Compartir

حكمة الصقر

last update Fecha de publicación: 2026-05-10 22:51:50

الفصل الثامن: حكمة الصقر

في أطراف المدينة، حيث يقع القصر العتيق لـ "كبير عائلة السيوفي"، كانت جيداء تسير في الممرات الرخامية بهدوء. الجد "منصور السيوفي" لم يكن مجرد رجل ثري، بل كان هو من بنى هذه الإمبراطورية بساعديه، وكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد، ولا حتى آسر، على معارضة كلمته.

دخلت جيداء إلى مكتبه الواسع، حيث كانت رائحة التبغ القديم والكتب المجلدة تملأ المكان. كان الجد جالساً على مقعده الخشبي الهزاز، ينظر من النافذة إلى الأفق.

— "اقتربي يا ابنتي.. كنتُ أعلم أنكِ ستأتين اليوم،" قال الجد بصوت عميق يحمل وقار السنين دون أن يلتفت.

ابتسمت جيداء بصدق لأول مرة منذ أيام، واقتربت لتقبل يده: "كيف عرفتَ يا جدي؟"

التفت إليها منصور، وضاقت عيناه اللوزيتان بذكاء حاد:

— "لأنني أعرف معدن الخيول الأصيلة.. فهي لا تصهل إلا حين تشعر ببرد الغدر.

في ركنٍ بعيد عن ضجيج "آسر" وبرودة مشاعره، كان قصر الجد "منصور السيوفي" هو المكان الوحيد الذي تشعر فيه جيداء بأنها "ابنة" لا "صفقة".

بينما كانت تجلس معه في شرفة القصر المطلة على المساحات الخضراء، شردت جيداء في مواقف الجد منصور معها طوال السنوات الثلاث الماضية. تذكرت أول عيد ميلاد لها بعد الزواج؛ حين تجاهل آسر الأمر تماماً وغادر البلاد في رحلة عمل، فوجئت بالجد يرسل لها سيارة خاصة لتأتي إليه، وكان قد أعدّ لها حفلاً صغيراً في حديقته، وقال لها جملته التي لن تنساها:

— "لا تحزني يا صغيرتي.. آسر كالجبل، صلب من الخارج لكنه يحتاج لوقت ليعرف أين ينبع الماء. أنتِ حفيدة منصور السيوفي قبل أن تكوني زوجة حفيده."

تذكرت أيضاً ذلك اليوم الذي مرضت فيه بوعكة شديدة، وكان آسر غارقاً في اجتماعاته، فوجدت الجد منصور يقف عند رأسها في المستشفى، يمسك يدها ويقرأ لها من كتابه المفضل حتى غفت. كانت لمساته الحانية تذكرها بما تخيلت أن يكون عليه حنان الأب الذي لم تعرفه.

— "بماذا تشردين يا مهندستنا الجميلة؟" قطع الجد حبل أفكارها وهو يقدم لها كوب الشاي المفضل لديها.

ابتسمت جيداء بامتنان: "أتذكر فقط كيف كنتَ دائماً سندي يا جدي، حتى في اللحظات التي كنتُ أشعر فيها أنني غريبة عن هذا العالم."

نظر إليها الجد بعمق، ومرر يده المجعدة على رأسها بحنان:

— "أنتِ لستِ غريبة يا جيداء. منذ اليوم الأول الذي دخلتِ فيه هذه العائلة، شعرتُ برابط غريب تجاهكِ. شيء في صمودكِ، في كبريائكِ رغم رقتكِ، يذكرني بالنسوة القويات في عائلتنا القديمة. آسر يظن أنه القوي، لكنه لا يدرك أن القوة الحقيقية هي التي تملكها فتاة مثلكِ، استطاعت أن تبني نفسها من العدم."

أخرج الجد العلبة المخملية التي تحتوي على خاتم الجدة،

"تميمة حظ" خاصة:

— "هذا الخاتم ليس لترتديه في الشركة يا جيداء.. أنا أعلم أنكما تفضلان الخصوصية في عملكما. ارتديه فقط حين تشعرين بالضعف، ليتذكر الجميع أن خلفكِ منصور السيوفي. خبئيه بعيداً عن الأعين، لكن أبقيه قريباً من قلبكِ."

