Mag-log inكان الحديث مع ليلى المرادي قد ترك في صدر جيداء غلالة كثيفة من الأسئلة المعلقة، لكن الأجواء الرصينة و المرحة المحيطة بتلك المرأة الحديدية منحتها لحظات نادرة من السكينة، سرعان ما تبددت حين شقت قامت ياسين الممشوقة الحشود العابرة متجهاً نحوهما بابتسامته المتكاسلة المعهودة. ألقى ياسين تعليقاً ساخراً و جادا حول مهارات والدته في احتجاز ضيوفه، لتتعالى ضحكة ليلى الواثقة التي طلبت منهما الاستمتاع بالسهرة دون التفكير في اي قوانين او عادات .لكن تلك الألفة الخفيفة التي بدأت تنمو في تلك الزاوية المخملية لم تدم طويلاً.في تمام الساعة العاشرة و النصف، بينما كانت الموسيقى تنساب بنعومة أكثر، اهتزت حقيبة جيداء الصغيرة بعنف متتالٍ. سحبت هاتفها بآلية، لتتسمر عيناها فوق الشاشة المضاءة بذهول تام امتزج بغصة مريرة؛ كان المتصل هو آسر السيوفي. لماذا يتصل الان منذ صدور طلاقهما الرقمي و انتقالها إلى هذه الشقة المقابله لياسين ، لم يتجرأ على اقتحام عزلتها. ترددت لأجزاء من الثانية، و كادت أن تغلق الخط بعناد، لكن شعوراً غريزياً بالخطر دفعها للضغط على زر الإجابة، و وضعت الهاتف على أذنها مبتعدة خطوتي
انسحب ياسين بذكائه المعهود تحت ذريعة تحية بعض كبار الأقارب تاركاً خلفه هالة عطر الخشب الحاد و مساحة دافئة جمعت جيداء بالمرأة الحديدية ليلى المرادي. قادتها ليلى نحو ركن هادئ من الشرفة المغلقة المطلة على حديقة الفندق الغارقة في المطر، حيث كان صوت قطرات الماء يتناغم برقة مع الموسيقى البعيدة. جلست ليلى برأس مرفوع و وقار ملكي، بينما رتبت جيداء أطراف فستانها الكحلي، شاعرة بوطأة النظرات الذكية التي تفحصها بمرح و أمومة ممتعة.أشارت ليلى للنادل ليحضر كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، ثم التفتت نحو جيداء بابتسامتها المرحة و قالت بنبرة متهكمة:— لا تنظري إلي وكأنكِ تنتظرين مني مراجعة بنود استثماركِ الهندسي مع ياسين يا جيداء. أنا هنا الليلة بصفة أم تريد الاطمئنان على أن ابني لم يفقد بقايا عقله بعد. هذا الفتى يقود الشركات ببرود مرعب، لكنه أمامكِ كان ينظر حوله كحارس شخصي يخشى على أثمن صفقاته.ارتفعت زاوية فم جيداء بابتسامة خافتة، و لامست أصابعها الشريط الأبيض المربوط حول معصمها بتلقائية و قالت:— ياسين رجل يصعب فهمه يا سيدة ليلى. يتأرجح كل يوم بين السخرية و الجدية المفرطة، و كأنه يحم
عرش من عاج وحديدانفتح باب السيارة الفاخرة براسطه حراس الفندق تحت مظلة زجاجية عملاقة تحمي الضيوف من سياط المطر المنساب. تأبطت جيداء ذراع ياسين، و شعرت بجسده يستعيد تيبسه المهيب و قناعه الصارم و هو يخطو بها عبر الأبواب البلورية الشاهقة نحو قاعة الحفل. كانت الأجواء بالداخل تعبق بفخامة مخملية طاغية؛ ثريات الكريستال الضخمة تدلى كعناقيد من الضوء لتنعكس على الأرضيات الرخامية المصقولة، و صوت الموسيقى الكلاسيكية ينساب بنعومة ليدثر همسات النخبة من رجال الأعمال و عائلاتهم.تحرك ياسين بجانبها بخطوات واثقة، ترافقه نظرات الفضول و الهمسات المكتومة من الحاضرين الذين لم يعتادوا رؤيته بصحبة امرأة . كانت جيداء تسير و رأسها مرفوع، لكن عينها كانت ترصد ملامح الوجوه من حولها، تبحث في ملامح عائلة "المرادي" عن خيط يربطها بالماضي. و فجأة، تباطأت خطوات ياسين، و شعرت جيداء بيده تضغط بلطف و طمأنينة فوق يدها المستقرة على ذراعه، كأنه يمنحها شحنة صامتة من الأمان قبل أن يهمس بنبرة عادت إليها سخريتها المتكاسلة المحببة:— حسناً يا جارتي، استعدي لمواجهة الحاكم الفعلي لهذا الكوكب.. تلك السيدة الجالس
