Share

مازلنا نُحب بعضِنا
مازلنا نُحب بعضِنا
Author: رنا خميس

part 1

last update publish date: 2026-06-23 19:32:48

لم يكن المنبه يملك يوماً فرصة ليعلن السابعة صباحاً؛ كان صوت ارتطام شيش النافذة المقابلة بالجدار الحجري القديم هو إشارتي الحقيقية للاستيقاظ.

في الخامسة عشرة من العمر، لا يملك المرء الكثير من الدروع لحماية نفسه من قسوة العالم ورهافة مشاعره، كل شيء يمر مباشرة إلى الجلد، يخدشه أو يدفئه دون حواجز أو مواربة.

كانت الإسكندرية في ذلك الشتاء مفرطة في برودتها، والرمادي يكسو سماءها كغطاء صوفي عتيق. كانت النسمات الباردة تتسرب من شقوق النافذة الخشبية لغرفتي، لتهز عظامي الصبيانية الضعيفة. وقفتُ أزيح الستارة ببطء شديد، تاركاً جبهتي تلمس زجاج النافذة البارد حتى تشكلت غيامة صغيرة من أنفاسي الدافئة. مسحتُ الغيامة بكف يدي، ومن خلف الضباب الراحل، رأيتها.

كانت مريم تقف بظهرها في شرفتها المفتوحة جزئياً، مريولها الكحلي يبدو واسعاً قليلاً على كتفيها الضئيلين، وشعرها الأسود مربوط بربطة مطاطية بيضاء تكافح خصلاتها المتمردة التي أبت إلا أن تطير مع نسمات الصباح الطائشة. لم تلتفت مريم صوب نافذتي،

لكنني كنت أعلم يقيناً أنها تدرك وجودي هناك، تراقبني بذات الطريقة غير المرئية. هذا الإدراك الصامت كان أول دروسي في الحب؛ أن تشعر بوجود من تحب دون أن تراه، وأن تكتفي بظلّه يتحرك خلف الزجاج لتستقر نبضات قلبك المضطربة.

نزلتُ درجات السلم قفزاً، ثلاث درجات دفعة واحدة كعادتي اليومية، حاملاً حقيبتي الجلدية السوداء التي تفوح منها رائحة الكتب الجديدة وصمغ المجلدات التي أهلكت كتفي. عند زاوية الشارع الضيق، كان عم "أمين"

يرفع غطاء قدرة الفول الضخمة ببطء، ليتصاعد منها بخار كثيف أبيض يختلط بضباب الصباح السكندري ويدفئ الوجوه العابرة. وقفتُ هناك، أدس يديّ في جيوب سترتي المدرسية، متظاهراً بمراقبة المارة والسيارات القليلة التي تقطع صمت الزقاق، بينما كانت عيناي مسمرتين تماماً على مدخل البناية المجاورة، أنتظر خروج بطلة عالمي الصغير.

حين خرجت مريم أخيراً، خطت خطوتها الأولى بحذر شديد لتتجنب بركة ماء راكدة خلّفها مطر الليلة الماضية على الرصيف المتهالك. التفتت يميناً ويساراً بسذاجة الأطفال الذين يخشون مفاجآت الطريق، ثم التقت نظرتها بنظرتي. لم تبتسم، بل عدلت من وضع حقيبتها المدرسية على كتفها، واقتربت مني بخطى وثيقة هادئة تحمل في طياتها خجلاً دفيناً.

حين حازت كتفي، واستمرت في المشي دون أن تتوقف، التفتت إليّ وقالت بنبرة عتاب رقيقة:

— "أنت متأخر النهاردة على فكرة، كنت مروحة وهسيبك وأمشي لوحدي."

ابتسمتُ وأنا أسرع خطاي لأجاري قصر قامتها المحبب:

— "والله المنبه مارنش، وبعدين أنا واقف بقالي ربع ساعة أصلاً، مين فينا اللي متأخر؟"

نظرت إليّ بطرف عينيها، ممسكة بأطراف مريولها كي لا يبتل من رذاذ الشارع، وقالت بعناد طفولي:

— "لأ أنا جيت في معادي بالدقيقة، أنت اللي سرحان ومش واخد بالك من الطريق."

