เข้าสู่ระบบوجاء اليوم الذي كان الجميع ينتظره؛ يوم زفاف وائل وياسمين.أصرّت ياسمين على أن يكون حفلها في قاعة مفتوحة تطل مباشرة على البحر، تحيط بها الأضواء والزهور البيضاء، بينما كان صوت الأمواج يصل إلى المكان مع نسمات المساء. كانت الأجواء هادئة وأنيقة، والقمر بدأ يظهر في السماء مع اقتراب موعد وصول العروسين، تمامًا كما كانت تحلم.في إحدى الغرف المخصصة لتجهيز النساء، كانت سديم ومنال تسرعان في الاستعداد قبل وصول ياسمين وبقية الحضور.كانت الفوضى الجميلة تملأ المكان؛ فساتين معلقة، عطور ومستحضرات تجميل فوق الطاولة، وحقائب مفتوحة في كل مكان.قالت منال وهي تحاول تثبيت إحدى خصلات شعر سديم لا تتحركي كثيرًا، وإلا أفسدت شعرك!ضحكت سديم.أنتِ من جعلتني أتأخر، كل خمس دقائق تقولين إن هناك شيئًا آخر يجب تعديله.لأنكِ اليوم يجب أن تظهري بأجمل صورة.ثم نظرت إليها منال لحظة، وابتسمت ابتسامة ذات معنى.كانت منال الوحيدة التي تعرف الحقيقة، الحقيقة التي أخفتها سديم عن الجميع طوال تلك الفترة.فبعد أسابيع من الإحساس المتقطع، ثم جلسات العلاج المستمرة، بدأت ساقاها تستجيبان لها تدريجيًا. لم تعد قادرة على المشي كما كانت من قبل
بعد مرور عدة أشهر، أصبحت سديم أكثر اعتيادًا على حياتها الجديدة. فقد تعلمت كيف تتحرك به، وكيف تدير عملها، وكيف تقوم بالكثير من أمورها بنفسها، حتى إن ليث لم يعد يصر على مساعدتها في كل شيء كما كان يفعل في الأيام الأولى، بعدما أدرك أنها تريد استعادة استقلالها. ومع ذلك، ظل يصر على مساعدتها في بعض الأمور التي كانت تحتاج فيها إلى شخص آخر. وفي إحدى الأمسيات، كان ليث يساعدها في الاستعداد للاستحمام، وبعد أن انتهت، عاد ليساعدها على الخروج والجلوس على الكرسي. كانت سديم تتحدث معه عن أمر يتعلق بالشركة، بينما كان هو منشغلًا بالتأكد من أنها تجلس بأمان. وفجأة…شعرت سديم بشيء غريب وخزة صغيرة جدًا في قدمها توقفت عن الكلام ونظرت إلى ساقيها، ثم بقيت صامتة لثوانٍ. كانت الوخزة خفيفة، أشبه بإبرة صغيرة مرت بسرعة تحت جلد قدمها. رمشت عدة مرات ثم حركت أصابع قدمها محاولة التأكد لم يحدث شيء.عادت الوخزة للحظة أخرى، ثم اختفت. قال ليث ماذا بكِ؟ رفعت عينيها إليه بسرعة لا شيء. متأكدة؟ ابتسمت نعم، فقط شردت قليلًا لم تقل له شيئًا في داخلها، كانت فكرة واحدة تدور هل شعرت فعلًا بشيء؟ نظرت إلى قدميها مرة
مرّت الأيام التالية سريعًا، وأقيمت خطبة ياسمين ووائل وسط أجواء مليئة بالفرح، وانشغل الجميع بالتحضيرات والاحتفال، حتى جاء اليوم الذي كانت سديم وخلود تنتظرانه منذ أشهر. يوم افتتاح المجمع. لم يكن مشروعًا عاديًا، بل كان واحدًا من أضخم المشاريع التجارية التي شهدتها المدينة. مبنى هائل يمتد على مساحة واسعة، بواجهة زجاجية ضخمة تعكس أشعة الشمس، ومداخل واسعة تحيط بها المساحات الخضراء والنوافير، بينما ارتفعت في داخله عدة طوابق تضم