Home / الرومانسية / لعنة القمر الأسود / الفصل السادس: بذرة الشك

Share

الفصل السادس: بذرة الشك

Author: نيفين
last update publish date: 2026-07-07 21:53:00

خرج آدم ورفاقه من شجرة الحقيقة مع طلوع الشمس.

لكن شيئًا فيهم كان قد تغير.

لم تكن الرحلة طويلة بالأيام، لكنها كانت طويلة بما يكفي لتكشف لهم أشياء أخفوها حتى عن أنفسهم.

وقف أورين عند مدخل الغابة ينتظرهم.

نظر إلى وجوههم، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

“لقد نجحتم.”

رفع آدم يده، وكانت البلورة الأولى تلمع فيها.

“حصلنا عليها.”

أومأ أورين.

“لا…”

ثم نظر إليه بعمق.

“أنتم لم تحصلوا عليها.”

“هي التي اختارتكم.”

سكت آدم قليلًا.

كان يشعر بثقل المسؤولية أكثر من أي وقت مضى.

لم يعد مجرد شاب يحاول معرفة ماضيه.

أصبح شخصًا يعتمد عليه الكثيرون.

اقتربت ليان منه وقالت:

“لا تفكر كثيرًا.”

نظر إليها.

“كيف تعرفين ما أفكر به؟”

ابتسمت.

“لأنك تفعل نفس الشيء كلما شعرت بالخوف.”

ضحك آدم للمرة الأولى منذ فترة.

“وهل أصبحتِ تعرفينني لهذه الدرجة؟”

خفضت عينيها قليلًا.

“ربما.”

كانت لحظة هادئة بينهما.

لكن من بعيد…

كانت نيرين تراقبهما.

وشعرت بشيء لم تشعر به منذ سنوات.

الندم.

لقد جاءت لتفرقهما.

لكنها بدأت ترى لماذا يخاف زيرون منهما.

ليس بسبب قوتهما فقط…

بل بسبب العلاقة بينهما.

في طريق العودة إلى مدينة الظلال، كان الجميع أكثر هدوءًا.

أما ريان فكان يسير بجانب آدم.

قال:

“أريد أن أعتذر.”

نظر إليه آدم باستغراب.

“على ماذا؟”

تنهد ريان.

“كنت أظن أنك مجرد شخص حصل على مكانة لا يستحقها.”

“كنت أراك أميرًا مدللًا لا يعرف معنى الخطر.”

ابتسم آدم.

“وأنا كنت أظنك فارسًا لا يخاف من شيء.”

ضحك ريان.

“يبدو أننا كنا مخطئين.”

أصبح الاثنان أكثر قربًا.

لكن ليان كانت صامتة.

لاحظ آدم ذلك.

“ما بك؟”

هزت رأسها.

“لا شيء.”

لكنه عرف أنها تخفي شيئًا.

فهي منذ خروجها من الشجرة أصبحت أكثر تفكيرًا.

عندما وصلوا إلى مدينة الظلال، استقبلهم الناس بالفرح.

كانت الأخبار قد انتشرت.

عاد الأمل إلى المدينة.

لكن وسط الاحتفال…

دخل شخص غريب إلى القصر.

كانت امرأة عجوز تحمل عصا سوداء.

توقفت أمام الحراس وقالت:

“لدي رسالة للوريث.”

أخذها الحراس إلى مجلس النور.

وعندما وصلت الرسالة إلى إيلارا، تغير وجهها.

سأل آدم:

“ما الأمر؟”

فتحت الرسالة.

كانت كلمات قليلة:

“لن يهزم النور الظلام… إذا بدأ النور بالشك في نفسه.”

وتحتها كان رمز زيرون.

في تلك الليلة…

كان آدم في غرفته عندما سمع طرقًا على الباب.

فتح.

كانت ليان.

بدت مترددة.

قال:

“هل حدث شيء؟”

دخلت وأغلقت الباب.

“هناك شيء لم أخبرك به.”

جلس آدم.

“ما هو؟”

صمتت للحظة.

ثم قالت:

“قبل أن نصل إلى الغابة… رأيت شيئًا.”

“رأيت امرأة.”

تغير وجه آدم.

“من؟”

“لا أعرف.”

“لكنها قالت إنها أمي.”

ساد الصمت.

قال آدم بهدوء:

“ولماذا لم تخبريني؟”

خفضت عينيها.

“لأنني خفت.”