كانت كلمات الجد حانية، لكنها كانت تزيد من ألم جيداء؛ فهو الشخص الوحيد الذي يحبها بصدق في هذه العائلة، وهو الشخص الوحيد الذي تخدعه بـ "عقد" سيفصلها عن عالمه بعد شهر واحد

دخلت جيداء القصر، وكان الصمت رفيقها الوحيد. وبينما كانت تصعد الدرج المؤدي لجناحها، شعرت بظلٍ يخرج من العتمة ليقطع طريقها. كان آسر، بطلته التي تجمع بين الوسامة المفرطة والبرود القاتل.

— "تأخرتِ عند جدي.. هل استبدلتِ رفقتي برفقة العجوز؟" سأل بنبرة خفيضة تحمل غيرة لم يستطع مداراتها.

حاولت جيداء المرور، لكنه حاصرها بين ذراعيه والحيط الرخامي، لدرجة أن أنفاسه الساخنة لفحت وجهها البارد. مالت جيداء برأسها، وخانها نبض قلبها الذي تسارع بعنف تحت نظراته. كانت في صراع ممزق؛ رائحة عطره تذكرها بكل ليلة هربت فيها من واقعها إلى حضنه، وصورة رحيلها الوشيك تجعلها تتوق لضمة أخيرة.

استسلمت حواسها لثوانٍ، وشارفت شفاههما على اللقاء، و

بينماكانت جيداء تشعر بصراع ممزق؛ عقلها يصرخ بأن هذا الرجل سينساها بعد ثلاثين يوماً ليعود لحبيبته، وقلبها يتوسل إليها أن تسرق من الزمن هذه اللحظة. في تلك اللحظة الحميمية، تداخلت صور حنان الجد مع قسوة آسر، وصورة رحيلها الوشيك مع بقائها المستحيل.

استسلمت جيداء لثوانٍ، وضعت يديها حول عنقه، وبادلته قبلة كانت تحمل طعم "الوداع". كانت قبلة يائسة، مشتعلة، وكأنها تريد أن تخبره بكل ما يعجز لسانها عن قوله: "أنا أحبك.. وأنا راحلة".

أحس آسر بتغيّر في استجابتها؛ لم تكن تلك جيداء المطيعة، بل كانت جيداء التي "تودّع" شيئاً غالياً. جذبها إليه أكثر، وكأنه يحاول دمج روحيهما

كان يمرر يده على خصلات شعرها، همس في أذنها بصوتٍ مبحوح يحمل سخرية لم يتخلَّ عنها يوماً:

— "ماذا يا جيداء؟ هل عدتِ لنقطة البداية؟ هل أتيتِ لإغوائي من جديد؟"

كأن صاعقة ضربت جسدها. انتفضت جيداء وابتعدت عنه وكأنه أفعى سامة. الكلمة كانت كافية لتهدم كل جسور الحنين؛ لقد ذكرها بالصفقة، ذكرها بكاميليا، وذكرها بأنها في نظره "أداة" غواية وليست امرأة يحبها.

نظرت إليه وعيناها تلمعان بوجعٍ كتمته طويلاً، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة مريرة وقالت بصوتٍ مرتجف لكنه حاد:

— "شكراً لأنك أيقظتني يا آسر.. شكراً لأنك ذكرتني أنني مجرد (صفقة) في نظرك. الغواية انتهت يوم أن اعترفتُ لك بالحقيقة، أما الليلة.. فهي فقط شفقة مني على رجل لا يرى في القلوب إلا أثمانها."

تصلب آسر في مكانه، وأدرك فجأة أنه ألقى بكلمة قتلت شيئاً كان يولد بينهما. حاول أن يمسك يدها: "جيداء، أنا لم أقصد.."

قاطعته وهي تتراجع للخلف، وتغلق باب غرفتها ببطء:

— "قصدتَ أم لم تقصد، "أنت تعيش في البداية.. أما أنا، فقد بدأتُ بالفعل في حزم حقائب قلبي.

انت سجين عقدك، وأنا سجينة كرامتي. تصبح على (ليليان).. فهي الوحيدة التي لا تحتاج لإغوائك لأنك منحتها قلبك بالمجان."

