LOGINفي مساء الأربعاء، بعد أن انتهيتُ من مراجعة مادة الميكانيكا وأغلقتُ الكتاب، أرسلتُ لراما أسألها إن كانت مستيقظة. "نعم. تعال." وصلتُ بعد عشرين دقيقة. كانت في الصالة بدفترها أمامها وقلمها في يدها لكنها وضعته حين دخلتُ. هذا أيضاً شيء لاحظتُه: أن راما حين تضع قلمها حين تراني لا تفعل ذلك من مجاملة. تفعله لأن شيئاً فيها يُقرر أن ما ستتحدث فيه أهم مما كانت تفعله. "كيف المذاكرة؟" سألت. "وصلتُ إلى ما يكفيني الليلة." "والمادة؟" "أصعب مما أتوقعه عادةً. وأنا بدأتُ أعتبر هذا علامة جيدة." ابتسمت. ثم أمسكت قلمها ووضعته في جانب الدفتر. إشارة صغيرة تقول إنها أغلقت ما كانت تفعله. "أخبرتني أمي أنها تريد أن تعرفك." قالت. "أعرف. كيف تشعرين حيال ذلك؟" "أتساءل كيف تشعر أنت." "أشعر أن هذا طبيعي. وأشعر أيضاً أنه مهم. لأن هذا النوع من اللقاءات يعني أن ما بيننا وصل لمكان يستحق أن يُرى." "وهو وصل؟" "من منظوري، نعم." "ومن منظوري أيضاً." قالت بهدوء. جلسنا في الصمت القصير الذي يكون بعد الجمل التي تقول أشياء كبيرة بكلمات قليلة. "متى؟" سألتُ. "أمي ستعود في نهاية الشهر القادم. إن أردتَ يمكننا أن نُرتب
زرتُ منال ويوسف في يوم الجمعة في وقت الضحى. لم تكن هذه الزيارة الأولى، زرتُهما مرتين من قبل في الأشهر الماضية. لكن الزيارتين السابقتين كانتا في أوقات كان ذهني فيهما في أماكن متعددة في نفس الوقت. هذه الزيارة كانت مختلفة لأن ذهني كان في مكان واحد: هذا البيت وهذا الطفل وهذه الجلسة. منال فتحت الباب بوجه يحمل التعب الجميل الذي يحمله والدا الأطفال الصغار، تعب لا تريد منه الراحة لأنك تعرف سببه وتُحبه. يوسف كان مستيقظاً هذه المرة. جالس في كرسيه الصغير يُحاول أن يُحرك رأسه نحو كل صوت وكل حركة في الغرفة. طفل في أسبوعه العاشر أو الحادي عشر، في تلك المرحلة التي يبدأ فيها العالم يصبح له معنى لكن بطريقة غير منظمة. جلستُ أمامه على الأرض لأكون في مستواه. نظر إليّ. أو بالأحرى نظرت عيناه في اتجاهي. كان هناك شيء في طريقة توجهه، توقف عن حركته الصغيرة المستمرة ونظر. "مرحباً يا يوسف." قلتُ بصوت منخفض لا يُفزع. "يُحب الأصوات الهادئة." قالت منال من الكنبة خلفي. "الأصوات العالية تُقلقه." "إذن نتحدث بهدوء." جلستُ أمامه وقتاً بدون أن أفعل شيئاً بالمعنى الفعلي. فقط كنتُ هناك. وأحياناً هذا كافٍ. فكّرتُ
في الأسبوع الثالث من الفصل دخلتُ محاضرة ميكانيكا المواد في الصباح الباكر ووجدتُ القاعة شبه فارغة لأنني وصلتُ مبكراً بنفس الدقائق العشر التي صارت عادة منذ بدأ الفصل. اخترتُ مقعدي في المنتصف ووضعتُ دفتري وقلمَي وأخرجتُ الكتاب وفتحتُه على الفصل الذي سيُدرسه الأستاذ اليوم. قرأتُ الصفحتين الأولى ببطء قبل أن تبدأ المحاضرة، ليس لأن القراءة المسبقة تجعلك تعرف الإجابات بل لأنها تُعطيك خريطة تعرف فيها أين تُوجد انتباهك حين يتحدث الأستاذ. جلس خالد إلى جانبي قبل بداية المحاضرة بدقيقتين. "الفصل الثالث؟" سأل وهو يُخرج دفتره. "نعم. قرأتُ الصفحتين الأولى." "مفيد؟" "يُعطيك خريطة." قلتُ. أومأ. "سأجرب هذا." بدأ الأستاذ. مادة ميكانيكا المواد في أسلوب هذا الأستاذ تحديداً كانت مختلفة. لم يبدأ بالتعريفات ولم يبدأ بالمعادلات. بدأ بسؤال: "لماذا تنكسر الجسور؟" الغرفة هدأت بطريقة تفعلها حين يُفاجئها سؤال لم تتوقعه. "لأن المواد لها حدود." قال أحدهم. "صحيح جزئياً." قال الأستاذ. "لكن الأدق: لأن المهندسين في بعض الأحيان يُصممون الجسر ليتحمل ما يجب أن يتحمله ولا يُحسبون هامش الخطأ. والمواد ليست مثالية وال
