Home / المذؤوب / لعنة القمر / الفصل السادس:

Share

الفصل السادس:

last update publish date: 2026-10-21 17:33:31

ولم تستطع منع نفسها من التفكير في أسوأ الاحتمالات.

وجدت لونا درجًا ضيقًا يقود إلى الطابق السفلي.

كانت تتحرك ببطء، مستندة إلى الجدار كلما شعرت بالألم في ساقها. لم تكن تعرف أين يقود الدرج، لكنها كانت تأمل أن تجد مخرجًا خلفيًّا للقصر.

وحين وصلت إلى نهايته، وجدت ممرًا طويلًا تضيئه مصابيح ضعيفة.

كانت الرائحة مختلفة هنا.

رائحة الرطوبة والحديد والفضة.

تقدمت بحذر حتى رأت بابًا معدنيًّا نصف مفتوح.

خلفه، امتدت غرفة صغيرة، تتدلى من سقفها سلاسل فضية، وتنتشر على أرضها آثار قديمة بدت كأنها لم تُنظف منذ سنوات.

تراجعت لونا خطوة.

ثم سمعت صوتًا خلفها.

«لم أكن أعلم أنكِ تحبين التجول.»

استدارت بسرعة.

كان كاين يقف عند مدخل الممر، ويداه متشابكتان خلف ظهره، وعيناه مثبتتين عليها.

شعرت لونا بأن قلبها سقط إلى قدميها.

«كنت أبحث عن المخرج.»

«ووجدتِ القبو.»

«لم أكن أعرف أنه قبو.»

تقدم نحوها.

«أنتِ تكذبين كثيرًا.»

رفعت ذقنها.

«وأنت لا تجيب عن أي سؤال.»

توقف أمامها، ثم نظر إلى الباب المفتوح خلفها.

«هل دخلتِ إلى هناك؟»

«لا.»

«جيد.»

أمسك بذراعها، وقادها نحو الغرفة.

حاولت مقاومته.

«إلى أين تأخذني؟»

«إلى المكان الذي كان ينبغي أن تبقي فيه حتى أفهم ما الذي يحدث.»

اتسعت عيناها.

«لن تحبسني!»

لم يجبها.

فتح الباب المعدني، ثم دفعها إلى الداخل.

تعثر جسدها، لكنها تمكنت من الوقوف قبل أن تسقط.

استدارت إليه بغضب.

«أنت وعدتني بأنك لن تقتلني!»

نظر إليها ببرود.

«لم أعدك بشيء.»

«قلت إنك لن تسمح لي بالموت!»

«قلت إنني لا أملك رفاهية السماح لكِ بالموت. وهذا مختلف تمامًا.»

ثم أخرج سلسلة فضية من جانب الباب، وأغلقها حول معصمها قبل أن تتمكن من الابتعاد.

صرخت لونا حين لامس المعدن جلدها.

كان الألم حادًّا ومفاجئًا، كأن نارًا اشتعلت تحت بشرتها.

حاولت سحب يدها، لكن كاين ثبت السلسلة في الحلقة المعدنية المثبتة بالجدار.

نظرت إليه غير مصدقة.

«إنها تحرقني!»

لم يبدُ على وجهه أي تعاطف.

«الفضة تمنع الذئاب من استخدام قوتها.»

«لكنني لست ذئبة!»

«هذا ما سنكتشفه.»

اقتربت منه، رغم الألم الذي بدأ ينتشر في ذراعها.

«أنت تعرف أنني لا أستطيع التحول. لقد أخبرتك بذلك.»

«وأنا لم أقل إنني أصدقك.»

اشتعل الغضب في عينيها.

«أنت لا تعرف عني شيئًا!»

«لهذا أنتِ هنا.»

حاولت أن تحرر معصمها مرة أخرى، لكن السلسلة احتكت بجلدها، فشهقت من الألم.

نظر كاين إلى يدها.

للحظة، تحرك شيء في ملامحه، وكأنه أراد أن يفعل شيئًا.

لكنه تراجع.

كان عليه أن يتذكر ما حدث في المرة السابقة.

كان عليه أن يتذكر الدم الذي غطى يديه، والصوت الذي ظل يطارده في أحلامه، والوعد الذي قطعه على نفسه بأنه لن يسمح للقمر بأن يختار له مقدّرة أخرى.

قال بصرامة:

«ستبقين هنا حتى تجيبي عن أسئلتي.»

رفعت لونا عينيها إليه.