مشينا معاً. كان الشارع الطويل المؤدي إلى المدرسة يبدو في هذا الوقت الباكر كأنه ملكنا وحدنا، كأن العالم كله أُخلي من أجلي أنا وأحمد ومريم. الهواء البارد كان يلفح وجهينا ويترك بقعاً وردية على وجنتيها الصغيرتين، ومع كل خطوة نخطوها، كان طرف مريولها يلامس بنطالي المدرسي بانتظام كبندول ساعة

يقيس عمر لحظاتنا معاً.

كانت التفاصيل الصغيرة هي كل ما نملك في تلك السن؛ لم نكن نعرف كيف نصيغ العبارات الروائية، أو كيف نقول "أنا مهتم بكِ حتى الموت"، فكنا نستعيض عن تلك الكلمات الكبيرة بمعاركنا الصغيرة اليومية.

التفتُّ إليها، ونظرتُ إلى حقيبتها التي تبدو ثقيلة على ظهرها الصغير:

— "هاتي الشنطة دي يا مريم، شكلها أتقل منك أصلاً."

تمسكت بذراع الحقيبة بقوة وهزت رأسها رافضة:

— "لأ مش تقيلة خالص، أنا هعرف أشيلها، شيل أنت شنطتك الأول."

توقفتُ خطوة واحدة، وسحبتُ الحقيبة من يدها برفق وعناد صبياني:

— "هاتيها بس من غير عناد، أنا هشيلها يعني هشيلها، وبعدين كتب الجغرافيا والتاريخ بتاعتكم دي تهد الحيل."

لامست أصابعي أطراف أصابعها الباردة لثانية واحدة أثناء سحب الحقيبة. ثانية واحدة كانت كافية ليتوقف ضجيج الشارع، وتختفي أصوات أبواق السيارات البعيدة، ولأشعر بحرارة غريبة تسري في ذراعي بالكامل لتستقر في أعمق نقطة بقلبي. تمسكت مريم بالحقيبة للحظة، ثم أفلتتها مستسلمة وهي تقطب حاجبيها الصغيرين وتحاول إخفاء ابتسامة عنيدة بدأت ترتسم رغماً عنها على شفتيها.

سارت بجانبي خفيفة الظل الآن، تتأرجح يداها بحرية، بينما أنا أحمل حقيبتين فوق كتفي، شاعراً بزهو وقوة لم يشعر بها فارس في العصور القديمة قط. التفتت إليّ وهي تضحك بخفوت:

— "طيب لو كتفك وجعك ما تشتكيش بقى، أنت اللي صممت تشيلها."

رددتُ عليها بثقة مفرطة:

— "وجع إيه؟ ده أنا أشيل شنطتك وشنطة المدرسة كلها لو عايزة، أنتي بس امشي وانتي مرتاحة."

كنا نجهل تماماً، بسذاجة الخمسة عشر عاماً، أن هذه الأرصفة التي نحفظ تفاصيل شقوقها، وهذه الحقائب التي نتقاسم ثقلها، ستصبح يوماً ما أبعد من النجوم في سماء مغيمة. كنا نظن أن الجدار الخرساني الذي يفصل غرفتي عن غرفتها هو أقصى مسافة يمكن للقدر اللعين أن يضعها بيننا، وأننا سنكبر معاً، وندخل الجامعة معاً، ونشيخ معاً على نفس الرصيف.

خمسة عشر عاماً مرت بعد ذلك الصباح كإعصار صامت وطويل، غيرت ملامحنا بالكامل، صقلت طباعنا بقسوة، وألبستنا قناع الكبار الجاد، والبارد، والمثقل بالمسؤوليات والخيبات التي لا ترحم. انقطعت الأخبار تماماً بعد رحيل عائلتها المفاجئ عن الحي، وتشتتت بنا الطرق في مدن وبلاد مختلفة، وظننت

– كما ظنت هي بالتأكيد –

أن تلك الحكاية القديمة قد دُفنت تماماً تحت ركام السنين، وتحولت إلى مجرد ذكرى باهتة لقصة مراهقة عابرة نسيتها الأيام ولم يعد لها مكان في واقعنا المعقد المليء بالحسابات... حتى جاءت تلك الرحلة الجوية التي لم تكن أبداً في الحسبان.

