تسجيل الدخولقررت سلمى وريم، بعد أيام من التخطيط الحذر، اقتحام العلية سرًا في وقت متأخر من الليل، رغم تحذيرات الخادمة أم كريم المتكررة والملحّة بعدم الاقتراب من ذلك الجزء من المنزل. باستخدام سلم خشبي قديم عثرتا عليه في المخزن الجانبي، تسلقتا بحذر شديد إلى الفتحة الخشبية الضيقة الموجودة في سقف الممر العلوي.
كانت العلية مليئة بالغبار الكثيف وصناديق قديمة متهالكة تحمل ذكريات عائلية منسية، لكن ما لفت انتباه الأختين فورًا كان خزانة معدنية صغيرة، موضوعة بعناية تحت قماش أبيض مغبر في الزاوية الأبعد، عليها قفل يبدو حديثًا نسبيًا مقارنة بحالة باقي محتويات الغرفة المتهالكة. اقتربتا منها بحذر شديد، قلوبهما تخفق بشدة، حين سمعتا فجأة صوت عادل يناديهما من الأسفل بقلق واضح في نبرته: "أين أنتما؟ أسرعا بالنزول، هناك من يتجول حول المنزل في الخارج الآن!" نزلتا بسرعة، تاركتين الخزانة كما هي مؤقتًا، ليجدا رجلًا غريبًا طويل القامة يقف عند البوابة الخارجية للمنزل، يراقب النوافذ العلوية بتمعن شديد من مسافة بعيدة نسبيًا. حين اقترب منه عادل بخطوات حازمة محاولًا مواجهته، أدار الرجل ظهره فجأة وهرب مسرعًا إلى سيارة كانت متوقفة قريبًا، وانطلق بها بسرعة دون أن ينبس بكلمة واحدة أو يترك أي أثر واضح خلفه. وقف الثلاثة في الظلام، أنفاسهم متسارعة، يتبادلون النظرات دون أن يجرؤ أحدهم على الكلام أولًا. كانت سلمى أول من كسر الصمت: "هل رأى أحدكما وجهه بوضوح؟" هزّت ريم رأسها نافية، بينما وقف عادل صامتًا للحظات طويلة قبل أن يقول بصوت متردد: "لا أعرف، لكن هناك شيء في طريقة وقوفه ذكّرني بأحد، لم أستطع تحديد من بالضبط." عادوا إلى الداخل مضطربين، وأغلقوا كل الأبواب والنوافذ بإحكام تلك الليلة، وإن كان القلق قد منعهم جميعًا من النوم حتى ساعات الفجر الأولى. في اليوم التالي مباشرة، اكتشفوا بصدمة أن الخادمة أم كريم قد اختفت تمامًا دون أن تترك أي أثر يُذكر؛ سريرها مرتب كالمعتاد، وأغراضها القليلة لا تزال في مكانها، وكأنها غادرت فجأة ودون تخطيط مسبق. لم يجدوا سوى رسالة صغيرة مطوية بعناية فوق طاولة المطبخ، مكتوبة بخط يدها المرتجف الواضح: "لا تفتحوا تلك الخزانة أبدًا. بعض الحقائق يجب أن تبقى مدفونة إلى الأبد لحمايتكم أنتم، وليس لحماية سيدي الراحل." قرأت سلمى الرسالة بصوت مرتفع أمام أختها وأخيها، ويداها ترتجفان قليلًا. ساد صمت ثقيل في المطبخ، قطعه عادل أخيرًا بنبرة غاضبة حاول من خلالها إخفاء خوفه الحقيقي: "هذا يكفي. امرأة تختفي، ورجل غريب يراقب المنزل، ورسالة تحذير غامضة؟ يجب أن نتصل بالشرطة الآن، لا أن نستمر في هذه اللعبة الخطرة." لكن ريم رفضت بحزم، وقالت وهي تمسك بيد سلمى: "الشرطة لن تفهم شيئًا مما يحدث هنا، ولن تكشف الحقيقة التي تخصنا وحدنا. أم كريم كانت تعرف شيئًا، وهروبها المفاجئ يؤكد أننا على الطريق الصحيح تمامًا." نظرت سلمى إلى أختها، ثم إلى أخيها المتردد، وشعرت أن العائلة بأكملها واقفة الآن على حافة اكتشاف لا رجعة فيه. هذه الرسالة، بدلًا من أن تُثنيهم عن المتابعة، زادت من إصرارهم الغامض على معرفة ما بداخل تلك الخزانة، وكأن كل تحذير كان يقربهم خطوة أعمق نحو الحقيقة المخفية. وفي تلك الليلة نفسها، وبينما كان المنزل غارقًا في سكون مريب، قررت سلمى العودة وحدها إلى العلية، حاملة معها المفتاح الصغير الذي وجدته في علبة مجوهرات أمها، متسائلة في قرارة نفسها إن كان هذا المفتاح تحديدًا هو ما ستفتح به أخيرًا باب الحقيقة التي طاردت عائلتها لسنوات طويلة.