Share

الفصل 2

last update publish date: 2026-08-18 05:06:45

منذ ذلك اليوم، أصبحت إيليف قريبة جدًا من عمر.

لم يعد خوفها منه موجودًا، بل أصبح الشخص الذي تلجأ إليه كلما شعرت بالحزن أو احتاجت إلى من يحميها. ومع مرور الوقت، أصبحت علاقتها بعمر وزينب أشبه بعائلة صغيرة جمعتهم الحياة رغم أنهم لم تجمعهم صلة الدم.

وفي إحدى المرات، قالت زينب لعمر وهي تبتسم:

— إيليف مثل أختي الصغيرة، وأريدك أن تعتبرها أختك أنت أيضًا.

نظر عمر إلى إيليف، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— هي أختي بالفعل.

كانت تلك الكلمات تعني الكثير لإيليف.

مرت الأيام والسنوات وسط الكثير من المواقف والذكريات التي جعلتهم أكثر قربًا من بعضهم.

حتى جاء اليوم الذي بلغ فيه عمر وزينب الثامنة عشرة.

كان ذلك يعني أنهما لم يعودا قادرين على البقاء في دار الأيتام، وكان عليهما أن يبدآ حياتهما خارج أسوار المكان الذي احتضنهما لسنوات.

كانت إيليف في الثالثة عشرة من عمرها حينها.

شعرت بحزن شديد عندما أدركت أن عمر وزينب سيرحلان.

لكن عمر وزينب كانا قد خططا لكل شيء منذ فترة.

كانا في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، ولذلك قررا العمل بدوام جزئي بعد المدرسة حتى يتمكنا من توفير المال لاستئجار منزل بعد خروجهما من الميتم.

كانت زينب تعمل في مطعم صغير، تساعد في غسل الصحون وتنظيف المكان، بينما كان عمر يعمل في أعمال مختلفة؛ أحيانًا في البناء، وأحيانًا في أحد المتاجر الكبيرة.

كانا يدخران كل ما يستطيعان توفيره.

وكان حلمهما أن يستأجرا منزلًا صغيرًا يجمعهما... وأن تعيش إيليف معهما يومًا ما.

لكن كان هناك عائق واحد.

إيليف لم تكن قد بلغت سن الرشد بعد، ولذلك لم يكن مسموحًا لها بمغادرة دار الأيتام والعيش معهما.

وعندما أنهى عمر وزينب المرحلة الثانوية، بدأ كل منهما طريقه الخاص.

تقدم عمر إلى كلية إدارة الأعمال.

كان حلمه القديم أن يصبح طيارًا، لكن تحقيق ذلك في ظروفه لم يكن سهلًا، فضلًا عن أن دراسة الطيران كانت مكلفة للغاية، لذلك اختار تخصصًا يمكنه من خلاله بناء مستقبل أكثر استقرارًا.

أما زينب، فقد تقدمت إلى كلية الفنون الجميلة، فقد كانت تحلم بأن تصبح فنانة تشكيلية.

مرت السنوات سريعًا.

وبعد تخرجه، حصل عمر على وظيفة في شركة صغيرة متخصصة في مجال التكنولوجيا. كان بارعًا في عمله، وسرعان ما أثبت نفسه رغم صغر سنه.

ومع ذلك، لم يسمح للعمل أن يبعده عن إيليف.

بعد انتهاء دوامه، كان يذهب لزيارتها، وينتظرها أحيانًا بعد خروجها من المدرسة. وكانت تقضي بعض الوقت معه ومع زينب في شقتهما، ثم تعود إلى الميتم قبل المساء.

كانا يحرصان على ألا تشعر بأنها وحيدة.

حتى جاء اليوم الذي انتظرته إيليف طويلًا.

بلغت الثامنة عشرة.

احتفل عمر وزينب بعيد ميلادها في شقتهما، ولم يكن الاحتفال مجرد عيد ميلاد بالنسبة إليها، بل كان بداية حياة جديدة.

في اليوم نفسه، انتقلت إيليف للعيش معهما.

للمرة الأولى، أصبح لديها منزل حقيقي تعود إليه.

ومرت الأيام، حتى انتهت إيليف من امتحاناتها النهائية في المدرسة.

كانت تظن أن الأيام القادمة ستكون أكثر هدوءًا، وأن حياتها بدأت أخيرًا تأخذ شكلًا جميلًا.

لكن في أحد الأيام، تلقت اتصالًا من مديرة الميتم.

