تسجيل الدخولالفصل 142
الحارس الذي نسي اسمه لم يتحرك إياد. ظل واقفًا أمام المرآة المنطفئة، كأن الكلمات التي ظهرت عليها لم تختفِ فعلًا، بل بقيت معلقة في الهواء: "الحارس الثاني لم يكن آدم." ثم: "كان إياد." نور كانت تنظر إليه. لم تكن غاضبة. كان الخوف أكبر من الغضب. قالت: "إياد." لم يرد. اقتربت منه. "إنت عندك أخ؟" ظل صامتًا. "إياد، بص لي." رفع عينيه إليها. وفيهما شيء لم تره من قبل. ذاكرة. أو خوف من ذاكرة. قال أخيرًا: "مش فاكر." نور: "مش فاكر إيه؟" "أخويا." سكت الجميع. قال آدم: "لو مش فاكره، يبقى لازم نخرج من هنا." لكن نفر رفعت يدها. "لا." إياد التفت إليها. "إنتِ عارفة حاجة." قالت: "أعرف أن الحارس الثاني لم يكن شخصًا واحدًا." آدم: "ماذا تقصدين؟" "كان اثنين." نور: "إياد وأخوه." نفر: "نعم." --- جلست ليلى على الأرض. قالت بصوت خافت: "مالك كان يعرف." نور التفتت إليها. "إيه اللي كان يعرفه؟" "أن إياد يحمل ذاكرة رجل آخر." إياد: "مين؟" ليلى: "أخوك." إياد: "أنا ما عنديش أخ." ليلى: "كان عندك." "فينه؟" "مات." إياد أغمض عينيه. "إمتى؟" ليلى: "وأنت طفل." نور: "إيه اللي حصل؟" ليلى لم تجب. فقالت نفر: "حادث." إياد فتح عينيه. "إنتِ كنتِ موجودة؟" "نعم." "كنتِ فين؟" "في اليوم الذي مات فيه أخوك." --- اقتربت نفر منه. قالت: "كان عمره سبع سنوات." إياد: "وأنا؟" "ست سنوات." "اسمه؟" نفر سكتت. ثم قالت: "كان اسمه يونس." تغير وجه إياد. كرر الاسم: "يونس." ثم وضع يده على رأسه. ظهرت أمامه صورة. طفلان يركضان بين الأشجار. أحدهما يضحك. والآخر يحمل كتابًا. قال الطفل: "إياد، استنى!" إياد شهق. "أنا فاكر." نور اقتربت. "إيه اللي فاكره؟" "كان بيحب الكتب." ثم ظهرت صورة أخرى. يونس يقف أمام باب حجري. كان هناك نقش عليه سبع دوائر. ثم صورة ثالثة. رجل يشبه مالك. كان يتحدث إلى الطفلين. إياد قال: "مالك كان يعرفنا." نور: "أبي؟" "كان يعرف يونس." ثم سكت. "وكان يعرفني." --- قال آدم: "إذن أنت كنت جزءًا من الشبكة قبل أن تعرف نور." إياد: "أنا كنت طفل." نفر: "وهذا هو السبب." "سبب إيه؟" "لأن المكتبة اختارتك قبل أن تفهم معنى الاختيار." إياد: "وليه؟" "لأن يونس كان الحارس." نور: "إياد لم يكن." نفر: "لا." ثم نظرت إليه. "أنت كنت البديل." --- إياد: "بديل مين؟" "يونس." "إزاي؟" "عندما مات، لم يكن الحارس قادرًا على الرحيل." نور: "ذاكرته انتقلت إليه." نفر: "نعم." إياد: "وعشان كده نسيت أخويا." "لم تنسه." "أمال؟" "تم فصل ذاكرتك عنه." "مين فصلها؟" نفر: "مالك." نور: "ليه؟" نفر: "لأن يونس لم يمت في الحادث." سقط الصمت. إياد: "إيه؟" نفر: "الجسد مات." "وده معناه..." "ذاكرته بقيت." --- إياد بدأ يتراجع. "أين؟" نفر: "داخل المكتبة." "أي مكتبة؟" "الأولى." نور: "لكننا وجدناها." "وجدتم جزءًا منها." آدم: "يعني يونس موجود هناك؟" "ربما." إياد: "ربما؟" نفر: "المكتبات لا تحفظ الناس كما تتخيلون." إياد: "أريد إجابة." "يونس موجود." إياد: "حي؟" "لا." "ميت؟" "ليس بهذه البساطة." --- ظهرت صورة جديدة على إحدى المرايا. يونس. كان أكبر. لم يعد طفلًا. كان رجلًا في الثلاثين تقريبًا. يقف أمام رفوف الكتب. وبجانبه مالك. ثم ظهر شاب آخر. كان يشبه إياد. لكن أكبر منه. نور حدقت في الصورة. "ده إنت." إياد: "لا." "ده أنت." "أنا ما كنتش بالشكل ده." آدم: "الصورة مش للماضي." نور: "للمستقبل." إياد: "أو احتمال." نفر: "لا." ثم أشارت إلى المرآة. "هذه ليست صورة." "أمال؟" "ذكرى." --- اقتربت نور. "ذكرى مين؟" نفر: "يونس." "لكن إزاي؟" "لأن يونس عاش حياة لم يعشها إياد." نور: "يعني إيه؟" نفر: "المكتبة حفظت المستقبل الذي كان يمكن أن يحدث لو لم يمت." إياد: "إذن أخويا عاش في احتمال." "نعم." "وهو الآن داخل المكتبة." "نعم." إياد: "وأنا كنت أعيش حياته؟" نفر: "جزءًا منها." --- جلس إياد. كان واضحًا أن كل شيء أصبح أثقل من أن يتحمله واقفًا. نور جلست بجانبه. قالت: "أنا هنا." نظر إليها. "خايف." "عارفة." "مش من يونس." "من إيه؟" "من إني أكتشف إن كل اللي عشته مش بتاعي." نور أمسكت يده. "إنت مش ذكرياتك بس." نظر إليها. "إنت اختياراتك." ابتسم. "كلام مريم." "يمكن." "أنتِ بتتكلمي زيها." "وأنت بدأت تتكلم زي يونس." ضحك للمرة الأولى. لكن الضحكة اختفت سريعًا. لأن صوتًا جاء من أعماق القاعة. "إياد." تجمد. الصوت كان طفلًا. "إياد." قام. "يونس." --- جاء الصوت مرة ثالثة. "أخيرًا سمعتني." نور: "إنت فين؟" لم يجب الصوت. بل ظهرت مرآة جديدة. فيها يونس. كان واقفًا أمام باب. قال: "أنا هنا." إياد اقترب. "يونس." ابتسم الطفل. "كبرت يا أخويا." إياد: "إنت كمان." "لا." سكت. "أنا بقيت ذكرى." إياد: "أخرج." يونس هز رأسه. "مش قادر." "أنا هخرجك." "لو خرجت، هتخسر جزءًا منك." إياد: "مش مهم." يونس: "بالنسبة لي مهم." --- نور اقتربت. "ليه؟" يونس نظر إليها. "لأن وجودي مربوط به." "بإياد." "نعم." نور: "إزاي نفصل الرابط؟" يونس: "لازم نلاقي قلب الحارس." نور: "قلب حور؟" "لا." "أمال؟" "قلب أول حارس." نور: "مين؟" يونس نظر إلى نفر. "أمها." تغير وجه نفر. "لا." نور: "اسمها إيه؟" نفر: "لا تبحثي عنها." "ليه؟" "لأنها لم تمت." --- لم يتكلم أحد. قال آدم: "قلتِ إن أول من اكتشف بحر الذاكرة مات." نفر: "كذبت." يوسف: "إذن هي حية؟" "نعم." سامح: "فين؟" نفر: "تحت أبيدوس." نور: "تحت أبيدوس؟" "في مكان أقدم من المكتبة الأولى." آدم: "مكتبة الأسرار المخفية." نفر: "ليست مكتبة." نور: "إيه هي؟" نفر: "مقبرة." --- نور: "مقبرة مين؟" نفر: "مقبرتي." إياد: "لكن أنتِ هنا." "التي أمامكم ليست أنا." نور: "إيه؟" نفر: "هذه ذاكرة." ثم وضعت يدها على صدرها. "جسدي الحقيقي..." توقفت. "مدفون تحت أبي الهول الثاني." --- صمت الجميع. نور: "إنتِ عايزة ترجعي لجسدك." نفر: "نعم." "وده سبب كل اللي حصل." "جزء من السبب." "والجزء الثاني؟" نفر نظرت إلى إياد. "يونس." ثم إلى نور. "والجزء الأخير..." توقفت. "أنت." --- قالت نور: "أنا؟" "أنتِ تحملين المفتاح." "أي مفتاح؟" "مفتاح إعادة كتابة الذاكرة." إياد: "يعني تقدر تمسح الماضي." نفر: "أو تعيده." نور: "أو تغيره." "نعم." نور تراجعت. "لا." "ماذا؟" "أنا مش هغير الماضي." نفر: "حتى لو استطعتِ إعادة أخيك؟" نور نظرت إلى يونس. ثم إلى إياد. "حتى لو." نفر: "حتى لو استطعتِ إعادة أبيك؟" سكتت. "حتى لو استطعتِ إعادة مريم؟" نور أغلقت عينيها. "لا." نفر: "لماذا؟" نور: "لأن الموتى اختاروا نهايتهم." --- ظهر صوت مريم. "أحسنتِ." نور فتحت عينيها. "مريم." ظهر ضوء خفيف. لم تكن صورة كاملة. مجرد ملامح. قالت: "الآن فهمتِ لماذا اخترتك." نور: "ليه؟" "لأنك أول حارسة رفضت الخلود." نفر: "وماذا عني؟" مريم: "أنتِ أول من طلبه." نفر: "كنت خائفة." "الخوف ليس خطيئة." "وماذا فعلتِ؟" "جعلتِ خوفك قانونًا." نفر سكتت. مريم: "وهذا ما يجب أن ينتهي." --- بدأت الأرض تهتز. ظهرت شقوق في القاعة. قال آدم: "المكان بينهار." مريم: "لا." "إذن؟" "الباب يستيقظ." نور: "أي باب؟" مريم: "الباب الذي تحت أبي الهول." ثم اختفى الضوء. نفر نظرت إلى نور. "يجب أن نذهب." نور: "أنتِ لن تأتي." "بل سأأتي." "مش واثقة." "ولا أنا." ثم قالت: "لكن هناك شيء يجب أن تريه." --- خرجوا من القاعة. كانت المدينة القديمة تهتز. الأعمدة بدأت تسقط. المياه عادت تتدفق من الشقوق. لكن في وسط الساحة ظهر طريق جديد. طريق من الحجارة السوداء. يقود إلى الصحراء. قال آدم: "الطريق ده ما كانش موجود." نفر: "لأنه لم يكن الوقت." إياد: "وقت إيه؟" "وقت العودة." --- عادوا إلى السطح. كانت الشمس قد غربت. والسماء حمراء. في الأفق ظهر ظل أبي الهول. لكن هذه المرة... لم يكن نصفه مدفونًا. كان كاملًا. ارتفع من الرمال. وكان ضخمًا لدرجة أن الجميع وقفوا عاجزين عن الكلام. تحت قدمه اليمنى ظهر باب أسود. وعليه نقش واحد: "لا يدخل إلا من يحمل ذاكرة ميتة وقلبًا حيًا." نظروا إلى إياد. ثم نور. قال آدم: "إياد يحمل ذاكرة يونس." ثم نظر إلى نور. "وأنتِ تحملين قلبك." نور: "إذن الباب لنا." نفر: "ليس بعد." "إيه اللي ناقص؟" أشارت إلى نفسها. "الخطأ الأول." --- وضعت