ANMELDENنظر كل منهما إلى الآخر للحظات، ولم يكن الصمت بينهما صمتًا مريحًا، بل كان مليئًا بأسئلة لم يجرؤ أي منهما على طرحها، حتى قطعهما وصول مالك من بعيد، وقد بدا عليه الإرهاق بعد الركض، لكنه ما إن لمح وقوفهما بهذه المسافة القريبة حتى توقفت خطواته للحظة، ثم رسم ابتسامته المعتادة وكأن شيئًا لم يحدث.
قال وهو يحاول كسر التوتر:
"واضح إني جيت في وقت غلط."
ابتعدت نور خطوة إلى الخلف سريعًا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
أما كاسر فنظر إلى شقيقه نظرة طويلة لم يستطع مالك تفسيرها.
قال كاسر بهدوء:
"كنت فين؟"
أجاب مالك دون تردد:
"لفيت حوالين الحدود الغربية، بلغوني إنهم سمعوا صوت اشتباك."
راقبه كاسر بصمت.
ثم قال:
"ولقيت حاجة؟"
ابتسم مالك ابتسامة باهتة.
"آثار قتال... لكن اللي عملها اختفى."
كانت نور تستمع إلى الحوار دون أن تنطق، بينما يدها داخل جيب معطفها تقبض على الرسالة التي تحمل اسم مالك، وكل كلمة يقولها الآن تجعل الصراع داخلها يزداد؛ فهي لا ترى أمامها تصرفات خائن، لكنها أيضًا لا تستطيع تجاهل ما سمعته بنفسها.
قطع كاسر الصمت قائلًا:
"بكرة الصبح فيه اجتماع."
أومأ مالك.
"تمام."
ثم التفت إلى نور مبتسمًا:
"إنتِ كويسة؟"
نظرت إليه لثوانٍ قبل أن تجيب:
"أيوة."
كانت كلمة قصيرة، لكنها خالية تمامًا من دفئها المعتاد معه.
لاحظ مالك ذلك، واختفت ابتسامته قليلًا، إلا أنه لم يعلّق.
---
في صباح اليوم التالي، اجتمع قادة القطيع في القاعة الكبرى، وكانت خرائط الحدود مفروشة فوق الطاولة المستديرة، بينما وقف كاسر يراجع أماكن الهجمات الأخيرة، ثم قال بصوت هادئ:
"العدو مش بيهاجم بعشوائية."
سأل أحد القادة:
"تقصد إيه؟"
أشار إلى الخريطة.
"كل مرة بيختار نقطة مختلفة... لكن في النهاية بيرجع لنفس الاتجاه."
اقترب والد كاسر من الطاولة.
"الغابة الشمالية."
أومأ كاسر.
"بالضبط."
تدخل مالك قائلًا:
"يعني عندهم مخبأ هناك."
رد كاسر:
"أو حد بيوجههم منها."
شعرت نور بأن قلبها انقبض عندما قال تلك الجملة، وعادت إليها كلمات الرجل الملثم: "إمتى هتسلمه كاسر؟"
خفضت بصرها حتى لا يلاحظ أحد اضطرابها.
لكن كاسر لاحظ.
منذ بداية الاجتماع وهي شاردة.
تراقب مالك أكثر مما تنظر إلى الخرائط.
---
بعد انتهاء الاجتماع، خرج الجميع، ولم يبق في القاعة سوى كاسر ونور.
أغلق الباب خلف آخر قائد، ثم استدار إليها.
"نور."
رفعت رأسها.
"همم؟"
"إيه اللي شاغل بالك؟"
ابتسمت ابتسامة مصطنعة.
"ولا حاجة."
اقترب منها وهو يضع يديه خلف ظهره.
"دي تالت مرة تقولي الجملة دي."
ضحكت بخفة محاولة تغيير الموضوع.
"واضح إنك بتحسب."
"بحسب كل حاجة."
ثم نظر مباشرة إلى عينيها.
"خصوصًا لما تكون متعلقة بيكي."
ارتبكت للحظة، لكنها أخفت ذلك سريعًا.
وقالت وهي تتجه نحو الباب:
"أنا طالعة."
لكن قبل أن تفتح الباب، أمسك كاسر بمقبضه من الجهة الأخرى، فأصبح محاصرًا بينها وبين الباب، دون أن يقصد إحراجها.
قال بهدوء:
"إنتِ مش كويسة."
رفعت رأسها، لتجد وجهه أقرب مما توقعت.
كانت تسمع أنفاسه بوضوح.
وقالت بصوت منخفض:
"قلتلك أنا بخير."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"لأ."
