Share

رماد الحنين

last update publish date: 2026-05-10 22:26:37

(داخل مكتب آسر السيوفي - الطابق العلوي)

طرقت جيداء الباب بهدوء، وحين سمعت صوته الرخيم يأذن لها بالدخول، استجمعت كل ذرة برود تمتلكها. دخلت المكتب الفخم الذي تطل جدرانه الزجاجية على المدينة بأكملها. كان آسر يجلس خلف مكتبه العريض، غارقاً في مراجعة بعض المخططات، ولم يرفع بصره عنها فور دخولها.

وضعت جيداء ملف المشروع أمامه وقالت بنبرة عملية جافة:

— "طلبتَ رؤيتي بخصوص تعديلات مشروع الساحل، سيد آسر. المخططات الجديدة جاهزة هنا."

رفع آسر رأسه ببطء. كانت عيناه تحملان إرهاق ليلة لم ينم فيها، لكن ملامحه كانت كقناع من الرخام. تفحصها بنظرة سريعة، من هندامها الرسمي المحتشم حتى ثبات نبرة صوتها، وكأنه يحاول العثور على أثر لـ "جيداء" التي تحدته بالأمس خلف تلك الشخصية المهنية، لكنه لم يجد شيئاً.

سحب الملف وبدأ في تصفحه بتركيز عالٍ، ثم نظر إليها متفحصا و

قال ببرود و

بنبر ة رسمية تماماً:

— "هناك خلل في توزيع المساحات في الجناح الغربي، المهندسة جيداء. أريد لمسة أكثر عصرانية، شيء يوحي بالفخامة والخصوصية في آن واحد. هل يمكنكِ إعادة التصور وتسليمه قبل نهاية الدوام؟"

لم يتجاوز حدوده، ولم يلمح لرفضها له، بل عاملها كأكفأ موظفة لديه. أومأت جيداء برأسها:

— "بالتأكيد، سأعمل على التعديلات فوراً."

وبينما كانت تهمّ بالاستدارة للمغادرة، فُتح باب المكتب فجأة دون استئذان. تجمدت جيداء في مكانها حين رأت السكرتيرة تحاول الاعتذار بارتباك، لكن امرأة أخرى كانت قد تجاوزتها بالفعل ودلفت إلى الغرفة وهي تنشر عطراً باريسياً نفاذاً عرفته جيداء من صور المجلات.

كانت امرأة تشع بريقاً، بشعرها الذهبي وملابسها التي تصرخ بالترف. توقفت المرأة أمام المكتب، وارتسمت على وجهها ابتسامة ساحرة وهي تنظر إلى آسر الذي نهض من مقعده بآلية لم يفعلها يوماً مع غيرها.

— "آسر.. لم أستطع الانتظار حتى المساء لأراك،" قالت المرأة بصوت يقطر رقة.

التفتت المرأة نحو جيداء، وتفحصتها بفضول متعالٍ ثم عادت بنظرها لآسر:

— "أوه، هل أقاطع اجتماعاً مهماً؟"

ظل آسر صامتاً لثوانٍ، وعيناه انتقلت بين "ليليان" الواقفة بجمالها الصارخ، وبين "جيداء" التي تقف بجمود كتمثال من جليد، قبل أن يقول بنبرة خالية من التعبير:

— "لا يا ليليان.. المهندسة كانت على وشك المغادرة."

شعرت جيداء بنصل يغرس في قلبها، ليس بسبب وجود ليليان، بل بسبب الطريقة التي نطق بها آسر اسمها بـ "ألفة" قتلت كل ادعاءاتها بالقوة. خرجت من المكتب بخطوات ثابتة، لكنها حين أغلقت الباب خلفها، شعرت أن "الشهر الأخير" سيكون أطول من ثلاث سنوات مضت.

عادت جيداء إلى مكتبها، لكنها لم تجلس. وقفت خلف الباب المغلق، تسند جبينها إلى الخشب البارد، تحاول استعادة أنفاسها التي سُلبت منها في مكتب آسر. كانت رائحة عطر "ليليان" لا تزال عالقة في رئتيها، تذكرها بكل نقص تشعر به؛ ليليان هي الماضي الجميل، وهي الحاضر المسروق، أما جيداء.. فماذا تكون؟ مجرد "صفقة" أوشكت صلاحيتها على الانتهاء.

اقتحمت "ندا" المكتب، ولم تكن بحاجة للسؤال؛ فوجه جيداء الشاحب كان يحكي كل شيء.