.

.

.

.

كانت الطائرة تضج بحركة الركاب الصاخبة، والمسافرون يترددون في الممر الضيق باحثين عن مقاعدهم بتوتر وقلق يعكس رغبة الجميع في انتهاء الرحلة قبل أن تبدأ. صعدتُ إلى متن الطائرة وأنا مثقل بإرهاق عمل دام لأسابيع طويلة

دون نوم مريح، أحمل حقيبتي اليدوية الصغيرة وأتطلع إلى الأرقام المعلقة فوق المقاعد، باحثاً عن مكاني المخصص بجوار النافذة، الرقم (14A). وصلت أخيراً، وضعت حقيبتي في الخزانة العلوية، ثم التفتُّ لأجلس وآخذ نفساً عميقاً يريح جسدي المتعب وعقلي المرهق من الحفلات والاغاني

هناك، في المقعد الملاصق تماماً لمقعدي، المقعد (14B)، كانت تجلس امرأة.

كانت تنظر إلى الخارج عبر النافذة المستديرة، خصلات شعرها الأسود الطويل تنسدل على جانب وجهها لتخفي ملامحها جزئياً عن العيون الفضولية، وتضع سماعتين في أذنيها مستمعة لموسيقى هادئة يبدو أنها تعزلها تماماً عن ضوضاء الطائرة وصخب الوجوه المحيطة بها.

جلستُ بهدوء مفرط دون أن ألتفت إليها في البداية، ربطت حزام الأمان، واستندت برأسي إلى الخلف مغلقاً عيني محاولاً استجداء النوم قبل إقلاع الطائرة وغلق الهواتف. لكن القدر كان يخبئ ترتيباً آخر،

ترتيباً يعيد صياغة عمرنا بأكمله؛ فجأة، تحركتْ هي لتأخذ زجاجة الماء الخاصة بها من الجيب الأمامي للمقعد، ومع حركتها السريعة سقط قلم صغير معدني من يدها على الأرض واستقر تماماً عند قدمي.

انحنيتُ تلقائياً بحكم العادة لالتقاطه من على أرضية الطائرة المفرشة بالسجاد الرمادي، وفي نفس اللحظة والاجزاء من الثانية، انحنت هي أيضاً لتأخذه. التقت أيدينا... وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت وكأن صاعقة قد ضربت الطائرة، وكأن الأرض قد اهتزت تحتنا بعنف رغم أننا ما زلنا مستقرين على الممر قبل الإقلاع.

تلك اللمسة... تلك الحرارة المألوفة والغريبة في آن واحد، والتي لا يمكن لأي زمن، أو فراق، أو خمسة عشر عاماً من البعد أن يمحوها من ذاكرة الجسد والروح. رفعتُ رأسي ببطء شديد والأنفاس محبوسة في صدري، ورفعتْ هي رأسها في المقابل، ليلتقي نظري بنظرها وتتسمر الكلمات في حلقي كغصة حارقة. التقت الأعين بعد خمسة عشر عاماً من الغياب التام والانقطاع الذي ظنناه أبدياً لا رجعة فيه.

شحب وجهها فجأة كأنما دهمها شبح مخيف من الماضي، واتسعت عيناها بذهول جمد الدماء في عروقها وجعلها تشهق شهقة مكتومة هزت جسدها بالكامل. أما أنا، فقد شعرت بضربة عنيفة وقاسية في منتصف صدري،

كأن قلبي الذي تجمّد وتحجر طوال هذه السنوات الطويلة قد تلقى صدمة كهربائية عاتية أعادته للحياة دفعة واحدة لينبض بجنون مرعب سمعت أصدقاءه في أذني. لم تكن امرأة غريبة تجلس بجواري في رحلة عابرة؛

كانت هي... مريم. فتاة الشرفة القديمة، رفيقة المطر ومظلة الشتاء، وحب المراهقة الوحيد الذي لم يأتِ بعده حب، ولم يستطع أي شخص آخر أن يملأ الفراغ الذي خلفه وراءه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 19

