LOGINالفصل 149
الطريق إلى طيبة لم يكن أحد يتوقع أن تكون طيبة هي المحطة التالية. بعد كل ما عاشوه في أبيدوس، وبعد أن ظنوا أنهم اقتربوا من نهاية اللغز، ظهرت أمامهم خريطة جديدة تفتح بابًا آخر. بابًا أقدم. وأخطر. كانت الخريطة معلقة على الجدار، مرسومة بخطوط ذهبية تتحرك ببطء، كأنها ليست حبرًا بل ضوءًا حيًا. وفي منتصفها ظهرت كلمة واحدة: طيبة. إياد ظل ينظر إليها. قال: "إحنا بنجري ورا الأسرار من مكان لمكان." آدم: "يمكن لأن الأسرار هي اللي بتجري ورانا." نور لم تبتسم. كانت تنظر إلى الجملة أسفل الخريطة: "وهناك سيولد الطفل." وضعت يدها على بطنها دون وعي. لم يكن هناك طفل. ليس الآن. لكنها شعرت فجأة بدفء غريب. كأن شيئًا بعيدًا جدًا استجاب للمسها. إياد لاحظ الحركة. قال بهدوء: "خايفة؟" نور: "مش من الطفل." "أمال؟" "من اللي مستنيه." --- كان سليم قد اختفى. لكن الجميع يعرف أنه لم يهرب. هو فقط انتقل إلى مرحلة أخرى من اللعبة. قال يوسف: "لازم نتحرك قبل ما يسبقنا." آدم نظر إليه. "إنت لسه بتتكلم كأنك واحد مننا." يوسف: "لأني واحد منكم." إياد: "بعد اللي عرفناه، مش عارف أصدق مين." يوسف: "وده المطلوب." نور: "إيه؟" يوسف: "الحارس بنى كل اللعبة على الشك." الحارس الذي كان واقفًا بعيدًا قال: "لا تلوموا اللعبة." نور التفتت إليه. "أمال نلوم مين؟" "أنفسكم." --- قال آدم: "قبل ما نتحرك، لازم نفهم حاجة." الجميع نظر إليه. "إحنا رايحين طيبة ليه؟" نور: "عشان الطفل." آدم: "ده مش كفاية." ثم أشار إلى الخريطة. "المكان اللي ظهر مش طيبة نفسها." اقترب سامح. "صح." وأشار إلى نقطة صغيرة شمال المدينة. "النقطة دي خارج المنطقة الأثرية المعروفة." إياد: "اسمها إيه؟" سامح قرّب وجهه من الخريطة. ثم قال: "مش مكتوب." يوسف: "لأن الاسم القديم مختلف." نور: "تعرفه؟" يوسف: "نعم." سكت لحظة. ثم قال: "مدينة الأبواب." --- نور: "مدينة الأبواب؟" يوسف: "مكان لم يعد موجودًا على الخرائط." آدم: "لكن لو كان موجودًا، لازم يكون له أثر." يوسف: "له أثر." "فين؟" يوسف أشار إلى وادي بعيد. "هناك." نور: "وإيه اللي فيها؟" يوسف: "ثلاثة أبواب." إياد: "وإحنا هنفتح كام؟" يوسف: "ولا واحد." إياد: "أمال؟" يوسف نظر إلى نور. "الباب سيفتح لنا." --- بدأوا تجهيز الرحلة. لم يكن معهم الكثير. بعض الماء. مصابيح. الخريطة. الكتاب الأبيض. والمفتاح الذهبي. أما المفتاح الأسود، فقد اختفى. لكن إياد كان يشعر بوجوده. كان داخل ذاكرته. كما قال يونس. قبل أن يغادروا، اقتربت نور من المكان الذي اختفى فيه سليم. وجدت قطعة قماش زرقاء أخرى. رفعتها. وكان عليها نقش صغير: "لا تثقي بالزمن." ثم ظهر صوت مريم. هادئًا. بعيدًا. "ولا تثقي بمن يقول إنه جاء من المستقبل." نور تجمدت. "مريم؟" لم يرد الصوت. لكن الكتاب الأبيض فتح وحده. ظهرت صفحة. "من سيقودكم إلى طيبة ليس من تظنون." نور: "مين؟" ظهرت كلمة واحدة: "إياد." --- نور نظرت إليه. كان يقف بعيدًا. قالت: "إياد." التفت. "نعم؟" "الكتاب بيقول إنك هتقودنا." اقترب. قرأ الصفحة. ثم ضحك ضحكة قصيرة. "هو