— إيليف، أريد أن أتحدث معكِ. هل يمكنكِ القدوم إلى الميتم؟

استغربت إيليف الطلب، لكنها وافقت.

عندما وصلت، توجهت مباشرة إلى مكتب المديرة.

طرقت الباب قبل أن تدخل.

— تفضلي.

فتحت إيليف الباب ودخلت.

لكنها توقفت في مكانها عندما اكتشفت أن المديرة لم تكن وحدها.

كان هناك رجل يجلس أمامها.

رجل في الخمسينات من عمره، يرتدي ملابس أنيقة، وكانت ملامحه تحمل شيئًا مألوفًا بشكل غريب.

شعرت إيليف بأنها رأته من قبل... أو ربما رأت شخصًا يشبهه.

رفعت المديرة عينيها نحوها وقالت:

— أهلًا إيليف، تفضلي بالجلوس.

جلست إيليف في المقعد المقابل للرجل، لكنها سرعان ما شعرت بعدم الارتياح.

كان الرجل ينظر إليها بطريقة غريبة، بل وعدائية، وكأنه يحمل تجاهها مشاعر لا تفهم سببها.

التفتت إيليف إلى المديرة في حيرة.

لاحظت المديرة توترها، فقالت:

— إيليف، هذا السيد فواز السيوفي.

توقفت للحظة، ثم تابعت:

— إنه والد عمر البيولوجي.

تجمدت إيليف في مكانها.

شعرت وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها.

والد عمر؟

نظرت إلى الرجل من جديد، وهذه المرة بدأت ترى التشابه الذي شعرت به منذ دخولها.

قبل أن تتمكن من استيعاب الصدمة، أكملت المديرة:

— لقد جاء لأنه يريد إعادة عمر إلى عائلة السيوفي... وإلى منزله. حاولت إقناعه بالعودة، لكنه يرفض تمامًا. تحدثت معه أكثر من مرة، لكن دون جدوى، لذلك فكرت أن—

— أريد عودة عمر إلى عائلة السيوفي بأي ثمن.

قاطعها فواز بصوت حازم.

نظرت إليه إيليف بدهشة.

أكمل دون أن يبعد عينيه عنها:

— أقنعيه بالعودة، وسأعطيكِ أي مبلغ تريدينه.

ساد الصمت في الغرفة.

لم تعرف إيليف ماذا تقول.

لم تستطع أن تفهم لماذا يريد هذا الرجل فجأة استعادة عمر بعد كل هذه السنوات، ولا لماذا كان ينظر إليها بتلك الطريقة العدائية.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا في ذهنها:

هذا الرجل لم يأتِ بحثًا عن ابنه بدافع الحب.

كان وراء عودته شيء آخر... شيء لم تعرف إيليف حقيقته بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لم انساك    الفصل 17

    عندما عادت إيليف وعمر إلى الشقة، كانت زينب تجلس في غرفة المعيشة، منشغلة بتصفح هاتفها دون أن تنتبه إليهما في البداية.دخلت إيليف وهي تحمل الجرو بين ذراعيها بعد أن أخرجته من الصندوق، بينما كان عمر يحمل كيس طعام الكلاب.رفعت زينب عينيها عن هاتفها، فنظرت إلى إيليف، ثم إلى الجرو الذي بين ذراعيها.اتسعت عيناها فجأة، وما إن أدركت ما الذي تحمله إيليف حتى صرخت وقفزت إلى الأريكة.— ما هذا؟!ثم أشارت إلى الجرو بفزع.— أخرجيه من هنا فورًا!انفجر عمر بالضحك وهو يضع كيس الطعام جانبًا.— اهدئي يا زينب.التفتت إليه بغيظ.— لا تقل لي اهدئي! أنت تعرف أنني أخاف الحيوانات!ابتسم عمر وهو يهز رأسه.— أعرف، لكن يبدو أن إيليف تمكنت من إقناعي بالموافقة على بقائه. أنا آسف يا زينب.رفعت إيليف الجرو أمامها قليلًا، وقالت بابتسامة عريضة:— انظري إليه! أليس لطيفًا؟ كيف تخافين منه؟حدقت زينب بالجرو وكأنه أخطر مخلوق على وجه الأرض.— لطيف؟! هذا الشيء سيبقى هنا؟!— نعم.— إيليف!ضحكت إيليف واقتربت منها خطوة.تراجعت زينب بسرعة إلى الطرف الآخر من الأريكة.— لا تقتربي!قالت إيليف وهي تضحك:— لن يفعل لك شيئًا.— وأنا لا أر