دخلت غرفتها وانهارت خلف الباب، تضع يدها على فمها لئلا يسمع شهقاتها. كانت تبكي لأنها اكتشفت أن "الثلاثين يوماً" القادمة لن تكون حرباً لاستعادته، بل ستكون حرباً لنسيانه وهو لا يزال ينام في الغرفة المجاورة.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الصل ١٤٢

    عادت البناية إلى صمتها المعهود مع هبوط خيوط المساء الأولى، حاملةً معها بقايا صقيع يومٍ مضنٍ طوى رحيل الجد منصور. أغلقت جيداء باب شقتها ببطء، و التفتت لتجد ياسين يقف في منتصف الصالة خلفها مباشرة ؛ كان قد رافقها طوال طريق العودة صامتاً، كظل يرفض مغادرة محيطها. في ظل الضوء ا الخافت للغرفه ، تنفس كلاهما الصعداء بعد ليلة تلاشت فيها الدروع، و بدا الحضور المهيب لياسين هو المساحة الوحيدة التي تفصل جيداء عن الانهيار الكامل. نزعت جيداء حقيبتها بوهن، و التفتت إليه؛ تلاشت ملامح الصارمه كلياً من وجهه، و حلت مكانها نظرة دافئة، عميقة، و غنية بحنو جارف لم تستطع مقاومته. خطت جيداء نحوه بخطوات واثقة و لكنها مرتعشة، وقفت أمامه مباشرة و هي تنظر إلى عينيه الحادتين اللتين غرقتا بصدق حارق، و قالت بصوت خافت تملؤه الحيرة: — بالأمس.. عندما انهار كل شيء من حولي، لم أجد نفسي أتحرك إلا نحوك يا ياسين. ارتميت في حضنك و كأنني أعرفك منذ دهر.... و كأن صدرك هو المكان الوحيد الآمن لي في هذا العالم. أخبرني بالصدق.. لماذا أشعر معك بهذا الدفء المرعب؟ لم يجب ياسين بكلمات. تلاشت كل حصونه

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٤١

    انقضت ليلة الفقد الطويلة و ثقل كوابيسها ليحل صباح رمادي جديد غلف المدينة ببرودة كئيبة، حيث كانت مراسم جنازة الجد منصور السيوفي تدور في أجواء يملؤها وقار الموت و رسميات النخبة. كانت جيداء تقف في زاوية متأخرة بجسد منهك و عينين لم تذوقا طعم النوم، تسندها ذراع ندى الحنونة التي رفضت تركها وحدها في هذه الأجواء المشحونة بالذكريات المريرة.و على الجانب الآخر من العزاء، كان آسر السيوفي يبدو كأطلال رجل كسره الفقد، يقف بوجه شاحب و عينين غائرتين يستقبل المعزين. و بجواره تماماً، كان صديقه المقرب فارس يقف بهيبته الصارمة، يشد من أزره ويقف معه كتفاً بكتف في هذا المصاب الأليم، كشقيق يحمل معه ثقل اللحظة. ورغم انشغال فارس بمواساة آسر، إلا أن عينه كانت تلتقط من بعيد وجود خطيبته ندى بجانب جيداء، متمنياً داخلياً أن تمر هذه الجنازة دون صدام جديد بين ندي و اسر فهو يعرف جيدا لسان خطيبته الغير رحيم و بغضها ل اسر ، بينما وقفت ليليان و كا

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٤٠

    انفتح باب غرفة العناية المركزة ببطء شديد و خطت جيداء نحو الممر الخارجي بجسد متصلب و ملامح كساها شرود حاد، و كأن روحها بقيت عالقة داخل تلك الجدران البيضاء الباردة. كانت كلمات الجد منصور الأخيرة عن آسر و خوفه من الحب تتردد في ردهات عقلها كعاصفة مباغتة، تقتلع جدران الاستقلالية و السكينة التي حاولت جاهدة بناءها طوال الأشهر الماضية.على بعد خطوات قليلة، كان ياسين يراقب خروجها بنظراته الذكية الحادة؛ لم تكن تلك العينان بحاجة إلى عبارات لتدركا أن شيئاً ما قد تغير بالكامل خلف ذلك الباب الموصد، و أن وصية الرجل العجوز تركت شرخاً عميقاً في كبرياء جارتها العنيدة. تحرك ياسين من مكانه بخطى واثقة مستعداً لاحتواء حيرتها، و في ذات اللحظة، دفع آسر السيوفي نفسه للأمام بلهفة واضحة محاولاً الاقتراب منها و سؤالها عما دار في الداخل.ول كن، قبل أن تخطو قدم جيداء خطوة إضافية، و قبل أن تنطق شفة واحدة من الثلاثه بحرف واحد.. ..دوى في أرجاء الرواق الطبي صوت صفير حاد و مخيف ، متصل، و مرعب انبعث من أجهزة المراقبة الحيوية داخل الغرفة.تجمدت الدماء في عروق اسر و جيداء ، و انقلب سكون الممر البارد إ