أنا أصلًا أعرف الطريق؟" نور: "يمكن الذاكرة تعرف." إياد سكت. ثم أغلق عينيه. بعد ثوانٍ قال: "أيوه." آدم: "إيه؟" إياد: "عارف الطريق." سامح: "إلى طيبة؟" "إلى مكان أبعد." "فين؟" إياد فتح عينيه. "قبر." --- تحركوا قبل الفجر. كانت الرحلة صامتة. إياد يقودهم. والأغرب أنه لم يكن يحتاج إلى الخريطة. كلما وصلوا إلى مفترق طرق، اختار الطريق دون تردد. نور كانت تمشي بجواره. قالت: "إنت متأكد؟" "لا." "أمال بتختار إزاي؟" "بحس." "زي إيه؟" "زي لما تكون فاكر حلم، لكن مش فاكر تفاصيله." نور: "وإنت حالم بإيه؟" إياد: "بمكان ما دخلتوش." --- بعد ساعات، ظهرت جبال بعيدة. قال آدم: "إحنا قربنا." إياد: "لا." نور: "لسه؟" "لسه في مرحلة." "إيه؟" "لازم نعدي من النهر." كان أمامهم مجرى مائي ضيق. لكن الماء كان ساكنًا تمامًا. لا موج. لا تيار. حتى الرياح لم تكن تحرك سطحه. قال سامح: "الماء واقف." يوسف: "مش ماء." اقترب. "ده ذاكرة." --- نور: "يعني إيه؟" يوسف: "كل شخص يدخل لازم يشوف أكثر ذكرى يخاف منها." آدم: "وإيه اللي يحصل لو رفض؟" يوسف: "يرجع." إياد: "ولو عبر؟" يوسف: "يترك ذكرى خلفه." نور: "أي ذكرى؟" يوسف: "الذكرى التي يختارها النهر." --- إياد تقدم. "أنا هعدي." نور: "استنى." "لازم أعرف." "إيه؟" "لو أنا فقدت ذكرى مهمة، لازم أعرف قبل ما يحصل." نور: "ممكن أفقدك." إياد نظر إليها. "مش هتقدري." "ليه؟" "لأنك بقيتي جزء من ذاكرتي." ثم دخل الماء. --- في اللحظة التي لمس فيها الماء قدميه... اختفى. صرخت نور: "إياد!" لكن الماء لم يتحرك. رأته داخل سطحه. كان واقفًا في بيت قديم. شابًا. أصغر. أمامه يونس. قال يونس: "هتنساني." إياد: "لا." "هتنساني عشان تعيش." "مش هعمل كده." "هتعمل." "ليه؟" يونس اقترب. "لأن ده ثمن النجاة." ثم وضع يده على صدره. وفجأة اختفى جزء من ذاكرة إياد. نور رأت المشهد. صرخت: "لا!" لكنها لم تستطع الدخول. ثم ظهر يونس أمام إياد. وقال: "اختار." إياد: "اختار إيه؟" "تفتكرني..." ثم أشار إلى نور. "أو تفتكر نفسك قبلها." --- نور شعرت بالخوف. لأنها عرفت أن هذا ليس اختبارًا لإياد فقط. كان اختبارًا لها. الماء بدأ يقترب منها. يوسف: "لا تدخلي." نور: "لازم." "النهر سيأخذ منك شيئًا." نور: "وأنا مستعدة." دخلت. --- اختفى العالم. وجدت نفسها في بيت طفولتها. كانت صغيرة. تجلس بجوار والدها. مالك. كان يحمل كتابًا. قال لها: "لو في يوم نسيتيني..." نور الصغيرة: "مش هنساك." "حتى لو مت؟" "حتى لو مت." ابتسم. "ولو نسيتِ نفسك؟" سكتت. مالك: "لا تسمحي لأي حد يكتب لك من تكونين." ثم وضع الكتاب في يدها. نور: "إيه ده؟" مالك: "أول صفحة من حياتك." ثم قال: "لكنها ليست الصفحة الأولى." --- نور نظرت إلى الكتاب. كان أبيض. مثل الكتاب الذي معها الآن. فتحت الصفحة. وجدت اسمًا. ليس اسمها. اسم آخر. اسم قديم. نِفرتاري. نور شهقت. ثم جاء صوت مريم: "الاسم ليس هوية." نور: "إذن مين أنا؟" الصوت: "اختيارك." "وإياد؟" "اختياره." "والطفل؟" صمت. ثم: "اختياره أيضًا." --- خرجت نور من الماء. كان إياد يقف على الضفة