  • لم انساك    الفصل 16

    بعد انتهاء الاجتماع، بقي عمر في الشركة لبعض الوقت لترتيب بعض الأمور المتعلقة بالصفقة.كان آدم يقف إلى جانبه يراجع معه بعض الملفات، ثم قال بإعجاب:— لقد كنت رائعًا يا سيدي.ابتسم عمر وقال بهدوء:— شكرًا لك.ألقى نظرة على هاتفه، فكانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا.تذكر موعده مع إيليف، فقال وهو يجمع أغراضه:— لدي موعد، سأغادر الآن.— حسنًا.غادر عمر الشركة، وما إن ابتعد حتى أمسك آدم هاتفه واتصل بفواز.أخبره بكل ما حدث في الاجتماع، وكيف تمت الصفقة، وكيف خرج أفراد مجموعة الراشد وهم راضون ومبهورون بما قدمه عمر.ثم قال بإعجاب:— عمر لم يكتفِ بالإجابة عن كل أسئلتهم، بل لاحظ بعض الأخطاء التي غفلوا عنها وصححها لهم بنفسه. كان يعرف كل التفاصيل وكأنه يعمل في هذا المجال منذ سنوات.ساد الصمت للحظات، ثم لمعت في عيني فواز نظرة فخر واضحة.قال:— كنت أعلم أنه يستطيع فعلها.ثم أضاف بنبرة جادة:— انتبه عليه يا آدم.— بالتأكيد، سيدي.أغلق فواز الهاتف، وبقيت ابتسامة صغيرة على وجهه.كان فخورًا بابنه أكثر مما أراد أن يُظهر.---وصل عمر إلى باب المبنى الذي تسكن فيه إيليف، وأمسك هاتفه واتصل بها.— أنا في الخار

  • لم انساك    الفصل 15

    أكيد، بهذا التعديل يصبح الفصل أكثر ترابطًا مع نهاية الفصل 14، ويكون الاجتماع بين شركة السيوفي للتكنولوجيا بقيادة عمر وشركة الراشد للبناء والتطوير العقاري، مع تركيز الاجتماع على الذكاء الاصطناعي والطاقة والمباني المستدامة.الفصل الخامس عشردخل عمر قاعة الاجتماعات برفقة آدم.كانت القاعة واسعة وهادئة، تتوسطها طاولة طويلة تحيط بها المقاعد، بينما كانت شاشة كبيرة تعرض شعار شركة الراشد للتطوير العقاري إلى جانب شعار شركة السيوفي للتكنولوجيا.لم يكن فواز موجودًا.كان عمر قد أصر على إدارة الاجتماع بنفسه، خصوصًا أن هذه المرة لم يكن يتحدث بصفته فردًا من عائلة السيوفي، بل بصفته المدير المسؤول عن شركة السيوفي للتكنولوجيا.جلس آدم إلى جانبه، بينما جلس في الجهة المقابلة عدد من كبار المسؤولين والمهندسين من شركة الراشد.وكان من بينهم أحمد الراشد.نظر أحمد إلى عمر للحظات، ثم أخفى ابتسامة ساخرة.كان يعرف من هو.الابن الأصغر لعائلة السيوفي.الشاب الذي كان ضائعًا لسنوات، والذي لم يتوقع أحد أن يعود يومًا إلى العائلة بهذه السرعة.وحين أخبره فواز أن عمر سيتولى إدارة شركة التكنولوجيا، لم يأخذ الأمر على محمل ال