"ليه؟"
"لأن لما تكوني بخير... بتزعقي أكتر."
رغم توترها، خرجت منها ضحكة صغيرة.
هز رأسه راضيًا.
"أهو... دي نور اللي أعرفها."
شعرت بحرارة في وجنتيها، فابتعدت بسرعة وهي تتمتم:
"إنت مستفز."
رد وهو يفتح لها الباب:
"لكن نجحت أخليك تضحكي."
لم تستطع الرد، وغادرت القاعة وهي تشعر أن قلبها صار يفضحها أكثر مما ينبغي.
---
في الخارج، كانت إحدى بنات النبلاء تراقب المشهد من آخر الممر، ورأت ابتسامة كاسر وهو ينظر إلى نور.
عضّت شفتها بضيق.
ثم استدارت وغادرت مسرعة.
---
بعد ساعات، كانت نور تتدرب وحدها في الساحة الخلفية، تحاول تفريغ التوتر الذي يملأها، وكانت ضرباتها أقوى من المعتاد حتى انكسرت إحدى الدمى الخشبية.
صفق أحدهم من الخلف.
"واضح إن اللي مزعلك مسكين."
استدارت.
لتجد كاسر.
قالت وهي تلهث:
"بتتبعني؟"
"لا."
"أمال كل شوية تظهرلي؟"
رفع كتفيه بهدوء.
"صدفة."
ضحكت بسخرية.
"صدفة كل مرة؟"
أجابها بالنبرة نفسها:
"يمكن."
وقبل أن تكمل، رمى إليها سيفًا خشبيًا.
التقطته غريزيًا.
قال:
"نتدرب؟"
ابتسمت بثقة.
"وهتستحمل الخسارة؟"
رفع حاجبه.
"جربي."
بدأ النزال، وكانت الضربات سريعة ومتلاحقة، وكلما هاجم أحدهما صد الآخر بسهولة، حتى بدا للحراس وكأنهما يرقصان أكثر مما يتقاتلان.
وبينما اندفعت نور للأمام محاولة إصابة كتفه، تعثر قدمها بسبب الرمال، فاختل توازنها.
وفي اللحظة نفسها، ترك كاسر سيفه تمامًا.
وأمسكها قبل أن تسقط.
توقفت الحركة.
وبقيت يدها على صدره.
ويده تحيط بخصرها.
كانت المسافة بين وجهيهما لا تتجاوز بضع سنتيمترات.
لم يتكلم أحد.
حتى الحراس ابتعدوا بهدوء وكأنهم لا يريدون إفساد اللحظة.
همست نور وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
"ممكن... تسيبني؟"
ابتسم بخفة.
"كنت مستني تقولي شكرًا الأول."
نظرت إليه باستنكار.
"وقعتني."
"إنتِ اللي اتعثرِتي."
"تفاصيل."
ضحك للمرة الأولى بصوت واضح.
ثم ساعدها على الوقوف.
لكن ما لم يره أي منهما...
أن شخصًا كان يراقبهما من أعلى البرج الشرقي.
رجل يرتدي عباءة سوداء، يحمل منظارًا صغيرًا، وقد ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يطوي رسالة بين يديه.
ثم همس:
"واضح إن نقطة ضعف ألفا بقت معروفة."
وأخرج حمامة سوداء من قفص صغير، وربط الرسالة في قدمها، وأطلقها نحو الشمال.
وقبل أن تختفي الحمامة بين الغيوم، ظهر على وجه الرجل ابتسامته الباردة وهو يقول:
"بلغوا القائد... المرحلة التالية تبدأ بخطف نور."
يتبع...
