LOGINالجزء الثالث: مملكة المستذئبين
ساد هدوء قصير في الساحة. بدأت الحمرة التي غمرت السماء تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى استعادت البلورة العملاقة صفاءها البلوري. دارت ببطء... مرة... ثم ثانية... ثم ثالثة... وفجأة... اشتعل قلبها بضياء رمادي فضي، امتزج بخيوط بيضاء تشبه ضوء القمر، فانطلقت منها موجة نور اجتاحت السماء فوق الأكاديمية. ومع مرورها... تبدلت الراية المرفوعة فوق المنصة، لتحل محلها راية رمادية يتوسطها رأس ذئب فضي شامخ، يحدق إلى الأفق بعينين حادتين. رفع المدير رأسه. ثم قال بصوته الجهوري: "فليتقدم... طلاب مملكة المستذئبين." تحرك الوافدون الجدد بخطوات ثابتة. ارتدوا الزي الرسمي لأكاديمية العروش، إلا أن اللون الرمادي الداكن الذي يكسو معاطفهم منحهم هيبة مختلفة، هيبة تشبه الجبال الصامدة أكثر مما تشبه القصور الفاخرة. لم تكن خطواتهم متطابقة... فكل واحد منهم سار بثقة مختلفة. لكن شيئًا واحدًا جمعهم جميعًا... ذلك الكبرياء الذي لا تخطئه العين. اصطفوا أمام المنصة. أنزل المدير بصره إلى القائمة. ثم أعلن: "الطالبة الأولى على مملكة المستذئبين..." توقف لحظة. "أنستازيا فولفان." انفرج الصف الرمادي. خرجت فتاة طويلة القامة، ذات شعر فضي ناعم ينسدل حتى منتصف ظهرها، يتحرك بخفة مع كل خطوة تخطوها. بدت ملامحها هادئة بصورة يصعب تفسيرها... حتى إن وجهها لم يحمل أي تعبير. أما عيناها الرماديتان... فكانتا ساكنتين، كسماء يسبقها هطول المطر. لم تلتفت إلى أحد. تابعت سيرها حتى وقفت أمام المدير. رفع المدير الشارة الفضية. وقال بصوت واضح: "شارات مملكة المستذئبين... لا تعترف إلا بنبضات قلوب أصحابها." ساد الصمت. وضعت أنستازيا يدها فوق صدرها. وأغمضت عينيها. دق... اهتزت الأرض اهتزازًا خفيفًا. دق... ارتطمت الشارة بأرضية الرخام. دق... قفزت من جديد. ومع كل نبضة... كانت ترتفع أكثر، حتى ارتفعت في الهواء، وأخذت تدور دورة هادئة حول أنستازيا، قبل أن تستقر فوق معطفها عند موضع القلب. فتحت أنستازيا عينيها. انحنت احترامًا. ثم عادت إلى مكانها، وكأن شيئًا لم يحدث. خفض المدير بصره إلى القائمة مرة أخرى. "الطالب الثاني..." "كيلان غرايفان." خرج شاب متوسط الطول، ذو شعر بني مائل إلى الرمادي، تعلو وجهه ابتسامة مشرقة، وكأن الساحة كلها لا تمثل له سوى مكان للترحيب. لوح بيده لعدد من زملائه. فبادلوه الابتسام. حتى بعض الأساتذة تبادلوا النظرات وهم يبتسمون. وقف أمام المدير. ووضع يده فوق صدره. دق... ارتطمت الشارة بالأرض. دق... قفزت. دق... قفزت أعلى. لكنها لم تتوقف. أخذت تدور حول كيلان بسرعة كبيرة، حتى أصبحت كأنها حلقة رمادية لامعة تحيط به. ضحك كيلان وقال بخفة: "اهدئي... الجميع ينظر إلينا." تعالت ضحكات خافتة بين الطلاب. حتى المدير لم يستطع إخفاء ابتسامته. وبعد لحظات... هدأت الشارة. ثم استقرت فوق معطفه. انحنى احترامًا. وعاد إلى مكانه وهو لا يزال يحتفظ بابتسامته. بدأت الأسماء تتوالى. الثالث... فالرابع... وكانت