في صباح اليوم التالي، وبعد ليلة قصيرة من النوم المضطرب، اجتمعت العائلة مجددًا لمناقشة رسالة التحذير الغامضة التي وصلتهم بشأن سليم الزاهري. اقترح منير أولًا محاولة تتبع الرقم الذي أرسل منه هذه الرسالة، رغم علمه المسبق أن أصحاب مثل هذه الرسائل غالبًا ما يستخدمون أرقامًا مؤقتة يصعب تتبعها بسهولة. فوجئ الجميع حين نجح فعلاً، بمساعدة أحد معارفه التقنيين المتخصصين، في تحديد أن الرسالة أُرسلت من هاتف مسجل مؤقتًا في نفس المدينة التي جرى فيها لقاء سلمى وريم مع سليم قبل يومين فقط.شعر الجميع بقشعريرة عند سماع هذا التفصيل: من أرسل الرسالة كان قريبًا جدًا من مكان اللقاء نفسه، مما يعني احتمالين لا ثالث لهما تقريبًا: إما أن أحدًا كان يراقب اللقاء عن كثب دون أن يلاحظه أي منهم، أو أن المرسل كان شخصًا حاضرًا بالفعل بشكل ما ضمن دائرة الثقة القريبة جدًا من العائلة أو من سليم نفسه.اقترحت لينا التواصل مرة أخرى مع سليم مباشرة، لإخباره بهذه الرسالة الغامضة ومعرفة رد فعله عليها، معتبرة أن ردة فعله الصادقة أو المرتبكة قد تكشف الكثير عن مدى مصداقيته الحقيقية. وافق الجميع بحذر، واتصلت سلمى بالرقم الذي زودها به
استمر سليم الزاهري في الحديث بصوت هادئ، وكأنه يتحرر أخيرًا من عبء ثقيل حمله بمفرده لسنوات طويلة جدًا: "دخلت هذه الدوائر الخارجية للشبكة بعد وفاة فادي مباشرة، ليس رغبة مني في الانتقام أو الثراء، بل لأنني أدركت أن الطريقة الوحيدة لفهم من تسبب حقًا في مأساة أخي، ومن يقف خلف كل هذه الشبكة المعقدة، هي أن أقترب منها بما يكفي لأراقبها من الداخل، دون أن أصبح جزءًا فعليًا من قراراتها الإجرامية المباشرة."سألت سلمى بحذر: "هل عرفت إذن هوية 'الناظر' الحقيقية؟" ابتسم سليم ابتسامة مريرة، وأجاب: "هذا هو الجزء الأكثر تعقيدًا في كل هذه القصة. 'الناظر' ليس شخصًا واحدًا ثابتًا كما تتصورون، بل هو في الحقيقة مجلس صغير جدًا من ثلاثة أشخاص فقط، يتناوبون على اتخاذ القرارات المصيرية للشبكة، ويحمل كل واحد منهم اللقب في فترات معينة حسب طبيعة القرار المطلوب اتخاذه، بينما يبقى الاثنان الآخران في الظل تمامًا خلال تلك الفترة."شعرت ريم بصدمة عند سماع هذا التعقيد الجديد، وسألت: "وهل تعرف هوية هؤلاء الثلاثة الحاليين؟" أجاب سليم بحذر: "أعرف هوية اثنين منهم بشكل شبه مؤكد، لكن الثالث ظل دائمًا الأكثر غموضًا، حتى بالنسبة
صاغت لينا الرسالة بعناية فائقة، بمساعدة سلمى وعادل، حريصين على أن تحمل كل كلمة فيها صدقًا حقيقيًا دون أي محاولة لتبرير أخطاء الأب أو التقليل من ألم عائلة الزاهري. جاء في الرسالة، بعد مقدمة مهذبة، اعتراف صريح: "نعرف الآن قصة فادي، ونعرف أن والدنا تحمل جزءًا من المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور تلك الليلة المأساوية. لسنا هنا لتبرئته، ولا لطلب الصفح باسمه، بل لنقول إننا نحمل نحن أيضًا وزر أخطائه، ونرغب بصدق في إنهاء هذا الصراع القديم الذي أثقل عائلتينا لسنوات طويلة جدًا، بطريقة إنسانية بعيدة عن كل هذا الغموض والخوف المتبادل."أرسلت لينا الرسالة عبر البريد الإلكتروني الرسمي لمكتب إدارة أصول عائلة الزاهري، مرفقة بملاحظة قانونية مهذبة تؤكد جدية الطلب ورغبته الصادقة في حوار مباشر لا يحمل أي نية عدائية. انتظرت العائلة بأكملها بقلق شديد طوال الأيام التالية، دون أي رد يُذكر، حتى بدأ القلق يتحول تدريجيًا إلى يأس هادئ، واعتقد البعض أن الرسالة ربما لم تصل إلى سليم نفسه على الإطلاق، أو أنه ببساطة اختار تجاهلها كليًا.بعد عشرة أيام كاملة من الانتظار المتوتر، وصل أخيرًا رد غير متوقع، ليس عبر البريد الإل
