LOGINخلعت سماعاتها ببطء شديد وبأصابع ترتجف بشكل ملحوظ، وتراجعت بجسدها إلى الخلف مستندة إلى مقعدها، وهي تهمس بصوت واهن، متقطع، خارج من بئر سحيق من الصدمة:
— "مش ممكن... أحمد؟! أنت أحمد صح؟ مش معقول اللي بيحصل ده!" نظرتُ إلى ملامحها بعمق، أحفر تفاصيلها الجديدة فوق تفاصيلها القديمة المخزنة في عقلي؛ نعم، غيرت السنين بعض ملامح وجهها الصغير، أصبحت امرأة ناضجة، وارتسمت مسحة من الحزن والوقار على عينيها الساحرتين اللتين حفظت بريقهما، لكن النظرة... النظرة هي ذاتها النظرة القديمة التي كانت تفك شفرات قلبي وتفضح مشاعري في ثوانٍ معدودة على رصيف المدرسة. ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وحاولت الاستناد على مسند المقعد لأثبت يدي التي بدأت ترتعش هي الأخرى..... خمسة عشر عاما من الغياب تلاشت ضوضاء المحركات تماماً من حولي، واختفى ركاب الطائرة من مخيلتي، وصوت المضيفة الداخلي تحول إلى وشوشة مبهمة لا معنى لها. أصبحنا فجأة، وعلى ارتفاع آلاف الأقدام بين الغيوم، معلقين في الفراغ بين ماضٍ عشناه معاً بكل جوارحنا وتفاصيله الصغيرة، وحاضر يجمعنا كغرباء يلتقون فجأة ليحملوا في أعماق صدورهم ذات النبض القديم المشترك. . انفصلنا، كبرنا، تغيرت مصائرنا، وظننا أننا تخلصنا من حكايتنا وأغلقنا كتابها القديم، لكن في تلك اللحظة العاصفة وسط الغيوم، تأكدتُ تماماً أن خمس عشرة سنة من الفراق والبعد لم تكن سوى كذبة كبيرة اختلقناها لنقنع أنفسنا بأننا على قيد الحياة، وأن هذا الحب ما زال حياً، ينبض بقوة وثوران داخل صدورنا، ينتظر هذه المصادفة المستحيلة ليثبت لنا، وللعالم كله، أننا رغم كل ما حدث، ورغم كل السنين والمسافات... مازلنا نحب بعضنا. . بينما كانت الطائرة تقطع السحب الكثيفة متجهة نحو السماء الصافية، شعرتُ بروح أحمد البالغ من العمر ثلاثين عاماً تتهاوى تحت ثقل تلك النظرة في عيني مريم. كنتُ أنظر إليها، إلى نفس العيون التي غادرتُها وأنا في السادسة عشرة من عمري، فوجدتُ نفسي أتحلل من الحاضر تماماً، وأهبط رغماً عني إلى سراديب الماضي البعيد. لم تكن مجرد ذكريات عابرة، بل كانت تفاصيل حية تنبض أمام عيني، تفاصيل صيف كامل عشته معها خطوة بخطوة، ونحن نكبر سوياً يوماً بعد يوم، ونراقب علامات النضج وهي ترتسم على ملامحنا بحذر ودهشة صبيانية. أمام عينيها اللتين لم تفقدَا بريقهما القديم، تجسدت أمامي حديقة "الشلالات" القريبة من حيّنا القديم في الإسكندرية. تذكرتُ كيف كنا نلوذ بظلال أشجارها العتيقة هرباً من لاهب يوليو، ومن عيون الجيران الفضولية التي كانت تلاحقنا بشبهات الحب البريء. كنا في تلك المرحلة نمر بتغيرات سريعة، نرى بعضنا ونحن نكبر يوماً بعد يوم؛ أنا أراقب طولها الذي بدأ يقترب من كتفي، وشعرها الذي أصبح أكثر كَثافة ونعومة، وهي تبتسم بخجل ودلال كلما لاحظت بحة صوتي الجديدة التي بدأت تظهر، أو