نفر يدها على الباب. لم يحدث شيء. ثم قالت: "نور." اقتربت. "إياد." اقترب. "ليلى." اقتربت. "آدم." اقترب. ثم قالت: "الآن." انفتح الباب. لم يظهر درج. ولا قاعة. ظهر قبر. وفي وسط القبر امرأة مستلقية. كانت تبدو نائمة. شعرها أبيض. ووجهها شاب. اقتربت نفر. بدأت تبكي. قالت: "أمي." فتحت المرأة عينيها. لم تتحرك. لكن صوتها خرج واضحًا: "نفر." نفر: "عدت." المرأة: "تأخرتِ." "أعرف." "هل جلبتِ الحارسة؟" نفر أشارت إلى نور. المرأة نظرت إليها. ثم ابتسمت. "إذن هي ابنة ليلى." نور: "إنتِ عارفة أمي؟" المرأة: "كنت أعرف أمك قبل أن تعرف هي نفسها." نور: "مين إنتِ؟" رفعت المرأة رأسها. وقالت: "اسمي لم يكن موجودًا عندما بدأت الحكاية." ثم نظرت إلى نفر. "لكن البشر أطلقوا عليّ اسمًا." نور: "إيه هو؟" ابتسمت. "إيزيس." --- تجمد الجميع. قال يوسف: "إيزيس؟" سامح: "الإلهة؟" المرأة ابتسمت. "أنتم أعطيتموني الاسم." نور: "إنتِ..." قاطعته: "لا تبحثوا عن الآلهة في السماء." ثم وضعت يدها على صدرها. "أنا امرأة عاشت قبل أن يصبح التاريخ تاريخًا." نور: "وأول حارسة." إيزيس: "لا." سكتت. "أنا أول من رفض أن يكون هناك حراس." نور: "ليه؟" إيزيس: "لأن المعرفة لا تحتاج من يحرسها." ثم نظرت إلى نفر. "لكن ابنتي لم تفهم." نفر خفضت رأسها. إيزيس: "فبنت المكتبات." نور: "والمكتبة السادسة؟" "كانت خطأ." "والسابعة؟" "كانت تصحيحًا." "ومكتبة الأسرار المخفية؟" إيزيس نظرت إلى قدم أبي الهول. وقالت: "هذه ليست مكتبة." ثم نظرت إلى نور مباشرة. "هذه هي بداية الحكاية." --- سألت نور: "وإيه الحقيقة الأخيرة؟" إيزيس ابتسمت. "أن أبو الهول الثاني لم يُبنَ لحراسة مكتبة." نور: "أمال؟" "بُني لحراسة طفل." إياد: "أي طفل؟" إيزيس نظرت إليه. ثم إلى نور. وقالت: "طفلكما." تجمد الزمن. نور: "لكن الطفل لسه ما اتولدش." إيزيس: "أعرف." "إزاي؟" "لأنه لم يولد في زمنكم بعد." إياد: "إذن هو..." إيزيس: "قادم من المستقبل." نور: "وإحنا؟" إيزيس: "أنتم السبب في وجوده." ثم أضافت: "ولهذا بدأت المكتبات منذ آلاف السنين في الاستعداد لوصوله." --- قال آدم: "يعني كل الأحداث..." إيزيس: "كانت محاولة لمنع ولادته." نور: "مين؟" إيزيس: "نفر." نفر رفعت رأسها. "كنت أحاول حمايتها." إيزيس: "كنتِ تحاولين حماية نفسك." نفر: "كنت خائفة." إيزيس: "أعرف." ثم نظرت إلى نور. "لكن المستقبل لا يُمنع." نور: "إذن ماذا سيحدث؟" إيزيس: "سيولد الطفل." ثم نظرت إلى إياد. "وسيحمل ذاكرة يونس." ثم إلى نور. "وسيحمل جزءًا من مريم." ثم إلى نفر. "وسيحمل أثرًا مني." ثم قالت: "ولهذا سيصبح أول إنسان يستطيع فتح كل المكتبات." --- نور: "وإيه اللي هيحصل لو فتحها؟" إيزيس: "ستختفي الحدود بين الماضي والمستقبل." إياد: "يعني العالم يتغير." "نعم." نور: "وده خطر." إيزيس: "جداً." "إذن ليه لازم يحصل؟" ابتسمت إيزيس. "لأنه ليس قدرًا." نور: "أمال؟" إيزيس: "إنه اختيار." --- فجأة... بدأ أبي الهول يهتز. وانفتح الباب تحت قدمه بالكامل. ومن أعماقه ظهر ضوء أزرق. ثم خرج صوت الطفل. هذه المرة كان أوضح من أي مرة سابقة. "ماما." نور أغلقت عينيها. "أنا وصلت." فتحت عينيها. لم يكن هناك طفل. لكن في يدها... كان هناك شيء لم يكن موجودًا قبل لحظات. مفتاح صغير. ذهبي. وعليه اسم واحد: يونس. إياد حدق فيه. "ده مفتاح أخويا." نور: "أيوه." ثم ظهرت جملة على باب أبي الهول: "المفتاح يفتح الماضي." ثم جملة ثانية: "لكن صاحبه يفتح المستقبل." إياد أخذ المفتاح. في اللحظة نفسها سمع صوت يونس داخل رأسه: "أخويا..." أغمض عينيه. "دلوقتي دورك." فتح إياد عينيه. وقال: "أنا مستعد." لكن إيزيس هزت رأسها. "لا." نور: "ليه؟" إيزيس نظرت إلى الظلام خلف الباب. وقالت: "لأن الحارس الحقيقي لم يظهر بعد." ثم أضافت: "وإذا ظهر... لن تعرفوا أيكم هو." وفي أعماق المقبرة... فتح شخص ما عينيه. وقال بصوت يشبه صوت مالك: "نور..." ثم: "حان وقت العودة." يتبع...الفصل الختاميالباب الذي لم يُفتحكانت أبيدوس هادئة تلك الليلة.هدوءًا لم يكن يشبه الهدوء الذي يأتي بعد انتهاء المعارك، بل ذلك الهدوء الذي يسبق شيئًا لا يعرف أحد كيف يبدأ.كان القمر معلقًا فوق المعابد القديمة، والريح تحرك الرمال ببطء، كأن الصحراء نفسها تتنفس.بعيدًا عن المكان الذي وقف فيه إياد ونور قبل سنوات، كان شاب يقف وحده.كان يحمل المفتاح الذهبي.لم يكن يعرف لماذا اختارته المكتبة.ولم يكن يعرف لماذا حمل الاسم نفسه الذي حمله أول حارس عرفته نور.حور.كان يكره الاسم أحيانًا.ليس لأنه يخصه.بل لأنه يشعر أن الاسم كان ينتظره قبل أن يولد.رفع المفتاح أمام عينيه.لم يكن عليه رقم.لم يكن عليه نقش.فقط دائرة صغيرة في منتصفه.قال:"إنت عايز مني إيه؟"لم يجبه أحد.ضحك بسخرية."كنت متوقع."ثم استدار ليغادر.لكن الأرض اهتزت.توقف.نظر خلفه.لم يحدث شيء.خطا خطوة.اهتزت الأرض مرة أخرى.ثم ظهر صوت.جرس.دقة واحدة.تبعها صمت.ثم دقة ثانية.ثم ثالثة.تجمد حور.قال:"لا."لكن الجرس استمر.أربع دقات.خمس.ست.ثم توقف.نظر إلى المفتاح.كان قد تغير.ظهر عليه رقم.201.---في اللحظة نفسها، وفي مدينة بع