الأخرى. اقترب منها. "إنتِ كويسة؟" نور: "أيوه." "شوفتِ إيه؟" ترددت. ثم قالت: "أبي." "وأنا شوفت يونس." "أخد منك حاجة؟" إياد: "لا." "متأكد؟" إياد ابتسم. "لأني كنت فاكر إني لازم أختار بينه وبينك." نور: "واخترت مين؟" "إنتِ." نور: "ويونس؟" "فضل جوايا." --- عبر الباقون. وعندما وصلوا إلى الضفة الأخرى، لاحظوا شيئًا. لم يعد أحد منهم يتذكر بعض التفاصيل. سامح نسي اسم معلمه الأول. آدم نسي أول بيت عاش فيه. يوسف نسي وجه أمه. أما نفر... فقدت ذكرى إيزيس. كانت تنظر إليها ولا تعرف من تكون. إيزيس قالت: "هذا ثمن العبور." نفر: "أنا لا أتذكرك." إيزيس ابتسمت بحزن. "لكن قلبك سيتذكرك." --- واصلوا السير. مع اقتراب الليل، ظهرت أمامهم أطلال ضخمة. أعمدة. تماثيل. ومدخل حجري. على جانبيه تمثالان لأبي الهول. أحدهما مكسور. والآخر سليم. قال إياد: "مدينة الأبواب." نور: "إحنا وصلنا." آدم: "لا." أشار إلى المدخل. "لسه لازم نعرف الباب." --- كان هناك ثلاثة أبواب. الأول من الحجر. الثاني من الخشب. الثالث من الذهب. على الأول نقش: "يدخله من يعرف." على الثاني: "يدخله من يصدق." وعلى الثالث: "يدخله من يختار." إياد: "أي واحد؟" نور: "الثالث." آدم: "ليه؟" نور: "لأن كل شيء في قصتنا مرتبط بالاختيار." اقتربت. لكن الباب لم يتحرك. إياد وضع يده. لا شيء. يوسف: "مش هو." نور: "إذن مين؟" فجأة... تراجع الحارس. قال: "أنا." --- نظر إليه الجميع. "أنا الذي يجب أن يفتح الباب." نور: "ليه؟" "لأنني الحارس." اقترب من الباب الذهبي. وضع يده. فتح الباب. لكن خلفه لم يكن هناك ممر. كان هناك قبر. قبر واحد. وفوقه اسم: سليم. إياد: "وصلنا." آدم: "بس إيزيس قالت إن هنا هنعرف اسم الحارس." الحارس: "نعم." نور: "إذن افتح القبر." الحارس: "لا أستطيع." "ليه؟" "لأنني لست الحارس الحقيقي." --- تجمد الجميع. نور: "إنت قلت إنك الحارس." "كنت." إياد: "أمال مين؟" الحارس أشار إلى القبر. "هو." نور: "سليم؟" "سليم الحقيقي." "لكنه مات." "نعم." "إزاي يكون الحارس؟" الحارس: "لأن الحارس لا يحتاج جسدًا." ثم قال: "الحارس الحقيقي هو ذاكرة سليم." --- اقتربت نور من القبر. وضعت يدها عليه. فُتح الحجر. كان هناك تابوت صغير. داخله لفافة. وعلى اللفافة اسم واحد. سليم بن مالك. إياد: "سليم بن مالك." آدم: "يعني سليم كان فعلًا أخو مالك." نور: "لكن آزر سرق اسمه." الحارس: "وآزر لم يكن وحده." نور: "مين كان معاه؟" صمت. ثم ظهر صوت من داخل القبر: "أنا." استداروا. كانت ليلى واقفة. لكن عينيها أصبحتا سوداويتين. نور: "ليلى؟" ابتسمت. "أخيرًا." إياد: "إنتِ؟" قالت: "أنا لم أقل لكم يومًا إنني ليلى." سقط الصمت. ثم رفعت يدها. بدأ وجهها يتغير. مرة صار وجه مريم. ثم إيزيس. ثم مالك. ثم يونس. ثم عاد وجه ليلى. وقالت: "أنا الذاكرة التي لم تستطع المكتبة محوها." نور تراجعت. "مين إنتِ؟" ابتسمت. "زوجة سليم." آدم: "لكن سليم..." "مات." "وأنتِ؟" "متُّ معه." نور: "إذن مين اللي قدامنا؟" اقتربت منها. وقالت: "الجزء الذي تركه فيّ." --- رفع إياد يده. لكن نور