“خفت أن تكون الحقيقة أكبر مما أستطيع تحمله.”

اقترب منها آدم.

“ليان…”

لكن قبل أن يكمل…

انطفأت جميع الشموع في الغرفة.

وتسلل هواء بارد من النافذة.

ثم ظهر صوت مجهول:

“كم هو جميل أن تثقوا ببعضكم…”

“لأن كسر الثقة سيكون مؤلمًا أكثر.”

استدار آدم بسرعة.

لكن لم يكن هناك أحد.

فقط…

ورقة سوداء سقطت على الأرض.

فتحها آدم.

وكان مكتوبًا فيها:

“اسأل ليان عن حقيقتها.”

نظر آدم إلى ليان.

ولأول مرة…

دخل الشك بينهما.

ليس لأنهما لا يثقان ببعضهما.

بل لأن العدو عرف أين يضع أول ضربة.

بقيت الورقة السوداء على الأرض بين آدم وليان.

لم تكن مجرد قطعة من الورق…

كان وجودها وحده كافيًا ليغير هدوء الغرفة.

نظر آدم إلى الكلمات المكتوبة عليها مرة أخرى:

“اسأل ليان عن حقيقتها.”

ثم رفع عينيه إليها.

لم يكن ينظر إليها باتهام.

بل بحيرة.

قال بهدوء:

“ليان… ماذا يعني هذا؟”

اقتربت منه خطوة.

“لا أعرف.”

لكن صوتها لم يكن ثابتًا كما اعتادت.

لاحظ آدم ذلك.

ولأول مرة شعر أن هناك جزءًا من حياة ليان لا يعرفه.

قال:

“هل هناك شيء تخفينه عني؟”

ساد الصمت.

كان السؤال بسيطًا…

لكنه أصاب مكانًا حساسًا في قلبها.

جلست ليان ببطء.

“هناك أشياء لا أعرفها حتى عن نفسي.”

اقترب آدم منها.

“إذن أخبريني بما تعرفينه.”

نظرت إلى الأرض.

“منذ كنت طفلة، وأنا أعيش مع سلمى.”

“لم تكن أمي الحقيقية، لكنها كانت الشخص الوحيد الذي رعاني.”

“كانت تمنعني من الخروج كثيرًا، وكانت تخبرني أن هناك أشخاصًا يبحثون عني.”

سأل آدم:

“من هم؟”

هزت رأسها.

“لم تخبرني.”

“وفي الليلة التي اختفت فيها… تركت لي هذه القلادة فقط.”

أخرجت نصف القمر الفضي.

نظر آدم إليها.

ثم إلى قلادته.

الشمس والقمر.

النوران اللذان اجتمعا بطريقة لا يفهمها أحد.

قال:

“ربما هذا هو السر.”

لكن قبل أن يكمل…

سمعا صوتًا في الخارج.

خرج آدم وليان إلى الممر.

كان الحراس مجتمعين أمام إحدى القاعات.

وعندما وصلا، وجدا ريان واقفًا أمام شخص غريب.

كانت فتاة ترتدي عباءة رمادية.

قال أحد الحراس:

“وجدناها عند البوابة.”

نظرت الفتاة إلى آدم.

ثم قالت:

“أنا أعرف شيئًا عن زيرون.”

اقترب آدم.

“من أنتِ؟”

أجابت:

“اسمي نيرين.”

تظاهر الجميع بالدهشة.

لكن آدم لم يعرف أن هذه هي نفس المرأة التي كانت تعمل لصالح زيرون.

قالت:

“كنت أعيش بين أتباعه.”

“وأعرف خططه.”

سأل ريان بحذر:

“ولماذا تساعدينا؟”

صمتت نيرين للحظة.

ثم قالت:

“لأنني اكتشفت أنني كنت أخدم الشخص الخطأ.”

لم يصدق ريان كلامها.

أما ليان فظلت تنظر إليها بصمت.

كان لديها شعور غريب تجاهها.

كأنها تعرف أن خلف عينيها قصة أكبر.

في مجلس النور…

اجتمع الجميع لمناقشة دخول نيرين إلى المدينة.

قال أحد الحكماء:

“لا يمكننا الوثوق بها.”

وقال آخر:

“قد تكون فخًا من زيرون.”

نظر آدم إلى نيرين.

كانت هادئة.

لم تدافع عن نفسها.

قالت إيلارا:

“هناك شيء واحد فقط سيحدد الحقيقة.”