كانت الدموع تتجمع فيهما، لكنها رفضت أن تسقط.

«وماذا لو لم أكن أعرف الإجابات؟»

«إذن ستتعلمين كيف تجدينها.»

«أنت وحش.»

اقترب منها حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها.

«لا تختبري صبري يا لونا.»

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:

«ربما لا أملك شيئًا أخسره.»

للحظة، لم يستطع كاين الرد.

كان في عينيها شيء يعرفه جيدًا.

ذلك اليأس الذي يجعل الإنسان يتوقف عن الخوف من الموت.

رآه من قبل في عيني مقدّرته الأولى، في الليلة التي لم يستطع فيها إنقاذها.

لكنه لم يسمح للذكرى بأن تظهر على وجهه.

استدار نحو الباب.

وقبل أن يخرج، سمع صوتها خلفه.

«لماذا؟»

توقف.

«لماذا ماذا؟»

«لماذا تنظر إليّ وكأنك تكرهني، بينما أنت لا تعرفني حتى؟»

لم يلتفت إليها.

لأنه لو فعل، لربما رأت الإجابة التي لم يستطع الاعتراف بها لنفسه.

قال ببرود:

«لأنني أعرف ما الذي يحدث لكل امرأة تحمل هذه العلامة.»

ثم أغلق الباب.

وبقيت لونا وحدها في القبو، تتنفس بصعوبة بينما كانت الفضة تحرق معصمها.

مرّت دقائق طويلة قبل أن تتمكن لونا من السيطرة على ارتجافها.

جلست فوق الأرض الحجرية، وأسندت ظهرها إلى الجدار، ثم رفعت يدها المصابة أمام عينيها.

كان الجلد حول السلسلة قد احمرّ، لكن الألم لم يكن وحده ما أخافها.

كان هناك شيء آخر.

حرارة غريبة تتحرك تحت جلدها، تبدأ من معصمها، ثم تمتد ببطء نحو كتفها.

وضعت يدها فوق صدرها.

عاد ذلك الإحساس.

النبض السريع.

الحرارة الغامضة.

وكأن شيئًا في أعماقها يستجيب للفضة بدلًا من أن يخضع لها.

أغمضت عينيها، وحاولت تجاهل الأمر.

لكنها سمعت صوتًا خافتًا.

لم يأتِ من خلف الباب.

ولا من الممر.

بل من داخل رأسها.

صوتًا لم تسمعه من قبل، لكنه بدا مألوفًا على نحو أخافها.

انهضي.

فتحت عينيها فجأة.

لم يكن هناك أحد.

نظرت إلى السلسلة، ثم إلى الجدار المقابل.

وعاد الصوت.

لا تركعي لأحد.

شهقت لونا، وحاولت النهوض، لكن الألم جعلها تسقط على ركبتيها.

ثم حدث شيء لم تفهمه.

بدأت السلسلة الفضية تهتز.

رفعت لونا رأسها، تحدق في المعدن الذي يحيط بمعصمها.

ظهرت على سطحه خطوط دقيقة من الضوء الأبيض، وانتشرت كالشروخ فوق قطعة زجاج.

تراجعت مذعورة.

ثم انكسرت السلسلة.

سقطت فوق الأرض بصوت معدني حاد.

حدقت لونا في معصمها المحرر.

لم تكن تعرف كيف حدث ذلك.

لم تستخدم قوتها.

لم تتحول.

لم تفعل شيئًا سوى أنها سمعت صوتًا داخل رأسها.

لكن قبل أن تستوعب ما جرى، ارتفع عواء من مكان بعيد في القصر.

عواء لم يكن بشريًّا.

عواء جعل الدم يتجمد في عروقها.

وفي الطابق العلوي، كان كاين قد نهض من مقعده بعنف.

لقد سمع الصوت نفسه.

وشعر بذئبه يضرب جدران روحه بجنون.

إنها تستيقظ.

وقف كاين، وعيناه تتحولان ببطء إلى اللون الذهبي.

«ماذا يحدث؟» تمتم.

ثم انطلق نحو الدرج المؤدي إلى القبو.

كان يعرف ذلك الشعور.

لقد سمعه مرة واحدة من قبل، في الليلة التي ظهرت فيها اللعنة للمرة الأولى.

لكن ما وجده حين فتح باب القبو لم يكن ما توقعه.

كانت لونا واقفة في منتصف الغرفة، وشعرها البني يتدلى فوق كتفيها، بينما تتوهج عيناها بلون فضي لم يره في حياته.