ملامح وجهي الصبياني التي بدأت تفقد استدارتها الطفولية لتأخذ شكلاً أكثر حدة ورجولة. كنا نكتشف العالم والجسد والمشاعر معاً، وفي كل يوم يمر، كان الرابط بيننا يزداد وثوقاً، كأننا شجرتان نمت جذورهما تحت الأرض وتشابكت حتى استحال الفصل بينهما. أتذكر ذلك اليوم تحديداً، حين جمعتُ ما تبقى في جيبي من مصروف الأسبوع كله، وتحايلتُ على والدي لأحصل على بضعة قروش إضافية، فقط لأشتري لنا قمعين من المثلجات بنكهة الفراولة والليمون من تلك العربة الخشبية الملونة التي كانت تقف عند بوابة الحديقة. جلستْ مريم وقتها على المقعد الخشبي المتهالك الذي قشرت الرطوبة طلاءه الأخضر، وبدأت تأكل بنهم طفولي وهي تضحك بصوتها العذب لأن المثلجات بدأت تذوب بسرعة تحت الشمس الحارقة وتسيل على أصابعها الصغيرة الناعمة. التفتُّ إليها في تلك اللحظة، وشعرتُ برغبة عارمة في حمايتها من كل شيء، حتى من قطرات المثلجات الذائبة. سحبتُ من جيب بنطالي منديلاً ورقياً مجعداً، وقلتُ لها بالعامية، وصوتي يرتجف قليلاً من القرب: — "بالراحة طيب.. لحوسْتي إيديكي خالص، هاتي أما أمسحهالك." مدت يدها إليّ مستسلمة، وعيناها تلمعان ببريق لم أرَ له مثيلاً في حياتي. ولأول مرة في تاريخ علاقتنا البريئة، تجرأتُ وأمسكتُ بكفها الصغير. لم يكن مجرد إمساك عابر لمسح يدها؛ بل كانت أصابعي تتحرك ببطء شديد وفوق جلدها الناعم، أتحسس دفء نبضها المتسارع، بينما كانت عيناها معلقتين بعيني بنظرة شلت حركتي واختصرت كل حكايات العشق التي قرأتها في الكتب. في تلك اللحظة، لامستُ ذراعي ذراعها خفيفة الصوف، وسرى بيننا تيار صامت، مهيب، جعلنا نتوقف عن الكلام لدقائق طويلة. لم نكن بحاجة للحديث؛ كنا نكتفي فقط بالنظر إلى الأفق البعيد، بينما أصابعنا تشابكت في خفاء مذهل تحت المنديل الورقي، كأننا نوقع معاهدة أبدية للبقاء معاً. عشنا سنة كاملة على هذا الإيقاع الدافئ، سنة من الاهتمام المتبادل، والنظرات المسروقة في ممرات المدرسة، والتمشي الطويل تحت مظلة الشتاء أو ظلال أشجار الصيف. كنا نرى بعضنا نتحول من مرحلة الطفولة المتأخرة إلى عتبات الشباب، وكنا نظن، بيقين الستة عشر عاماً، أننا شيدنا مملكة حصينة لا تملك أعتى الرياح أن تهدمها. كنا نخطط للمستقبل، لأي كلية سندخل، وكيف سنبني بيتاً يشبه بيوتنا القديمة ولكن بجدار واحد يجمعنا لا يفصلنا. حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة التي أفسدت كل شيء وقلبت حياتي رأساً على عقب. أتذكر جيداً صدمة والدي وهو يدخل المنزل بوجه شاحب وعينين قلقتين، ليخبرنا بقرار الهجرة المفاجئ إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعدما حصل على عقد عمل في إحدى الشركات الكبرى هناك، عقد لم يكن يملك رفاهية رفضه في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي كنا نمر بها. في سن السادسة عشرة، تكون في أوج مشاعرك لكنك في