أوقفته. "استنى." قالت للمرأة: "إنتِ عايزة إيه؟" "الطفل." "ليه؟" "لأن سليم الحقيقي كان يعرف أنه سيعود." "مين؟" المرأة ابتسمت. "الطفل." نور: "طفلنا؟" "نعم." "وإنتِ عايزاه ليه؟" "لأنه ليس مجرد طفل." ثم نظرت إلى إياد. "إنه المفتاح الأخير." إياد: "لإيه؟" قالت: "لإغلاق الزمن." --- بدأ القبر يهتز. اللفافة انفتحت وحدها. ظهر سطر: "حين يولد الطفل، تتوقف الدورة." ثم سطر آخر: "لكن لكي يولد، يجب أن يموت الحارس." نور: "مين الحارس؟" المرأة نظرت إلى إياد. ثم إلى نور. ثم إلى الرجل الذي يقف خلفهم. وقالت: "واحد منكما." وفجأة ظهر صوت يونس داخل رأس إياد: "أخوي..." إياد أغلق عينيه. "لا تسمح لهم أن يجعلوك تختار." ثم ظهر صوت آخر. صوت نور. لكنها لم تكن تتحدث. كان صوتًا قادمًا من المستقبل: "أنا اخترتك بالفعل." فتح إياد عينيه. نظر إلى نور. وفهم شيئًا. شيئًا لم يفهمه أحد. قال: "نور..." "نعم؟" "الطفل مش هو المفتاح." "أمال؟" إياد نظر إلى القبر. ثم إلى السماء. وقال: "إحنا الاتنين." وفي اللحظة نفسها... بدأت الأرض تنشق. وتحت قبر سليم ظهرت درجات تهبط إلى أعماق الأرض. وفي أسفل الدرج... ظهر ضوء ذهبي. وصوت طفل صغير يضحك. ثم قال: "بابا... ماما... أنا مستنيكم." نور أمسكت يد إياد. قالت: "نمشي." إياد: "مع بعض." ونزلا أول درجة. ثم الثانية. وخلفهما أُغلق باب مدينة الأبواب. لكن المرأة التي كانت تحمل ذاكرة سليم ابتسمت. وقالت بصوت لم يكن صوتها: "بدأت الولادة." ثم انطفأ كل شيء. يتبع...الفصل 149الطريق إلى طيبةلم يكن أحد يتوقع أن تكون طيبة هي المحطة التالية.بعد كل ما عاشوه في أبيدوس، وبعد أن ظنوا أنهم اقتربوا من نهاية اللغز، ظهرت أمامهم خريطة جديدة تفتح بابًا آخر.بابًا أقدم.وأخطر.كانت الخريطة معلقة على الجدار، مرسومة بخطوط ذهبية تتحرك ببطء، كأنها ليست حبرًا بل ضوءًا حيًا.وفي منتصفها ظهرت كلمة واحدة:طيبة.إياد ظل ينظر إليها.قال:"إحنا بنجري ورا الأسرار من مكان لمكان."آدم:"يمكن لأن الأسرار هي اللي بتجري ورانا."نور لم تبتسم.كانت تنظر إلى الجملة أسفل الخريطة:"وهناك سيولد الطفل."وضعت يدها على بطنها دون وعي.لم يكن هناك طفل.ليس الآن.لكنها شعرت فجأة بدفء غريب.كأن شيئًا بعيدًا جدًا استجاب للمسها.إياد لاحظ الحركة.قال بهدوء:"خايفة؟"نور:"مش من الطفل.""أمال؟""من اللي مستنيه."---كان سليم قد اختفى.لكن الجميع يعرف أنه لم يهرب.هو فقط انتقل إلى مرحلة أخرى من اللعبة.قال يوسف:"لازم نتحرك قبل ما يسبقنا."آدم نظر إليه."إنت لسه بتتكلم كأنك واحد مننا."يوسف:"لأني واحد منكم."إياد:"بعد اللي عرفناه، مش عارف أصدق مين."يوسف:"وده المطلوب."نور:"إيه؟"يوسف:"