  • لم انساك    الفصل 14

    الفصل الرابع عشرفي صباح اليوم التالي، اجتمع أفراد عائلة السيوفي حول طاولة الإفطار في القصر.نظر فواز إلى عمر وقال بنبرة حاسمة:— ستترك عملك في تلك الشركة، وستعمل في شركة السيوفي للتكنولوجيا.رفع عمر عينيه إليه دون أن يتحدث.أكمل فواز:— سمعت أنك بارع في هذا المجال، لذلك ستتدرب على العمل لفترة قصيرة، وبعدها ستكون مدير الشركة والمسؤول عنها بالكامل.ساد الصمت للحظات.قال عمر بهدوء:— أحتاج إلى بعض الوقت حتى أقدم استقالتي وأرتب أموري هناك.قاطعه فواز دون تردد:— لا داعي لذلك. لقد تحدثت مع مدير شركتك وسويت الأمور معه، حتى لا أضعك في موقف محرج.انزعج عمر من تدخل والده في عمله وحياته، لكنه لم يرد. كان يعلم أن النقاش معه في هذه الأمور لن يغير شيئًا.---بعد ساعة، كان عمر برفقة فواز داخل مقر شركة السيوفي للتكنولوجيا.اصطحبه فواز في جولة بين أقسام الشركة، وعرفه على الموظفين والمديرين، حتى أصبح الجميع على علم بمن سيكون مديرهم الجديد.وبعد انتهاء الجولة، توقف فواز أمام أحد الأبواب وفتحه.دخل عمر خلفه، فتفاجأ باتساع المكتب وفخامته.قال فواز وهو ينظر حوله:— هذا المكتب كان لي، والآن أسلمه لك.ثم ا

  • لم انساك    الفصل 13

    في الجهة الأخرى، كان أحمد الراشد يجلس في السيارة بانتظار عودة زيد.وبعد فترة، عاد زيد وفتح باب السيارة، ثم جلس في مقعده.نظر إليه أحمد وسأله:— هل طلبت شيئًا آخر غير دفع تكاليف العلاج؟هز زيد رأسه.— لا يا سيدي.ساد الصمت للحظات، قبل أن يبتسم زيد بخفة ويقول:— هذه الفتاة غريبة الأطوار حقًا.نظر إليه أحمد باستغراب.— ما الذي حدث؟تنحنح زيد ثم قال:— في الحقيقة، شكرتني واعتذرت لي، وطلبت مني أن أبلغك اعتذارها أيضًا.ابتسم أحمد بسخرية.— بعد كل ما فعلته؟— سيدي، في الحقيقة شعرت أن اعتذارها كان صادقًا... كانت تبدو وكأنها شخص مختلف تمامًا عن الفتاة التي كانت تتشاجر معي قبل قليل.ثم أضاف:— عندما اعتذرت قالت لي: «اعذرني، فهذه ليست طبيعتي».ظل أحمد صامتًا للحظات، ثم قال:— حسنًا، قد السيارة.أدار زيد المحرك وانطلقت السيارة في شوارع المدينة.وبعد دقائق، توقفت أمام قصر كبير، بدا من تصميمه أنه قديم وعريق. كانت تحيط به حديقة واسعة مليئة بالأشجار، وبجانبه كراج كبير يتسع لعدة سيارات.ترجل أحمد من السيارة ودخل القصر.كان الهدوء يخيّم على المكان.في غرفة المعيشة، جلس رجل مسن يبدو في السبعين من عمره ع

  • لم انساك    الفصل 12

    الفصل الثاني عشرتذكرت إيليف فجأة أنها لم تخبر زينب بما حدث، فأخرجت هاتفها واتصلت بها. وما إن أجابت زينب حتى بدأت إيليف تخبرها بكل شيء، ثم ختمت كلامها بحماس:— أريد أن أتبنى هذا الجرو.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوت زينب حادًا:— في أحلامك! إذا جاء هذا الكلب إلى البيت، سأطردك أنتِ وهو معًا!ثم أغلقت الخط دون أن تمنحها فرصة للرد.على الطرف الاخر تمتمت زينب— ستُجلطني هذه الفتاة...حدقت إيليف في هاتفها بدهشةكانت تعرف جيدًا أن زينب لن توافق، لذلك لم تجد أمامها سوى حل واحد... عمر.ابتسمت بخبث وهي تفكر في الطريقة التي ستقنعه بها.---بعد انتهاء العشاء، غادر الجميع .كان فواز وشذى يعيشان مع الجد في القصر، والآن سيعيش عمر أيضًا هنا. ورغم أن فكرة العودة إلى أجواء القصر لم تكن مريحة له، إلا أن مرض جده جعله يتخذ قراره بالبقاء.في غرفة المعيشة، بقي عمر إلى جانب جده، بينما صعد فواز وشذى إلى غرفتهما.بدأ الجد يتحدث عن أيامه القديمة في العسكرية، يروي لعمر مواقف عاشها عندما كان شابًا، ثم عندما أصبح ضابطًا، وصولًا إلى سنوات خدمته الأخيرة قبل أن يتقاعد.كان عمر يستمع إليه باهتمام، حتى رن هاتفه.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status