Share

part 3

last update publish date: 2026-06-23 20:16:49

ارتسمت على شفتي ابتسامة باهتة ومضطربة، ابتسامة هزيلة حاولتُ من خلالها إخفاء تلك الرعشة التي سرت في أطراف أصابعي. شعرتُ فجأة بثقل هائل يجثم على صدري؛

وكان هذا كله عندما ادركت أن مريم التي أمامي الآن ليست الفتاة ذات الخمسة عشر عاماً التي كنتُ أجادلها بعناد صبياني. هذه المرأة الجالسة بجواري،

بملامحها الناضجة والوقار الذي يغلفها، بدت لي فجأة كشخص غريب وبعيد، رغم أنني أحفظ رسم عينيها عن ظهر قلب. الغربة الطويلة لم تغيّر الأمكنة فقط، بل صبغت نفوسنا ببرود وجعلت بيننا حاجزاً غير مرئي من الهيبة والتردد.

أعدتُ ظهري إلى مسند المقعد ببطء، محاولاً لملمة شتات نفسي، والتفتُّ نحوها بنصف التفاتة حذرة، دون أن أجرؤ على إرخاء ذراعي بالكامل على الفاصل بيننا. نظرتُ إلى يديها الشابكتين، ثم نقلتُ بصري إلى وجهها، وقلت بصوت خافت بالعامية، يشوبه الكثير من الحذر والخجل:

— " بقيت من المشاهير إيه بس يا مريم.. الموضوع مش كده خالص. هي مجرد لوحات وتوفيق من ربنا مش أكتر وصراحه يعني أمريكا فيها فرص كتير والحركة الفنية هناك سريعة أوي، وده ساعدني في الأول لما بدأت في مرسم صغير في نيويورك.. بس الشهرة دي مجرد مظهر بره، برسم عشان أهرب من ضغط الحياه مش أكتر."

ابتلعتُ ريقي، وشعرت برهبة حقيقية تمنعني من إطالة النظر في عينيها. كنت أتساءل في داخلي بقلق: هل ما زالت تذكر شيئاً؟

هل أصبحت امرأة أخرى بطباع مختلفة لا أعرفها؟ هل تزوجت وأصبح لها حياة مستقرة وعائلة لا مكان لي فيها؟ هذا الغموض جعلني أشعر بضآلة شديدة أمامها.

عدلتُ من وضع ياقة قميصي، وسألتها بنبرة هادئة، محاولاً جعل السؤال يبدو عادياً ورسمياً قدر الإمكان لتجنب إحراجها:

— "أنتي.. طمنيني عنك؟ السنين دي كلها أكيد غيرت حاجات كتير.. رحتي فين ودراستك وصلت لإيه؟"

أخذت مريم نفساً بطيئاً، ولم ترفع عينيها إليّ فوراً. نظرتْ إلى حقيبتها اليدوية الصغيرة الموضوعة في حجرها، وعدلت من وضع السوار الفضي في معصمها بأصابع ترتجف خفية، كأنها هي الأخرى تحاول الاحتماء بأي شيء من هذا الموقف المرتبك. ساد بيننا صمت قصير، صمت محمل بحرج خمسة عشر عاماً من الانقطاع التام، قبل أن ترفع عينيها وتنظر إليّ بنظرة سريعة وخجولة

ثم تعيد بصهرها إلى الأمام، وتقول بصوت خافت هادئ:

— "أنا.. أنا دخلت كلية الطب اللي كان نفسي فيها زمان.. بس بقيت طبيبة بيطرية. طول عمري بفضل التعامل مع الحيوانات لأنها كائنات هادية ومابتشتكيش، وبحس براحة معاهم. أول ما اتخرجت فتحت عيادة صغيرة خاصة بيا، وبقضي فيها معظم وقتي دلوقتي.. يعني، شغل وعيادة وحياة نمطية جداً."

كنتُ أستمع إليها وأنا مشتت بين صوتها المألوف وبين هيئتها الجديدة التي تفرض مسافة واحتراماً كبيراً بيننا. لم أكن أجرؤ على التحديق بها كما كنت أفعل في المراهقة؛

بل كنت أسرق النظرات سرقة كلما التفتتْ هي نحو النافذة. شعرتُ بخجل حقيقي وأنا أرى كيف تحولت تلك الفتاة التي كانت تركض بجانبي بمريولها المدرسي، إلى طبيبة وقورة تتحدث باتزان وثقة،

وتحسب حركاتها بدقة. هذا التحول جعلني أنكمش في مقعدي أكثر، متسائلاً إن كان من حق الذكريات القديمة أن تطفو على السطح الآن، أم أن الزمن قد تجاوزنا تماماً وصنع منا شخصين غريبين لا يربطهما سوى ماضٍ باهت.

