ホーム / التشويق / الإثارة / لَمْ تُرفع الجلسة بعد / ##الفصل الأول:- يوم لم يُشبه غيره

共有

لَمْ تُرفع الجلسة بعد
لَمْ تُرفع الجلسة بعد
作者: أركيلة

##الفصل الأول:- يوم لم يُشبه غيره

作者: أركيلة
last update 公開日: 2026-10-23 17:50:04

مع بداية يوم جديد ومشرق، تستيقظ بطلتنا بكل فرحة وحماس... هذا إذا كانت قد نامت من الأساس!

تفتح نهلة عينيها، وتقفز من سريرها كأنها على موعد مع معجزة، ثم تنطلق نحو غرفة والدتها، تضرب الباب بقدمها، وكأنها حصان تربّى في إسطبل منذ نعومة أظافره.

— ماماااااا! يا ماما، ماماااا!

صرخات متتالية، وحماس يكفي لإيقاظ سكان العمارة بأكملها، وكأنها ذاهبة لتستلم جائزة نوبل، لا لحضور حفل تخرجها!

أما والدتها المسكينة، فقد انتفضت من نومها مفزوعة.

— يا ساتر يا رب! يا ساتر يا رب! هو البيت بيقع ولا ايه يا ولاد؟!

أخذت تتحسس طريقها بحثًا عن نظارتها، بينما قلبها يكاد يتوقف من شدة الفزع. وبعد معركة قصيرة مع الوسادة والغطاء، عثرت عليها أخيرًا، ووضعتها على عينيها، ثم راحت تتفحص المكان بحثًا عن مصدر الزلزال.

لتُفاجأ بوجه نهلة المشرق أمامها!

ضيّقت عينيها، ثم قالت بذهول:

— هو إنتِ؟! آه يا بنت الجزمة ، فى حد يصحى حد كدا يابنتى دة انتى قطعتيلى الخلف حرام عليكى

_و بعدين تعالى هنا ، هو ال هناك دة مش باب؟ مش الناس تخبط الاول ، ولا تدخل زى التور الخمسة طن ،

ثم رفعت عينيها لسقف الغرفة و هى تمد يديها للأعلى

_يارب يارب عملت ايه انا بس عشان تبتلينى بالمصيبة دى

لم تهتم نهلة بكل تلك الإهانات، بل ابتسمت ابتسامة عريضة، وقفزت بجوار والدتها قائلة بحماس:

— ما يلا يا ماما بقى ، الساعة تسعة و حفلة تخرجي الساعة اتناشر! و انتى كل دة لسا نايمة عادى

يلا بقى، قومي والنبي عشان نلحق نعمل أي حاجة! أنا متحمسة اوى لليوم دة بجد ، يلا بقى يا بسبوسة قومى.

نظرت إليها والدتها بضيق، ثم تنهدت وقالت:

— يعني إنتِ جاية تصحيني من النوم عشان تخرجك؟! تصدقى يابت انتِ معندكيش ريحة الدم ، اصحى ليه بدرى انا هو أنا الهتخرج يختى ولا انتِ و بعدين انا واحدة صحتى على قدى و رجلى وجعانى لا قادرة اروح ولا اجى ، و بعدين يعنى دة انتى حقوق هو انتى كنتى متخرجة من طب يختى، بلا نيلة مصاريف عالفاضي ، روحى من قدامى سيبينى انام ، نكدت عليا الله ينكد عليكى يا بعيدة ، الواحد بيدفع دم قلبه فكليات ملهاش لازمة ، حفل تخرج قال ،،، قولى حفل خيبة يختى مش تخرج.

سكتت نهلة.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت تنظر إلى والدتها لثوانٍ، وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو.

كانت تظن أن تخرجها بتقدير عالٍ سيجعل والدتها تنسى إخفاقها في الثانوية العامة، وأنها لم تكن بتلك السوء الذي ظلت تعايرها به طوال السنوات الماضية.

كانت تتمنى أن تسمع كلمة واحدة.