كل شارة ترتطم بالأرض مع نبضات صاحبها، ثم ترتفع لتستقر فوق معطفه. حتى رفع المدير رأسه من جديد. "الطالبة السادسة..." "ليكاريا فولفان." وقبل أن ينهي المدير نطق اسمها بالكامل... قفزت ليكاريا من مكانها بحماس. اتسعت عيناها. ثم وضعت يدها خلف رأسها وهي تضحك بخجل. "أوه... استعجلت قليلًا." تعالت ضحكات خافتة في أنحاء الساحة. أغمضت أنستازيا عينيها للحظة، وكأنها كانت تتوقع هذا تمامًا. أما كيلان... فابتسم وهو يهمس: "هذه هي ليكاريا التي أعرفها." هرولت ليكاريا بخطوات سريعة حتى وقفت أمام المدير، ثم أخذت نفسًا عميقًا. رفع المدير الشارة. "لنرَ..." وضعت ليكاريا يدها فوق صدرها. دق! ارتطمت الشارة بالأرض بقوة حتى سُمِع صداها في الساحة. قفز عدد من الطلاب من المفاجأة. دق! ارتفعت الشارة. ثم عادت لترتطم بالأرض بقوة أكبر. دق! قفزت مرة أخرى. لكنها هذه المرة لم تهدأ. أخذت تقفز مرة... ثم ثانية... ثم ثالثة... وكأنها ترفض الاستقرار. اتسعت عينا ليكاريا. "هاه؟!" ثم انفجرت الشارة فجأة نحو الأعلى، وأخذت تدور حولها بسرعة كبيرة، حتى أصبحت كأنها ذئب رمادي يركض حول صاحبته. توقفت فجأة... ثم استقرت فوق معطفها. ساد الصمت لثوانٍ. قبل أن يبتسم المدير. "كما هو متوقع..." تنهدت ليكاريا براحة. "ظننت أنها لن تهدأ أبدًا." ضحك كيلان بصوت منخفض. بينما اكتفت أنستازيا بهزة رأس صغيرة. أغلق المدير قائمته. "وبذلك... يكتمل تسجيل طلاب مملكة المستذئبين." ساد صمت قصير. ثم... رفع جميع طلاب مملكة المستذئبين قبضاتهم اليمنى فوق صدورهم. وفي صوت واحد، قوي وثابت، هتفوا: "القوة جسدنا... والشرف روحنا." ارتجت الساحة بقوة الهتاف. وفي اللحظة نفسها، أطلقت البلورة ومضة رمادية فضية، عبرت فوق رؤوس الجميع، ثم عادت لتستقر في مكانها، معلنة انتهاء مراسم استقبال الوافدين الجدد. يتبع.....كان جميع الطلاب قد عادوا إلى أجنحتهم، واستسلموا للنوم بعد يوم طويل من مراسم الاستقبال والتجول في أرجاء أكاديمية العروش. ساد الهدوء أرجاء الأكاديمية، وغرقت الممرات والقاعات في سكون الليل، بينما نام الطلاب في غرفهم استعدادًا ليومهم الأول. وفجأة... دوّى صوت هائل هزّ أركان الأكاديمية بأكملها. «استيقظوا، طلاب أكاديمية العروش.» فتحت فاليريث عينيها بفزع، واعتدلت في سريرها وهي تنظر حولها للحظات، غير مستوعبة ما يحدث. أما نُورسين، فكانت مستيقظة منذ البداية. كانت تقف أمام خزانة الملابس، ترتب أغراضها وأغراض فاليريث بعناية، وكأن الصوت لم يفاجئها على الإطلاق. وفي جناح آخر، فتح أوريليوس وكايلوس أعينهما بهدوء، ثم جلسا على طرفي سريريهما. لم يكن الاستيقاظ المفاجئ أمرًا غريبًا عليهما، فقد اعتادا منذ سنوات على التدريبات الشاقة التي تبدأ أحيانًا قبل شروق الشمس، وعلى النهوض عند أول إشارة. أما ليكاريا، فسحبت الغطاء عن وجهها بانزعاج. «ما هذا؟!» كانت أنستازيا قد استيقظت هي الأخرى، وجلست على سريرها بهدوء. نظرت إلى البلورة المضيئة، ثم قالت ببرود: «يبدو أنه وقت الاستيقاظ.» حدقت ليكاريا فيها للحظات
