مشاركة

part 14

مؤلف: رنا خميس
last update تاريخ النشر: 2026-07-10 17:06:37

بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛

كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي.

إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة

تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي، واصفين إياي

بـ "فنان الوحشة المعاصرة". كان الحزن الأسود هو وقودي، والمسافة الشاسعة هي ملهمتي الأولى والوحيدة.

الآن، تلاشت المسافة بالكامل. سقط الجدار المنيع الذي بنته السنون بيني وبين الأمنية المستحيلة، وجلستُ بالأمس في صالون عائلتها الدافئ،

وتناولتُ الطعام من يد والدتها، واستمعتُ لضحكة مريم الصافية وهي تشاركني شاي المساء في الشرفة تحت حراسة صوت أم كلثوم ودعوات الأمهات

المكتومة.

روحي ممتلئة الآن بارتياح عارم وعميق، وقلبي الذي طالما تنقل بين المطارات مكسوراً قد عثر أخيراً على مرافئه الآمنة..

لكن، مقابل هذا الأمان المطلق، انطفأت شرارة الرسم في عقلي. تجمدت الأفكار وتلاشت الظلال، ووقفتُ أمام هذا القماش الأبيض عاجزاً، كصبي أضاع حروف هجائه الأولى.

قمتُ من مكاني ببطء

وجسدي يشعر بثقل غريب، وتحركتُ نحو النافذة الضخمة التي تطل على أفق مدينة الإسكندرية الممتد.

كانت خطوط الترام الزرقاء تتهادى في الأسفل ببطء، وصخب الباعة الجائلين يمتزج بصوت أبواق السيارات البعيدة ليصنع سيمفونية الحياة اليومية التي غبتُ عنها مراهقاً وعدتُ إليها رجلاً تلاتينياً يحاول إعادة استكشاف تفاصيل وطنه.

نظرتُ إلى الأسطح المجاورة، وإلى حبال الغسيل المتشابكة، وإلى طيور النورس التي تحلق في فضاء الشتاء البارد، وحاولتُ بغريزة الرسام أن أجد كادراً واحداً يستفز رغبتي في الحركة، لكن عقلي رفض الاستجابة؛ فكل فكرة وليدة كانت تطردها صورة مريم الواثقة بمعطفها الصوفي الأسود ونظرتها الناضجة المتزنة.

سحبتُ نفساً عميقاً، وشعرتُ بخوف حقيقي يتسلل إلى أعماقي؛ هل يعني الشفاء من عذاب الغربة أن أفقد هويتي الفنية؟ هل كان فني وذكائي في دمج الألوان مشروطاً ببقائي وحيداً ومكسوراً في عتمة المغترب؟ تذكرتُ مقولة قرأتُها يوماً في أحد الكتب الفنية بنيويورك:

*"بعض الفنانين يموتون إبداعياً إذا ما عثروا على السعادة، لأن الإبداع طفل شرعي للألم"*

. شعرتُ بذعر شديد من أن أكون واحداً من هؤلاء. أنا أحب مريم، ومستعد أن أحمي حلمها وطبها برموش عيني كما وعدتُها بالأمس، ولا يمكنني بأي حال من الأحوال أن أربط وجودي معها بالحزن، فكيف سأرسم إذن؟ كيف سأترجم هذا الاستقرار الصافي إلى خطوط وظلال يقبلها القماش الأبيض؟

تراجعتُ خطوات إلى الخلف، وعدتُ لأتأمل أنابيب الألوان المرصوصة أمامي على الصندوق الخشبي. الألوان الباردة والمونوكرومية التي ميزت اسمي في المعارض الدولية

(الرمادي الداكن، الأزرق الحزين، الأسود الميت)

بدت لي الآن غريبة كأنها تنتمي لرجل آخر لا أعرفه. لم أعد أشعر بالرغبة في لمسها، لأنها لم تعد تعبر عن نبض قلبي الحالي. إنني أعيش صراعاً روائياً ونفسياً معقداً؛

صراع لتأسيس هوية فنية جديدة بالكامل، هوية تليق برجل ولد من جديد على أرض الوطن، لكنه لا يملك حتى الآن الأدوات أو الجرأة ليعبر عن هذا النور المباغت.