كلمة تقول لها إن تعبها لم يذهب هباءً، وإنها استطاعت أخيرًا أن تجعل أمها فخورة بها.

لكن يبدو، يا عزيزي القارئ، أن بعض الأمنيات خُلقت لتظل حبيسة القلوب.

نهضت نهلة من جوار والدتها، واتجهت نحو الباب بخطوات ثقيلة. وقبل أن تغلقه، سمعت صوتًا يناديها:

— بت يا نهلة!

توقفت فجأة.

لمعت عيناها، وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة، ثم عادت مسرعة إلى والدتها.

— نعم يا ماما؟

أشارت والدتها إلى المصباح الموجود بجوارها، وقالت بلا مبالاة:

— اطفي النور و خدى الباب وراكى ، و تروحى تخلصي مشوارك و تيجى ، لو اتأخرت عن ٥ العصر هقطم رقبتك انتِ فاهمة يابت ولا لا

_و اه صحيح فيه مواعين عايزة تتغسل ، عايزة تغسليها دلوقتى اغسليها، مش عايزة خليها لما تيجى خليها، بس المهم أقوم من نومى الاقى هنا و البيت متروق و المواعين مغسولة.

ثم سكتت قليلا قبل انا تسحب الغطاء عليها و اكملت

خلفة تغم ، كنت جبتلى واد كان سندنى بدل خلفة البنات

اقفلى الباب وراكى يا بت

اختفت الابتسامة من وجه نهلة تدريجيًّا، لكنها أجابت بهدوء:

— حاضر يا ماما.

وأغلقت الباب خلفها.

***

دخلت نهلة غرفتها، وجلست أمام برواز قديم يحمل صورة والدها الراحل.

مررت أصابعها فوق إطار الصورة، وظلت تتأمله طويلًا، قبل أن تهمس بصوت مرتجف:

_ عامل إيه يا حبيبي

_وحشتنى يا نور عينى ، يا احن قلب عليا فى الدنيا

_وحشتنى يا بابا و وحشنى كلامك الحلو ال كنت دايما بتقولهولى ، انا تعبانة اوى يا حبيبي ، تعبانة اوى بجد ، فى كمية وجع و قهوة فى قلبي يا بابا مش مخلياني عارفة اتنفس

_ انا لوحدى من غيرك يا حبيبي ، و امى زى منت عارف لسا جافة زى ما هى ،

انحدرت دمعة على خدها، لكنها مسحتها سريعًا، وكأنها تخشى أن يراها أحد.

— وحشتنى! وحشتنى اوى بجد.

ابتسمت وهي تنظر إلى الصورة، ثم أضافت:

— كان نفسي تبقى معايا النهارده.

لم تجد إجابة، بالطبع.

فالصورة لا تتكلم، والموتى لا يعودون لمجرد أننا اشتقنا إليهم.

لكن نهلة، كعادتها، حاولت أن تجمع ما تبقى منها، ومسحت دموعها، ثم نهضت لتستعد.

ارتدت بدلتها السوداء الأنيقة التي خصصت وقتًا طويلًا لاختيارها وتفصيلها، وحملت ملابس التخرج وشهادتها الجامعية، ثم ألقت نظرة أخيرة على صورة والدها قبل أن تغادر.

خرجت من المنزل مكسورة الخاطر، متجهة إلى حفل تخرجها وحدها.

لا أصدقاء ينتظرونها، ولا أهل يرافقونها، ولا إخوة يتشاجرون معها على التقاط الصور.

ولا حتى أمٌّ تشاركها فرحتها.

***

كان الطريق طويلًا، رغم أن المسافة لم تكن كذلك.

ربما لأن عقلها كان مزدحمًا بأسئلة لا تجد لها إجابات.

*هو أنا فيَّ إيه وحش ، عشان ماما تكرهني اوى كدا؟*

*ليه عمرها ما فرحت بأى انجاز انا عملته *

*ياريتك حبتينى*

تنهدت، ثم هزت رأسها وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار.