توقف كايلوس عن التذمر، ثم نظر إلى فاليريث وأوريليوس بثقة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا فجأة. "والآن... لنتجه إلى أهم موقع في الأكاديمية." تبادلت فاليريث وأوريليوس نظرة متعجبة. قالت فاليريث: "أهم موقع؟" وأضاف أوريليوس: "أين؟" ابتسم كايلوس بحماس. "اتبعوني." وقبل أن تتمكن فاليريث من قول شيء، أمسك يدها وانطلق راكضًا. "مهلًا!" ضحكت وهي تحاول مجاراته. "كايلوس! إلى أين تأخذني؟" "ستعرفين!" "أخبرني أولًا!" "لا!" بقي أوريليوس واقفًا للحظة يراقبهما وهما يبتعدان، ثم تبعهما مضطرًا. ركض الثلاثة عبر الممرات الواسعة، متجاوزين الأقواس الحجرية والسلالم المتفرعة، حتى بدأ كايلوس يخفف سرعته. وأخيرًا توقف أمام باب ضخم. استدارت فاليريث نحوه وهي تلتقط أنفاسها. "وصلنا؟" استقام كايلوس بفخر. "نعم." وصل أوريليوس بعدهما بثوانٍ، ثم نظر إلى الباب وإلى كايلوس. فتح كايلوس الباب بحماس. وانكشف خلفه... المطعم. اتسعت عينا فاليريث. كانت القاعة هائلة، أكبر بكثير مما توقعت. امتدت عشرات الطاولات في صفوف منظمة، بعضها طويل يتسع لعشرات الطلاب، وبعضها أصغر للمجموعات القليلة.
بعد انتهاء مراسم الاستقبال، انتشرت ضوضاء الطلاب في القاعة، متجهين إلى أجنحتهم.كان بعضهم يتحدث عما حدث خلال الاستقبال، بينما انتشرت همسات متقطعة حول الورثة الثلاثة، وأسمائهم ومكانتهم.وفي هذه الأثناء، كانت فاليريث تسير عبر الممر الرئيسي متجهة إلى جناحها.عبرت القوس الحجري الذي يفصل قاعة الاستقبال عن الممر، وما إن رفعت عينيها حتى توقفت.لم تتحرك.كانت تحدق أمامها بدهشة واضحة.فالممر الرئيسي لم يكن مجرد ممر.كان أشبه بقلب ضخم ينبض داخل الأكاديمية.امتد أمامها لمسافة بدت بلا نهاية، تحيط به جدران حجرية قديمة بلون الرمادي المزرق، ارتفعت حتى اختفت في الظلال العالية للسقف.أعمدة ضخمة وقفت على جانبي الممر، مزينة بنقوش دقيقة بدت وكأنها نُحتت منذ مئات السنين، وبينها أقواس حجرية متتابعة تقود إلى أجزاء مختلفة من الأكاديمية.أما الأرضية...فكانت من الرخام المصقول، تعكس ضوء الثريات المعلقة في الأعلى حتى بدا وكأن الممر مضاء من داخله.تدلت من السقف ثريات ضخمة، بعضها مصنوع من المعدن الفضي، وبعضها الآخر بدا كأنه منحوت من البلور.وكانت أضواؤها تتحرك ببطء.لا بسبب الرياح...بل كأنها تتنفس.على الجدران، ظ
ساد الصمت في الساحة بعد انتهاء مراسم استقبال الطلاب.كانت أعلام الممالك الثلاث لا تزال ترفرف فوق الأكاديمية، بينما وقف الطلاب في صفوفهم، ينتظرون ما سيحدث بعد ذلك.تقدم المدير خطوة إلى الأمام.لم يحمل كتابًا، ولا أوراقًا، ولا حتى قائمة.لم يكن بحاجة إلى شيء من ذلك.فقد أمضى أكثر من قرن بين جدران أكاديمية العروش، حتى أصبح يعرف قوانينها ونظامها أكثر مما يعرفه أي شخص آخر.رفع يده.فاستجابت البلورة العملاقة في السماء.انخفض ضوؤها تدريجيًا، ثم ظهرت على سطحها كلمات مضيئة.