بينما كنتُ غارقاً في هذه الدوامة من الأفكار والمخاوف، قطع صمت المرسم صوت اهتزاز هاتفي المحمول الموضوع فوق صندوق كرتوني مجاور. تحركتُ نحوه بكسل،

وظننتُه اتصالاً روتينياً من أحد منظمي المعارض أو رسالة إلكترونية باردة من نيويورك، لكن بمجرد أن رفعتُ الجهاز ونظرتُ إلى الشاشة، انقبض قلبي بنبضة دافئة ومفاجئة طردت كل برودة المكان؛ كان الاسـم اللامع على الشاشة هو حساب مريم الشخصي،

وقد أرسلت لي رسالة نصية قصيرة بالعامية تقول فيها:

— *"أحمد.. سيب الفرشة من إيدك دلوقتي، وانزل.

انا واقفة بالير ب عيادتي في جليم، وعندي حالة طارئة وصعبة جداً ومحتاجاك تكون جمبي.. مستنياك"*

تأملتُ الكلمات لثوانٍ، وشعرتُ ب ارتياح عارم يجتاح صدري، وحرارة غريبة تسري في أطرافي لتطرد كل آثار القفلة الفنية والجمود. لم أتردد للحظة واحدة؛

دستُ هاتفي في جيبي، والتقطتُ معطفي الثقيل ومفاتيح الشقة بسرعة، ودون أن أنظر إلى القماش الأبيض العاري مجدداً، أغلقتُ باب المرسم خلفي ونزلتُ السلالم مسرعاً نحو الشارع.

أدركتُ في أعماق روحي وأنا أندفع وسط هواء الإسكندرية البارد أن جواب صراعي الفني ليس موجوداً هنا بين جدران المرسم الخالية، بل هناك.. بجوار مريم، في تفاصيل حياتها الحقيقية، وشغفها وطبها الذي سأشاهد تفاصيله لأول مرة كـ "سند وداعم حقيقي"، تاركاً للأيام أن تعلمني كيف أرسم النور الذي عثرتُ عليه في عينيها.

دلفتُ إلى الحي القديم في جليم بخطى متسارعة، أتبع الإحداثيات التي أرسلتها مريم على هاتفي. لم تكن في عيادتها الأنيقة ذات الجدران البيضاء والنوافذ المصقولة،

بل كانت في زقاق خلفي ضيق، ينزوي بعيداً عن صخب الشارع الرئيسي، حيث تتجمع القمامة وبقايا صناديق الخشب القديمة خلف أحد البيوت السكندرية المتهالكة. كان الهواء الشتوي في هذا المكان يزداد برودة، ممتزجاً برائحة العطن والتراب المبتل بفعل مطر الليلة الماضية.

وهناك، وسط العتمة الخفيفة التي يصنعها جداران متقاربان، رأيتها.

كانت مريم جاثية على ركبتيها بالكامل فوق الأرضية الترابية المتسخة، دون أن تبالي ببنطالها القماشي الرمادي أو بمعطفها الذي تلوث بأتربة الرصيف.

كانت حقيبتها الطبية الكبيرة مفتوحة بجوارها، ومحتوياتها من زجاجات المطهر، والشاش، والمحاقن منثورة بعناية فوق قطعة قماش معقمة. وأمامها مباشرة، كان يستلقي كلب من كلاب الشوارع الهزيلة

ذو فرو رمادي متسخ ومليء بالجروح، كان جسده الصغير يرتجف بعنف، ويصدر أنيناً خافتاً ومتقطعاً يمزق نياط القلب، بينما كانت الدماء والصديد ينزفان بغزارة من إصابة بالغة في قدمه الخلفية، يبدو أنها نتجت عن ارتطام عنيف بسيارة مسرعة لم يتوقف صاحبها ليرى ما فعله.