— خلاص بقى يا بت يا نهلة هنفضل ننكد على نفسنا كتير ، عادى يعنى هو انتى اول ولا اخر واحدة تبقى وحيدة ؟

و بعدين بقى كفاية عياط الميكب ال دافعين تمنه بالعافية هيبوظ

مسحت دمعتها، وعدلت هيئتها، ثم تابعت طريقها.

فمهما حدث، لن تسمح للحزن أن يسرق منها يومًا انتظرته طوال سنوات.

أو هكذا كانت تظن.

***

وصلت نهلة إلى حفل التخرج، ودخلت القاعة بخطوات مترددة.

كانت القاعة تعج بالضحكات والأصوات، والورود تتنقل بين الأيدي، والكاميرات لا تتوقف عن التقاط الصور.

أمهات يحتضن بناتهن، وآباء يرفعون هواتفهم بفخر، وأصدقاء يتجمعون حول بعضهم البعض، يتبادلون التهاني والوعود بأيام أجمل.

أما نهلة، فاختارت مقعدًا بعيدًا وجلست وحدها.

كانت تراقب المشهد في صمت.

هذه فتاة تلتقط صورة مع والدها، وتلك تحتضن أمها، وأخرى تضحك مع صديقاتها، بينما جلست هي تحمل حقيبتها وتنظر إلى الجميع، كأنها غريبة عن عالم لا تعرف كيف وصلت إليه.

لم تكن تحسدهم على نجاحهم.

بل كانت تتمنى لو امتلكت شخصًا واحدًا فقط، ينظر إليها بالطريقة نفسها.

شخصًا يقول لها: *أنا فخور بيكي يا نهلة.*

ظلت شاردة حتى انتبهت إلى صوت ينادي اسمها عبر مكبرات الصوت.

— الخريجة نهلة احمد عبد المقصود... الحاصلة على المركز الأول على دفعتها ."

رفعت رأسها فجأة.

يا نهار أبيض!

العميد!

التكريم!

قامت مسرعة، ونسيت للحظات كل ما كانت تشعر به، ثم اتجهت نحو المسرح وسط تصفيق الحاضرين.

صعدت الدرجات، وتسلّمت شهادتها ودرع التكريم، والتقطت الصور الرسمية بابتسامة حاولت أن تجعلها تبدو طبيعية.

كانت لحظة تستحق أن تتذكرها طوال عمرها.

لكن بعض الناس لا يستطيعون رؤية نجاح الآخرين دون أن يبحثوا عن شيء ينتقصون به منه.

وبينما كانت نهلة تنزل من المسرح، سمعت صوت شاب يهمس لصديقه:

— أهي دي الأولى على الدفعة... هتلاقيها طايرة من الفرحة دلوقتى

_الواحد كان نفسه فنص حظها بس

توقفت نهلة.

التفتت إليه ببطء، ونظرت إلى الشاب الذي كان يبتسم بسخرية، ثم قالت بصوت هادئ، لكنه يحمل وجعًا أكبر من أن تخفيه الكلمات:

— اوقات المظاهر بتكون خداعة، انا يمكن ناجحة فدراستى و معايا المركز الأول، بس فشلت فإن أهلى يحبونى زى ما أهلك بيحبوك كدا

خد شهادتى ،خد مركزى ،خد كل ما أملك حتى بس ادينى اهل زى اهلك

اختفت ابتسامته.

أما هي، فلم تنتظر ردًّا، ولم تمنحه فرصة للاعتذار.

تابعت طريقها وغادرت القاعة.

فهي لم تكن بحاجة إلى شهادة تثبت أنها الأولى على دفعتها.

كانت بحاجة إلى قلب واحد يشعر بها.

***

في طريق عودتها إلى المنزل، توقفت نهلة عند البحر.

اشترت كوز ذرة، وجلست على مقعد قريب من الشاطئ، تضع هاتفها على يمينها، وشهادة تخرجها ودرع التكريم على يسارها.

أمامها البحر الممتد بلا نهاية، وخلفها مدينة لا تعرف أن فتاةً تجلس على شاطئها وتحاول جمع شتات قلبها.

أخذت قضمة من الذرة، ثم نظرت إلى شهادتها.

