Mag-log inانطلقت السيارة الفاخرة تشق عباب الليل
و عاصفة المطر التي اشتدت قسوتها، محيلةً شوارع المدينة إلى مسارات متلاطمة من المياه العاكسة لأضواء الكشافات.داخل صالون السيارة الخلفي، كان الصمت أثقل بكثير من ذي قبل؛ لم يكن صمت مواجهة أو مناورة، بل كان صمتاً مشحوناً برعب حقيقي عزل جيداء عن عالمها. كانت تجلس منكمشة على نفسها، تسند جبهتها الباردة إلى زجاج النافذة،بينما يداها المتشابكتان فوق ركبتيها ترتجفانانفتح باب غرفة العناية المركزة ببطء شديد و خطت جيداء نحو الممر الخارجي بجسد متصلب و ملامح كساها شرود حاد، و كأن روحها بقيت عالقة داخل تلك الجدران البيضاء الباردة. كانت كلمات الجد منصور الأخيرة عن آسر و خوفه من الحب تتردد في ردهات عقلها كعاصفة مباغتة، تقتلع جدران الاستقلالية و السكينة التي حاولت جاهدة بناءها طوال الأشهر الماضية.على بعد خطوات قليلة، كان ياسين يراقب خروجها بنظراته الذكية الحادة؛ لم تكن تلك العينان بحاجة إلى عبارات لتدركا أن شيئاً ما قد تغير بالكامل خلف ذلك الباب الموصد، و أن وصية الرجل العجوز تركت شرخاً عميقاً في كبرياء جارتها العنيدة. تحرك ياسين من مكانه بخطى واثقة مستعداً لاحتواء حيرتها، و في ذات اللحظة، دفع آسر السيوفي نفسه للأمام بلهفة واضحة محاولاً الاقتراب منها و سؤالها عما دار في الداخل.ول كن، قبل أن تخطو قدم جيداء خطوة إضافية، و قبل أن تنطق شفة واحدة من الثلاثه بحرف واحد.. ..دوى في أرجاء الرواق الطبي صوت صفير حاد و مخيف ، متصل، و مرعب انبعث من أجهزة المراقبة الحيوية داخل الغرفة.تجمدت الدماء في عروق اسر و جيداء ، و انقلب سكون الممر البارد إ
اغلقت جيداء الباب خلفها ببطء، و حاولت ان تحبس دموعها و ان تعيد تنظيم تنفسها بهدوء فصلها ذلك الباب تماماً عن عاصفة الحرب البارده المشتعلة في الممر بين ياسين و آسر. ولجت إلى داخل الغرفة حيث ساد صمت طبي مطبق، لا يكسره سوى النبضات الرتيبة للأجهزة الحيوية التي تحرس ما تبقى من أنفاس الجد منصور. كانت الرائحة المعقمة الخانقة تملأ المكان، و الإضاءة الخافتة تسقط فوق جسده الهزيل الراقد وسط الملاءات البيضاء، لتبدو تفاصيل الغرفة كأنها خارج حدود الزمن.تقدمت جيداء بخطوات واثقة لكنها مثقلة بالوجع، و انحنت فوق حافة الفراش. استعادت شكل الجد و هو يجلس على راس سريرها في المستشفى قديما عندما مرضت و كان اسر غائب عن البلاد كم استمدت منه و من قوته وحنانه القوه التي جعلتها اصلب مدت يدها المرتجفة لتلتقط كفه الباردة و الوهنة، قاوت دموعها كثيرا و ضغطت علي يده برقة و هي تحاول حبس دموعها التي اوشكت علي عصيانها : همست بحنان — جدي... أنا هنا. جيداء بجانبك. تحركت أجفان العجوز بصعوبة بالغة، و كأن روحه تقاتل لتستجيب لصوتها. فتح عينيه الغائرتين ببطء شديد، و مرت فيهما ومضة حانية من ا
انفتح باب السيارة الفاخرة ليقذفهما حراس المستشفى الدولي تحت مظلة زجاجية عملاقة، حيث كانت ممرات المجمع الطبي تشع بإضاءة نيونية بيضاء باردة تخلو من أي روح. دلف ياسين و جيداء عبر الأبواب البلورية الشاهقة، و بدت خطواتهما المتزنة كأنها تعلن حرباً صامتة على سكون المكان. كان التناقض صارخاً؛ فأناقتهما الرسمية الطاغية التي انطلقت من قاعات حفل آل المرادي، كانت تخترق وحشة هذا الرواق الطبي، لتجعل كل من في الممر يتوقف عن الحركة ليرقب حضور هذا الثنائي الذي يفيض هيبة وجاذبيه تحرك ياسين بجانبها بكتفين مفرودتين، و وجه صارم حاد الملامح قذفت عيناه ببرود قاطع لا يسمح لأحد بالاقتراب. كانت جيداء تسير و رأسها مرفوع، ضاغطة على كفها لتكبح أي ارتعاش قد يفضح ضعفها، مستمدةً من الوجود الصلب للرجل المحيط بظهرها طاقة لم تفهم سرها بعد.صعدا إلى طابق العناية المركزة، و ما إن انفتح باب المصعد المعدني، حتى تلاشت همسات الحراس و تسمرت الأنظار.