أحضرت مرآة قديمة.

“مرآة القلب.”

وضعتها أمام نيرين.

“من يكذب، يظهر الظلام داخله.”

تقدمت نيرين ببطء.

وضعت يدها على المرآة.

في البداية…

لم يحدث شيء.

ثم بدأت المرآة تعرض صورًا.

رأت نيرين نفسها وهي تعمل مع زيرون.

رأوا كيف دخلت القصر.

وكيف أمرها بتفريق آدم وليان.

تغيرت وجوه الجميع.

صرخ ريان:

“لقد خدعتنا!”

لكن قبل أن يقترب منها…

انكسرت المرآة فجأة.

تراجعت إيلارا بدهشة.

“مستحيل.”

سأل آدم:

“ماذا حدث؟”

قالت إيلارا:

“المرآة لم ترَ فقط ما فعلته…”

“رأت أيضًا ما اختارته.”

نظر الجميع إلى نيرين.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

قالت بصوت منخفض:

“نعم.”

“كنت أعمل معه.”

“كنت أريد أن أفعل ما طلبه.”

ثم نظرت إلى آدم وليان.

“لكنني لم أستطع.”

“لأنني للمرة الأولى رأيت أشخاصًا يحاربون من أجل بعضهم… وليس من أجل القوة.”

ساد الصمت.

لم يعرف أحد ماذا يقول.

لكن صوتًا جاء من خارج القاعة.

ضحكة باردة.

ثم ظهر دخان أسود على الجدران.

وصوت زيرون ملأ المكان:

“كم هو مؤثر…”

“الخيانة التي تتحول إلى ندم.”

تجمد الجميع.

قال زيرون:

“لكن لا تفرحوا كثيرًا.”

“لأنها لم تخبركم بكل شيء.”

نظر آدم إلى نيرين.

تغير وجهها.

ثم قال زيرون:

“أخبرهم يا نيرين…”

“من كان السبب الحقيقي في سقوط مملكة النور.”

اختفى الصوت.

لكن كلماته بقيت.

ونظرات الجميع اتجهت نحو نيرين.

ساد الصمت داخل قاعة مجلس النور.

لم يعد أحد ينظر إلى زيرون أو إلى الدخان الأسود الذي اختفى من المكان…

الجميع كان ينظر إلى نيرين.

كانت واقفة في منتصف القاعة، ووجهها شاحب.

كلمات زيرون لم تكن مجرد محاولة لإرباكهم.

لقد أصابت شيئًا حقيقيًا.

شيئًا كانت تخفيه.

تقدم ريان خطوة إلى الأمام، ويده على مقبض سيفه.

“تحدثي.”

لم تجبه نيرين.

قال بصوت أكثر حدة:

“قلت تحدثي!”

رفع آدم يده ليوقفه.

“ريان.”

لكن ريان لم يبعد عينيه عنها.

“إذا كانت تعرف شيئًا عن سقوط المملكة، فمن حقنا أن نعرف.”

خفضت نيرين رأسها.

ثم قالت:

“نعم…”

“أعرف.”

تجمد الجميع.

اقتربت إيلارا منها.

“كيف؟”

رفعت نيرين عينيها.

“لأنني كنت هناك.”

انتشر الهمس في القاعة.

قال أحد الحكماء:

“مستحيل.”

“ذلك حدث قبل سنوات طويلة.”

أجابت نيرين:

“لم أكن طفلة صغيرة كما تظنون.”

“كنت موجودة عندما سقطت مملكة النور.”

نظر آدم إليها بصدمة.

“كم كان عمرك وقتها؟”

صمتت قليلًا.

ثم قالت:

“كنت في العاشرة.”

شعر آدم بقشعريرة.

فتلك الليلة التي فقد فيها كل شيء…

كانت هي شاهدة عليها.

بدأت نيرين تحكي.

قالت:

“قبل سقوط المملكة، لم يكن زيرون كما تعرفونه الآن.”

“كان ساحرًا عظيمًا.”

“كان يحمي المملكة مثل بقية الحراس.”

تفاجأ آدم.

“زيرون كان من حراس النور؟”

أومأت.

“نعم.”

“لكن كان لديه اعتقاد مختلف.”

“كان يرى أن الخير وحده لا يكفي لحماية العالم.”

“كان يعتقد أن الناس لا يستحقون الحرية، وأن الخوف هو الطريقة الوحيدة لمنع الفوضى.”