ابتسمت بسخرية.

— الأولى على الدفعة!

سكتت، ثم رفعت عينيها إلى السماء.

— أنا تعبت اوى يارب ، عشان خاطرى فرحنى و لو مرة واحدة بس ، أنا الحياة انهكتنى تماما ، أنا عارفة إن الدنيا مش الدار الحقيقي بتاعنا بس انا خلاص تعبت و غلاوتك عندى تعبت تعبت تعبت

ارتجف صوتها وهي تتابع:

— يا رب، إنت سامعني؟

انتظرت لحظات، كأنها تتوقع أن يرسل الله إليها علامة تطمئن قلبها.

لكن البحر ظل هادئًا، والسماء لم تتغير، ولم يحدث شيء استثنائي.

نهضت نهلة أخيرًا، ونفضت بقايا الذرة عن ملابسها، ثم حملت اغراضها

وغادرت المكان دون أن تعلم أن حياتها، التي ظنتها راكدة إلى الأبد، كانت على وشك أن تنقلب رأسًا على عقب.

***

ما إن اقتربت نهلة من منزلها حتى لاحظت تجمعًا كبيرًا أمام العمارة.

كان الناس يقفون في صمت غريب، تتخلله همسات متقطعة.

— لا إله إلا الله...

— لا إله إلا الله، الملك والدوام لله.

توقفت خطواتها.

انقبض قلبها فجأة، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.

*لا...*

*يا رب، لا.*

*يا رب، والنبي لا... أنا ماليش غيرها.*

أسرعت نحو المدخل، تشق طريقها بين الواقفين، بينما راحت عيناها تبحثان عن أي وجه تعرفه، أي شخص يخبرها أن مخاوفها لا أساس لها.

لكن كل خطوة كانت تقرّبها من حقيقة لم تكن مستعدة لمواجهتها.

وصلت إلى طابقها.

كان باب الشقة مفتوحًا، ورائحة الغاز لا تزال عالقة في المكان.

تجمدت نهلة في موضعها.

لم تستطع التفكير، ولم تستطع حتى أن تسأل عما حدث.

كل ما استطاعت فعله هو الدخول.

تقدمت بخطوات متعثرة، بينما راحت أصوات الجيران تتداخل حولها:

— البقية في حياتك يا بنتي.

— الله يرحمها.

— راحت للأحسن يا حبيبتي، ادعيلها.

لم تكن تسمعهم حقًّا.

كانت الكلمات تصل إلى أذنيها، لكنها لا تجد طريقها إلى عقلها.

حتى وصلت إلى غرفة والدتها.

دفعت الباب بيد مرتجفة، فرأت جسدًا مسجّى على السرير، مغطى بملاءة بيضاء من الرأس حتى القدمين.

وفي تلك اللحظة، انكسر شيء بداخلها.

— لا...

خطت خطوة إلى الأمام.

— لا يا ماما...

اقتربت أكثر، ثم أمسكت بالملاءة وراحت تناديها بصوت أخذ يعلو تدريجيًّا:

— ماما؟! مامااااا! لا، والنبي يا ماما! قومي يا ماما، والنبي قومي! أنا ماليش غيرك، والله! عشان خاطري، قومي!

اندفعت نحو السرير، لكن إحدى الجارات، أم علي، أسرعت إليها واحتضنتها، تحاول إبعادها عن الجثمان.

— بس يا بنتي، اذكري الله. اذكري الله يا حبيبتي، إنتِ مؤمنة، ميصحش كده.

تعلقت نهلة بها، وأخذت تهز رأسها بعنف.

— ماتت زعلانة مني! ماتت زعلانة مني يا طنط!

شدتها أم علي إلى صدرها، والدموع تنساب من عينيها.

— لا يا بنتي، متقوليش كده. دي ما كانش على لسانها غير: خَلّوا بالكم من نهلة... نهلة أمانة في رقبتكم.

رفعت نهلة وجهها إليها، وكأنها تحاول العثور على أي شيء ينفي ما تسمعه.

لكن لا شيء كان قادرًا على إعادتها.