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٣٩

    اغلقت جيداء الباب خلفها ببطء، و حاولت ان تحبس دموعها و ان تعيد تنظيم تنفسها بهدوء فصلها ذلك الباب تماماً عن عاصفة الحرب البارده المشتعلة في الممر بين ياسين و آسر. ولجت إلى داخل الغرفة حيث ساد صمت طبي مطبق، لا يكسره سوى النبضات الرتيبة للأجهزة الحيوية التي تحرس ما تبقى من أنفاس الجد منصور. كانت الرائحة المعقمة الخانقة تملأ المكان، و الإضاءة الخافتة تسقط فوق جسده الهزيل الراقد وسط الملاءات البيضاء، لتبدو تفاصيل الغرفة كأنها خارج حدود الزمن.تقدمت جيداء بخطوات واثقة لكنها مثقلة بالوجع، و انحنت فوق حافة الفراش. استعادت شكل الجد و هو يجلس على راس سريرها في المستشفى قديما عندما مرضت و كان اسر غائب عن البلاد كم استمدت منه و من قوته وحنانه القوه التي جعلتها اصلب مدت يدها المرتجفة لتلتقط كفه الباردة و الوهنة، قاوت دموعها كثيرا و ضغطت علي يده برقة و هي تحاول حبس دموعها التي اوشكت علي عصيانها : همست بحنان — جدي... أنا هنا. جيداء بجانبك. تحركت أجفان العجوز بصعوبة بالغة، و كأن روحه تقاتل لتستجيب لصوتها. فتح عينيه الغائرتين ببطء شديد، و مرت فيهما ومضة حانية من ا

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٣٨

    انفتح باب السيارة الفاخرة ليقذفهما حراس المستشفى الدولي تحت مظلة زجاجية عملاقة، حيث كانت ممرات المجمع الطبي تشع بإضاءة نيونية بيضاء باردة تخلو من أي روح. دلف ياسين و جيداء عبر الأبواب البلورية الشاهقة، و بدت خطواتهما المتزنة كأنها تعلن حرباً صامتة على سكون المكان. كان التناقض صارخاً؛ فأناقتهما الرسمية الطاغية التي انطلقت من قاعات حفل آل المرادي، كانت تخترق وحشة هذا الرواق الطبي، لتجعل كل من في الممر يتوقف عن الحركة ليرقب حضور هذا الثنائي الذي يفيض هيبة وجاذبيه تحرك ياسين بجانبها بكتفين مفرودتين، و وجه صارم حاد الملامح قذفت عيناه ببرود قاطع لا يسمح لأحد بالاقتراب. كانت جيداء تسير و رأسها مرفوع، ضاغطة على كفها لتكبح أي ارتعاش قد يفضح ضعفها، مستمدةً من الوجود الصلب للرجل المحيط بظهرها طاقة لم تفهم سرها بعد.صعدا إلى طابق العناية المركزة، و ما إن انفتح باب المصعد المعدني، حتى تلاشت همسات الحراس و تسمرت الأنظار.

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٣٧

    انطلقت السيارة الفاخرة تشق عباب الليل و عاصفة المطر التي اشتدت قسوتها، محيلةً شوارع المدينة إلى مسارات متلاطمة من المياه العاكسة لأضواء الكشافات. داخل صالون السيارة الخلفي، كان الصمت أثقل بكثير من ذي قبل؛ لم يكن صمت مواجهة أو مناورة، بل كان صمتاً مشحوناً برعب حقيقي عزل جيداء عن عالمها. كانت تجلس منكمشة على نفسها، تسند جبهتها الباردة إلى زجاج النافذة، بينما يداها المتشابكتان فوق ركبتيها ترتجفان بآلية لم تستطع السيطرة عليها، تحرك ياسين في مقعده، ملقياً بهاتفه جانباً بعد أن أرسل موقع المستشفى للسائق بكلمات مقتضبة و حاسمة. نظر إلى ملامحها الجانبية الشاحبة، و رأى كيف ينهش الخوف هدوءها المعتاد. تلاشت سخرته المعتاده تماماً؛ فالرجل الذي كان يلوذ بالبرود أمام صراعات السوق، وجد نفسه عاجزاً عن التظاهر باللامبالاة و هي تنكسر أمامه لأجل رجل ينتمي لقصر السيوفي، حتى و إن كان هذا الرجل هو الجد منصور.ضاقت المسافة بينهما ع

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status