الفصل 148الحارس الذي عادلم يتحرك إياد.ظل واقفًا أمام الفتحة، وعيناه معلقتان بالرجل الذي خرج من أعماق المكتبة.نفس الوجه.نفس الطول.نفس العينين.حتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر كانت موجودة.ندبة يونس.الندبة التي كان إياد يعرفها منذ طفولته.لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.العينان.كانتا سوداويين تمامًا.لا بياض.لا انعكاس.كأن الرجل لم يكن ينظر إليهم، بل ينظر إلى شيء خلفهم، إلى زمن بعيد لا يستطيع أحد رؤيته.قال إياد بصوت مبحوح:"يونس؟"ابتسم الرجل."اشتقت لك."تراجعت نور خطوة."إياد..."رفع إياد يده دون أن يلتفت إليها."استني."ثم تقدم.خطوة.ثم أخرى.قال:"لو إنت يونس..."الرجل:"أنا يونس.""قول حاجة محدش يعرفها غيرنا."ابتسم."لما كنا أطفال، سرقت قطعة الحلوى من المطبخ، وأنت أخذت اللوم بدلًا مني."إياد ارتجف.ثم قال:"وبعدين؟""أبوك ضربك.""وبعدين؟""وأنت بكيت."ابتسم الرجل."لكن لما خرج أبونا من الغرفة، ضحكت لي وقلت: المرة الجاية كلني معاك."سقطت دمعة من عين إياد.قال:"يونس."مد يده.لكن الحارس أمسك بذراعه."لا."إياد التفت بغضب."سيبني."الحارس:"هذا ليس أخاك."يونس ابتسم."
الفصل 147مكتبة الأسرار المخفيةظل الجميع واقفين أمام الممر.لم يتحرك أحد.كانت المكتبة التي ظهرت في نهايته أكبر من أي شيء رأوه من قبل.رفوف لا تنتهي.أعمدة من الحجر الأبيض.مصابيح صغيرة معلقة في الهواء دون سلاسل.وممرات متشابكة، كأن المكان لم يُبنَ داخل الأرض، بل بُني داخل فكرة لا حدود لها.وفي النهاية كان الباب الذهبي.وفوقه نقش واحد:"مكتبة الأسرار المخفية."نور لم تستطع أن ترفع عينيها عنه.قالت:"إحنا فعلًا وصلنا."آدم اقترب من الممر."ده مش ممكن."سامح قال بصوت منخفض:"إحنا تحت أبيدوس."يوسف:"المكان أكبر من أبيدوس نفسها."نور التفتت إليه."إنت كنت تعرف إن ده موجود."يوسف لم يجب.فقالت:"كنت تعرف.""نعم.""وليه ما قلتش؟""لأنني لم أكن أعرف الطريق."سليم ضحك."بل كنت تعرف."يوسف نظر إليه."وأنت تعرف أنني لم أكن أملك المفتاح."سليم:"لم تكن تحتاجه."ثم نظر إلى نور."هي كانت المفتاح."---إياد وقف بجوار نور.قال:"قبل ما ندخل، لازم نفهم حاجة."سليم:"ماذا؟""إنت عايز إيه بالضبط؟""الحقيقة.""مش مصدق.""ولماذا؟""لأن كل واحد في القصة دي بيقول إنه عايز الحقيقة."ثم أشار إلى يوسف."وهو
الفصل 146الوجه الذي لم يعد هو نفسهخرجوا من الممر تحت الأرض قبل شروق الشمس بقليل.لم يتحدث أحد.كانت كلمات إيزيس الأخيرة أثقل من أن تُناقش بسهولة:"لا تثقوا بالرجل الذي يحمل وجهًا تعرفونه."نور كانت تمشي بجوار إياد، لكنها كانت تراقب الجميع.آدم.ليلى.سامح.يوسف.نفر.كل واحد منهم يمكن أن يكون المقصود.لكن شيئًا آخر كان يزعجها.ذلك الشعور الذي لا يخطئه القلب عندما يشعر بأن شيئًا ما تغير.قالت لنفسها:"واحد منهم لم يعد كما كان."---عند الفجر، توقفوا بالقرب من معبد قديم.أخرج آدم الخريطة.قال:"قبر سليم المفروض يكون هنا."سامح:"إنت متأكد؟""المخطوطة بتقول إن القبر اتدفن بعد اختفاء المدينة."يوسف:"ولو كان سليم مات من أربعين سنة، يبقى القبر موجود."نور:"لكن ليه إيزيس عايزة نلاقيه؟"آدم:"عشان نعرف اسم الحارس الحقيقي."إياد:"أنا مش مقتنع."نور:"ليه؟""لأن الحارس ظهر لنا."ثم أضاف:"هو مش محتاج اسم."---نفر اقتربت.قالت:"بل يحتاجه."إياد:"ليه؟""لأن الحارس لا يستطيع أن يعيش دون اسم."نور:"لكن قلتي إن الحارس فقد اسمه.""صحيح.""إذن؟""نحن أعطيناه أسماء كثيرة."آدم:"ومع كل اسم..."