لا شهادتها، ولا تفوقها، ولا كل الأحلام التي ركضت خلفها طوال عمرها.

لم تعد الأولى على دفعتها.

لم تعد الفتاة التي تحلم بأن تصبح وكيلة نيابة.

في تلك اللحظة، لم تكن سوى ابنة فقدت آخر شخص بقي لها في العالم.

انهارت نهلة بين ذراعي أم علي، حتى خارت قواها تمامًا، وسقطت فاقدة الوعي.

ولم تكن تعلم أن ما ينتظرها بعد تلك اللحظة سيتجاوز كل ما يمكن أن يتخيله عقلها.

***

**بعد مرور شهر...**

فتحت نهلة عينيها ببطء.

كان الضوء أبيض حادًّا، والرائحة غريبة، والأصوات من حولها غير مألوفة.

حاولت تحريك رأسها، ثم راحت تتفحص المكان بعينين مثقلتين.

سقف أبيض.

سرير غريب.

أجهزة طبية.

وستائر تفصل بينها وبين أسرّة أخرى.

انتفضت فجأة، وحاولت النهوض.

— أنا فين؟! أنا فين؟! إنتوا مين؟! فين ماما؟!

أسرعت الممرضة المسؤولة عن حالتها نحوها، محاولة تهدئتها.

— اهدَي يا آنسة نهلة، اهدَي بس. إنتِ لسه حالتك مش مستقرة.

لكن نهلة لم تكن تسمع شيئًا.

دفعتها بيديها في محاولة للابتعاد، فاصطدمت الممرضة بحامل الأدوية، وأصيبت يدها.

تراجعت نهلة إلى زاوية السرير، تلهث وتبكي، بينما أمسكت الممرضة يدها المصابة.

ولثوانٍ، ظنت نهلة أنها ستصرخ فيها أو تستدعي أحدًا لمعاقبتها.

لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.

اقتربت الممرضة منها، ثم احتضنتها برفق.

تجمدت نهلة.

لم تفهم ما الذي يحدث.

لماذا تحتضنها هذه المرأة؟ لماذا لا تصرخ؟ لماذا لا تعاقبها على ما فعلت؟

والأغرب من كل ذلك...

لماذا شعرت بالأمان؟

كان هناك شيء دافئ وغريب يحيط بها، شيء لم تعرف كيف تصفه.

*هو ده بقى إحساس الحضن؟*

همست الممرضة قرب أذنها:

— أنا عارفة إن التجربة صعبة، بس إنتِ أقوى من كده، والله. اهدَي بس، وأنا جنبك لحد ما تفوقي.

وظلت تربت على ظهرها حتى بدأت أنفاس نهلة تهدأ تدريجيًّا، وعادت تستند إلى الوسادة، وقد استنزفها البكاء.

وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة، ودخل الطبيب مسرعًا، وقد ارتسم القلق على وجهه.

و لكن يبدو أن ذلك القلق لم يكن على المريضة!

فما إن لمح الممرضة حتى اتجه إليها مباشرة.

أومال إنت فاكره هيجرى على المريضة يخويا، لا يا حبيبي ، دة رايح يشوف الحب بتاعه ماله

(حبايب قلبي يا سناجل) كل الدعم

اقترب الطبيب وائل من الممرضة، وأمسك يدها بقلق.

— إنتِ كويسة يا عائشة؟! أنا لسه عارف إن المريضة قامت في حالة هياج. إنتِ كويسة يا حبيبتي؟

لم يُكمل كلامه، إذ لمح يدها التي كانت تخفيها خلف ظهرها.

ضيّق عينيه وسألها:

— إنتِ مخبية إيه؟

— مفيش حاجة يا وائل.

— لا، مخبية إيه؟ وريني.

أمسك يدها برفق، وما إن رأى الإصابة حتى انعقد حاجباه.

ثم التفت إلى نهلة، وقال بنبرة تجمع بين العتاب والمزاح:

— ينفع كده يا ست نهلة؟! أهي عوّرتي البنوته بتاعتي، يا ستي!

ضربته عائشة بخفة على ذراعه.