تابعت مريم كلامها بعد فترة صمت قصيرة، ونبرتها أصبحت أكثر هدوءاً، وحرصت على أن تبقي يديها مستقرتين فوق حقيبتها دون أي حركة مفاجئة:

— "الحي القديم بتاعنا.. إحنا سبناه من زمان أوي بعد ما أنتوا سافرتوا بكام سنة. بابا ربنا وفقه وشغله كبر، ونقلنا لعمارة تانية في جليم.. عمارة على البحر، هادية ومريحة جداً. بس.. بس الحقيقة الواحد ساعات بيحن للأيام القديمة، للهدوء اللي كان في الشارع زمان، ولشكل البيوت البسيطة. المكان الجديد راقي وكل حاجة، بس غريب.. مفيش فيه الألفة اللي كبرنا وسطها."

أطرقتُ رأسي وعيناي معلقتان بأرضية الطائرة المفرشة. كلماتها عن الحي القديم وحنينها الخجول جعلت قلبي ينقبض، ليس حزناً، بل إدراكاً بأن الوجع المشترك ما زال موجوداً،

لكنه محاط بأسوار عالية من التحفظ والبرود الذي تفرضه السنين. تمنيتُ لو أملك القدرة على كسر هذا الجمود، لو أستطيع أن أسألها مباشرة وبلا مقدمات: "هل أنتِ مرتبطة؟ هل نسيتِ الصبي الذي كان يحمل حقيبتكِ؟"

لكن الخوف من الإجابة، والخوف من تجاوز حدود الأدب مع امرأة لم أرها منذ خمسة عشر عاماً، جعل الكلمات تتجمد في حلقي.

كنا نلسس جنباً إلى جنب، لا تفصلنا سوى سنتيمترات قليلة، والرحابة تملأ السماء من حولنا، لكننا كنا عاجزين حتى عن تبادل نظرة مستمرة. الخجل والارتباك كانا سيدا الموقف، يلفان مقعدينا بغلاف من التردد،

وكل منا يخشى أن يخطو خطوة غير محسوبة تهدم ما تبقى من وقار، تاركين العيون تتحدث في خفاء صامت، يبحث في ملامح الآخر عن أحمد ومريم القدامى وسط غبار السنين.

تأملتُ جانباً من وجهها وهي تعاود النظر عبر النافذة المستديرة للطائرة، وداهمتني في تلك اللحظة رغبة غريبة في البكاء، ليس حزناً، بل من فرط الارتياح العارم الذي اجتاحني فجأة.

رغم جدار الخجل السميك الذي ارتفع بيننا، ورغم الملابس الرسمية والوقار الذي يفرضه العمر، شعرتُ فجأة بأن مريم لم تتغير أبداً.

نظرتُ إلى طريقة جلستها، إلى خط الفك الرقيق ذاته، وإلى الهدوء الآسر الذي ينبعث من تفاصيلها؛ كانت هي ذاتها الفتاة التي طالما شعرتُ بجوارها بأمان لم أختبره في أي مكان آخر في العالم. خمسة عشر عاماً في صخب نيويورك،

بين الوجوه الكثيرة والمعارض المزدحمة بالغرباء، لم تمنحني يوماً هذا النبض الهادئ والعميق الذي شعرتُ به الآن وأنا جالس في مساحتي الضيقة بجانبها. كان الارتياح القديم ينبعث من مجرد وجودها، كأن داخلي لم يتغير فيه إنش واحد تجاهها، وكأنني لم أغادر رصيف شارعنا القديم قط.

التفتتْ إليّ فجأة بعد صمتها الطويل، والتقت أعيننا مجدداً، لكن هذه المرة دون تلك الصدمة الأولى، بل بنظرة مشبعة بفضول خجول ومرتبك.

تلاقت ملامحنا في كادر ضيق معزول عن بقية ركاب الطائرة، وشعرتُ بأنها هي الأخرى تبحث في تفاصيل وجهي عن أحمد الصبي الذي كان يضحك ويلهت معها الذي أخبرها يوما أنه احبها وابتسمت هي في خجل حينها، هذا الذي كان

لا يستطيع أن يعيش يوما واحد دونها، ولكني لا اعرف هل وجدته في تفاصيلي الان ام لا

ف ابتلعتُ ريقي، وحاولتُ كسر هذا الجمود بصوت هادئ، قائلاً:

— "عارفة يا مريم.. رغم السنين دي كلها، ورغم إننا كبرنا وحاجات كتير اتغيرت فينا وفي الدنيا حوالينا، بس وأنا قاعد جمبك دلوقتي حاسس إن مفيش أي حاجة اتغيرت جوة. ملامحك هي هي، ونفس الهدوء اللي كان بيخليني مطمن زمان لسه موجود في عيونك."