أضعف مواقفك؛ لا تملك من أمرك شيئاً، ولا تملك حق الاعتراض، أو البقاء، أو حتى اختيار مصيرك. أتذكر كيف بكيتُ تلك الليلة بحرقة في غرفتي المظلمة، وجبهتي مستندة إلى الجدار الملاصق لغرفتها، وأنا أسمع صوت بكائها المكتوم يأتي من الجانب الآخر، كأن الجدار نفسه كان يبكي معنا. أخذوني رغماً عني، واقتلعوني من رصيف الشارع السكندري، ومن شرفتي الملاصقة لشرفتها. أتذكر وقوفي الأخير في المطار، وجسدي يتحرك مع عائلتي نحو بوابة المغادرة بينما روحي وقلبي وعقلي بقوا معلقين هناك، على باب بنايتها، في تفاصيل ضحكتها تحت شمس حديقة الشلالات. ومن هنا، خلف محيطات الغربة وجليد المدن الأمريكية الشاسعة والباردة، بدأت قصة الانفصال العاطفي القاسي. في البداية، كنت أحاول المقاومة؛ أرسل الرسائل الطويلة عبر البريد والتي كانت تأخذ أسابيع لتصل، وأتصل بالخطوط الأرضية الدولية التي كانت تنقطع باستمرار أو تجابه بصوت الحرارة المتقطع الذي يمزق أحشائي. لكن مع مرور الأشهر، وبدء الدراسة في بلد جديد بلغة مختلفة وثقافة باردة لا تشبهنا في شيء، بدأ الواقع يفرض أحكامه القاسية. ابتلعنا الوقت، وأنهكتنا المسافات وفروق التوقيت الشاسعة، وأجبرتنا الأيام على المضي قُدماً بقلوب مكسورة، مظاهرها النضج والقوة، وبواطنها رماد حكاية لم تكتمل . تحولت مريم في عقلي من حبيبة يومية إلى جرح غائر أحاول إخفاءه عن الجميع، وإلى لوحات أرسمها بالخفاء لأفرغ فيها شوقي وعجزي عدتُ فجأة من دوامة ذكرياتي العاصفة على صوت قعقعة خفيفة داخل الطائرة وهي تستقر تماماً في مسارها الجوي الثابت بعد الإقلاع، متجاوزة آخر طبقات السحب الكثيفة لتسبح في فضاء أزرق لا نهاية له. التفتُّ إليها مجدداً، وكانت ما تزال تتأمل وجهي بذات النظرة المستفسرة العميقة، كأنها كانت تقرأ شريط الذكريات الذي مر في عقلي طوال تلك الدقائق الصامتة، وتعرف تماماً أين سافر بي عقلي. تنهدت مريم ببطء شديد، وخرجت من صدرها آهة خافتة تحمل وجع السنين المحبوس، ثم تراجعت بظهرها إلى المقعد المريح، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، غامضة، تحمل مزيجاً مذهلاً من الفخر القديم والعتاب المتأخر. نظرت إلى عيني مباشرة، لتكسر الصبت الذي طال، وقالت لي بالعامية بنبرة هزت كل أركاني: — "بس أنا عرفت إنك بقيت فنان مشهور.. وشفت لوحاتك في كل حتة، طول عمرك بتحب الرسم ."وضعت مريم هاتفها المحمول مسنداً بعناية إلى بكرة شاش طبي كبيرة فوق مكتبها الخشبي، ودخلت في اتصال فيديو ممتد مع أحمد بناءً على رغبته الملحة التي أبداها في بداية اليوم. لم يكن هذا الاتصال بغرض تبادل الكلمات التقليدية أو إزاحة تلال الشوق المتراكمة بينهما بفعل سنوات الغياب؛ بل كان طلباً صريحاً ونابعاً من رغبته في أن تظل عيناها الواسعتان مراقبتين لحركته، كتميمة أمان حقيقية تمنع الفرشاة من التجمد مجدداً أمام القماش الأبيض. كان