توقفتُ على مسافة خطوتين، وأنا أتأمل هذا المشهد بذهول وإعجاب صامت. لم تكن مريم هنا تلك الطبيبة الوقورة التي تجلس خلف مكتبها الفخم لتستقبل الحيوانات الأليفة المدللة؛

بل كانت مقاتلة، إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تغوص بأصابعها في وجع الشارع لتنقذ روحاً بريئة لا تملك صوتاً لتصرخ به ولا مالاً لتشتري به العلاج. كانت ملامح وجهها مشدودة بتركيز هائل، وعيناها السوداوان الواسعتان تفيضان بحنان جارف، ممتزج بجدية طارئة لم أرها فيها من قبل.

شعرت مريم بوجودي، فرفعت رأسها ببطء، وتلاقت أعيننا في نظرة سريعة تلاشت فيها كل حواجز الغياب.

لم تبتسم، فالإصابة كانت حرجة والوقت ضيق، لكنني رأيتُ في عينيها بريق ارتياح عارم وعميق بمجرد رؤيتي واقفاً بجانبها. قالت بصوت متزن، لكنه يحمل نبرة رجاء حارة بالعامية:

— "أحمد.. كويس إنك جيت بسرعة. الكلب ده عربية خبطته من ساعات وسابته ينزف هنا، والناس بلغوني.. الجرح غويط جداً ومحتاج يتطهر ويتخيط حالاً، وأنا مش هعرف أتحكم فيه لوحدي لأنه خايف وبيتألم وممكن يعض.. محتاجاك تثبته معايا، تقدر؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 16

    او هذا ما كنتُ أظنه؛ لأن وهم الاستقرار والارتياح العارم الذي غمرني لبعض الوقت على رصيف جليم وأنا أستمع لضحكات مريم المنسية، سرعان ما انهار كبيت من الرمال الواهية بمجرد أن أغلقتُ باب مرسمي الجديد بالمساء، ووجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الصمت، والفراغ، وحقيقتي العارية تماماً.وقفتُ وسط صالة الشقة الفسيحة في منطقة مصطفى كامل، ألقي بمعطفي وثيابي الملوثة بالطين والدماء بإهمال فوق الأرضية البلاطية الباردة، وأتأمل ذلك الحامل الخشبي اللعين الذي ما زال يعرض لوحة بيضاء عارية تماماً، ناصعة بكبرياء صامت وقاسٍ كأنه جدار يتحداني ويقوض كل وجودي وتاريخي كفنان. هنا، في العزلة المطبقة بعد أن انفض صخب الشارع وبقيتُ بمفردي مع أنفاسي الساخنة، تجسدت الكارثة بكل أبعادها المرعبة التي كنتُ أهرب منها؛ أنا لا أعيش مجرد قفلة فنية عابرة أو وعكة إبداعية مؤقتة يمكن ل فنجان قهوة أو جولة على البحر أن يداويها، بل أنا أعيش انهياراً كاملاً، ساحقاً، وبنيوياً لهويتي الإبداعية، زلزالاً صامتاً يقتلع جذور الفرشاة التي طالما ظننتُ طوال حياتي أنها امتداد طبيعي لأصابعي وشراييني.إن أولى أسباب هذا الانهيار، وأكثرها تمزيقاً وإيلاما