بدأت لينا فورًا في البحث عن أي سجل قديم يخص وفاة أو اختفاء أحد أفراد عائلة الزاهري، مستعينة هذه المرة بأرشيف الصحف المحلية القديمة، إذ افترضت أن حادثة بهذا الحجم، إن كانت تخص عائلة ثرية ومعروفة نسبيًا، ربما تركت أثرًا صحفيًا صغيرًا حتى لو حاولت العائلة التكتم عليه قدر الإمكان. استغرق البحث ثلاثة أيام كاملة من التنقيب في الأرشيفات الرقمية القديمة، حتى عثرت أخيرًا على خبر صغير جدًا، منشور في زاوية هامشية من إحدى الصحف المحلية القديمة، يعود تاريخه إلى نفس الفترة التقريبية لاختفاء سامي الرشيدي.كان الخبر مقتضبًا للغاية: "وفاة رجل الأعمال الشاب فادي الزاهري إثر سقوطه من شرفة منزله في ظروف لا تزال قيد التحقيق." لم يتضمن الخبر أي تفاصيل إضافية، ولم يُنشر أي متابعة لاحقة للقضية، وكأن التحقيق أُغلق بهدوء تام دون أي إعلان رسمي عن نتيجته النهائية، تمامًا كما حدث مع قضايا أخرى واجهتها العائلة من قبل خلال هذه الرحلة الطويلة.جمع الجميع في المكتبة فور وصول هذا الخبر، وقرأته لينا بصوت مرتفع أمامهم جميعًا. شعرت الأم بارتجاف واضح، وقالت بصوت متهدج: "فادي الزاهري... أتذكر الآن أن زوجي ذكر هذا الاسم مرة
بعد أسبوعين من العمل الدؤوب، وصل أخيرًا خبر من المحامي الدولي الذي استعانت به لينا: تمكن، بعد جهد قانوني معقد جدًا استغرق وقتًا أطول من المتوقع، من اختراق طبقة واحدة على الأقل من طبقات الحماية القانونية المحيطة بالشركة القابضة المسجلة في تلك الجزيرة البعيدة. اتصلت لينا بالعائلة فورًا، وطلبت اجتماعًا عاجلًا في المنزل القديم لمناقشة هذا التطور المهم.جلس الجميع حول طاولة المكتبة، بمن فيهم سميرة ومنير، وشرحت لينا بحماس مكتوم: "استطعنا الحصول على وثيقة قانونية داخلية، عبر قناة رسمية بحتة هذه المرة دون أي مخاطرة، تكشف أن الشركة القابضة الأم لـ'مجموعة السبعة' مملوكة فعليًا، ولو بشكل غير مباشر عبر ثلاث طبقات وسيطة أخرى، لصندوق استثماري عائلي خاص، مسجل باسم عائلة واحدة فقط: عائلة 'الزاهري'."ساد صمت مطبق في الغرفة عند سماع هذا الاسم الجديد كليًا. سألت سلمى بحذر: "هل هذا اسم مألوف لأي منكم؟" هز الجميع رؤوسهم بالنفي، باستثناء الأم التي بدت شاحبة الوجه فجأة، وقالت بصوت متردد: "أعتقد أنني سمعت هذا الاسم مرة واحدة فقط، منذ سنوات طويلة جدًا، حين كان زوجي يتحدث عبر الهاتف بصوت منخفض جدًا مع شخص لم ي
ظلت سلمى تتجنب النظر مباشرة إلى الاسم الذي وضعت بجانبه تلك العلامة الصغيرة في قائمتها الطويلة، محاولة إقناع نفسها أنها مجرد وسواس زائد نتيجة كل هذا التوتر المتراكم منذ أسابيع طويلة. لكن حين جلست بمفردها في غرفتها تلك الليلة، أخرجت الورقة مرة أخرى، وقرأت الاسم بصوت خافت جدًا لنفسها فقط: "الدكتور نبيل حمدان."كان نبيل حمدان الطبيب الذي فحص منير بعد عودته من رحلته المضطربة، وهو من اكتشف أثر الحقنة الغامضة على ذراعه. تذكرت سلمى أن هذا الطبيب لم يكن طبيب العائلة المعتاد الذي يعرفونه منذ سنوات طويلة، بل اقترحه منير نفسه بحجة أنه "أكثر خبرة في مثل هذه الحالات النادرة"، دون أن يوضح كيف تعرف عليه بالضبط أو من أين أتت هذه التوصية المفاجئة.شعرت سلمى بذنب فوري لمجرد التفكير في الشك بطبيب بدا محترفًا وهادئًا تمامًا خلال الفحص، لكنها قررت التحقق من الأمر بهدوء قبل إخبار أي أحد. طلبت من ريم، دون كشف كل التفاصيل، مساعدتها في البحث عن خلفية هذا الطبيب: أين درس، ومنذ متى يعمل في عيادته الحالية، وما إذا كانت له أي علاقة سابقة معروفة بمنير أو بأي شخص آخر من دائرة العائلة المقربة.استغرق هذا البحث يومًا