"وجدتك أخيرًا... يا زاروك."تجمد كاسر في مكانه، بينما اتسعت عينا نور وهي تستدير بسرعة نحو الفتاة الغريبة التي وقفت وسط الدخان المتصاعد من جهة البوابة، وكأن الانفجار الذي هز القصر قبل لحظات لم يكن يعنيها على الإطلاق، وكانت نظراتها ثابتة على كاسر وحده، لا ترى سواه.أما الحراس فقد أحاطوا بها في لحظات.ارتفعت السيوف.وتقدم قائد الحرس صارخًا:"ارفعي إيدك!"لكنها لم تتحرك.ظلت تنظر إلى كاسر فقط.قالت بهدوء:"واضح إن السيطرة لسه معاه."في اللحظة نفسها...تردد صوت زاروك داخل عقل كاسر."إبعدها..."عقد كاسر حاجبيه."إنت تعرفها؟"ساد صمت قصير.ثم جاء الرد لأول مرة يحمل شيئًا يشبه التوتر."أيوة."شعر كاسر بانقباض صدره."مين هي؟"لكن زاروك لم يجب.وفي الخارج، دوى صوت اصطدام عنيف عند الأسوار، فعادت الفتاة بنظرها للحراس وقالت:"لو فضلتوا واقفين قدامي... هيموت ناس كتير."صرخ قائد الحرس:"امسكوها!"اندفع أربعة رجال دفعة واحدة.لكن الفتاة تحركت بسرعة خاطفة، فتهربت من أول ضربة، ثم استدارت خلف أحدهم وأسقطته أرضًا دون أن تقتله، وضربت الثاني بمقبض سيفه فسقط فاقدًا للوعي، بينما اكتفت بإبعاد الآخرين بحركات د
"خطف نور؟"ارتفع صوت الرجل الملثم بصدمة وهو ينظر إلى الرسالة التي وصلت للتو، بينما كان القائد الجالس في صدر الخيمة يطرق بأصابعه فوق الطاولة الخشبية في هدوء أثار قلق جميع الموجودين.رفع رأسه ببطء.وقال:"مش دلوقتي."ساد الصمت.ثم أكمل بنبرة باردة:"هنخليهم هما اللي يخرجوها من القصر."اقترب أحد الرجال وسأل باستغراب:"إزاي؟"ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي القائد."لما يشكوا في بعض... محدش هيلاحظ العدو الحقيقي."---في الوقت نفسه...داخل قصر القمر الأسود...كانت نور تقف أمام نافذة غرفتها، وعقلها ما زال عالقًا بين نظرة مالك المصدومة عندما اكتشف وجودها في الغابة، وبين كلماته وهو يمنع الرجل الملثم من مهاجمتها.لو كان خائنًا...فلماذا أنقذها؟ولو لم يكن خائنًا...فما معنى ذلك اللقاء؟أخرجت الرسالة مجددًا من درجها.حدقت في اسم مالك طويلًا.ثم همست:"الحقيقة فين؟"لكنها لم تنتبه إلى الباب الذي انفتح بهدوء خلفها."وأنا بقالي عشر دقايق بخبط."انتفضت وهي تستدير.لتجد كاسر يقف عند الباب وقد عقد ذراعيه أمام صدره.نظر إلى الورقة التي أخفتها بسرعة.ثم عاد بعينيه إليها."واضح إني جيت في وقت مش مناسب."أ
نظر كل منهما إلى الآخر للحظات، ولم يكن الصمت بينهما صمتًا مريحًا، بل كان مليئًا بأسئلة لم يجرؤ أي منهما على طرحها، حتى قطعهما وصول مالك من بعيد، وقد بدا عليه الإرهاق بعد الركض، لكنه ما إن لمح وقوفهما بهذه المسافة القريبة حتى توقفت خطواته للحظة، ثم رسم ابتسامته المعتادة وكأن شيئًا لم يحدث.قال وهو يحاول كسر التوتر:"واضح إني جيت في وقت غلط."ابتعدت نور خطوة إلى الخلف سريعًا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.أما كاسر فنظر إلى شقيقه نظرة طويلة لم يستطع مالك تفسيرها.قال كاسر بهدوء:"كنت فين؟"أجاب مالك دون تردد:"لفيت حوالين الحدود الغربية، بلغوني إنهم سمعوا صوت اشتباك."راقبه كاسر بصمت.ثم قال:"ولقيت حاجة؟"ابتسم مالك ابتسامة باهتة."آثار قتال... لكن اللي عملها اختفى."كانت نور تستمع إلى الحوار دون أن تنطق، بينما يدها داخل جيب معطفها تقبض على الرسالة التي تحمل اسم مالك، وكل كلمة يقولها الآن تجعل الصراع داخلها يزداد؛ فهي لا ترى أمامها تصرفات خائن، لكنها أيضًا لا تستطيع تجاهل ما سمعته بنفسها.قطع كاسر الصمت قائلًا:"بكرة الصبح فيه اجتماع."أومأ مالك."تمام."ثم التفت إلى نور مبتسمًا:"إنتِ كو