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 15

    لم أتردد لثانية واحدة. خلعتُ معطفي الصوفي الثقيل، وألقيتُه بإهمال فوق أحد الصناديق الخشبية المجاورة، وشمرتُ عن أكمام قميصي، ثم جثوتُ على ركبتي في الطين بجوارها مباشرة، غير مبالٍ بنظافة ثيابي أو برائحة المكان. نظرتُ إلى الكلب الخائف، وقلت لها بنبرة هادئة ومطمئنة بالعامية: — "قولي لي أعمل إيه بالظبط يا مريم.. أنا معاكي ومش هتحرك." أرشدتني مريم بسرعة وذكاء؛ طلبت مني أن أضع كفيّ برفق ولكن بإحكام فوق منطقة الرقبة والصدر للكلب، لكي أمنعه من الحركة المفاجئة التي قد تفسد عملية الخياطة وأن أتحدث إليه بصوت منخفض لأهدئ من روعه. فعلتُ ما طلبتْه بدقة؛ وضعتُ يدي على فروه المرتجف، وشعرتُ بنبضات قلبه المتسارعة كالطبول تحت كفي. بدأتُ أتمتم بكلمات دافئة وعشوائية، وأنا أراقب أصابع مريم وهي تتحرك بخفة ومهارة تضاهي مهارة جراحي البشر. سحبت مريم محقنة البنج الموضعي، وغرزتها برفق في محيط الجرح، وكان الكلب يتألم ويحاول التملص بقوة، لكنني ضغطتُ بجسدي عليه بحنو وإصرار، مانعاً إياه من إيذاء نفسه أو إيذائها. بدأتْ مريم بتطهير الجرح بمحلول الملح والبتادين، وكانت الدماء تختلط بالمطهر وتسيل على الأرض، ومريم

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 14

    بقيتُ جالساً على الأرضية البلاطية الباردة لمرسمي الجديد لقرابة الساعتين، وعيناي شاخصتان نحو ذلك الفراغ الناصع الممتد فوق القماش المشدود أمامي. كان الصمت في الشقة يزداد عمقاً وثقلاً، لا يقطعه سوى النقر الخفيف لبعض حبات الرمل التي تحملها الرياح السكندريّة لتصطدم بزجاج النوافذ المرتفعة. نظرتُ إلى يدي اليمنى، وتأملتُ أصابعي التي تلوثت بقليل من اللون الأزرق الفيروزي البارد أثناء إعداد الباليت؛ كانت ترتجف خفية، ليس بفعل صقيع الشتاء الذي بدأ يتسلل من شقوق الأبواب الخشبية، بل بفعل ذلك الارتباك النفسي الحاد الذي يجتاح جوفي. إنها المفارقة الأكثر سخرية وقسوة في حياتي كفنان؛ طوال خمسة عشر عاماً قضيتُها في صقيع نيويورك، كنتُ أجلس في مرسمي الصغير بمانهاتن وسط وطأة الوحدة القاتلة تحاصرني جدران شقتي الباردة وذكريات الفقد المبرح، فتنقاد لي الفرشاة كأنها كائن حي يتنفس من حزني. كنتُ بائساً، مغترباً، وممزقاً بين ماضٍ تركته على رصيف جليم ومستقبل غامض أطارده في بلاد الغرب، لكنني كنتُ غزير الإنتاج، أفرغ لوحة تلو الأخرى، وأرسم الفراق بتفاصيل مرعبة تجعل كبار النقاد في أمريكا يقفون بذهول أمام لوحاتي،

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 13

    حين غادرتُ باب شقتهم، كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، وكان الشارع السكندري العتيق في حي جليم قد خلا تماماً من المارة، إلا من بضعة كلاب ضالة تلتمس الدفء تحت مصاطب البيوت، وسيارات قليلة ملقاة على جانبي الطريق، تغطي زجاجها طبقة كثيفة من ندى الشتاء الرطب. كان المطر قد تحول إلى رذاذ خافت، يكاد لا يُرى إلا عندما يتقاطع مع خيوط الإضاءة الصفراء الباهتة المنبعثة من أعمدة الإنارة المتباعدة.سرتُ ببطء، أجر قدميّ على الرصيف المبتل، ويداي مدسوستان في جيوب معطفي الثقيل. كانت أنفاسي تخرج متلاحقة، تصنع غيوماً صغيرة من البخار الأبيض في الهواء البارد، ثم تتلاشى بسرعة كأنها لم تكن. لكن في داخلي، كان كل شيء يغلي؛ صدى صوت مريم وهي تقول بالعامية: *"مكانه الصبي القديم بتاعي لسه زي ما هو"* كان يتردد في أذني بإيقاع منتظم، ممتزجاً بصوت أم كلثوم الدافئ الذي ما زال يعشعش في زوايا عقلي.شعرتُ بنوع من الخفة الغريبة، خفة لم أعهدها منذ خمسة عشر عاماً. الغربة في نيويورك تعودك على ثقل دائم في الصدر، ثقل تصنعه الحيرة، والركض وراء النجاح، والخوف من المجهول، وجدران الشقق المصمتة التي لا تعكس سوى صمتك ا