قالت إيلارا بحزن:

“لهذا بدأ يبحث عن السحر الأسود.”

تابعت نيرين:

“عندما اكتشف الملك ما يفعله، حاول إيقافه.”

“لكن زيرون كان قد أصبح أقوى.”

“في تلك الليلة…”

توقفت.

وبدا الألم واضحًا في عينيها.

“لم يسقط القصر بسبب جيش من الخارج.”

“بل بسبب شخص كان يعيش بينهم.”

ساد الصمت.

نظر آدم إلى الأرض.

كل حياته كان يظن أن عدوه مجرد وحش.

لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.

قال آدم:

“إذا كنتِ تعرفين كل هذا…”

“لماذا عملتِ معه؟”

كان السؤال هادئًا.

لكنه كان يحمل خيبة.

نظرت إليه نيرين.

“لأنني كنت مثله.”

تعجب الجميع.

أكملت:

“بعد سقوط المملكة، فقدت عائلتي.”

“لم يكن لدي أحد.”

“وجدني زيرون.”

“أنقذني.”

“أطعمني، وعلمني السحر.”

“جعلني أعتقد أن العالم كله عدوي.”

صمتت للحظة.

“كنت أظن أنني أدين له بحياتي.”

ثم نظرت إلى آدم.

“لكن عندما رأيتك…”

“تذكرت أن الإنسان يستطيع اختيار طريق آخر.”

اقتربت ليان منها.

قالت:

“ولماذا لم تخبرينا من البداية؟”

أجابت نيرين بصراحة:

“لأنني كنت خائفة.”

“خفت أن تكرهوني.”

ابتسمت ليان بحزن.

“الخوف هو ما يجعل الناس يخفون الحقيقة.”

ثم نظرت إلى آدم.

“وأحيانًا… قول الحقيقة يحتاج شجاعة أكبر من القتال.”

في تلك اللحظة…

دخل أحد الحراس مسرعًا.

“إيلارا!”

“هناك مشكلة.”

التفت الجميع.

قال الحارس:

“البلورة الأولى…”

“بدأ نورها يضعف.”

تغير وجه إيلارا.

“مستحيل.”

اقترب آدم.

“ماذا يعني ذلك؟”

قالت إيلارا:

“يعني أن هناك من يحاول أخذها منا.”

لكن البلورة كانت محفوظة في مكان لا يعرفه أحد.

إلا…

نظر الجميع إلى نيرين.

تغير وجهها.

قالت بسرعة:

“لا.”

“أنا لم أخبر أحدًا.”

لكن قبل أن يكمل أحد كلامه…

اهتز القصر.

وانطفأت الأنوار.

ومن بين الظلام…

ظهر صوت زيرون:

“تبحثون عن الخائن…”

“لكنكم تنسون أن الخيانة لا تأتي دائمًا من الأعداء.”

بدأت البلورة الذهبية في وسط القاعة بالتحرك.

ارتفعت في الهواء.

ثم ظهرت يد سوداء من خلفها.

صرخ آدم:

“لا!”

اندفع نحوها.

لكن اليد اختفت ومعها البلورة.

بقي خلفها رمز واحد فقط على الأرض.

رمز الهلال المكسور.

بعد دقائق…

وقف الجميع في صدمة.

لقد فقدوا أول دليل على طريق النصر.

قالت إيلارا:

“كان هذا مستحيلًا.”

نظر آدم إلى المكان الذي اختفت منه البلورة.

ثم قال:

“إذن هناك شخص داخل المدينة يساعده.”

سقطت الجملة كالحجر.

لأن معناها كان واضحًا…

العدو ليس خارج أسوارهم فقط.

بل بينهم.

وفي مكان بعيد…

كان زيرون يحمل البلورة الأولى في يده.

ابتسم.

لكن بجانبه وقفت نيرين…

التي لم تكن معه.

بل كانت وحدها في المدينة.