تحركت ملامحها ببطء، وظهرت على وجهها علامات الارتباك اللطيف، وصبغ الخجل وجنتيها بلون وردي دافئ هربت منه بنظرتها نحو يديها مجدداً. شبكت أصابعها ببعضها ثم ابتسمت لي ابتسامه نجحت في جعل قلبي يدق بعنف

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 19

    وضعت مريم هاتفها المحمول مسنداً بعناية إلى بكرة شاش طبي كبيرة فوق مكتبها الخشبي، ودخلت في اتصال فيديو ممتد مع أحمد بناءً على رغبته الملحة التي أبداها في بداية اليوم. لم يكن هذا الاتصال بغرض تبادل الكلمات التقليدية أو إزاحة تلال الشوق المتراكمة بينهما بفعل سنوات الغياب؛ بل كان طلباً صريحاً ونابعاً من رغبته في أن تظل عيناها الواسعتان مراقبتين لحركته، كتميمة أمان حقيقية تمنع الفرشاة من التجمد مجدداً أمام القماش الأبيض. كان أحمد، على الجانب الآخر من الشاشة في مرسمه الفسيح بمنطقة مصطفى كامل، يتحرك كالممسوس الذي عثر على ضالته؛ شمر عن أكمامه، وغمر جسده بكنزة صوفية زرقاء قديمة ملطخة ببقايا الطلاء، ووقف أمام قماشه الضخم يوزع الضربات بثبات وعنف، وعيناه لا تغادران الخطوط النورانية التي يصنعها. كانت الشاشة تنقل لمريم صوت احتكاك خشن ومتواصل ل خيوط الفرشاة العريضة بالقماش المشنوق، يليه زفير متلاحق يخرج من صدره كلما أنجز مساحة من ظلال اللوحة الحية.أما مريم، فقد وضعت سماعات الأذن اللاسلكية، وسمحت ل جسدها المنهك أن يسترخي بالكامل فوق مقعدها الخشبي الدوار خلف المكتب. كان اختيارها الموسيقي قاطعاً وم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 18

    ثم التفتت نحوي، ورفعت كفها الملونة ووضعتها مباشرة فوق وجنتي اليمنى، لتمسحها بنعومة وتترك وراءها خطاً عريضاً ومبهجاً من اللون الأصفر الخريفي الساطع وسط سواد وجهي. صُعقتُ من المفاجأة، وتجمدت أنفاسي وأنا أنظر إليها بذهول غير مصدق. كانت عيناها السوداوان تلمعان بمزيج ساحر من الرومانسية الدافئة والمداعبة الطفولية البريئة، وقالت بنبرة عذبة بالعامية وهي تميل برأسها قليلاً: — "مين قال إنك محتاج تكون زعلان عشان ترسم يا أحمد؟ ومين قال إن الألوان الباردة والأسود هما بس اللي بيصنعوا فنك؟ اللوحة اللي باظت دي مكنتش حقيقتك.. حقيقتك هي النور اللي إحنا بنلاقيه سوا..." تأملتُ وجهها القريب، وشعرتُ بأن كل تلك الضغوط النفسية الهائلة، والرعب الوجودي، والتوتر الكثيف الذي جثم على صدري طوال الأيام الماضية، قد تبخر في ثانية واحدة تحت تأثير لمسة يدها الملونة وكلماتها الصادقة. انفتحت أسارير وجهي ببطء، وشعرتُ بدغدغة غريبة في جوفي، وقبل أن أدرك ما أفعله، انطلقت مني ضحكة خافتة تحولت في ثوانٍ إلى انفجار عارم من الضحك الهستيري الصافي الذي رددت صداه جدران الصالة الفارغة. كان ضحكاً طالعاً من أعماق قلبي، ضحكاً يغس