    وضعت مريم هاتفها المحمول مسنداً بعناية إلى بكرة شاش طبي كبيرة فوق مكتبها الخشبي، ودخلت في اتصال فيديو ممتد مع أحمد بناءً على رغبته الملحة التي أبداها في بداية اليوم. لم يكن هذا الاتصال بغرض تبادل الكلمات التقليدية أو إزاحة تلال الشوق المتراكمة بينهما بفعل سنوات الغياب؛ بل كان طلباً صريحاً ونابعاً من رغبته في أن تظل عيناها الواسعتان مراقبتين لحركته، كتميمة أمان حقيقية تمنع الفرشاة من التجمد مجدداً أمام القماش الأبيض. كان أحمد، على الجانب الآخر من الشاشة في مرسمه الفسيح بمنطقة مصطفى كامل، يتحرك كالممسوس الذي عثر على ضالته؛ شمر عن أكمامه، وغمر جسده بكنزة صوفية زرقاء قديمة ملطخة ببقايا الطلاء، ووقف أمام قماشه الضخم يوزع الضربات بثبات وعنف، وعيناه لا تغادران الخطوط النورانية التي يصنعها. كانت الشاشة تنقل لمريم صوت احتكاك خشن ومتواصل ل خيوط الفرشاة العريضة بالقماش المشنوق، يليه زفير متلاحق يخرج من صدره كلما أنجز مساحة من ظلال اللوحة الحية.أما مريم، فقد وضعت سماعات الأذن اللاسلكية، وسمحت ل جسدها المنهك أن يسترخي بالكامل فوق مقعدها الخشبي الدوار خلف المكتب. كان اختيارها الموسيقي قاطعاً وم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 18

    ثم التفتت نحوي، ورفعت كفها الملونة ووضعتها مباشرة فوق وجنتي اليمنى، لتمسحها بنعومة وتترك وراءها خطاً عريضاً ومبهجاً من اللون الأصفر الخريفي الساطع وسط سواد وجهي. صُعقتُ من المفاجأة، وتجمدت أنفاسي وأنا أنظر إليها بذهول غير مصدق. كانت عيناها السوداوان تلمعان بمزيج ساحر من الرومانسية الدافئة والمداعبة الطفولية البريئة، وقالت بنبرة عذبة بالعامية وهي تميل برأسها قليلاً: — "مين قال إنك محتاج تكون زعلان عشان ترسم يا أحمد؟ ومين قال إن الألوان الباردة والأسود هما بس اللي بيصنعوا فنك؟ اللوحة اللي باظت دي مكنتش حقيقتك.. حقيقتك هي النور اللي إحنا بنلاقيه سوا..." تأملتُ وجهها القريب، وشعرتُ بأن كل تلك الضغوط النفسية الهائلة، والرعب الوجودي، والتوتر الكثيف الذي جثم على صدري طوال الأيام الماضية، قد تبخر في ثانية واحدة تحت تأثير لمسة يدها الملونة وكلماتها الصادقة. انفتحت أسارير وجهي ببطء، وشعرتُ بدغدغة غريبة في جوفي، وقبل أن أدرك ما أفعله، انطلقت مني ضحكة خافتة تحولت في ثوانٍ إلى انفجار عارم من الضحك الهستيري الصافي الذي رددت صداه جدران الصالة الفارغة. كان ضحكاً طالعاً من أعماق قلبي، ضحكاً يغس

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 17

    مرت ثلاثة أيام كاملة وأنا على هذا الحال، سجين هذه الصالة الشاسعة التي تحولت بمرور الساعات إلى زنزانة اختيارية تفوح منها رائحة التربنتين الخانقة وجفاف الألوان الزيتية المعطلة. لم أكن أغادر شقتي في مصطفى كامل إلا لابتياع علبة سجائر أو إحضار شطيرة باردة لا ألتهم منها سوى قضمتين قبل أن تعافها نفسي. كان الاكتئاب قد بسط رداءه الثقيل فوق كاهلي، ليس ذلك الحزن الشاعري البسيط الذي يدفعك للتأمل بل كان اكتئاباً أسود، لزجاً، وجافاً، يفرغ الجسد من طاقته ويترك العقل يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات والشعور بالخصاء الإبداعي.جلستُ على المقعد الخشبي الصغير في منتصف الصالة، وكان الليل قد انتصف بالخارج، والبرودة تتسلل بعنف لتجمد أطراف أصابعي. كانت الباليت الخشبية مستقرة على ركبتي، وفي يدي اليمنى سكين الرسم المعدنية نظرتُ مجدداً إلى ذلك الحامل الخشبي الشامخ أمامي؛ لقد تلوث السطح الأبيض للقماش خلال الأيام الماضية بضربات عشوائية، بائسة ومتلاحقة. حاولتُ رسم البحر، حاولتُ استدعاء وجه أمي، حاولتُ رسم ملامح مريم وهي تجثو في طين الشارع لإنقاذ ذلك الكلب المصاب، لكن النتيجة على القماش كانت تبدو مشوهة، باهتة، و