"نور؟!"خرج اسمها من فم مالك ممزوجًا بالصدمة، وفي اللحظة نفسها استدار الرجل الملثم نحو مكان اختبائها، ولم يمنحها فرصة للتفكير، إذ سحب خنجرًا قصيرًا من حزامه وانطلق نحوها بسرعة خاطفة، لكن نور كانت قد توقعت أن تُكتشف منذ اللحظة التي انكسر فيها الغصن تحت قدمها، فقفزت إلى الخلف قبل أن يصل إليها الخنجر، ثم سحبت سيفها القصير من غمده وهي تنظر إلى الاثنين بعينين حادتين.قالت ببرود وهي لا ترفع نظرها عن الملثم:"واضح إنكم مش بتحبوا الضيوف."هتف مالك بسرعة:"استني... اسمعيني الأول."رمقته بنظرة غاضبة وقالت:"بعد اللي سمعته؟"وقبل أن يكمل كلمة، هجم الرجل الملثم عليها مجددًا وهو يصرخ:"خلص عليها!"ارتطم السيفان بقوة، وتناثرت الشرارات بينهما، بينما كانت نور تتراجع بخطوات محسوبة، لا خوفًا منه، بل لأنها كانت تحاول أن تراقب مالك في الوقت نفسه، تريد أن تعرف... هل سيتدخل ضدها أم معها؟لكن ما حدث في الثانية التالية كان كافيًا ليزيد حيرتها.قفز مالك فجأة بينهما، وأوقف ضربة الرجل الملثم بسيفه وهو يهدر بغضب:"قلتلك متلمسهاش!"اتسعت عينا نور.أما الملثم فصرخ بعصبية:"إيه اللي بتعمله؟"رد مالك ببرود:"دي مش ض
"مالك."خرج الاسم من بين شفتي نور كهمسة مصدومة بينما كانت تحدق في الورقة بين يديها وكأنها تتوقع أن تتغير الكلمات إذا أعادت قراءتها مرة أخرى، لكن الاسم ظل كما هو، واضحًا، صريحًا، ومستحيل التصديق.مالك.أقرب شخص إلى كاسر.شقيقه.وصديقه الوحيد تقريبًا.الشخص الذي وقف معها أكثر من مرة.الشخص الذي كان يضحك ويمزح طوال الوقت.الشخص الذي خاطر بحياته خلال الهجوم الأخير.هزت رأسها بعنف.لا.هناك شيء خاطئ.لابد أن هناك شيء خاطئ.لكن السؤال الحقيقي لم يكن لماذا كُتب اسم مالك.بل لماذا أرسل والدها الرسالة إليها هي تحديدًا؟ولماذا الآن؟وفي اللحظة نفسها سمعت طرقًا على الباب.فانتفضت.وأخفت الورقة بسرعة.ثم قالت:"ادخل."فُتح الباب.ودخل مالك.تجمدت في مكانها.أما هو فابتسم كعادته."إيه؟ وشك عامل كده ليه؟"راقبته بصمت.فقط راقبته.حاولت أن تجد أي علامة.أي شيء مختلف.أي دليل.لكنها لم تجد.بدا طبيعيًا تمامًا.قال مبتسمًا:"متبصليش كأني قاتل مأجور."شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.لو كان يعلم ما يدور داخل رأسها الآن لما قال تلك الجملة أبدًا.اقترب أكثر."في حاجة حصلت؟"ترددت.ثم قالت:"لا."نظر إليها طو
"ألفاااااا!"مزق صراخ الحارس سكون الليل في اللحظة نفسها التي انطلق فيها السهم الفضي من قلب الظلام، لكن التحذير جاء متأخرًا، متأخرًا بجزء من الثانية فقط، ذلك الجزء الصغير الذي يفصل بين الحياة والموت.استدار ألفا القمر الأسود غريزيًا.لكن السهم كان أسرع.وأقرب.وأخطر.إلا أن جسدًا آخر اندفع فجأة من الجانب.اصطدام عنيف.سقوط.وتدحرج شخصين فوق أرض الشرفة الحجرية.وصل كاسر في اللحظة التالية.وخلفه نور وعدد من الحراس.اتسعت عينا نور بصدمة.أحد الحراس الشباب كان ملقى فوق الأرض والدماء تغطي صدره.أما ألفا القمر الأسود فكان حيًا.السهم الذي كان يفترض أن يخترق قلبه استقر داخل جسد الحارس بدلًا منه.ركع الألفا بجوار الشاب بسرعة."يونس!"سعل الشاب دمًا.وحاول الابتسام."لحقتك... يا ألفا."قبض الرجل على يده بقوة."متتكلمش."لكن الجميع أدرك الحقيقة.الإصابة قاتلة.ولا أمل منها.نظر الشاب نحو كاسر.ثم قال بصوت متقطع:"خد... بالك..."وتوقفت كلماته للأبد.ساد الصمت.صمت ثقيل.بينما أغمض ألفا القمر الأسود عيني الحارس بنفسه.أما كاسر فرفع رأسه ببطء نحو الغابة.وكان الغضب يتصاعد داخله بصورة مرعبة.قال أحد