أحمد، على الجانب الآخر من الشاشة في مرسمه الفسيح بمنطقة مصطفى كامل، يتحرك كالممسوس الذي عثر على ضالته؛ شمر عن أكمامه، وغمر جسده بكنزة صوفية زرقاء قديمة ملطخة ببقايا الطلاء، ووقف أمام قماشه الضخم يوزع الضربات بثبات وعنف، وعيناه لا تغادران الخطوط النورانية التي يصنعها. كانت الشاشة تنقل لمريم صوت احتكاك خشن ومتواصل ل خيوط الفرشاة العريضة بالقماش المشنوق، يليه زفير متلاحق يخرج من صدره كلما أنجز مساحة من ظلال اللوحة الحية.أما مريم، فقد وضعت سماعات الأذن اللاسلكية، وسمحت ل جسدها المنهك أن يسترخي بالكامل فوق مقعدها الخشبي الدوار خلف المكتب. كان اختيارها الموسيقي قاطعاً وم
ثم التفتت نحوي، ورفعت كفها الملونة ووضعتها مباشرة فوق وجنتي اليمنى، لتمسحها بنعومة وتترك وراءها خطاً عريضاً ومبهجاً من اللون الأصفر الخريفي الساطع وسط سواد وجهي. صُعقتُ من المفاجأة، وتجمدت أنفاسي وأنا أنظر إليها بذهول غير مصدق. كانت عيناها السوداوان تلمعان بمزيج ساحر من الرومانسية الدافئة والمداعبة الطفولية البريئة، وقالت بنبرة عذبة بالعامية وهي تميل برأسها قليلاً: — "مين قال إنك محتاج تكون زعلان عشان ترسم يا أحمد؟ ومين قال إن الألوان الباردة والأسود هما بس اللي بيصنعوا فنك؟ اللوحة اللي باظت دي مكنتش حقيقتك.. حقيقتك هي النور اللي إحنا بنلاقيه سوا..." تأملتُ وجهها القريب، وشعرتُ بأن كل تلك الضغوط النفسية الهائلة، والرعب الوجودي، والتوتر الكثيف الذي جثم على صدري طوال الأيام الماضية، قد تبخر في ثانية واحدة تحت تأثير لمسة يدها الملونة وكلماتها الصادقة. انفتحت أسارير وجهي ببطء، وشعرتُ بدغدغة غريبة في جوفي، وقبل أن أدرك ما أفعله، انطلقت مني ضحكة خافتة تحولت في ثوانٍ إلى انفجار عارم من الضحك الهستيري الصافي الذي رددت صداه جدران الصالة الفارغة. كان ضحكاً طالعاً من أعماق قلبي، ضحكاً يغس
مرت ثلاثة أيام كاملة وأنا على هذا الحال، سجين هذه الصالة الشاسعة التي تحولت بمرور الساعات إلى زنزانة اختيارية تفوح منها رائحة التربنتين الخانقة وجفاف الألوان الزيتية المعطلة. لم أكن أغادر شقتي في مصطفى كامل إلا لابتياع علبة سجائر أو إحضار شطيرة باردة لا ألتهم منها سوى قضمتين قبل أن تعافها نفسي. كان الاكتئاب قد بسط رداءه الثقيل فوق كاهلي، ليس ذلك الحزن الشاعري البسيط الذي يدفعك للتأمل بل كان اكتئاباً أسود، لزجاً، وجافاً، يفرغ الجسد من طاقته ويترك العقل يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات والشعور بالخصاء الإبداعي.جلستُ على المقعد الخشبي الصغير في منتصف الصالة، وكان الليل قد انتصف بالخارج، والبرودة تتسلل بعنف لتجمد أطراف أصابعي. كانت الباليت الخشبية مستقرة على ركبتي، وفي يدي اليمنى سكين الرسم المعدنية نظرتُ مجدداً إلى ذلك الحامل الخشبي الشامخ أمامي؛ لقد تلوث السطح الأبيض للقماش خلال الأيام الماضية بضربات عشوائية، بائسة ومتلاحقة. حاولتُ رسم البحر، حاولتُ استدعاء وجه أمي، حاولتُ رسم ملامح مريم وهي تجثو في طين الشارع لإنقاذ ذلك الكلب المصاب، لكن النتيجة على القماش كانت تبدو مشوهة، باهتة، و