الفصل 200الحارس الجديدلم يكن الرقم 200 مجرد رقم.حين ظهر على الجدار، شعر إياد بأن كل السنوات التي عاشها منذ بدأت الحكاية تعود إليه دفعة واحدة.الخريطة.البردية.المومياء التي بدت كأنها دُفنت بالأمس.الممرات السرية.الأنبياء الأربعة.أبيدوس.المفتاح الذهبي.الباب 108.حور.القبر الأخير.الكتاب الأسود.والطفل الذي كبر أمام أعينهم حتى أصبح شابًا.كل شيء بدا وكأنه كان يقود إلى هذه اللحظة.وقف آدم أمامهما، والمفتاح الأسود في يده.لم يكن يبدو مخيفًا.كان شابًا عاديًا، هادئ الملامح، يحمل حقيبة جلدية قديمة.لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره.قال إياد:"أنت قلت إن المكتبة عايزة تتكلم معانا."أومأ آدم."أيوه."نور:"المكتبة مش إنسان."ابتسم."وأنا ما قلتش إنها إنسان.""إذن كيف ستتكلم؟"رفع المفتاح الأسود."بطريقتها."ثم وضعه على الطاولة.لم يحدث شيء.مرت ثوانٍ.ثم بدأت جدران الغرفة ترتجف.نور أمسكت بذراع إياد.قال:"خليكِ هادية."لكنها لم تكن خائفة.كانت تعرف هذا الإحساس.لقد شعرت به من قبل.كان إحساسًا يشبه الوقوف أمام شيء أكبر من الإنسان بكثير.شيء لا يمكن قتله.ولا يمكن حبسه.ولا
الفصل 199قبل النهاية بخطوةلم يكن أحد منهم مستعدًا لما حدث بعد عودتهم من أبيدوس.كانوا قد خرجوا من المكان وهم يظنون أنهم كسروا الحلقة الأخيرة.المفتاح الذهبي تحطم.الباب 200 اختفى.الرجل بلا وجه لم يعد موجودًا.وحور قال إن الحكاية اكتملت.لكن الكلمة التي ظهرت على الرمال كانت كافية لتعيد الشك إلى قلوبهم:«ابدأوا.»لم يفهموا معناها.حتى الشاب نفسه، الذي كان قد كسر المفتاح بيده، لم يكن يعرف ماذا فعل بالضبط.كان واقفًا أمام المعبد، ينظر إلى يده.لم يكن فيها أي أثر للجرح.ولا أثر للمفتاح.قال إياد:"إيدك كويسة؟"أجاب:"أيوه."نور أمسكت يده."مفيش حتى خدش."ابتسم."يمكن المفتاح كان مجرد وهم."قال مروان:"لو كان وهم، ما كناش شوفناه."ليان:"وما كناش سمعنا الجرس."سليم:"ولا كنا هنلاقي الكتاب."الجميع التفت إليه."أي كتاب؟"أشار إلى الأرض.كان هناك كتاب صغير أسود.لم يره أحد من قبل.انحنى سليم وحمله.كان غلافه خاليًا من أي اسم.لكن حين فتحه...كانت الصفحة الأولى تحمل جملة واحدة:«إلى من ظنوا أنهم أغلقوا الباب.»قال إياد:"اقفل الكتاب."لكن سليم لم يفعل.قلب الصفحة.ظهرت جملة ثانية:«الباب لم
الفصل 198المفتاح الذي اختار صاحبهلم يكن الصوت الذي جاء من أبيدوس مجرد جرس.كان وعدًا.أو تهديدًا.أو ربما شيئًا بين الاثنين.ظل إياد واقفًا أمام النافذة، لا يتحرك، بينما كانت نور تحمل طفلها بين ذراعيها وتحدق في المفتاح الذهبي الصغير الذي قبضت عليه أصابعه.كان المفتاح أصغر من المفتاح الذي عرفوه في رحلتهم الأولى.لكن النقش الموجود عليه كان واضحًا.الدائرة.والخط المكسور.ثم الرقم.108.قال إياد بصوت منخفض:"إحنا دفناه."نور لم ترفع عينيها."أيوه.""أنا بنفسي.""عارفة.""إذن إزاي رجع؟"نظرت إلى طفلها."هو اللي اختاره."---ساد الصمت.لم يكن الطفل يبكي.كان هادئًا بصورة غريبة.فتح عينيه مرة أخرى.نظر إلى نور.ثم إلى إياد.