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 17

    مرت ثلاثة أيام كاملة وأنا على هذا الحال، سجين هذه الصالة الشاسعة التي تحولت بمرور الساعات إلى زنزانة اختيارية تفوح منها رائحة التربنتين الخانقة وجفاف الألوان الزيتية المعطلة. لم أكن أغادر شقتي في مصطفى كامل إلا لابتياع علبة سجائر أو إحضار شطيرة باردة لا ألتهم منها سوى قضمتين قبل أن تعافها نفسي. كان الاكتئاب قد بسط رداءه الثقيل فوق كاهلي، ليس ذلك الحزن الشاعري البسيط الذي يدفعك للتأمل بل كان اكتئاباً أسود، لزجاً، وجافاً، يفرغ الجسد من طاقته ويترك العقل يدور في حلقة مفرغة من جلد الذات والشعور بالخصاء الإبداعي.جلستُ على المقعد الخشبي الصغير في منتصف الصالة، وكان الليل قد انتصف بالخارج، والبرودة تتسلل بعنف لتجمد أطراف أصابعي. كانت الباليت الخشبية مستقرة على ركبتي، وفي يدي اليمنى سكين الرسم المعدنية نظرتُ مجدداً إلى ذلك الحامل الخشبي الشامخ أمامي؛ لقد تلوث السطح الأبيض للقماش خلال الأيام الماضية بضربات عشوائية، بائسة ومتلاحقة. حاولتُ رسم البحر، حاولتُ استدعاء وجه أمي، حاولتُ رسم ملامح مريم وهي تجثو في طين الشارع لإنقاذ ذلك الكلب المصاب، لكن النتيجة على القماش كانت تبدو مشوهة، باهتة، و

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 16

    او هذا ما كنتُ أظنه؛ لأن وهم الاستقرار والارتياح العارم الذي غمرني لبعض الوقت على رصيف جليم وأنا أستمع لضحكات مريم المنسية، سرعان ما انهار كبيت من الرمال الواهية بمجرد أن أغلقتُ باب مرسمي الجديد بالمساء، ووجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الصمت، والفراغ، وحقيقتي العارية تماماً.وقفتُ وسط صالة الشقة الفسيحة في منطقة مصطفى كامل، ألقي بمعطفي وثيابي الملوثة بالطين والدماء بإهمال فوق الأرضية البلاطية الباردة، وأتأمل ذلك الحامل الخشبي اللعين الذي ما زال يعرض لوحة بيضاء عارية تماماً، ناصعة بكبرياء صامت وقاسٍ كأنه جدار يتحداني ويقوض كل وجودي وتاريخي كفنان. هنا، في العزلة المطبقة بعد أن انفض صخب الشارع وبقيتُ بمفردي مع أنفاسي الساخنة، تجسدت الكارثة بكل أبعادها المرعبة التي كنتُ أهرب منها؛ أنا لا أعيش مجرد قفلة فنية عابرة أو وعكة إبداعية مؤقتة يمكن ل فنجان قهوة أو جولة على البحر أن يداويها، بل أنا أعيش انهياراً كاملاً، ساحقاً، وبنيوياً لهويتي الإبداعية، زلزالاً صامتاً يقتلع جذور الفرشاة التي طالما ظننتُ طوال حياتي أنها امتداد طبيعي لأصابعي وشراييني.إن أولى أسباب هذا الانهيار، وأكثرها تمزيقاً وإيلاما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 15

    لم أتردد لثانية واحدة. خلعتُ معطفي الصوفي الثقيل، وألقيتُه بإهمال فوق أحد الصناديق الخشبية المجاورة، وشمرتُ عن أكمام قميصي، ثم جثوتُ على ركبتي في الطين بجوارها مباشرة، غير مبالٍ بنظافة ثيابي أو برائحة المكان. نظرتُ إلى الكلب الخائف، وقلت لها بنبرة هادئة ومطمئنة بالعامية: — "قولي لي أعمل إيه بالظبط يا مريم.. أنا معاكي ومش هتحرك." أرشدتني مريم بسرعة وذكاء؛ طلبت مني أن أضع كفيّ برفق ولكن بإحكام فوق منطقة الرقبة والصدر للكلب، لكي أمنعه من الحركة المفاجئة التي قد تفسد عملية الخياطة وأن أتحدث إليه بصوت منخفض لأهدئ من روعه. فعلتُ ما طلبتْه بدقة؛ وضعتُ يدي على فروه المرتجف، وشعرتُ بنبضات قلبه المتسارعة كالطبول تحت كفي. بدأتُ أتمتم بكلمات دافئة وعشوائية، وأنا أراقب أصابع مريم وهي تتحرك بخفة ومهارة تضاهي مهارة جراحي البشر. سحبت مريم محقنة البنج الموضعي، وغرزتها برفق في محيط الجرح، وكان الكلب يتألم ويحاول التملص بقوة، لكنني ضغطتُ بجسدي عليه بحنو وإصرار، مانعاً إياه من إيذاء نفسه أو إيذائها. بدأتْ مريم بتطهير الجرح بمحلول الملح والبتادين، وكانت الدماء تختلط بالمطهر وتسيل على الأرض، ومريم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 14

    بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛ كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي. إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status