أما السلاسل المحطمة، فكانت متناثرة عند قدميها.

توقف كاين في مكانه.

للحظة، لم يستطع حتى أن يتنفس.

همس بصوت خافت:

«هذا مستحيل...»

نظرت لونا إليه، ولمعت عيناها الفضيتان وسط الظلام.

«ما الذي يحدث لي؟»

لم يجبها.

كان يحدق في عينيها، وفي العلامة التي بدأت تتوهج عند عنقها.

علامة القمر نفسها.

لكن هذه المرة، لم تكن العلامة وحدها هي التي تغيرت.

فوق جلدها، وتحت الهلال الفضي، ظهرت ببطء ثلاثة خطوط سوداء جديدة.

ثلاثة خطوط تشبه المخالب.

وتلك كانت العلامة التي لم يرها كاين إلا في كتاب قديم داخل مكتبة والده، تحت عنوان واحد محفور بأحرف دموية:

اللعنة الأخيرة.

تراجع خطوة، ثم تمتم:

«لا... لا يمكن أن تكوني هي.»

رفعت لونا يدها المرتجفة نحو عنقها.

«من أكون؟»

لكن كاين لم يجب.

لأن صوتًا آخر انطلق في أعماقه، صوت ذئبه الذي لم يعد يطلب مقدّرته فحسب، بل صار يصرخ بتحذير لم يفهمه إلا في اللحظة الأخيرة.

احمها... قبل أن يستيقظوا.

وفجأة، دوّى جرس القصر.

مرة.

ثم مرتين.

ثم ثلاث مرات متتالية.

جرس الإنذار الذي لم يُستخدم منذ مقتل والد كاين.

رفع كاين رأسه نحو السقف، وقد اختفى كل أثر للبرود من وجهه.

ثم سمع صوت قائد حرسه يصرخ من أعلى الدرج:

«سيدي! هناك ذئاب عند البوابة!»

لم يتحرك كاين.

«من أي قطيع؟»

جاءه الرد مصحوبًا بصوت ارتطام عنيف عند المدخل الرئيسي.

«إنهم من Blood River! لكنهم لم يأتوا للمطالبة بالفتاة...»

صمت الرجل لحظة، ثم صاح برعب:

«إنهم يطالبون بتسليم الألفا نفسه!»

وفي اللحظة ذاتها، رفعت لونا رأسها نحو كاين.

لم تكن تعرف لماذا جاءوا.

ولم تكن تعرف ما الذي يحدث داخل جسدها.

لكنها رأت شيئًا في وجه كاين لم تره من قبل.

الخوف.

وللمرة الأولى، أدركت أن الرجل الذي ظنته أخطر مخلوق في الغابة قد يكون هو الآخر مطاردًا من شيء لا يستطيع قتله.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لعنة القمر    120 النهاية

    كانت تستطيع الابتعاد لو أرادت.وكانت تستطيع البقاء لأنها اختارت ذلك.وهذا هو الفارق الذي غيّر كل شيء.رفعت لونا عينيها نحو القمر.تذكرت العلامة الفضية التي ظهرت على رقبتها، والأيام التي عدّتها وهي تنتظر موتها، والليالي التي ظنت فيها أن لا أحد يستطيع أن يفهم خوفها.تذكرت البوابة السوداء، وأصوات الماضي، والوجوه التي فقدتها، والقرارات التي اتخذتها وهي لا تعرف إن كانت ستنجو من نتائجها.وتذكرت الفتاة التي كانت عليها قبل كل ذلك.لم تعد تريد أن تخبرها بأنها كان ينبغي أن تكون أقوى.لم تعد تريد أن تلومها لأنها خافت.لو استطاعت أن تعود إلى تلك الأيام، لاقتربت من تلك الفتاة الصغيرة، واحتضنتها، وأخبرتها أن خوفها لا يجعلها ضعيفة، وأنها ليست ملعونة، وأن حياتها لا تنتهي عند العلامة الفضية.كانت ستخبرها أن هناك صباحات ستستيقظ فيها على ضحكات أطفالها.وأن هناك رجلًا سيقف إلى جوارها دون أن يطلب منها أن تتنازل عن نفسها.وأنها ستجلس يومًا على عرشها، لا لأن الدم اختارها، بل لأنها اختارت ما تريد أن تكونه.وأن القمر الذي كانت تخشاه سيصبح يومًا مجرد ضوء جميل فوق بيتها.ابتسمت لونا، وانسابت خصلة من شعرها الأبي