وكأن شيئًا في داخله يعرفهما.اقترب إياد ببطء.مد إصبعه.أمسك الطفل بإصبعه.وفجأة...تغيرت ملامح إياد.رأى صورة.مكانًا واسعًا.رفوفًا لا نهاية لها.طفلًا يقف أمام باب.وفي يده مفتاح ذهبي.ثم سمع صوتًا:"لا تخف."قال إياد:"نور...""إيه؟""أنا شفت حاجة."---جلست نور."إيه؟""المكتبة."تجمدت."أنت متأكد؟""أيوه.""إيه اللي شفته؟""ابننا."نظرت إلى الطفل."كان واقفًا في
الفصل 197ليلة ميلاد الحارسلم يكن البكاء الذي سمعوه من فوقهم بكاء طفل عادي.كان يحمل شيئًا غريبًا.كان كأنه صدى لطفل يبكي في مكانين مختلفين في الوقت نفسه.صوت قريب.وصوت بعيد.صوت في الحاضر.وصوت لم يولد بعد.رفعت نور رأسها نحو سقف القبر.قالت:"الطفل."إياد:"الحارس."الرجل الواقف أمامهم ابتسم."لا."قال مروان:"أمال مين؟"نظر الرجل إلى نور."ابنك."تجمدت."ابني؟"أومأ."في ليلة ميلاده."---نظر إياد إلى نور."إحنا ما عندناش طفل."قال الرجل:"ليس بعد.""يعني إيه؟""أنتم لم تصلوا إلى هذا المكان في الزمن الذي تعتقدونه."سليم:"إحنا فين؟"الرجل:"في اللحظة التي يصنع فيها المستقبل نفسه."ليان:"يعني إحنا في المستقبل؟""وفي الماضي.""إزاي؟""لأن الذاكرة لا تعرف الفرق بين الاثنين."---اقتربت نور من الرجل."إنت مين؟""حور.""اسمك الحقيقي."صمت.ثم قال:"اسمي الأول لم يعد موجودًا.""لماذا؟""لأنني كنت أول من حاول أن يحرر المكتبة."إياد:"وفشلت.""لا."ابتسم."نجحت."---قال مروان:"لو نجحت، ليه كل ده حصل؟""لأن الحرية لها ثمن.""إيه الثمن؟""أن تترك الناس يختارون، حتى لو اختاروا الخطأ."قا
الفصل 196القبر الأخيرلم يكن أحد منهم يعرف أن اللحظة التي ظنوا فيها أن كل شيء انتهى، كانت في الحقيقة اللحظة التي انفتح فيها آخر سر.ظلوا واقفين أمام أبيدوس حتى اختفت آخر خيوط الشمس.كان المكان هادئًا.هادئًا بصورة مريبة.نور تمسك الكتاب الأسود الذي ظهر عليه اسمها.إياد يقف إلى جوارها.سليم وليان يتحدثان بصوت منخفض.ومروان يقف بعيدًا قليلًا، بجوار أمه التي لم تفارق يده منذ أن خرجت من الباب 108.أما الطفل...فقد اختفى.لكن شيئًا منه بقي معهم.إحساس غريب بأن أحدًا يراقبهم من مكان لا يستطيعون رؤيته.قال إياد:"لازم نرجع."نور لم تجبه.كانت تحدق في الكتاب.قال:"نور."رفعت عينيها."إيه؟""قلت نرجع.""إلى أين؟""القاهرة."ابتسمت ابتسامة صغيرة."أنت متأكد؟""أيوه.""ومش خايف؟""خايف جدًا."ضحكت."على الأقل بقيت صريح."اقتربت منه."أنا كمان خايفة."ثم نظرت إلى أبيدوس."بس المرة دي الخوف مختلف.""إزاي؟""زمان كنا بنخاف من اللي هنكتشفه.""ودلوقتي؟""دلوقتي خايفة من اللي ممكن نكون سِبناه وراءنا."---كانت السيارة تتحرك ببطء في الطريق الصحراوي.لم يتحدث أحد في البداية.كل واحد منهم كان غارقًا في







