تسجيل الدخولانتهى من كلماته المشبعة بالاحتدام، وأنهى المكالمة دون أن يسمح للآخر بإضافة المزيد. ألقى الهاتف فوق سطح المكتب بإهمال، وقد اكتست ملامحه بكامل علامات الغضب، بينما كانت السخونة تضطرم في صدره بوضوح، وتظهر مع كل نفس يغادر رئتيه.
كان شريكه "كرم" يتابع الموقف بصمتٍ تام، وقد استطاع بسهولة أن يدرك مصدر تلك المكالمة، رغم أنه لم يستمع سوى إلى ردود "عاصم" المحتدمة. لكن لعلمه بخفايا ما يتعلق بماضي "كمال الصباحي"، اكتملت الصورة لديه سريعًا. فهو ابن أحد أصدقاء "كمال"، ذلك المحامي المخضرم الذي ساعد "عاصم" في إخراج والده من السجن، بعدما لجأ إليه حين يئس من إنهاء تلك القضية التي استنزفت سبع سنوات من عمر والده خلف القضبان، ليجد عنده أخيرًا حلًا قانونيًا أفضى إلى تبرئته. وكان "كرم" على دراية كاملة بكل ذلك، ومع مرور الوقت توطدت علاقته بـ"عاصم" شيئًا فشيئًا، ولثقته الكبيرة بعائلته، عرض عليه "عاصم" تولي منصب مدير الشؤون القانونية في شركاته. أعاد "عاصم" رأسه إلى الخلف مستندًا إلى ظهر كرسيه الجلدي، يزفر أنفاسًا مثقلة بالاختناق الذي يملأ صدره، لكنه ما لبث أن مال برأسه قليلًا إلى الأمام حين انتبه لصوت الجالس أمامه، متسائلًا بهدوء وحذر: -هل عادوا للاتصال مجددًا؟ كان يعلم مسبقًا من "عاصم" بمحاولاتهم المستميتة لاستدراجه إلى العمل معهم. تشكل ضيق متزايد على ملامحه، ثم أطلق زفرة ثقيلة مجيبًا باقتضاب: -نعم. ضم "كرم" شفتيه لبرهة وهو يتفحص ملامحه، متأملًا ما يعتري وجهه من توتر، قبل أن يقول بما خطر بباله، وكان يراه حلًا جذريًا لتلك الاتصالات التي تعكر صفو الآخر: -إذًا، لما لا تجعل كمال بيه يخبرهم أنه... قاطعه "عاصم" قبل أن يتم حديثه، وكأن ما يقوله ضرب من الحماقة، إذ قال بامتعاض واضح وهو يتهيأ للنهوض من مقعده: -أنا لا أضمن كمال بيه نفسه. ظهر عدم الفهم جليًا على وجه الآخر، بينما اتجه "عاصم" نحو البراد الموضوع في إحدى زوايا المكتب، وأخرج منه زجاجة مياه باردة لعلها تخفف شيئًا من سخونة صدره. رفعها إلى فمه وارتشف منها كمية كبيرة وكأنه يروي عطش أيام، ثم تنفس بسرعة طفيفة بعد أن أفرغها كاملة، واتجه إلى سلة المهملات وألقى الزجاجة الفارغة بداخلها، قبل أن يستدير نحو "كرم" الذي بقي صامتًا وكأنه ينتظر توضيحًا لما قاله. أطلق "عاصم" زفيرًا مطولًا، ثم أردف بفتور امتزج بالانزعاج: -لكنني أعود وأقول إنه كبر في السن، ولم تعد لديه العقلية التي تدفعه لتكرار الخطأ مرتين... وتلك لم تكن مجرد غلطة، بل كلّفته سبع سنوات من عمره، وكلّفتني أنا أكثر من ذلك بكثير. قال جملته الأخيرة بصوت خافت وهو يطأطئ رأسه، حتى لا يضطر لتفسير ما يقصده، بينما مطّ "كرم" شفتيه باستغراب من إصرار أولئك الرجال على التواصل مع "عاصم" تحديدًا بدلًا من والده. نهض من مقعده وسار نحوه حتى أصبح قبالته، ثم قال بتخبط ظاهر على ملامحه: -لا أفهم سبب إصرارهم على التحدث إليك أنت تحديدًا، كان بإمكانهم التواصل مع كمال بيه مباشرة، وإن كان يفكر فعلًا في العودة إلى ذلك العمل كما يظنون، فسيقوم به من وراء ظهرك. رمقه "عاصم" بنظرة يملؤها الاعتداد بالنفس، فهو لم يكن ليسمح لوالده بالعودة إلى تلك الأعمال مجددًا، وهذا ما عمل عليه تحديدًا. ارتسم شبح ابتسامة واثقة فوق ثغره، ثم قال بنبرة مغترة: -وهل تظن أنني لم أضع ذلك في الحسبان؟ لا شيء يحدث من وراء ظهري، وكل صغيرة وكبيرة في عمل والدي أعلم بها، وهم يدركون ذلك جيدًا، ولهذا يتفاوضون معي أنا، لا معه. اتضحت الرؤية كاملة أمام "كرم" بعد توضيحه، وفهم السبب الحقيقي وراء رغبة أولئك الأشخاص في التفاوض مع "عاصم" تحديدًا. هز رأسه بتفهم، لكنه أدرك أيضًا حجم الضغط الملقى على عاتقه، لذا عرض عليه المساعدة بودٍ واضح في نبرته: -إن أردت أن أتابع معك بعض الأمور في شركات كمال بيه فلا مانع لدي، حتى لا تتحمل كل هذا العبء وحدك. لم يكن عرضه مستحبًا بالنسبة إليه، فهو يفصل تمامًا بين عمله في