انطلقت السيارة الفاخرة عبر شوارع المدينة التي بدأت تغرق تحت وطأة هطول مطر مفاجئ و عنيف. كانت حبات المطر تضرب الزجاج الجانبي بقسوة، لتحيل الأضواء الخارجية الملونة إلى لوحات هلامية باهتة و ممسوحة. داخل الصالون الخلفي المغلق، كان الجو يضج بدفء خانق و مربك. غياب الحواجز، و صوت قطرات المطر المتسارعة، و رائحة عطر ياسين الخشبي الحاد، كلها عوامل جعلت المساحة الضيقة بينهما تبدو كأنها تتلاشى تدريجياً.كانت جيداء تجلس مستندة برأسها على الزجاج البارد، تتابع مسارات الماء المنسابة، بينما استقر معصمها المربوط بالشريط الأبيض فوق فستانها الكحلي. لم تكن بحاجة للنظر إلى اليمين لتعرف أن عيني ياسين الحادتين لم تفارقاها منذ تحركت السيارة. كان يتأمل هدوءها المزيف ببروده المعتاد، لكن أصابعه التي كانت تعبث بهاتفه المغلق ببطء فصحت عن توتر حقيقي يرفض الاعتراف به.التفتت إليه جيداء فجأة، لتلتقي عيناها بعينيه مباشرة وسط الظلام النسبي للسيارة، و قالت بنبرة هادئة لكنها تخترق الصمت:— هل تظن أن المطر ينهمر الليلة ليغسل ذنوب الماضي يا ياسين؟ أم ليزيد الطين بلة؟ارتفعت زاوية فمه في ابتسامة متكاسلة صغ
مقامرة الثامنة مساءً تسللت الثامنة مساءً خلف ستائر الشقة الجديدة كجلاد صامت، حاملةً معها ذروة الترقب الذي نهش أعصاب جيداء طوال النهار. وقفت أمام مرآتها الطويلة تتأمل انعكاس صورتها؛ كان الفستان الكحلي الداكن يلتف حول جسدها بنعومة مفرطة، كأنه جسد من عتمة ليل شتوي عاصف، يبرز شحوب وجهها الذي منحه الخوف نبرة من الكبرياء الحاد. سحبت نفساً عميقاً و هي تنظر إلى معصمها الأيسر؛ حيث استقر الشريط الحريري الأبيض، مربوطاً بعناية متقنة. لم يكن مجرد زينة، بل كان ورقة مقامرة رابحة أو خاسرة ، ألقتها في وجه غموض جارهـا. دوى في الممر صوت طرقتين منتظمتين، واثقتين، تحملان تلك الهيبة المعهودة التي يفرضها صاحبها أينما حل. التقطت حقيبتها الصغيرة و توجهت نحو الباب لتفتحه بخطوات وئيدة، تحاول جاهدة لجم دقات قلبها المتسارعة. كان ياسين يقف في الممر بكامل أناقته الطاغية؛ بدلة سهرة سوداء رسمية فصلت على مقاس كتفيه العريضين بدقة هندسية لا تشوبها شائبة، و شعره مصفف بعناية تخفي وراءها تعب ليلتين من الأرق الصامت. لم تكن هناك ربطة عنق، بل ترك الزر العلوي لقميصه الأبيض مفتوحاً، ل
خيوط الليل الكحلي انبلج الصباح الأول فوق تلك الشقة الجديدة حاملاً معه برودة شتائية قارسة، حيث تلبد الأفق بضباب رمادي كثيف غلّف زجاج النوافذ الشاهقة، ليحجب صخب المدينة بالأسفل و يحيلها إلى أشباح متحركة خلف غلالة بيضاء. استيقظت جيداء في السابعة صباحاً دون أن تذوق طعم النوم الفعلي؛ إذ قضت ليلتها الطويلة أسيرةً لتقلبات عقلها المنهك و صوت ياسين المرادي و هو يتردد في ردهات ذاكرتها بنبرته الرخيمة المليئة بالتحدي و الوعود المبطنة حين قال : "تعالي معي إلى الزفاف.. وربما أخبرك هناك". كانت تلك "الربما" كافية لتشعل في صدرها فوضى عارمة من الشكوك و الترقب، فنهضت من فراشها بخطوات واهية متثاقلة، و أعدت لنفسها كوباً من الأعشاب الدافئة لتستعين بدفئه على الصقيع الذي ينهش روحها، تناولت فطار جيدا خوفا من بطش ندي ثم وقفت ترقب الشقة المقابلة عبر مدخل البناية الصامت، متسائلة إن كان جارها الغامض يغط في نوم عميق، أم أنه يمارس هوايته في ملاحقة الأسرار خلف تلك الأبواب الموصدة. لعنته عده مرات قبل ان يقطع حبل أفكارها المشتتة رنين جرس الباب الخارجي؛ لم تكن طرقات ياسين المع