— اتلم بقى، والله ما أنزل معاك شيفتات تاني!

ابتسم وائل.

— طب يلا، روحي طهّري إيدك وتعالي نشوف القمر ده ماله.

رمقته عائشة بنظرة تحذير.

— وائل!

ضحك، وكأنه كان ينتظر تلك الكلمة تحديدًا.

— إيه؟! قولنا ايه غيرة في الشغل لا ، اه معلش انا راجل احب شغلى اوى خلى بالك، و احبك انت اوى يا واد يا عسل انت يا مربرب."

فتحت فمها لترد، لكنها تذكرت فجأة أنهما في مكان العمل، وأن هناك مريضة لا تزال بحاجة إلى الرعاية.

تنهدت، ثم قالت بجدية:

— اتلم و خليك واخد بالك منها. حالتها صعبة.

أومأ وائل، فغادرت عائشة الغرفة بعد أن ألقت نظرة أخيرة على نهلة.

أما نهلة، فكانت لا تزال تحدق في المكان الذي وقفت فيه الممرضة منذ لحظات.

*بقى هو ده الحب؟*

*يما كان نفسي حد يدينى حتى ربع الاهتمام دة*

ثم تنهدت بحسرة.

*أنا كمان كان نفسي حد يخاف عليَّ كده.*

قاطع أفكارها صوت الطبيب:

— يا حضرة المحامية!

انتفضت نهلة قليلًا، ثم التفتت إليه.

— ها؟ نعم؟

جلس وائل على الكرسي المجاور للسرير، وأسند ظهره إلى الخلف، مستعدًّا لبدء أول جلسة تقييم نفسي معها.

فتح ملفها، ثم رفع عينيه إليها.

— أنا هسألك شوية أسئلة عشان اتأكد بس من الوعى بتاعك

_ اسمك ايه ؟

"أسمى نهلة احمد عبد المقصود."

_عمرك كام يا نهلة

" عندى ٢٣ سنة."

عارفة عنوان مسكنك؟

" ايوة ، اسكندرية ، محرم بيه ، شارع الاسكندراني. "

نظر لها بتركيز و كأنه يعرف ان السؤال القادم هو قنبلة موقوتة هيسفجر بها وعيها الادراكى

_ إيه أخر حاجة انت فاكراها يا نهلة. "

كررت نهلة السؤال بصوت خافت:

— آخر حاجة أنا فاكراها؟

ثم راحت ملامحها تتغير تدريجيًّا.

اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، قبل أن تنفجر في البكاء.

— ماما! آخر حاجة فاكراها ماما! أنا عايزة ماما!

وضعت يديها على وجهها، وأخذت تبكي بحرقة.

— أنا عايزة أقوم أروح أدفنها! أنا قاعدة هنا وهي في البيت لوحدها!

اعتدل الطبيب في جلسته، وأغلق الملف قليلًا.

— اهدَي يا نهلة. أنا عايزك تحاولي تفتكري معايا. إنتِ جيتي هنا إمتى؟

مسحت دموعها بظهر يدها، ثم أجابت دون تردد:

— أنا....أنا جيت هنا امبارح بليل، كنت سامعة أصوات ناس بتجرى جمبى و كان فيه واحدة ست بتقول :- الحقها ونبى يا دكتور وقعت قاطعة النفس.

ظل وائل ينظر إليها للحظات، ثم سألها بهدوء:

— طيب، فاكرة تاريخ امبارح كان كام؟

قطبت جبينها، وكأن السؤال غريب بالنسبة إليها.

— أيوه طبعًا. كان ستة وعشرين ستة... سنة ألفين وستة وعشرين.

لم يعلّق الطبيب فورًا.

أشار برأسه إلى التقويم المعلّق على الحائط.

— طيب، بصي وراكي كده يا نهلة.

التفتت إلى التقويم.

توقفت أنفاسها للحظة.

ثم عادت تنظر إليه، قبل أن تحدق في التاريخ مرة أخرى، وكأن عينيها ترفضان تصديق ما تراه.