الفصل 145لا تثق بيلم يستطع إياد أن يرفع عينيه عن الشاشة.الرسالة ما زالت أمامه:«أنا يونس، أخوك.»ثم ظهرت الرسالة الثانية:«لا تثق بي.»كان المفتاح الذهبي في يده قد تحول إلى لون أسود قاتم، وكأنه امتص الضوء من حوله.نور اقتربت منه."إياد."لم يرد."إياد، بص لي."رفع رأسه ببطء.قال:"هو.""مين؟""يونس.""متأكد؟""الصوت.""الصوت ممكن يتقلد.""أنا عارف صوت أخويا."ثم سكت.وأضاف:"لكن الجملة مش بتاعته."نور:"يعني؟"إياد نظر إلى المفتاح."يونس عمره ما كان بيحذرني منه.""من مين؟""من نفسه."---دخل آدم الغرفة.كان وجهه أكثر توترًا من المعتاد.قال:"ماذا حدث؟"إياد أعطاه الهاتف.قرأ الرسائل.ثم قال:"ده مستحيل."نور:"كل اللي بنشوفه بقى مستحيل."آدم:"لا."ثم أشار إلى الهاتف."المشكلة مش إن يونس حي.""أمال؟""المشكلة إن الرسالة وصلت من نفس الرقم اللي كان بيرسل رسائل مالك."نور:"يعني؟""يعني الشخص اللي عنده الرقم يمتلك وصولًا إلى أرشيف الذاكرة."إياد:"سليم."آدم:"أو الحارس."---نفر كانت واقفة عند الباب.قالت:"ليس سليم."نور:"إنتِ متأكدة؟""نعم.""ليه؟""لأن سليم لا يستطيع كتابة اسمه."
الفصل 144ابن سليمتوقفت الأنفاس.كان الرجل يقف عند مدخل المقبرة، والضوء الأزرق القادم من الأعماق يحيط بجسده من الخلف، فيجعل ملامحه تبدو كأنها خارجة من زمن آخر.لكن صوته كان واضحًا.هادئًا.واثقًا."أنا سليم."ثم نظر إلى الطفل."وجئت لأستعيد ابني."نور نظرت إلى الطفل.ثم إلى الرجل.ثم إلى إياد.كان وجه إياد قد تغير.قال:"إنت..."سليم ابتسم."أخيرًا."إياد:"أخويا؟"سليم:"لا."ثم أضاف:"أبوك."ساد الصمت.---ليلى تراجعت.قالت:"مستحيل."سليم نظر إليها."أنتِ أكثر شخص يعرف أنني موجود."ليلى:"أنت مت.""لا.""مالك قال إنك مت.""مالك قال أشياء كثيرة."نور:"إيه علاقتك بالطفل؟"سليم ابتسم."هذا السؤال يجب أن تسأليه لنفسك."نور:"هو ابننا."سليم:"ليس بعد."إياد:"إنت تقصد إيه؟"سليم:"أقصد أن الطفل لم يولد."نور:"لكنه هنا.""هذا مجرد المستقبل."ثم نظر إلى الطفل."ابني."---تقدم سليم.إياد وقف أمام نور."متقربش."سليم توقف."كنت أتمنى أن أراك وأنت أكبر."إياد:"أنا مش فاكر إن ليّا أب غير أبي.""لأن مالك محا ذاكرتي.""ليه؟""لأنه كان يخاف مني."نور:"ليه؟"سليم:"لأنني كنت أعرف الحقيقة."