او هذا ما كنتُ أظنه؛ لأن وهم الاستقرار والارتياح العارم الذي غمرني لبعض الوقت على رصيف جليم وأنا أستمع لضحكات مريم المنسية، سرعان ما انهار كبيت من الرمال الواهية بمجرد أن أغلقتُ باب مرسمي الجديد بالمساء، ووجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الصمت، والفراغ، وحقيقتي العارية تماماً.وقفتُ وسط صالة الشقة الفسيحة في منطقة مصطفى كامل، ألقي بمعطفي وثيابي الملوثة بالطين والدماء بإهمال فوق الأرضية البلاطية الباردة، وأتأمل ذلك الحامل الخشبي اللعين الذي ما زال يعرض لوحة بيضاء عارية تماماً، ناصعة بكبرياء صامت وقاسٍ كأنه جدار يتحداني ويقوض كل وجودي وتاريخي كفنان. هنا، في العزلة المطبقة بعد أن انفض صخب الشارع وبقيتُ بمفردي مع أنفاسي الساخنة، تجسدت الكارثة بكل أبعادها المرعبة التي كنتُ أهرب منها؛ أنا لا أعيش مجرد قفلة فنية عابرة أو وعكة إبداعية مؤقتة يمكن ل فنجان قهوة أو جولة على البحر أن يداويها، بل أنا أعيش انهياراً كاملاً، ساحقاً، وبنيوياً لهويتي الإبداعية، زلزالاً صامتاً يقتلع جذور الفرشاة التي طالما ظننتُ طوال حياتي أنها امتداد طبيعي لأصابعي وشراييني.إن أولى أسباب هذا الانهيار، وأكثرها تمزيقاً وإيلاما
لم أتردد لثانية واحدة. خلعتُ معطفي الصوفي الثقيل، وألقيتُه بإهمال فوق أحد الصناديق الخشبية المجاورة، وشمرتُ عن أكمام قميصي، ثم جثوتُ على ركبتي في الطين بجوارها مباشرة، غير مبالٍ بنظافة ثيابي أو برائحة المكان. نظرتُ إلى الكلب الخائف، وقلت لها بنبرة هادئة ومطمئنة بالعامية: — "قولي لي أعمل إيه بالظبط يا مريم.. أنا معاكي ومش هتحرك." أرشدتني مريم بسرعة وذكاء؛ طلبت مني أن أضع كفيّ برفق ولكن بإحكام فوق منطقة الرقبة والصدر للكلب، لكي أمنعه من الحركة المفاجئة التي قد تفسد عملية الخياطة وأن أتحدث إليه بصوت منخفض لأهدئ من روعه. فعلتُ ما طلبتْه بدقة؛ وضعتُ يدي على فروه المرتجف، وشعرتُ بنبضات قلبه المتسارعة كالطبول تحت كفي. بدأتُ أتمتم بكلمات دافئة وعشوائية، وأنا أراقب أصابع مريم وهي تتحرك بخفة ومهارة تضاهي مهارة جراحي البشر. سحبت مريم محقنة البنج الموضعي، وغرزتها برفق في محيط الجرح، وكان الكلب يتألم ويحاول التملص بقوة، لكنني ضغطتُ بجسدي عليه بحنو وإصرار، مانعاً إياه من إيذاء نفسه أو إيذائها. بدأتْ مريم بتطهير الجرح بمحلول الملح والبتادين، وكانت الدماء تختلط بالمطهر وتسيل على الأرض، ومريم
بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛ كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي. إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي،