— "رأيتها، أليس كذلك؟" همست ندا وهي تغلق الستائر لتعطي صديقتها خصوصية أكبر.

ارتمت جيداء على مقعدها، ودفنت وجهها بين كفيها:

— "لقد نطق اسمها يا ندا.. نطق (ليليان) بتلك النبرة التي تمنيتُ طوال ثلاث سنوات أن ينطق بها اسمي. شعرتُ وكأنني شبح في غرفته، مجرد موظفة غريبة لا يربطني به سقف واحد، ولا سرير واحد، ولا.. ولا حب واحد."

— "لكنكِ أنتِ من طلبتِ أن يكون الأمر مهنياً، وأنتِ من طردتِه بالأمس!" ذكرتها ندا وهي تحاول استثارة كبريائها.

رفعت جيداء رأسها، وعيناها تلمعان بدموع رفضت أن تسقط:

— "وهذا هو الوجع يا ندا! كرامتي تصفق لي لأنني وقفتُ في وجهه، لكن قلبي.. قلبي الغبي يحن لليلة واحدة لم يشتكِ فيها من برود يدي، يحن لتلك اللحظات التي كان ينسى فيها العالم ويذكرني أنا فقط. هل تعرفين ما معنى أن تعشقي سجّانكِ؟ أن تشتاقي للرجل الذي لا يرى فيكِ سوى وسيلة للعناد؟"

ندا ضغطت على يدها بقوة: "جيداء، هذا ليس وقتاً للحنين. ليليان هنا لتستعيده، وكاميليا تراقب لتشمت. إذا ضعفتِ الآن، ستخرجين من هذا الشهر محطمة تماماً. ركزي على عملكِ، اجعليه يرى المهندسة الناجحة التي لا تنهار."

مسحت جيداء وجهها بحزم، واستعادت قناع الجمود:

— "معكِ حق. سأعيد تصميم الجناح الغربي في مشروعه.. سأجعل الفخامة التي طلبها تبدو وكأنها (قبر) لذكرياته الجميلة."

[في المساء - قصر السيوفي]

عادت جيداء للقصر متأخرة، تعمدت ذلك لتتجنب العشاء معه. لكنها حين صعدت لغرفتها، وجدت باب جناحه موارباً، وصوت ضحك أنثوي ناعم يأتي من الداخل. تجمدت في مكانها.. هل تجرأ وأحضرها إلى هنا؟ إلى "بيت الزوجية" وإن كان صورياً؟

تحركت بدافع الغريزة، غريزة الزوجة التي تُهدم مملكتها. وقفت أمام الباب، وكان قلبها يصرخ بـ "لا"، لكن كرامتها كانت تمنعها من الدخول والصراخ.

رأت آسر من خلال الفتحة البسيطة، كان يجلس ، وليليان تجلس قريبة منه، تضع يدها على ذراعه وهي تضحك. كان آسر يبتسم.. ابتسامة حقيقية، هادئة، لم ترها جيداء منذ عقد زواجهما.

في تلك اللحظة، شعرت جيداء بشيء ينكسر بداخلها؛ لم يكن غيرة فحسب، بل كان إدراكاً مراً بأن "المكان" الذي حاربت لأجله ثلاث سنوات، قد سُلّم لغيرها في دقائق.

عادت لغرفتها بخطوات مرتعشة، وأغلقت الباب بالمفتاح. ارتمت على سريرها، واستنشقت وسادتها التي لا تزال تحمل بقايا عطره من الليلة الماضية. بكت بصمت، بكت لأنها قوية بما يكفي لترفضه، وضعيفة بما يكفي لتموت شوقاً إليه في آن واحد.

كان تحملها لعذاب السنوات الثلاثه هو الامل ف ان يعشقها يوما ان يراها كما هي وليس كشيء اشتراه يوما