— هو... هو التاريخ ده صح؟!

أجابها وائل بصوت هادئ:

— أيوه يا نهلة. النهارده تلاتة وعشرين سبعة، سنة ألفين وستة وعشرين.

ساد الصمت.

شهر كامل!

شهر كامل اختفى من حياتها دون أن تشعر.

تابع الطبيب:

— إنتِ بقالك شهر في غيبوبة، نتيجة الصدمة اللي اتعرضتيلها واستنشاق الغاز اللي كان موجود في الشقة. حالتك كانت حرجة في البداية، لكن الحمد لله إن ربنا قدّرنا و عرفنا نلحقك قبل فوات الاوان.

ظلت نهلة تنظر إليه دون أن تستوعب كلماته، ثم سألته بصوت مرتجف:

— يعنى انا هنا بقالى شهر؟!

_طب و ماما ! مين دفنها؟

_ و مين خد العزا ، و عملوا اصلا عزا ولا لا

_ و مين جابني هنا انا مليش حد فالدنيا بعدها لا قرايب ولا صحاب ولا يحزنون

صمت وائل للحظة، ثم قال:

— أنا عايزك متتعبيش دماغك فالتفكير ، عايزك تهدى لان حالتك لسا مش مستقرة،

_ أسئلتك كلها هيجاوبك عليها الشاب ال جابك هنا

رفعت نهلة رأسها بسرعة.

— شاب ؟! شاب مين؟

— هو قالنا إنه خطيبك.

اتسعت عيناها.

— خطيبي؟! خطيبي إيه؟! أنا مش مخطوبة أصلًا!

رفع وائل حاجبيه، ثم هز كتفيه باستسلام.

— والله يا ستي، أنا معرفش. كل اللي أعرفه إنه خطيبك ..

و على هذا الأساس تكفل بجميع مصروفات المستشفى و كل الاحتياجات ال احتاجتيها سواء علاج أو متطلبات أخرى فى الادارة

ثم أكمل

— و عمومًا، أنا خليت الاستقبال يتصل بيه ، عشان يجاوبك على كل أسئلتك بنفسه، و متجهديش نفسك فالتفكير الزائد كل المطلوب منك دلوقتى الهدوء لحد ما يجى و بعدها اتصافوا مع بعض

نهض من مكانه، ثم توقف وكأنه تذكر شيئًا.

— آه، وقبل ما أنسى... هو سابلك معايا الرسالة دى."

ناولها الورقة، ثم غادر الغرفة بهدوء.

***

ظلت نهلة تحدق في الباب المغلق.

*خطيبها؟*

من هذا الشخص الذي يعرفها، ويتكفل بعلاجها، ويزورها كل يوم، بينما هي لا تعرف حتى اسمه؟

لم تكن تملك أصدقاء مقربين، ولم يكن لها إخوة، ولم يبقَ لها من عائلتها سوى أمها التي فقدتها.

فمن يكون هذا الغريب؟

مدت يدها المرتجفة نحو الورقة، وفتحتها ببطء.

كانت الكلمات الأولى مكتوبة بخط أنيق ومنظم:

**«عزيزتي نهلة،**

**تحية طيبة، وبعد...»**

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • لَمْ تُرفع الجلسة بعد   ## ما وراء الرسالة

    من رواية 《 لَم تُرفع الجلسة بعد 》# الفصل الثاني: ما وراء الرسالةبعد أن غادر الطبيب الغرفة، ألقت نهلة نظرة على الرسالة الموضوعة بجوارها، وقد استولى عليها فضول شديد لمعرفة ما تخفيه تلك الورقة.مدّت يدها والتقطتها، بينما راحت مئات الأسئلة تتزاحم في رأسها. من صاحب الرسالة؟ ولماذا تركها لها؟ وكيف يعرفها أصلًا؟فتحت الرسالة وبدأت تقرأ.---**عزيزتي نهلة،**تحية طيبة، وبعد...أنا عارف طبعا انك صاحية حاليا مش فاهمة حاجة من ال بتحصل حواليكِ و اكيد اكيد فى أكتر من ألف سؤال ف دماغك محتاجة ليهم إجابة، بس خلينى فالاول قبل ما ارد على اسألتك و قبل ما أطمنك انا مين و عرفت ال حصل معاكِ ازاى، حابب أعتذرلك بالنيابة عن الدنيا القاسية دي.أنا حقيقي آسف على اللي بتمري بيه دلوقتي، وآسف على كل إحساس وحش حسيتيه في حياتك.عارف إنك هتقولي: «إيه العبيط ده؟ بيعتذر عن إيه؟!»بس هقولك إن الإنسان ساعات بيبقى محتاج يسمع كلمة تهوّن عليه، وتهدي أعصابه، وتحسسه إنه مش لوحده في الدنيا، وخصوصًا لو كان بيمر بموقف صعب

  • لَمْ تُرفع الجلسة بعد   الفصل الثالث :- اعتراف أم حب

    نظر آدم إلى يده، وأدرك أنه تجاوز حدودها دون قصد، فسحبها على الفور وقال معتذرًا:— أنا آسف، والله مخدتش بالي.هزت نهلة رأسها مطمئنة إياه.— حصل خير.ساد الصمت للحظات، قبل أن تستجمع نهلة شجاعتها وتنظر إليه باهتمام.— ممكن أعرف إنت ازاى عرفت ال حصل ؟ و جبتنى هنا ازاى؟ أجابها آدم دون تردد:— أكيد طبعًا، أنا هحكيلك كل...وقبل أن يتم جملته، انفتح باب الغرفة ودخلت الممرضة عائشة، وعلى وجهها ابتسامتها الهادئة المعتادة.— أستاذ آدم، ميعاد الزيارة انتهى.التفت إليها آدم، ثم نظر إلى الساعة وقال متوسلًا:— طب مينفعش تسيبيني معاها خمس دقايق كمان؟ابتسمت عائشة باعتذار.— أنا آسفة والله. أنا لو عليَّا أسيبك معاها اليوم كله، بس دي تعليمات الدكتور. نهلة كانت في غيبوبة بقالها شهر، ولسه صاحية من وقت قريب، فمش عايزين نرهقها بالكلام الكتير أو نخليها تفكر في حاجات كتير مرة واحدة. لازم نديها فرصة تستريح، ف بستأذنك تتفضل و اسفة لو فيها إساءة منى لحضرتك.تنهد آدم باستسلام، ثم نه

  • لَمْ تُرفع الجلسة بعد   ##الفصل الأول:- يوم لم يُشبه غيره

    مع بداية يوم جديد ومشرق، تستيقظ بطلتنا بكل فرحة وحماس... هذا إذا كانت قد نامت من الأساس! تفتح نهلة عينيها، وتقفز من سريرها كأنها على موعد مع معجزة، ثم تنطلق نحو غرفة والدتها، تضرب الباب بقدمها، وكأنها حصان تربّى في إسطبل منذ نعومة أظافره. — ماماااااا! يا ماما، ماماااا! صرخات متتالية، وحماس يكفي لإيقاظ سكان العمارة بأكملها، وكأنها ذاهبة لتستلم جائزة نوبل، لا لحضور حفل تخرجها! أما والدتها المسكينة، فقد انتفضت من نومها مفزوعة. — يا ساتر يا رب! يا ساتر يا رب! هو البيت بيقع ولا ايه يا ولاد؟! أخذت تتحسس طريقها بحثًا عن نظارتها، بينما قلبها يكاد يتوقف من شدة الفزع. وبعد معركة قصيرة مع الوسادة والغطاء، عثرت عليها أخيرًا، ووضعتها على عينيها، ثم راحت تتفحص المكان بحثًا عن مصدر الزلزال. لتُفاجأ بوجه نهلة المشرق أمامها! ضيّقت عينيها، ثم قالت بذهول: — هو إنتِ؟! آه يا بنت الجزمة ، فى حد يصحى حد كدا يابنتى دة انتى قطعتيلى الخلف حرام عليكى _و بعدين تعالى هنا ، هو ال هناك دة مش با

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status