المتاجر العالمية، والمطاعم، والمقاهي، وصالات الترفيه، إضافة إلى مساحات مخصصة للفعاليات والمكاتب والخدمات. كان المكان أشبه بمدينة صغيرة داخل مدينة. ومنذ ساعات الصباح الأولى، بدأت المنطقة المحيطة بالمجمع تمتلئ بالناس. سيارات كثيرة وصلت تباعًا، والعائلات اصطفّت أمام المداخل، بينما وقف الموظفون بملابسهم الرسمية لاستقبال الزوار وتنظيم حركة الدخول. وفي الخارج، كانت عشرات الكاميرات قد بدأت بالظهور. حضرت وسائل إعلام مختلفة لتغطية افتتاح المشروع، ووقف الصحفيون أمام البوابة الرئيسية، بعضهم يحمل الكاميرات، وآخرون يجهزون تقاريرهم المباشرة، بينما كانت فرق التصوير تتحرك بين ال
مرّت أسابيع أخرى، ومع مرور الوقت بدأت سديم تتأقلم مع واقعها الجديد. لم تعد تنظر إلى كرسيها كشيء غريب عنها، ولم تعد تنهار كلما حاولت تحريك ساقيها ولم تستجبا لها كما كانت تتمنى. أخبرها الأطباء أن الأعصاب تعرضت لتلف جعل عودتها إلى المشي أمرًا غير ممكن في الوقت الحالي، ومع الأيام تعلمت كيف تتعامل مع الأمر دون أن تسمح له بأن يوقف حياتها.كانت لا تزال سديم نفسها، بطموحها وشخصيتها وقوتها.ومن المنزل، بدأت تدير الشركة إلى جانب خلود، وكانت تتابع الاجتماعات والملفات وتصدر قراراتها بنفسها، وفي بعض الأيام كانت تذهب إلى مقر الشركة عندما تحتاج إلى ذلك، وأصبحت حركتها بالكرسي أمرًا اعتادت عليه دون أن تشعر بالخجل منه.أما عملها مع ليث، فلم تتخلَّ عنه أيضًا.كانت لا تزال المبرمجة الأولى في الشركة، وتشارك في الاجتماعات عن بُعد، وتقدم أفكارها وملاحظاتها، وتعمل على تطوير بعض البرامج والمشاريع الجديدة. وكان ليث دائمًا يصر على أن مكانها محفوظ، وأن ما حدث لها لم يغيّر شيئًا من قدراتها.وفي أحد الأيام، كانت سديم تجلس مع ليث في غرفة الجلوس، وقد وضعت الحاسوب أمامها، بينما كان هو يجلس بالقرب منها يتابع بعض الملف
مرّت عدة أيام أخرى، وخلالها استمرت سديم في جلسات العلاج الطبيعي، ورغم أن ساقيها لم تستعيدا الإحساس بعد، إلا أن الأطباء بدأوا يلاحظون استقرار حالتها العامة، وأصبح بإمكانها متابعة العلاج من المنزل بدلًا من البقاء في المستشفى. وفي صباح اليوم الذي تقرر فيه خروجها، دخل الطبيب إلى غرفتها مبتسمًا. سديم، أظن أن الوقت حان لتعودي إلى منزلك. رفعت سديم عينيها إليه بدهشة، ثم التفتت إلى ليث الذي كان يجلس بجانبها. حقًا؟ ابتسم الطبيب.نعم. حالتك مستقرة، ولا يوجد ما يستدعي بقاءك هنا. ستحتاجين إلى الاستمرار بالعلاج الطبيعي والمتابعة الطبية، لكن يمكن القيام بذلك من المنزل. ظهرت ابتسامة واسعة على وجه سديم، وكأن كلمة «المنزل» وحدها أعادت إليها شيئًا من الحياة. أما ليث، فاكتفى بأن أمسك يدها وضغط عليها بحنان. بعد وقت قصير، كان كل شيء جاهزًا للخروج.اقترب ليث منها، ثم ساعدها على الجلوس على الكرسي المتحرك، وتأكد بنفسه من أن كل شيء مريح قبل أن يدفعه نحو الباب. عندما خرجت سديم من الغرفة، توقفت للحظة ونظرت خلفها.ذلك المكان شهد خوفها، وبكاءها، واستيقاظها من الغيبوبة، وأول لحظات اكتشافها أن العالم الذي عاشت