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٣٠

    أغلقت جيداء آخر ملف على حاسوبها وهي تشعر أن عينيها لم تعودا قادرتين على قراءة سطر إضافي. نهضت من مكتبها، جمعت أوراقها ببطء، ثم غادرت الشركة مع آخر خيوط الغروب.عندما وصلت إلى المبنى، كانت تفكر فقط في الاستحمام والنوم.لا شيء آخر.صعدت بالمصعد إلى الطابق الذي تسكن فيه.أخرجت مفاتيحها.ثم توقفت.كان هناك شيء موضوع أمام باب شقتها.كيس ورقي أنيق.انحنت والتقطته بحذر.لا اسم لا عنوان.لكنها كانت تعرف صاحبه قبل أن تفتحه.ذلك النوع من التصرفات يحمل بصمة شخص واحد فقط.فتحت الكيس.أخرجت بطاقة دعوة فاخرة مطبوعة بعناية.حفل زفاف بعد يومين.وتحت الدعوة مباشرة كانت هناك ورقة صغيرة.بخط يد تعرفه ."الرجاء الحضور" .لأنني لا أرغب في قضاء أربع ساعات كاملة وسط أقاربي بمفردي."— ياسين.حدقت في الورقة عدة ثوانٍ.اندهشت من تحول الرجل كل يوم من منقذ لشخص مريب لشخص مستهتر اغمضت عينيها لا تريد تلك الفوضى الان في حياتها فقط تريد السكينه أغلقت الباب خلفها.ألقت حقيبتها فوق الأريكة.ثم جلست تقلب الدعوة بين أصابعها اللعنه عليه همست لنفسها و بعد أقل من عشر دقائق...طرق الباب مرتين بطريقته المعتادة.هزت رأسها

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   ١٢٩

    نظر اليها ياسين و قد عاد اليه التوتر مرر يديه داخل شعره و قال و هو يهرب من عينيها "لا تغضبي حسنا" ثم استدار و غادر مسرعا أغلقت جيداء باب شقتها خلفها ببطء. لكنها لم تتحرك. بقيت واقفة في مكانها مندهشه يدها ما تزال فوق المقبض. وعقلها عالق في مكان آخر تمامًا. صورة. مجرد صورة قديمة. ورقة باهتة داخل حافظة جلدية. ومع ذلك...لم تستطع إخراجها من رأسها. تنهدت بضيق. ثم ألقت حقيبتها فوق الأريكة. وسارت نحو النافذة. المدينة كانت تتحرك في الأسفل كعادتها. لكنها شعرت وكأنها تنظر إليها من خلف زجاج سميك. جلست أخيرًا لماذا كلما اقتربت منه تري شيئاً مريب شيئا مرتبط بها نعم هي متاكده من ذلك هل تسأله مباشرة لكنها سبق ان فعلت و انكر ثم أخرجت هاتفها. ترددت قليلا ثم اتصلت به جاء صوته من الطرف الاخر سعيدا و حماسي قال "جيداء مرحبا" اغمضت جيداء عينيها للحظه و قالت "زين هل استطيع ان اطلب منك شيء" زين "بالطبع اي شيء" جيداء "اريد منك ان تبحث عن ماضي ياسين المرادي صمت زين قليلا و قال بتوتر" لماذا الان " جيداء" لا ادري حقا يبدو انني اصبحت مرتابه كثيرا " ثم صمتت و قالت بعد ثوا

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٨

    كان الصباح الأول في الشقة الجديدة يحمل لوناً مغايراً للرمادي الذي اعتادته عين جيداء طوال شهر. تسللت أشعة الشمس عبر الستائر الشيفون البيضاء لتسقط فوق الأريكة المخملية، حيث غفت جيداء بكامل ملابسها دون أن تشعر بمرور الوقت. مررت يدها على وجهها بتعب. ثم نظرت إلى الساعة. الثامنة و خمس دقائق. نهضت ببطء لم تكن تنام جيدًا منذ أسابيع. كلما أغلقت عينيها رأت الدماء. و رأت غرفة المستشفى. و طفلًا لم تحصل حتى على فرصة لرؤيته. ابتلعت الغصة المعتادة. لم تدري للحظات اين هي لكن لم تكن تلك جدران المستشفى و لا قصر السيوفي المهيب الذي كان يخنق أنفاسها. و لا شقه ندي هنا، يوجد دفء حقيقي، طاقة هادئة تنبعث من الخشب الدافئ و الإضاءة المصممة بعناية مكان صممه شخص يعرف كيف يمنح المكان روحاً. استيقظت على صوت هادئ و مألوف. لم يكن صوتاً غريباً، بل كانت نغمات حذاء ياسين المتهادية في الممر الخارجي، يتبعها صوت قفل بابه و هو يُغلقه. نظرت إلى هاتفها؛ نهضت، و رتبت خصلات شعرها المبعثرة، و غسلت وجهها لتطرد بقايا النوم و الارتباك. لم تكد تتتحرك الي الصاله حتى سمعت طرقتين خفيفتي