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 16

    او هذا ما كنتُ أظنه؛ لأن وهم الاستقرار والارتياح العارم الذي غمرني لبعض الوقت على رصيف جليم وأنا أستمع لضحكات مريم المنسية، سرعان ما انهار كبيت من الرمال الواهية بمجرد أن أغلقتُ باب مرسمي الجديد بالمساء، ووجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الصمت، والفراغ، وحقيقتي العارية تماماً.وقفتُ وسط صالة الشقة الفسيحة في منطقة مصطفى كامل، ألقي بمعطفي وثيابي الملوثة بالطين والدماء بإهمال فوق الأرضية البلاطية الباردة، وأتأمل ذلك الحامل الخشبي اللعين الذي ما زال يعرض لوحة بيضاء عارية تماماً، ناصعة بكبرياء صامت وقاسٍ كأنه جدار يتحداني ويقوض كل وجودي وتاريخي كفنان. هنا، في العزلة المطبقة بعد أن انفض صخب الشارع وبقيتُ بمفردي مع أنفاسي الساخنة، تجسدت الكارثة بكل أبعادها المرعبة التي كنتُ أهرب منها؛ أنا لا أعيش مجرد قفلة فنية عابرة أو وعكة إبداعية مؤقتة يمكن ل فنجان قهوة أو جولة على البحر أن يداويها، بل أنا أعيش انهياراً كاملاً، ساحقاً، وبنيوياً لهويتي الإبداعية، زلزالاً صامتاً يقتلع جذور الفرشاة التي طالما ظننتُ طوال حياتي أنها امتداد طبيعي لأصابعي وشراييني.إن أولى أسباب هذا الانهيار، وأكثرها تمزيقاً وإيلاما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 15

    لم أتردد لثانية واحدة. خلعتُ معطفي الصوفي الثقيل، وألقيتُه بإهمال فوق أحد الصناديق الخشبية المجاورة، وشمرتُ عن أكمام قميصي، ثم جثوتُ على ركبتي في الطين بجوارها مباشرة، غير مبالٍ بنظافة ثيابي أو برائحة المكان. نظرتُ إلى الكلب الخائف، وقلت لها بنبرة هادئة ومطمئنة بالعامية: — "قولي لي أعمل إيه بالظبط يا مريم.. أنا معاكي ومش هتحرك." أرشدتني مريم بسرعة وذكاء؛ طلبت مني أن أضع كفيّ برفق ولكن بإحكام فوق منطقة الرقبة والصدر للكلب، لكي أمنعه من الحركة المفاجئة التي قد تفسد عملية الخياطة وأن أتحدث إليه بصوت منخفض لأهدئ من روعه. فعلتُ ما طلبتْه بدقة؛ وضعتُ يدي على فروه المرتجف، وشعرتُ بنبضات قلبه المتسارعة كالطبول تحت كفي. بدأتُ أتمتم بكلمات دافئة وعشوائية، وأنا أراقب أصابع مريم وهي تتحرك بخفة ومهارة تضاهي مهارة جراحي البشر. سحبت مريم محقنة البنج الموضعي، وغرزتها برفق في محيط الجرح، وكان الكلب يتألم ويحاول التملص بقوة، لكنني ضغطتُ بجسدي عليه بحنو وإصرار، مانعاً إياه من إيذاء نفسه أو إيذائها. بدأتْ مريم بتطهير الجرح بمحلول الملح والبتادين، وكانت الدماء تختلط بالمطهر وتسيل على الأرض، ومريم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 14

    بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛ كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي. إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status