مرّت ثلاثة أيام منذ استيقاظ سديم، ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها بالنسبة إلى ليث مرّت وكأنها لحظة واحدة. فمنذ أن فتحت عينيها، لم يتركها إلا للضرورة، وكان يقضي إلى جانبها ساعات النهار كلها، من الصباح وحتى المساء، يراقب أدويتها، ويتابع فحوصاتها، ويطمئن إلى كل ما يتعلق بحالتها، وكأنه يخشى أن يبتعد عنها للحظة فتختفي من أمامه من جديد.وفي صباح اليوم الثالث، دخل الطبيب إلى الغرفة برفقة أحد أخصائيي العلاج الطبيعي، ثم اقترب من سرير سديم بابتسامة هادئة.قال الطبيب سديم، تحدثنا عن ساقيك في الأيام الماضية، والآن حان الوقت لنبدأ الخطوة الأولى من العلاج.نظرت سديم إليه بقلق، بينما كانت يدها داخل يد ليث ماذا ستفعلون؟أجاب الطبيب ، سنبدأ في البداية بجلسات بسيطة جدًا، تتضمن تحريك الساقين تدريجيًا، وبعض التمارين الخفيفة، إلى جانب المساج والتحفيز العضلي. لن نضغط عليكِ أو نطلب منكِ القيام بشيء يفوق قدرتك. وبعد أن نراقب استجابتك، سننتقل إلى الجلسات العلاجية الأخرى بصورة تدريجية.نظرت سديم إلى ساقيها، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وهل هناك أمل أن أستطيع المشي؟ساد صمت قصير، قبل أن يجيب الطبيب بنبرة صادقة
بعد مضيّ أيّامٍ معدودة، أقبل يوم ميلاد ليث، حامِلًا معه أجواءً من الترف والرقيّ تليق بمكانته. لم يُقَم الحفل داخل القصر، بل في الحديقة الواسعة التابعة للفيلا، حيث امتدّت المساحات الخضراء كلوحةٍ مترفة، تتناثر فيها الطاولات المستديرة المغطّاة بأقمشةٍ فاخرة، وتحيط بها كراسٍ أنيقة. أُقيمت الأضواء الدق
ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ بدت أطول من اللازم، قبل أن يتقدّم والد العروس نحو الطاولة، يلتقط الأوراق بعينين مضطربتين، ويبدأ بتفحّصها بدقة. مرّت لحظات ثقيلة… ثم قال فجأة، بنبرة متغيّرة: “انتظروا… الاسم هنا ليس اسم سديم.” التفتت الأنظار نحوه دفعة واحدة. تابع وهو يشير إلى الورقة: “العقد مسجّل باس
ضحكت ياسمين قائلة: “نحن مستعدّات لكل الفضائح القادمة يا سديم، المهم أن تكوني بخير.” ابتسمت سديم، ثم أسندت رأسها إلى ظهر الكرسي وقالت بنبرة أهدأ: “بصراحة… رغم كل شيء، أشعر أن اليوم كان أصعب مما توقعت، لكنه ليس سيئًا تمامًا.” تدخلت منال: “وهل هناك شخص لفت انتباهك في الشركة؟” سكتت سديم لحظة، ثم
في صباحٍ لم يكن مختلفًا عن سواه، كانت سديم تركض في أروقة الشركة، تحمل بين يديها ملفًا كاد أن يسقط أكثر من مرة، بينما تهمس لنفسها بتوتر: “ليس اليوم… أرجوكِ، ليس اليوم أيضًا!” تعثّرت بخطوةٍ مفاجئة، فاصطدمت بأحد الموظفين، فتطايرت الأوراق في الهواء كأسراب ضائعة. “آه! أنا آسفة، لم أقصد!” قالتها






