى الشرفة كصداءٍ دافئ وناعم. وقف الأب عند السور الحجري الشاهق، ونزع عقاله بمهل ليتنفس بتركيز وعمق، مسنداً كفيه على حافة السور. ​أخذ يجيل بصره في الفضاء الفسيح، مسترجعاً شريط حياته وعائلته طوال العشرين عاماً الماضية. تذكر البدايات، والجهد الشاق الذي بذله لتأسيس هذا البيت حجرًا بحجر، والحرص الدائم على أن ينشئ ولديه أحمد وكريم على الاستقامة والكرامة. لكن الأيام لم تخلُ من أزمات طاحنة؛ تذكر ليلة الأزمة الصحية المفاجئة التي ألمّت به وشردت بالبي

  • لعبة المرايا   عناق يوقظ الوحش

    كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. ​كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال

  • لعبة المرايا   وشاح من حرير

    فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي

  • لعبة المرايا   شوارع مزدحمة بالفتنة

    في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة

  • لعبة المرايا   فضيحة جسدية

    جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. ​"ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status