قال المدير بصوت هادئ، لكنه وصل إلى الجميع:"قبل أن تبدأوا عامكم الأول هنا... هناك أمور عليكم أن تعرفوها."توقفت عيناه بين الوجوه."أمضيت أكثر من قرن بين جدران هذه الأكاديمية، ورأيت آلاف الطلاب، وشهدت على جميع حيلهم."ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه."لذلك... لدي نصيحة واحدة."سكت لحظة.ثم قال:"لا تحاولوا خرق أي قانون."القانون الأولسفك الدماء داخل الأكاديمية ممنوع.تغيرت صورة البلورة.ظهرت قطرة دم حمراء تسقط في وسط ساحة فارغة.قال المدير:"لا يهم من بدأ الشجار."ثم أضاف:"ولا يهم من كان على حق."اختفت قطرة الدم."من يسفك دم ط
الجزء الثالث: مملكة المستذئبين ساد هدوء قصير في الساحة. بدأت الحمرة التي غمرت السماء تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى استعادت البلورة العملاقة صفاءها البلوري. دارت ببطء... مرة... ثم ثانية... ثم ثالثة... وفجأة... اشتعل قلبها بضياء رمادي فضي، امتزج بخيوط بيضاء تشبه ضوء القمر، فانطلقت منها موجة نور اجتاحت السماء فوق الأكاديمية. ومع مرورها... تبدلت الراية المرفوعة فوق المنصة، لتحل محلها راية رمادية يتوسطها رأس ذئب فضي شامخ، يحدق إلى الأفق بعينين حادتين. رفع المدير رأسه. ثم قال بصوته الجهوري: "فليتقدم... طلاب مملكة المستذئبين." تحرك الوافدون الجدد بخطوات ثابتة. ارتدوا الزي الرسمي لأكاديمية العروش، إلا أن اللون الرمادي الداكن الذي يكسو معاطفهم منحهم هيبة مختلفة، هيبة تشبه الجبال الصامدة أكثر مما تشبه القصور الفاخرة. لم تكن خطواتهم متطابقة... فكل واحد منهم سار بثقة مختلفة. لكن شيئًا واحدًا جمعهم جميعًا... ذلك الكبرياء الذي لا تخطئه العين. اصطفوا أمام المنصة. أنزل المدير بصره إلى القائمة. ثم أعلن: "الطالبة الأولى على مملكة المستذئبين..." توقف لحظة. "أنستازيا فولفان." انفرج ا
الجزء الثاني: مملكة مصاصي الدماء ساد الصمت لوهلة، بينما ظل علم مملكة مصاصي الدماء يرفرف فوق المنصة، وقد انعكس لونه القرمزي على أرضية الرخام الأبيض، حتى بدت الساحة وكأنها اكتست بهيبة تختلف تمامًا عن تلك التي سبقتها. تقدم الوافدون الجدد بخطوات متزنة. ارتدوا الزي الرسمي لأكاديمية العروش، إلا أن اللون الأحمر القرمزي الذي يكسو معاطفهم منحهم حضورًا مختلفًا؛ حضورًا يوحي بالفخامة أكثر مما يوحي بالرهبة. اصطفوا أمام المنصة في هدوء. أنزل المدير بصره إلى القائمة. ثم قال بصوت ثابت: "الطالب الأول على مملكة مصاصي الدماء..." توقف لحظة. "كايلوس فالتير." انفرج الصف الأحمر. خرج شاب طويل القامة، عريض الكتفين، ذو شعر أسود قصير مرتب بعناية، يمشي بخطوات واثقة، وكأن الطريق يعرفه قبل أن تطأه قدماه. بدأت الهمسات تنتشر بين الصفوف. "إنه كايلوس..." "ابن المستشار سيريوس فالتير." "يقولون إنه لم يُهزم في أي اختبار داخل المملكة." "لهذا احتل المركز الأول." لم يلتفت لأي همسة. وقبل أن يصل إلى المنصة، مرت عيناه سريعًا على صفوف مملكة السحر، ثم أكمل طريقه وكأن شيئًا لم يكن. وقف أمام المدير. ابتسم المدي