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 12

    صعدنا معاً إلى شرفة الشقة الفسيحة في حي جليم بعد أن مالت الشمس نحو الغروب تماماً، تاركة خلفها شريطاً ساحراً ينبض بالألوان الأرجوانية والذهبية الداكنة التي امتدت لتصبغ صفحة البحر السكندري الثائر. كان الهواء الشتوي الرطب يلفح وجوهنا بنكهة اليود المألوفة، ممتزجاً ببرودة واضحة تجبر الأجساد على التقارب تلقائياً بحثاً عن أي نسمة دفء. وقفت مريم مستندة بكفيها الرقيقتين على سور الشرفة الحديدي، مرتدية سترة صوفية بيضاء واسعة تزيد ملامحها نضجاً ووقاراً، بينما كنتُ أقف بجوارها مباشرة، أحمل في يدي فنجانين من الشاي الساخن الذي تصاعد بخاره بكثافة ليتلاشى في جو الشرفة البارد ويصنع ضباباً خفيفاً بين وجهينا.وضعتُ فنجان الشاي الدافئ أمامها على السور، فالتفتت إليّ وعيناها السوداوان الواسعتين تعكسان بقايا ضوء الغروب النحاسي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، مشوبة بذلك التحفظ الهادئ والارتباك النفسي اللطيف الذي لم يغادرنا تماماً منذ التقينا فوق السحاب في تلك الطائرة العابرة. أخذت نفسًا عميقاً من هواء البحر، ونظرت إلى السائل الداكن في الفنجان، ثم التفتت نحوي وسألتني بالعامية بنبرة حانية، يشوبها بعض الفضو

  • مازلنا نُحب بعضِنا    part 11

    في الصباح التالي، كان طقس الإسكندرية قد استقر على برودة دافئة ومشمسة، بعد ليلة طويلة غسلت فيها الأمطار أرصفة المدينة العتيقة ونفضت عن قلوبنا غبار خمسة عشر عاماً من الفراق الإداري. وجدتُ نفسي، وبخطى يملؤها مزيج غريب من التردد والاشتياق الحارق، أقف أمام باب شقة عائلة مريم الجديدة في حي جليم. كانت العمارة تطل مباشرة على البحر، والهواء المحمل باليود يلفح وجهي وأنا أتحسس باقة الورود البيضاء التي اشتريتُها بعناية. طرقتُ الباب بنبضات قلب متسارعة، وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتح الباب لتظهر من ورائه والدة مريم؛ "طنط سعاد".لم تكن السنون قد غيرت من ملامحها الحنونة الكثير، سوى بعض خطوط الوقار التي كللت جبينها، وخصلات بيضاء قليلة نسجها الزمن وسط شعرها. نظرتْ إليّ لثوانٍ بذهول غير مصدق، واتسعت عيناها الطيِّبتان، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، قالت بالعامية بنبرة تخنقها دموع المفاجأة:— "أحمد؟! يا حبيبي يا أحمد.. مش معقول! أنت رجعت يا ابني؟"ولم تنتظر إجابتي؛ بل فتحت ذراعيها لتدثرني بحضن دافئ، حضن سكندري خالص أعاد إليّ في ثانية واحدة رائحة أمي الراحلة، وأعاد إليّ دفا البيوت القديمة التي حُرمتُ منها في غربت

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status