فمن الذي ساعده؟

ومن هو الخائن الحقيقي؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لعنة القمر الأسود   الفصل السابع والأربعون: الخيط الذي لا ينقطع

    الفصل السابع والأربعون: الخيط الذي لا ينقطعما إن لامست أصابع الناسج الخيط المضيء الذي يحمل اسم ليان…حتى تجمدت حركته.ظهر وميض فضي خاطف، وانطلقت من الخيط نفسه موجة عنيفة دفعت يده إلى الخلف.ارتد الناسج خطوة، ثم حدق في الخيط بصمت.لأول مرة…اهتز القناع الأبيض على وجهه.همس بصوت خافت:“مستحيل…”اقترب أكثر.حاول الإمساك بالخيط مرة ثانية.لكن الخيط تحول إلى نور صافٍ، ثم تشابكت حوله خيوط أخرى، حتى أصبح محاطًا بدرعٍ من الضوء والظلال معًا.عقد الناسج حاجبيه.“من فعل هذا؟”…في عالم الوهم…وضعت ليان يدها على صدرها فجأة.شعرت بحرارة غريبة تسري في جسدها، وكأن قلبها يستجيب لنداء بعيد.قالت بصوت متقطع:“سليم…”رفع سليم رأسه فورًا.رغم المسافات التي تفصل بينهما…سمع صوتها.لم يكن صوتًا في أذنيه، بل في قلبه.ثم ظهر أمامه خيط رفيع من النور يمتد عبر الفراغ، حتى اختفى في الأفق.

  • لعنة القمر الأسود   الفصل السادس والأربعون: سقوط الحقيقة

    الفصل السادس والأربعون: سقوط الحقيقةلم يكن الظلام الذي غمر المكان مجرد غيابٍ للضوء…بل كان صمتًا يبتلع الأصوات، حتى نبضات القلوب بدت وكأنها اختفت.وقف سليم في مكانه، ممسكًا بمقبض سيف النور الذي فقد بريقه لأول مرة منذ اختاره. لم يعد السيف يشع، ولم يعد يشعر بتلك الطاقة الدافئة التي كانت تسري في عروقه كلما أمسكه.حدق فيه غير مصدق.همس:“ماذا… حدث؟”لكن أحدًا لم يجبه.رفع سيريون رأسه ببطء، وعيناه المختلفتان تراقبان الفراغ من حوله.قال بصوت هادئ، إلا أن نبرته حملت قلقًا لم يسمعه أحد منه من قبل:“لقد بدأ.”نظر إليه سليم بسرعة.“ماذا بدأ؟”أجاب:“حين يقطع الناسج أحد خيوط العالم… لا يختفي الضوء وحده، بل تختفي الحقيقة المرتبطة بذلك الخيط.”شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.“أي حقيقة؟”لكن قبل أن ينطق سيريون…اهتز عالم الوهم بعنف.بدأت السماء تتصدع، لا بخطوط ذهبية هذه المرة، بل بشقوق لا لون لها، كأن قطعة من الواقع تُنتزع من م

  • لعنة القمر الأسود   الفصل الخامس والأربعون: الشاهد الأخير

    الفصل الخامس والأربعون: الشاهد الأخيرما إن دوّى الصوت في أرجاء عالم الوهم، حتى توقفت الرياح عن الحركة، وتجمدت أوراق الشجرة الفضية في الهواء، وكأن الزمن نفسه انحنى أمام صاحب ذلك النداء.“كفى من الأكاذيب… لقد استيقظ الشاهد الأخير.”ساد صمت ثقيل.تراجع سيد العتمة خطوة إلى الخلف، ولأول مرة منذ ظهوره، ظهرت على وجهه ملامح القلق.أما سليم، فكان ينظر إلى السماء التي بدأت تتشقق بخطوط ذهبية وسوداء متداخلة، حتى انفتح صدع هائل في الفضاء، نزلت منه قطرات من الضوء، لكنها لم تكن تشبه نور البوابة ولا ظلام سيد العتمة، بل كانت تحمل لونًا فضيًا نقيًا، كضوء القمر فوق بحر هادئ.تجمع ذلك الضوء في منتصف الساحة، وبدأ يتخذ هيئة رجل مسن، طويل القامة، يلبس رداءً رماديًا بسيطًا، لا يحمل سيفًا ولا عصًا ولا أي علامة تدل على القوة. كان شعره الأبيض يصل إلى كتفيه، ولحيته الطويلة تتحرك مع نسيم خفيف لا يشعر به أحد سواه.لكن أكثر ما لفت انتباه سليم كان عيناه…إحداهما ذهبية، والأخرى سوداء.وكأن النور والظلام التقيا فيه دون أن ينتصر أحدهما