أخبرتني أمي أنها ستأتي للمدينة في رسالة قصيرة أرسلتها في منتصف أسبوع عادي: "سأزور خالتك وأريد أن أراكِ. الخميس أو الجمعة إن ناسبكِ." الخميس ناسبني. أخذتُ إجازة في وقت الغداء وذهبتُ لاستقبالها في بيت خالتي. حين فتحت الباب ورأيتُ أمي جالسة في الصالة بمعطفها لا تزال لم تُغيّره بعد أن أتت من الطريق، وقفتُ لثانية. رؤيتها بالجسد كاملة دائماً مختلفة عن سماع الصوت. "راما." وقفت وفتحت ذراعيها. احتضنتُها بالطريقة التي أفعلها في زيارة عادية وبطريقة مختلفة في الوقت نفسه، لأن الزيارات العادية بعد المحادثات الصادقة التي أجريناها في الأشهر الماضية لم تعد عادية بنفس الطريقة. جلسنا. خالتي أعدّت قهوة وانشغلت في المطبخ بطريقة الناس الذكيين الذين يعرفون متى يمنحون الناس مساحة. "كيف حالكِ؟" سألت أمي وعيناها تقرآن وجهي. "بخير حقيقي. ليس بخير المجاملة." "أرى ذلك." قالت. "وجهكِ مختلف." "بأي طريقة؟" "أخف." قالت بعد لحظة تفكير. "وجهكِ أخف. كان دائماً يحمل شيئاً حتى في الأوقات التي كنتِ سعيدة فيها. الآن أقل." جلستُ مع هذا الوصف. أمي ترى أشياء لا أستطيع رؤيتها بنفسي لأنها تحتاج مسافة لا تملكها عين من
اتصلتُ بكريم في يوم الخميس في وقت لم أُخطط له مسبقاً. كنتُ أجلس في مكتبي بعد انتهاء آخر اجتماعات اليوم، والمكتب يفرغ من حوله تدريجياً، وفجأة خطر لي: لماذا لا أتصل بكريم؟ ليس لأن هناك شيئاً أقوله أو سؤالاً أطرحه. فقط لأن الفكرة خطرت وكان من الممكن فعلها. هذا النوع من الأفكار كان غريباً عليّ من قبل. كنتُ لا أتصل بأحد بدون سبب. لكن الدكتور رأفت قال في إحدى جلساتنا شيئاً لم أنسَه: "الروابط لا تعيش على الأسباب وحدها. تحتاج أيضاً إلى اللاسبب، إلى الوجود معاً بلا هدف." ضغطتُ على الاسم. رنّ الهاتف مرتين. "أحمد؟" "نعم. كيف حالك؟" "بخير. الفصل الجديد بدأ جيداً." "سمعتُ أنك حوّلتَ التخصص." "نعم. هندسة تطبيقية." "هذا يُناسبك." قلتُ، وكانت هذه الجملة صادقة لأنني أعرف كريم بطريقة لا يعرفها أحد آخر، أعرف كيف يُفكر حين يُفكر بطريقة صحيحة وأي نوع من المشكلات يستثير ذهنه. "لماذا تقول هذا؟" سأل بفضول حقيقي. "لأنك دائماً كنتَ تُريد أن ترى نتيجة ملموسة لما تفعله. في المدرسة كنتَ تكره المواد النظرية البحتة وتُحب حين يكون للفكرة تطبيق. هذا لم يتغير." صمت كريم للحظة. "لم أكن أتوقع أنك تلاحظ هذا."
في صباح يوم الاثنين وقفتُ أمام مرآة الحمام أُعدّ نفسي للذهاب إلى العمل، وأدركتُ أنني لم أُفكر في ما سألبسه أكثر من ثانيتين. هذه الثانيتان كانتا كافيتَين لأن المرأة التي تُعدّ اليوم لاجتماع قيادي لا تُفكر في الملابس كما تُفكر فيها المرأة التي تُريد أن تترك انطباعاً جيداً عند أناس لا تعرفهم. تُفكر بطريقة مختلفة: ما الذي يُشعرني بأنني أنا؟ اخترتُ ما اخترتُه ومشيتُ إلى العمل. الاجتماع مع العميل كان في الساعة العاشرة. الفريق الذي ستقوده راما لأول مرة: رانيا وخالد وموظف جديد اسمه سعيد. منى ستكون موجودة لكنها قالت بوضوح في اجتماع التحضير البارحة: "أنا هناك إن احتجتِ. لكن الاجتماع لكِ." جملة من ثلاث كلمات تحمل ثقلاً لا تُشعر به إلا حين تقفين بمفردك أمام غرفة الاجتماعات وتضعين يدك على المقبض. دخلتُ أولاً. رتّبتُ الأوراق على الطاولة بطريقة تُساعدني لا تُزيّن الطاولة. قلمان لا قلم واحد لأن القلم يمكن أن يتوقف عن الكتابة في أسوأ الأوقات. وكوب ماء لأن الحلق يجف حين تتحدثين أمام ناس ينتظرون. دخل الفريق ودخل العميل ومساعده. الجلوس. النظرات. تلك اللحظة القصيرة التي يُقيّم فيها الجميع بعضهم قبل
كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال
فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف







