Share

الفصل 4

Author: باوزي يأكل الأرز
انعكس ظلان متداخلان على زجاج نافذة السيارة، التي لم يُترك فيها سوى شق بعرض إصبع.

ثبّت أمجد سلمى على مقعد السائق، ومسّد جبهتها بأطراف أصابعه قائلاً: "هل آلمتك الضربة قبل قليل؟"

رفعت سلمى رأسها لتلامس شفتيه، وعيناها تفيضان بابتسامة متملقة.

"لا تؤلمني. لم يكن يجدر بي المجيء لإزعاجك أنت وزوجتك، أستحق تلك الضربة."

عقد أمجد حاجبيه، وعضّ على وجنتها عضة خفيفة.

"كفاكِ هراءً. أنتِ وهي كلتاكما عزيزتان على قلبي."

قرص خصرها، وقال بنبرة يشوبها بعض المكر: "ما زلتِ قادرة على الثرثرة، يبدو أن الضربة لم تكن كافية."

وقبل أن ينهي كلامه، أمسك خصرها بيد، وقبض على فكها باليد الأخرى، وقبّلها بقوة.

قاومته سلمى قليلاً لتدفعه بعيداً، وقالت بنبرة ملؤها الغيرة: "هذه هي السيارة التي أهديتها لها، لا أريد أن نكون هنا..."

"كما أن أختي بسمة لا تزال تنتظرك في غرفة الاستراحة، لقد قلت إنك ستعود بعد بضع دقائق."

أحكم أمجد قبضته على معصميها بيد واحدة وثبتهما فوق رأسها، بينما انزلقت يده الأخرى على طول خصرها، وقال بصوت أجش وعميق: "هل ما زلتِ تفكرين في شخص آخر الآن؟ للتعامل معكِ، بضع دقائق تكفي."

ولم يمضِ وقت طويل حتى تسارعت أنفاس سلمى المتقطعة، وتشبثت بكتفيه بضعف.

تطايرت تلك الأصوات الحميمية مع الرياح، وتسمرت بسمة في مكانها وكأنها مُسّمرت في الأرض، وتجمد الدم في عروقها. خارت قواها وكادت أن تجثو على ركبتيها، وشعرت وكأن أحدهم قد حفر فجوة في صدرها بقسوة، مما جعل الرؤية تسودّ في عينيها من شدة الألم.

تذكرت فجأة يوم تأسيس النادي، حين كان أمجد ينتظر مديحها كطفل يطلب الحلوى، لكنها من شدة تأثرها اكتفت بذرف الدموع وعجزت عن الكلام.

حينها حملها ببساطة إلى المقعد الخلفي لسيارة السباق، وأنفاسه اللاهثة تلفحها بينما كان يشد ملابسها، ورغم أنها كانت تشعر بإثارة بالغة، إلا أنها عضت على شفتيها ودفعته بعيداً.

"أمجد، سباق السيارات هو حلمي الأسمى، وأريد أن يبقى نقياً دائماً."

في تلك اللحظة تجمد أمجد، وظنت أنه سيغضب، لكنه فجأة رتب ملابسهما، واعتدل في جلسته رافعاً ثلاثة أصابع، وعيناه تلمعان بشكل مذهل.

"أقسم، أن هذا سيكون حلمي أيضاً من الآن فصاعداً. سأظل أكنّ الاحترام لسباق السيارات طوال حياتي، ولن أفعل ذلك أبداً داخل السيارة..."

أما كلمة الفعل، فقد همس بها في أذنها بصوت خافت، مما جعل وجهها يحترق خجلاً.

وبناءً على هذا الوعد وحده، أيقنت أنه هو شريك حياتها إلى الأبد.

لكنه الآن، يتواجد مع امرأة أخرى داخل سيارة السباق الخاصة بها، ويدوس على أغلى ما تملك.

لم تستطع بسمة الوقوف من شدة الألم، وسقطت مفاتيح السيارة من يدها على الأرض محدثة رنيناً. استعادت وعيها فجأة، وأرادت الاستدارة والهرب، لكنها أدركت أن من في السيارة لم يلاحظوا الحركة في الخارج على الإطلاق.

رسمت ابتسامة كانت أقبح من البكاء، وعضت على مفاصل أصابعها بقوة، لتكتم نحيبها في حلقها.

في تلك اللحظة بدأ المطر يهطل، وأُغلق ذلك الشق في نافذة السيارة بصوت "نقرة".

ألقت بسمة نظرة أخيرة على هيكل السيارة الذي كان لا يزال يهتز بخفة، ثم انحنت لالتقاط المفاتيح، واستدارت لترميها في مصرف المياه المجاور.

في تلك الأثناء، رفعت سلمى عينيها من المقعد الخلفي، ورأت ظهرها وهي تبتعد عبر مرآة الرؤية الخلفية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة انتصار متباهية.

جاءت الزخة المطرية سريعة وانقضت بسرعة أيضاً.

عندما دفع أمجد باب غرفة الاستراحة، كانت بسمة لا تزال جالسة بنفس وضعيتها السابقة.

تنفس الصعداء، وعدّل ياقة قميصه ثم جثا أمامها قائلاً: "بوبو، هيا بنا، لنعد إلى المنزل."

عندما خفضت بسمة رأسها، وقعت عيناها تماماً على تلك العلامة الحمراء الحديثة على جانب عنقه.

الغريب في الأمر، أن قلبها لم يتحرك له ساكن.

لم تدعه يحملها على ظهره، بل استندت إلى الجدار وسارت بخطوات عرجاء نحو السيارة، وعندما فتحت باب مقعد الراكب، رأت سلمى تجلس في مقعد السائق.

أسرع أمجد باللحاق بها ليوضح الأمر: "لقد سجلت سوسو في سباق صغير، دعيها تتدرب على هذه المسافة من الطريق، وساعديها بتوجيهاتك، هل توافقين يا بوبو؟"

ذُهلت بسمة للحظة، ثم أومأت برأسها موافقة.

مهما بلغ كرهها لسلمى، إلا أنها تحترم كل شخص يحب سباق السيارات بصدق.

لكن لو كانت تعلم مسبقاً أن سلمى لا تمتلك حتى رخصة قيادة من الدرجة E الأساسية، لما فتحت باب هذه السيارة مهما حدث.

عندما انطلقت السيارة فجأة بشكل متعرج، قفز قلب بسمة إلى حنجرتها في لحظة. مدت يدها لتمسك بعجلة القيادة، لكن سلمى دفعتها بقوة.

حذرتها بسمة وعيناها محمرتان: "أفلتي يدكِ إن كنتِ لا تريدين الموت!"

لكن سلمى لم تفلت يدها على الإطلاق، بل وضغطت بقدمها على دواسة الوقود حتى النهاية.

دوى صوت اصطدام هائل وتزامن معه صراخ أمجد:

"بوبو!"‬

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما عاد للّيل في قلبي مكان   الفصل 26

    لم تتوقع ليلى أنه سيقف حقًا في الثلج طوال الليل.في النصف الثاني من الليل، تساقطت الثلوج بكثافة أكبر، وكانت ليلى تنظر من النافذة مرارًا وتكرارًا، وألقت بسمة نظرة أيضًا.وعندما رأى ذلك الوجه المألوف يطل من النافذة، ورغم أن شفتيه كانتا جافتين ومتشققتين من البرد، إلا أن أمجد أجبر نفسه على الابتسام."كابتن بسمة، ألن يؤدي هذا إلى موته؟"سحبت بسمة الغطاء وأغمضت عينيها غير مبالية، وقالت ببساطة: "لا، وحتى لو حدث ذلك فلا شأن لنا به، هيا نامي."أُعجبت ليلى بثبات بسمة، ولكن بمجرد أن تذكرت الأذى الذي تعرضت له بسمة، سحبت الستائر بقوة في الثانية التالية وكأنها تنفّس عن غضبها.في تلك الليلة وسط الثلوج، لم يتوقف أمجد عن استرجاع ذكريات ماضيهما في ذهنه.لقد مروا بأوقات جميلة جدًا معًا، حيث قاما بتجهيز المنزل سويًا، وتخيلا المستقبل معًا.لكن كل هذا دُمر بسبب سلمى.وعندما تذكر سلمى، اشتعل الغضب في جسده.ومع استمراره في الوقوف، بدأ يشعر بالحرارة الشديدة، وكأنه يقف تحت شمس حارقة.كان يعلم أن البرد أصابه بالهلوسة، وكان يخبر نفسه مرارًا وتكرارًا أن يصمد، فإذا صمد ستتراجع بسمة عن قرارها.لكن صوتًا آخر في قلبه

  • ما عاد للّيل في قلبي مكان   الفصل 25

    نظر أمجد إلى مصدر الصوت، وفتح فمه بصدمة:"مروان، ماذا تفعل هنا؟"لف مروان ذراعه حول كتف بسمة، وفي اللحظة التي شعر فيها أنها لم تقاوم، أحكم قبضته قليلاً."أنا خطيبها، فلماذا لا يمكنني أن أكون هنا؟"بمجرد أن قال ذلك، بدا أمجد وكأنه صُعق ببرق، ودوى انفجار في رأسه، ولم يعد يسمع أي صوت: "خطيبك؟ كيف يعقل ذلك؟ بوبو... كيف يمكن أن يكون خطيبك؟"احمرت عيناه، وكانت شفتاه ترتجفان.أنزلت بسمة يد مروان، وشبكت أصابعها بأصابعه ورفعتها أمام أمجد."ولماذا لا يعقل ذلك؟ أنا غير متزوجة وليس لدي أطفال، هل من الصعب تقبل أن يكون لدي خطيب؟"تمتمت شفتا أمجد، وكانت عيناه مليئتين بعدم التصديق.كانت كلمات بسمة كسكين غير حاد يُغرس في قلبه، يقطعه طعنة تلو الأخرى مسبباً له ألماً شديداً.تحركت تفاحة آدم في حلقه: "لا يمكن، لن أسمح بذلك، أنا أحبك، ولا يمكنك أن تكوني لأحد غيري!"لم تستطع بسمة منع نفسها من الابتسام بسخرية، ولم تعد ترغب في التظاهر بعدم معرفته."الحب؟ هل تقصد بالحب الخيانة الزوجية وإنجاب طفل والأذى الذي لا ينتهي؟ إذا كان هذا هو حبك، فأرجوك اذهب وأطعمه للكلاب!"كانت نظرة بسمة الباردة كجليد يخترق العظام، فشعر

  • ما عاد للّيل في قلبي مكان   الفصل 24

    مهما صرخ أمجد من الخلف، لم تتوقف تلك السيارة ولو قليلاً، بل زادت سرعتها أكثر فأكثر، وسرعان ما أصبحت نقطة سوداء في الأفق البعيد.بعد أن اختفى طيف الشخص تمامًا من مرآة الرؤية الخلفية، بدأ مروان في تخفيف سرعة السيارة ببطء.رمقته بسمة بنظرة مليئة بالشك وقالت: "لماذا تقود بهذه السرعة اليوم؟ هل أنت في عجلة من أمرك لتلقى حتفك؟"لم يرد مروان على تعليقها، بل سأل فجأة: "إذا جاء أمجد للبحث عنكِ، وبكى نادمًا طالبًا العودة إليكِ، فهل ستوافقين؟"عقدت بسمة حاجبيها بشدة، وكأنها سمعت شيئًا مقززًا، لكنها أجابت بجدية: "لا، لن أفعل ذلك حتى لو مت."بمجرد أن تتذكر ما فعله أمجد بها في الماضي، يقشعر جسدها بالكامل، وغالبًا ما تستيقظ مذعورة في الليل، متمنية لو أنها ماتت حقًا في ذلك الحريق، بدلاً من أن تتعرض للتعذيب المستمر الآن بسبب الذكريات.التقط مروان نظرة الحسم في عينيها، وارتسمت على زوايا شفتيه ابتسامة خفيفة دون قصد.لكن بسمة لاحظت هذا التعبير الدقيق على الفور: "لماذا تسأل عن هذا؟ هل حلمت به؟""لا شيء، مجرد حديث عابر." تجاوز الأمر ببساطة، لكنه اتخذ قرارًا حازمًا في قلبه - هذه المرة، مهما حدث، لن يسمح بأن ت

  • ما عاد للّيل في قلبي مكان   الفصل 23

    لم يكن أمجد يعلم أنه أصبح محور حديث الجميع حتى قبل أن يصل إلى مكان التدريب.كانت هناك فكرة واحدة فقط تسيطر على عقله.أن يكمل مسيرة بسمة، ويتسابق نيابة عنها في كل المضامير، ويحصد جميع البطولات.هكذا، عندما يموت ويلتقي بها، ربما يقل شعوره بالذنب قليلاً.قبل مجيئه، سمع أنه في العامين الماضيين ظهرت مدربة أسطورية في الخارج، حصدت المتسابقات اللواتي دربتهن جميع أعمق بطولات سباقات السيارات.على الرغم من أن هذه المدربة لا تقبل سوى المتدربات، إلا أنه كان لا يزال يرغب في المحاولة.بمجرد دخوله إلى غرفة استراحة التدريب، أوقف أحد الموظفين وسأله: "مرحبًا، أين مدربة فريق زيرو من فضلك؟""هل تقصد كابتن توداي؟" أشار الموظف إلى مكان غير بعيد، "كانت تجلس هناك قبل قليل، ولا تزال عضوة فريقها هناك، اذهب واسألها."شكر أمجد الموظف، وسار بخطوات سريعة نحو ليلى: "مرحبًا، أين ذهبت مدربتكم من فضلك؟ لدي أمر عاجل معها."تأملته ليلى من رأسه إلى أخمص قدميه، وقالت بعفوية: "أنت تسأل عن بسمة؟ لقد غادرت للتو، وأعتقد أنها نزلت من الجبل الآن."وقع اسم "بسمة" كالصاعقة في رأس أمجد، وتجمد في مكانه في لحظة.وبعد ثوانٍ قليلة هز رأ

  • ما عاد للّيل في قلبي مكان   الفصل 22

    كان مروان يشعر دائمًا أن بسمة تعامله بشكل مختلف على الأقل.كانت دائمًا رئيسة الفصل الهادئة والمسيطرة على نفسها أمام الآخرين، ولكن أمامه فقط كانت تفقد أعصابها وتحمر خجلاً.كان يظن أن هذا المظهر المليء بالحيوية هو دليل على إعجابها به.لذلك في يوم انتهاء امتحان القبول بالجامعة، استجمع شجاعته واعترف لها بحبه.لكن بسمة نظرت إليه، ولم يكن في عينيها سوى الحيرة."لماذا؟ ألا تحبينني؟" سأل بلهفة، وصوته يرتجف.عقدت بسمة ذات ال17 عامًا حاجبيها، وكأنها تنظر إلى كائن غريب وقالت: "لا أحبك. أنت، وهذه الزهور، بما في ذلك أصدقاؤك الذين يثيرون المتاعب دائمًا، لا أحبكم جميعًا."فشل مروان في اعترافه الأول بالحب، لكنه لم يتقبل الأمر بسهولة: "ما الذي لا يعجبك فيّ؟ هل لأنني سلمت مجسمك؟ أم لأنك ترينني قبيحًا؟"استدارت بسمة لتغادر، لكنها توقفت عندما لمحت بريق الدموع في عينيه.حدقت في عينيه، وقالت بجدية كلمة بكلمة: "ليس أيًا من ذلك. أنا أحب الأشخاص اللطفاء، لكنك دائمًا تتصرف بتعالٍ، وكأن لا أحد يملأ عينيك.""ولا تحزن بسبب هذا، نحن ما زلنا صغارًا جدًا، وعندما نكبر سنعرف أن هذا لا يعني شيئًا على الإطلاق."ظنت أنها

  • ما عاد للّيل في قلبي مكان   الفصل 21

    بعد ثلاث سنوات، في دولة الشمس.في منطقة الاستراحة خارج قاعدة التدريب لسباق الرالي، كان بعض السائقين ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء يتبادلون أطراف الحديث وهم ينظرون باتجاه مضمار السباق."هل سمعتم؟ هذه المرة جاء الحصان الأسود من دولة القمر، لم يتعلم سباق السيارات إلا منذ ثلاث سنوات، لكنه حصد جميع البطولات المحلية. هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها في سباق خارج البلاد، والكثيرون يراهنون على فوزه، لكنني أرى أنه ليس بهذا التميز.""متسابق من دولة القمر؟ إذن لا يمكننا الاستهانة به."مصمص سائق آخر طويل القامة شفتيه وقال: "هل نسيتم تلك المدربة من دولة القمر؟ في غضون ثلاث سنوات فقط، دربت خمس بطلات في الفورمولا 1، وفي هذه السنوات القليلة كادت أن تصفعنا نحن السائقين الذكور على وجوهنا."استمعت ليلى إلى بعض كلماتهم وهي تقف بجانبهم، فهزت رأسها مبتسمة، واستدارت عائدة إلى منطقة الاستراحة الخاصة بفريقها.ألصقت زجاجة المياه المعدنية التي أخرجتها للتو من الثلاجة ب"صفعة" خفيفة على وجه المدربة التي كانت تغمض عينيها لترتاح."كابتن بسمة، لقد سمعت تلك المجموعة من المهزومين يتحدثون عنكِ مرة أخرى، في نظرهم،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status