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٧

    الصقيع تحت سقف واحد ساد الصمت أركان الشقة بعد اعتراف زين المفاجئ. كانت جيداء َتشعر بارتباك حاد ينهش هدوءها، و ثقل نظرات زين المنتظرة لإجابة لا تملكها جعل الهواء في الصالة يضيق. تراجعت خطوة، و حاولت التملص من حصار تلك المشاعر المتأخرة و قالت بصوت متوتر: "زين.. أنا.. أنا أحتاج لبعض الوقت .. سأحضر كوباً من الماء الان " لم تنتظر رده، بل استدارت متوجهة نحو المطبخ المفتوح على الصالة، هرباً من النظرات فهي لم تستجمع شتات نفسها أمام صدمة لم تحسب لها حساباً. في تلك اللحظة بالذات، و بينما كان زين يجلس على طرف الأريكة و عيناه معلقتان بالأرض بأسف، لا يعرف اذا كان ندما ام انه كان يجب ان يصبر قليلا سُمعت طرقات خفيفة، متزنة، و رسمية على الباب الخارجي. و لأن زين لم يكن قد أغلق الباب بإحكام عند دخوله المتسرع، تحرك الباب قليلاً مع الطرقات ليوارب الفراغ. دفع ياسين المرادي الباب بهدوء ودخطا خطوة واحدة داخل العتبة ملقياً تحيته الرسمية: "مساء الخير.." توقفت كلمات ياسين تماماً، وتسمرت عيناه الحادتان على زين العبد الجالس في منتصف الصالة. في جزء من الث

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٦

    كانت خطوط الطيران القادمة من الخارج تحمل معها زين العبد، الذي بدا وجهه شاحباً وعيناه غائرتين من فرط القلق والسهد. لم يكن يعلم بأي شيء مما حدث لجيداء طوال الشهرين الماضيين؛ كان غارقاً في صفقاته الخارجية، حتى جرى ذلك الاتصال الهاتفي العابر بينه وبين ندى بالأمس. قصت عليه ندى كل شيء؛ رعب اختطاف عمران لها، المأساة التي عاشتها، وطلاقها الرقمي من آسر السيوفي الذي أسدل الستار عليه بالأمس فقط. لم يفكر زين مرتين، ألغى كل ارتباطاته، وحجز أول طائرة عائدة إلى الوطن، ليتوجه فوراً إلى العنوان الجديد الذي أملته عليه ندى. وقف زين أمام باب شقة جيداء الجديدة في الطابق الرابع. تنهد بعمق وهو يحاول تهدئة دقات قلبه المتسارعة، ثم طرق الباب. كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب عندما دوى جرس الباب. رفعت جيداء رأسها عن الملفات المفتوحة أمامها. لم تكن تنتظر أحدًا. ندى في العمل. وياسين خرج منذ ساعات. أما بقية العالم... فلم تكن راغبة في رؤيته أصلًا. نهضت بهدوء واتجهت نحو الباب. لكن ما إن فتحته حتى تجمدت للحظة. — زين؟ وقف زين العبد أمامها. بذلته ما تزال تحمل آثار سفر طويل. وشعره بدا أكثر فو

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٥

    . الشقة المقابلة بعد شهر من فقد جيداء للطفلها ، وقفت جيداء أمام باب الشقة التي وفرها لها ياسين. كانت تحمل حقيبة متوسطة الحجم تضم معظم ما تملكه الآن. الغريب أنها لم تشعر بالحزن وهي تغادر. لم يعد هناك ما يستحق التمسك به. القصر انتهى. زواجها انتهى. حتى الحلم الصغير الذي حاولت حمايته انتهى هو الآخر. أغلقت باب الشقة خلفها بهدوء. ثم سارت عدة خطوات عبر الممر. وتوقفت أمام الشقة المقابلة. ظلت تنظر إلى الباب لثوانٍ ثم طرقت الباب لم يمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى انفتح الباب، ليظهر ياسين بطولته الفارهة، مرتديًا قميصًا قطنيًا أسود مريحًا، وقد شمر كميه بعبثية أظهرت عروق يديه البارزة. و انسدلت بعض خصلات من شعره علي جبهته معلنه العصيان ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة كادت أن تنطق بالترحيب، قبل ان يري الحقيبه التي بجانبها نظر أولًا إلى وجهها ثم إلى الحقيبة في يدها. ثم عاد إلى وجهها مجددًا. و رفع أحد حاجبيه — هل قررتِ الهروب؟ أجابت بهدوء:— جئت لأشكرك. — على ماذا؟ — علي كل شيء . صمت لحظة. ثم قال:— حسنًا. انتظرت لكنه لم يضف شيئًا. تنهدت جيداء.— هذا كل شيء؟ ياسين بسخريته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status