  • لعنة القمر    119

    أمي! انظري! القمر!»اقتربت منه.«أراه.»سألها كاين الصغير:«هل سيظل هناك غدًا؟»ابتسمت.«سيظهر في أيام كثيرة، وإن بدا مختلفًا في بعض الليالي.»فكر الطفل قليلًا.«وهل يعرف أننا هنا؟»نظرت لونا إلى القمر.ثم إلى طفليها.«لا أعرف إن كان يعرف أسماءنا، لكنه سيظل يضيء السماء سواء نظرنا إليه أم لم نفعل.»لم يكن في إجابتها خوف، ولا محاولة لإخفاء سر.كانت مجرد حقيقة بسيطة، قالتها لأطفالها كما ينبغي أن تُقال الحقائق.ثم سأل آدم:«هل كنتِ تحبين القمر عندما كنتِ صغيرة؟»توقفت لونا للحظة.كان السؤال بسيطًا، لكن الإجابة حملت سنوات طويلة من حياتها.قالت:«كنت أخاف منه أحيانًا.»نظر الطفلان إليها بدهشة.«أنتِ؟» سأل آدم.ابتسمت.«نعم، أنا. حتى أقوى الأشخاص يخافون أحيانًا.»اقترب كاين الصغير منها.«وهل لم تعودي تخافين؟»انحنت لونا، وأحاطت كتفيهما بذراعيها.«قد أخاف يومًا ما. لكنني تعلمت أن الخوف لا يعني أنني عاجزة، ولا يعني أن عليّ أن أتوقف عن الحياة.»ثم رفعت رأسها نحو القمر.«وتعلمت أنني أستطيع أن أحب شيئًا دون أن أسمح له بأن يحكمني.»لم يفهم الطفلان كل ما قصدته، لكنهما لم يحتاجا إلى ذلك.فقد كانا يش

  • لعنة القمر    118

    «أنت تقول ذلك دائمًا.»ضحك الحاضرون القريبون منهم، ثم استقامت لونا وبدأت كلمتها.«حين وصلت إلى هذه المملكة، كنت أظن أنني سأجد هنا مصيري مكتوبًا قبل أن أتمكن من اختياره. قيل لي إن دمي يحدد ما أستحقه، وإن العلامة التي أحملها تعني أن حياتي ليست ملكي، وإن قوتي لا بد أن تكون سببًا في خوفي أو خوف الآخرين.»سكتت قليلًا، وألقت نظرة على القطعان الأربع.«لكنني تعلمت أن الدم لا يحدد قيمة الإنسان، وأن القوة لا تمنح أحدًا الحق في السيطرة على غيره، وأن الماضي، مهما كان مؤلمًا، لا ينبغي أن يكتب المستقبل نيابة عنا.»رفعت يدها، وأشارت إلى العائلات التي وقفت في الساحة.«لم ننتهِ من كل مشكلاتنا. ما زلنا نختلف، وما زلنا نخطئ، وما زال أمامنا الكثير لنتعلمه. لكننا لم نعد نعيش وفقًا للخوف وحده. لقد اخترنا أن نبني بدلًا من أن نهدم، وأن نسمع بدلًا من أن نفرض، وأن نمنح أبناءنا فرصة لم نحصل عليها نحن.»نظرت إلى آدم وكاين الصغير.كانا يستمعان إليها، وإن بدا أن أحدهما يفكر في الطعام، والآخر في السباق الذي يريد خوضه بعد انتهاء الاحتفال.ابتسمت.«لن أطلب منكم أن تنحنوا لي لأنني اللونا البيضاء. ولن أطلب من أطفالكم أ