انطلقت السيارة الفاخرة تشق عباب الليل و عاصفة المطر التي اشتدت قسوتها، محيلةً شوارع المدينة إلى مسارات متلاطمة من المياه العاكسة لأضواء الكشافات. داخل صالون السيارة الخلفي، كان الصمت أثقل بكثير من ذي قبل؛ لم يكن صمت مواجهة أو مناورة، بل كان صمتاً مشحوناً برعب حقيقي عزل جيداء عن عالمها. كانت تجلس منكمشة على نفسها، تسند جبهتها الباردة إلى زجاج النافذة، بينما يداها المتشابكتان فوق ركبتيها ترتجفان بآلية لم تستطع السيطرة عليها، تحرك ياسين في مقعده، ملقياً بهاتفه جانباً بعد أن أرسل موقع المستشفى للسائق بكلمات مقتضبة و حاسمة. نظر إلى ملامحها الجانبية الشاحبة، و رأى كيف ينهش الخوف هدوءها المعتاد. تلاشت سخرته المعتاده تماماً؛ فالرجل الذي كان يلوذ بالبرود أمام صراعات السوق، وجد نفسه عاجزاً عن التظاهر باللامبالاة و هي تنكسر أمامه لأجل رجل ينتمي لقصر السيوفي، حتى و إن كان هذا الرجل هو الجد منصور.ضاقت المسافة بينهما ع
كان الحديث مع ليلى المرادي قد ترك في صدر جيداء غلالة كثيفة من الأسئلة المعلقة، لكن الأجواء الرصينة و المرحة المحيطة بتلك المرأة الحديدية منحتها لحظات نادرة من السكينة، سرعان ما تبددت حين شقت قامت ياسين الممشوقة الحشود العابرة متجهاً نحوهما بابتسامته المتكاسلة المعهودة. ألقى ياسين تعليقاً ساخراً و جادا حول مهارات والدته في احتجاز ضيوفه، لتتعالى ضحكة ليلى الواثقة التي طلبت منهما الاستمتاع بالسهرة دون التفكير في اي قوانين او عادات .لكن تلك الألفة الخفيفة التي بدأت تنمو في تلك الزاوية المخملية لم تدم طويلاً.في تمام الساعة العاشرة و النصف، بينما كانت الموسيقى تنساب بنعومة أكثر، اهتزت حقيبة جيداء الصغيرة بعنف متتالٍ. سحبت هاتفها بآلية، لتتسمر عيناها فوق الشاشة المضاءة بذهول تام امتزج بغصة مريرة؛ كان المتصل هو آسر السيوفي. لماذا يتصل الان منذ صدور طلاقهما الرقمي و انتقالها إلى هذه الشقة المقابله لياسين ، لم يتجرأ على اقتحام عزلتها. ترددت لأجزاء من الثانية، و كادت أن تغلق الخط بعناد، لكن شعوراً غريزياً بالخطر دفعها للضغط على زر الإجابة، و وضعت الهاتف على أذنها مبتعدة خطوتي
انسحب ياسين بذكائه المعهود تحت ذريعة تحية بعض كبار الأقارب تاركاً خلفه هالة عطر الخشب الحاد و مساحة دافئة جمعت جيداء بالمرأة الحديدية ليلى المرادي. قادتها ليلى نحو ركن هادئ من الشرفة المغلقة المطلة على حديقة الفندق الغارقة في المطر، حيث كان صوت قطرات الماء يتناغم برقة مع الموسيقى البعيدة. جلست ليلى برأس مرفوع و وقار ملكي، بينما رتبت جيداء أطراف فستانها الكحلي، شاعرة بوطأة النظرات الذكية التي تفحصها بمرح و أمومة ممتعة.أشارت ليلى للنادل ليحضر كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، ثم التفتت نحو جيداء بابتسامتها المرحة و قالت بنبرة متهكمة:— لا تنظري إلي وكأنكِ تنتظرين مني مراجعة بنود استثماركِ الهندسي مع ياسين يا جيداء. أنا هنا الليلة بصفة أم تريد الاطمئنان على أن ابني لم يفقد بقايا عقله بعد. هذا الفتى يقود الشركات ببرود مرعب، لكنه أمامكِ كان ينظر حوله كحارس شخصي يخشى على أثمن صفقاته.ارتفعت زاوية فم جيداء بابتسامة خافتة، و لامست أصابعها الشريط الأبيض المربوط حول معصمها بتلقائية و قالت:— ياسين رجل يصعب فهمه يا سيدة ليلى. يتأرجح كل يوم بين السخرية و الجدية المفرطة، و كأنه يحم