  • لعنة القمر الأسود   الفصل الرابع والأربعون: الحقيقة التي لا تُرى

    وقف سليم أمام الرجل ذي العباءة السوداء، بينما كانت أوراق الشجرة الفضية تتساقط ببطء حولهم، وكأن الزمن نفسه قد تباطأ داخل ذلك العالم. لم يعد يسمع أصوات المعارك ولا صرخات نيراف، بل كان كل شيء هادئًا إلى حد يبعث على القلق.أما ليان، فما زالت تجلس تحت الشجرة، تنظر إليهما بعينين خاليتين من الذكريات، وكأنها لم تعرف سليم يومًا.ابتسم الرجل الغامض وقال:“لا تنظر إليّ كعدو، سليم.”لم يجب سليم، لكنه شد قبضته.ضحك الرجل بخفة.“ما زلت تظن أن كل معركة تُحسم بالسيف.”نظر سليم حوله.لم يكن يحمل سيف النور.تذكر كلمات أريون.“ستدخل بقلبك فقط.”قال بثبات:“أنت سيد العتمة.”أومأ الرجل برأسه.“هذا هو الاسم الذي منحني إياه البشر.”ثم رفع بصره إلى السماء.“أما اسمي الحقيقي… فقد نُسي منذ زمن أطول من عمر الحضارات.”ساد الصمت.قال سليم:“مهما كان اسمك… فأنت من نشر الظلام.”ابتسم الرجل، لكن ابتسامته كانت حزينة هذه المرة.

  • لعنة القمر الأسود   الفصل الثالث والأربعون: داخل متاهة القلب

    لم يجب أريون مباشرة.ظل يحدق في سليم، وكأنه يزن قوة قلبه أكثر من قوة سيفه. كان النور المنبعث من سيف الحارس يزداد إشراقًا مع كل لحظة، بينما بقي جسد ليان معلقًا في الهواء، تحيط به سلاسل من الضوء الأسود تمتد نحو سيد العتمة، وكأنها تنقل إليه شيئًا غير مرئي.قال أريون أخيرًا بصوت هادئ:“الدخول إلى متاهة القلب ليس عبورًا بين مكانين… بل بين روحين.”اقترب من سليم، ووضع كفه على صدره.“إذا دخلت، فلن تحمل معك سيفك ولا قوتك. ستدخل بقلبك فقط.”سأل سليم:“وإن فشلت؟”ساد الصمت.أجاب أريون بعد لحظات:“إن فشلت… ستضيع روحاكما معًا، وسيصبح الختم ملكًا لسيد العتمة.”لم يتردد سليم.نظر إلى ليان، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.“إذن ليس لدي خيار.”ابتسم مالكار رغم جراحه.“كنت أعلم أنك ستقول ذلك.”رفع أريون يده نحو السماء، وبدأت رموز ذهبية تدور حول سليم بسرعة، حتى تحولت إلى دائرة واسعة من النور.ردد الحارس الأول كلمات بلغة قديمة، فاهتزت البوابة الذهبية،

  • لعنة القمر الأسود   الفصل الثاني والأربعون: سيد العتمة

    الفصل الثاني والأربعون: سيد العتمةارتجفت القاعة بأكملها مع الزئير الذي انطلق من خلف جيش العهد المكسور، حتى إن الأعمدة الحجرية الضخمة بدأت تتشقق، وتساقطت منها قطع الصخور كالمطر. كان الصوت عميقًا إلى درجة أن الهواء نفسه بدا وكأنه يتمزق، بينما خبت ألسنة النور للحظات، وكأنها شعرت بالخوف.تراجع بعض الفرسان السود خطوة إلى الوراء، رغم أنهم كانوا عبيدًا للظلام، وكأن الكائن القادم يفوقهم جميعًا هيبةً ورعبًا.ثبت سليم قدميه على الأرض، وأمسك سيف النور بكلتا يديه، بينما أخذت عيناه تبحثان وسط الضباب الأسود.قال بصوت خافت:“ما الذي يقترب؟”لم يجب أحد.حتى أريون، الحارس الأول، بقي صامتًا، وعيناه معلقتان بالعتمة التي بدأت تتحرك ببطء.ثم انشق الظلام.خرجت منه قدم هائلة مغطاة بدرع أسود يشبه الحمم المتجمدة، تبعتها الأخرى، حتى ظهر مخلوق يزيد طوله على عشرة أمتار. لم يكن وحشًا ولا إنسانًا، بل شيئًا بين الاثنين. كان جسده مكسوًا بدرع حي تتخلله شقوق يخرج منها ضوء أحمر قاتم، وعلى رأسه تاج من قرون ملتوية، أما عيناه الحمراوان الل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status