LOGINكيف يمكن لقلبين أن ينبضا بذات اللحن بعد غياب دام خمسة عشر عاماً؟ تلتقي مساراتنا مجدداً بعد فراق طويل، فراقٍ ظننا معه أن حكايتنا التي بدأت بشغف المراهقة وجنونها قد طواها النسيان. انفصلنا وكل منا يحمل في حقيبته خيبات الأيام وندوب السنين، لكن نظرة واحدة كانت كفيلة بهدم تلك الجدران. كيف فجأه نكتشف أن الحب الحقيقي لا يموت؛ بل ينام بانتظار لحظة بعث جديدة. وان الحب هو ذاك الشعور الذي ما زال ينبض في أعماقنا، متمسكاً بالبقايا، ليثبت لنا أن السنين لم تزدنا إلا عشقاً، وأننا رغم كل شيء... مازلنا نحب بعضنا.
View Moreوضعت مريم هاتفها المحمول مسنداً بعناية إلى بكرة شاش طبي كبيرة فوق مكتبها الخشبي، ودخلت في اتصال فيديو ممتد مع أحمد بناءً على رغبته الملحة التي أبداها في بداية اليوم. لم يكن هذا الاتصال بغرض تبادل الكلمات التقليدية أو إزاحة تلال الشوق المتراكمة بينهما بفعل سنوات الغياب؛ بل كان طلباً صريحاً ونابعاً من رغبته في أن تظل عيناها الواسعتان مراقبتين لحركته، كتميمة أمان حقيقية تمنع الفرشاة من التجمد مجدداً أمام القماش الأبيض. كان أحمد، على الجانب الآخر من الشاشة في مرسمه الفسيح بمنطقة مصطفى كامل، يتحرك كالممسوس الذي عثر على ضالته؛ شمر عن أكمامه، وغمر جسده بكنزة صوفية زرقاء قديمة ملطخة ببقايا الطلاء، ووقف أمام قماشه الضخم يوزع الضربات بثبات وعنف، وعيناه لا تغادران الخطوط النورانية التي يصنعها. كانت الشاشة تنقل لمريم صوت احتكاك خشن ومتواصل ل خيوط الفرشاة العريضة بالقماش المشنوق، يليه زفير متلاحق يخرج من صدره كلما أنجز مساحة من ظلال اللوحة الحية.أما مريم، فقد وضعت سماعات الأذن اللاسلكية، وسمحت ل جسدها المنهك أن يسترخي بالكامل فوق مقعدها الخشبي الدوار خلف المكتب. كان اختيارها الموسيقي قاطعاً وم
ثم التفتت نحوي، ورفعت كفها الملونة ووضعتها مباشرة فوق وجنتي اليمنى، لتمسحها بنعومة وتترك وراءها خطاً عريضاً ومبهجاً من اللون الأصفر الخريفي الساطع وسط سواد وجهي. صُعقتُ من المفاجأة، وتجمدت أنفاسي وأنا أنظر إليها بذهول غير مصدق. كانت عيناها السوداوان تلمعان بمزيج ساحر من الرومانسية الدافئة والمداعبة الطفولية البريئة، وقالت بنبرة عذبة بالعامية وهي تميل برأسها قليلاً: — "مين قال إنك محتاج تكون زعلان عشان ترسم يا أحمد؟ ومين قال إن الألوان الباردة والأسود هما بس اللي بيصنعوا فنك؟ اللوحة اللي باظت دي مكنتش حقيقتك.. حقيقتك هي النور اللي إحنا بنلاقيه سوا..." تأملتُ وجهها القريب، وشعرتُ بأن كل تلك الضغوط النفسية الهائلة، والرعب الوجودي، والتوتر الكثيف الذي جثم على صدري طوال الأيام الماضية، قد تبخر في ثانية واحدة تحت تأثير لمسة يدها الملونة وكلماتها الصادقة. انفتحت أسارير وجهي ببطء، وشعرتُ بدغدغة غريبة في جوفي، وقبل أن أدرك ما أفعله، انطلقت مني ضحكة خافتة تحولت في ثوانٍ إلى انفجار عارم من الضحك الهستيري الصافي الذي رددت صداه جدران الصالة الفارغة. كان ضحكاً طالعاً من أعماق قلبي، ضحكاً يغس
مرت ثلاثة أيام كاملة وأنا على هذا الحال، سجين هذه الصالة الشاسعة التي تحولت بمرور الساعات إلى زنزانة اختيارية تفوح منها رائحة التربنتين الخانقة وجفاف الألوان الزيتية المعطلة. لم أكن أغادر شقتي في مصطفى كامل إلا لابتياع علبة سجائر أو إحضار شطيرة باردة لا ألتهم منها سوى قضمتين قبل أن تعافها نفسي. كان الاكتئاب قد بسط رداءه الثقيل فوق كاهلي، ليس ذلك الحزن الشاعري البسيط الذي يدفعك للتأمل بل كان اكتئاباً أسود، لزجاً، وجافاً، يفرغ الجسد من طاقته ويترك العقل يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات والشعور بالخصاء الإبداعي.جلستُ على المقعد الخشبي الصغير في منتصف الصالة، وكان الليل قد انتصف بالخارج، والبرودة تتسلل بعنف لتجمد أطراف أصابعي. كانت الباليت الخشبية مستقرة على ركبتي، وفي يدي اليمنى سكين الرسم المعدنية نظرتُ مجدداً إلى ذلك الحامل الخشبي الشامخ أمامي؛ لقد تلوث السطح الأبيض للقماش خلال الأيام الماضية بضربات عشوائية، بائسة ومتلاحقة. حاولتُ رسم البحر، حاولتُ استدعاء وجه أمي، حاولتُ رسم ملامح مريم وهي تجثو في طين الشارع لإنقاذ ذلك الكلب المصاب، لكن النتيجة على القماش كانت تبدو مشوهة، باهتة، و
او هذا ما كنتُ أظنه؛ لأن وهم الاستقرار والارتياح العارم الذي غمرني لبعض الوقت على رصيف جليم وأنا أستمع لضحكات مريم المنسية، سرعان ما انهار كبيت من الرمال الواهية بمجرد أن أغلقتُ باب مرسمي الجديد بالمساء، ووجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الصمت، والفراغ، وحقيقتي العارية تماماً.وقفتُ وسط صالة الشقة الفسيحة في منطقة مصطفى كامل، ألقي بمعطفي وثيابي الملوثة بالطين والدماء بإهمال فوق الأرضية البلاطية الباردة، وأتأمل ذلك الحامل الخشبي اللعين الذي ما زال يعرض لوحة بيضاء عارية تماماً، ناصعة بكبرياء صامت وقاسٍ كأنه جدار يتحداني ويقوض كل وجودي وتاريخي كفنان. هنا، في العزلة المطبقة بعد أن انفض صخب الشارع وبقيتُ بمفردي مع أنفاسي الساخنة، تجسدت الكارثة بكل أبعادها المرعبة التي كنتُ أهرب منها؛ أنا لا أعيش مجرد قفلة فنية عابرة أو وعكة إبداعية مؤقتة يمكن ل فنجان قهوة أو جولة على البحر أن يداويها، بل أنا أعيش انهياراً كاملاً، ساحقاً، وبنيوياً لهويتي الإبداعية، زلزالاً صامتاً يقتلع جذور الفرشاة التي طالما ظننتُ طوال حياتي أنها امتداد طبيعي لأصابعي وشراييني.إن أولى أسباب هذا الانهيار، وأكثرها تمزيقاً وإيلاما
reviewsMore