  • لعنة القمر    117

    لم تكن لونا تعرف أن النهاية يمكن أن تأتي هادئة إلى هذا الحد.لم تأتِ مصحوبة بصليل السيوف، ولا بصرخات الجنود، ولا ببوابة سوداء تنفتح في قلب الليل لتبتلع كل ما تحبه. لم تحمل معها نبوءة جديدة، ولم تطلب منها أن تختار بين حياتها وحياة من تحب.جاءت في صباح عادي، حين تسللت أشعة الشمس إلى غرفة نومها، وسمعت ضحكات طفليها من خلف الباب، بينما كان كاين يحاول إقناعهما بأن ارتداء الملابس قبل الإفطار ليس مؤامرة دبّرها ضدهما.كانت لونا لا تزال مستلقية حين انفتح الباب فجأة، واندفع آدم إلى الغرفة، يتبعه أخوه كاين الصغير.«أمي! أبي يقول إننا لن نذهب إلى الغابة اليوم!»ظهر كاين خلفهما، وقد بدا عليه أنه خاض معركة طويلة لم ينتصر فيها.«لأنكما تريدان الذهاب إلى الغابة قبل الإفطار، ثم ستجوعان في منتصف الطريق، وسأضطر إلى حملكما حتى نعود إلى القصر.»اعترض آدم:«أنا لا أجوع بسرعة!»وأضاف أخوه:«وأنا أستطيع المشي وحدي!»نظرت لونا إلى زوجها، ثم إلى الطفلين اللذين وقفا أمامها بملامح متشابهة في الإصرار، ومختلفة في طريقة التعبير عنه.ضحكت.«سنذهب إلى الغابة بعد الإفطار. ومن لا ينتهِ من طعامه، سيبقى مع المربية.»توقف

  • لعنة القمر    116

    «نحتاج إلى حجارة أكبر.»وأضاف أخوه:«ونحتاج إلى ألا يهدمها أحد.»جلست لونا على العشب.«وماذا ستفعلان إذا انهارت مرة أخرى؟»فكر آدم قليلًا.«سنبنيها من جديد.»«وإذا انهارت عشر مرات؟»رفع كاين الصغير كتفيه.«سنبنيها إحدى عشرة مرة.»ضحكت لونا.ثم ساعدتهما على وضع حجر كبير في قاعدة البناء، قبل أن تتركهما يكملان عملهما.كانت يدها لا تزال تحمل الأثر الفضي الخافت، لكنها لم تعد تنظر إليه كل بضع دقائق.فقد وجدت أمامها شيئًا يستحق انتباهها أكثر.طفلان يتعلمان أن السقوط لا يعني النهاية، وأن الأشياء التي تنهار يمكن إعادة بنائها، وأن طلب المساعدة لا ينتقص من قيمة من يطلبها.وربما كان هذا ما احتاجت إلى تعلمه هي أيضًا.أن حياتها لم تعد مشروعًا لإصلاح ما فعله الآخرون بها.لم تعد مطالبة بأن تثبت أنها أقوى من اللعنة، أو أكثر استحقاقًا للحياة من كل من سبقها.كان بإمكانها أن تعيش فحسب.في تلك الليلة، دعا كاين لونا إلى الشرفة.كان القمر يتجه نحو الاكتمال، والسماء صافية على نحو جعل النجوم تبدو أقرب من المعتاد.وقفت لونا إلى جواره، ثم رفعت يدها أمام الضوء.ظهر الأثر الفضي للحظات، قبل أن يخفت مجددًا.قال كاي

  • لعنة القمر    115

    لم يكن هناك ما ينذر بأن ذلك اليوم سيختلف عن سائر الأيام.أشرقت الشمس فوق مملكة الذئاب، وامتد ضوؤها على أبراج القصر، بينما انشغل الخدم بإعداد الإفطار، وبدأ الحراس تبديل نوباتهم عند البوابات. في الحدائق، كان آدم يركض خلف فراشة بيضاء، بينما يتبعه أخوه كاين الصغير، معترضًا بصوت مرتفع لأنه يعتقد أن أخاه يغش حتى في اللعب.كانت الحياة تسير بهدوء، حتى إن لونا بدأت تصدق أن الماضي قد استنفد أخيرًا كل ما يملكه من مفاجآت.لكنها كانت تعرف أيضًا أن السلام الحقيقي لا يعني أن تختفي الذكريات، بل أن تتوقف عن التحكم في كل خطوة تخطوها.جلست في شرفتها المعتادة، تحمل كوبًا من الشاي، وتراقب ابنيها وهما يتجادلان قرب النافورة.كان آدم قد بلغ الثالثة، وصار شعره الأبيض أكثر طولًا، حتى باتت لونا تجمعه أحيانًا بعيدًا عن عينيه. أما كاين الصغير، فقد ورث عن أبيه النظرة الحادة التي تجعل من لا يعرفه يظنه طفلًا جادًا، قبل أن يكتشف أنه قادر على تحويل أي موقف بسيط إلى فوضى كاملة.رأت آدم يرفع عصًا صغيرة ويعلن أنه الملك، ثم يطالبه أخوه بالتنازل عن العرش لأنه، بحسب قوله، «وصل إلى النافورة أولًا».وضعت لونا كوبها جانبًا، وا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status