مجال المعمار وشركات الأدوية الخاصة بوالده. حرك "عاصم" رأسه نافيًا، وقال بأسلوب لبق يحمل الرفض: -لا يوجد أي عبء، أنت تعلم أن شركات والدي ليست كثيرة، وهناك أشخاص أعتمد عليهم هناك ويسهّلون عليّ كل شيء، فلا تشغل نفسك أنت، وركّز في عملنا. لم يرد "كرم" الضغط عليه، خاصة أنه ليس من الأشخاص الذين يتراجعون عن قراراتهم، كما أنه يضجر سريعًا من إطالة الحديث. لذا أومأ له بخفة موافقًا، وقال وهو يتفقد ساعة يده استعدادًا للمغادرة: -حسنًا، سأعود إلى مكتبي الآن، وبالنسبة للصفقة فسأراجع بنودها جيدًا ثم أرسل لك تفاصيلها عبر البريد الإلكتروني. اكتفى "عاصم" بإيماءة خفيفة بالكاد تُذكر، وظل واقفًا بشموخه المعتاد وهامته المنتصبة، بينما كانت الذكريات تتأرجح بعقله، ذكريات نهشت روحه لسنوات وتركت فيها شروخًا لا تزول مهما حاول التناسي والتظاهر بعدم التأثر. لكن كل ما يسمعه ويراه يعيد إليه ما حاول دفنه من أحداث مريرة وذكريات قميئة، فتتخبط أفكاره وتنهك قواه، مؤكدة له أن ذلك الجزء القاسي من ذاكرته لن يندثر ما دام حيًا. انتبه من شروده على رنين هاتفه مجددًا. كانت أعصابه كلها مهيأة للانفجار إن كان المتصل ذلك الرجل ذاته. بخطوات حادة اتجه نحو المكتب، والتقط الهاتف بعنف، لكنه سرعان ما خفتت عصبيته وتحولت ملامحه إلى السأم والملل حين قرأ اسم المتصل. كانت "داليا" هذه المرة. لم يكن في مزاج يسمح له بسماع ثرثرتها التي تثير ضيقه، فنفخ بضجر واضح على ملامحه، ثم ضغط زر إنهاء المكالمة، وفعل وضع الطيران حتى يقطع محاولاتها المستمرة للوصول إليه، قبل أن يلقي الهاتف مجددًا فوق المكتب، بينما ظل الاختناق داخله يتفاقم دون أن يجد له مخرجًا. ❈-❈-❈ شحنات الغضب، والانفعالات المكبوتة، والنيران التي تُستشعَر مع سريان الدماء في العروق، قد تدفع الإنسان إلى رغبةٍ ملحة في تحطيم كل شيء من حوله، وكأن ذلك هو المتنفّس الوحيد لما يعتمل بداخله من اختناق وذكريات بغيضة لا تكف عن العبث بعقله، وتغذية ذلك الشعور بالدونية الذي لازمه طويلًا، حتى تمنى يومًا أن يُمحى من ذاكرته إلى الأبد. وفي تلك اللحظة، لم يجد أمامه سوى المشروبات الكحولية، علّها تمنح عقله غيابًا مؤقتًا عن التفكير المضني، سواء في ماضيه الأسود، أو في الأحداث الثقيلة التي توالت عليه مؤخرًا. أنزل كأس الشراب بعدما ارتشفه دفعة واحدة، فيما كانت النظرات الميتة تستقر داخل عينيه، موجهة نحو العدم. كان يجلس في صالة شقته الفارهة الواسعة، تلك التي ورغم اتساعها كانت تملؤه بشعور خانق بالوحدة. ومع ذلك، كان يحتاج أحيانًا إلى البقاء فيها، بعيدًا عن منزل والده، بما يحمله من ذكريات طفولته القاسية بين جدرانه. وفي النهاية، المرأة الوحيدة التي كانت تمنحه دفئًا هناك قد رحلت، ليتحول ذلك الدفء إلى برودةٍ قاسية تنبعث من كل زاوية بالمكان. أمسك بزجاجة الشراب ليصب كأسًا أخرى، لكن صوت جرس الشقة حال دون ذلك. وضع الزجاجة فوق الطاولة، واتجه بخطوات ثقيلة نحو الباب، تعلو ملامحه أمارات ضيق واضحة، إذ لم يكن في مزاج يسمح له برؤية أحد. فتح الباب، وكما توقع تمامًا، كانت "داليا" تقف أمامه. لم يبدُ على وجهه أي اكتراث لرؤيتها، بل استدار ببساطة وعاد نحو طاولة المشروبات. لم يكن فتوره أمرًا جديدًا بالنسبة إليها، لذا أغلقت الباب خلفها ودلفت إلى الداخل بصمت، ثم تبعته حتى توقف أمام الطاولة. وبينما كان يسكب الشراب في الكأس الفارغة وعيناه مثبتتان عليها، سألها بنبرة خاوية: -ما الذي جاء بكِ؟تشنج جسدها من انتعاش ذاكرتها بذلك المشهد المثير للاشمئزاز، وأجابته صارخة:-نعم، كانت تراني، كنت واقفة ورأيتكما بعينيّ وأنتم تقبّلان بعضكما.لم يتحمل ظلمها له بإصرارها على نسب تلك التهمة إليه، وهدر مدافعًا عن نفسه بعصبية عارمة:-أنا لم أقبلها، افهمي هذا جيدًا، لم أقترب منها، ولا من غيرها، أنا منذ أن تزوجنا لم ألمس غيرك، ولا كان قلبي مع أحد سواك.لم تعبأ بغضبه، وتابعت في تكذيبها المليء بالإدانة بتهكم ممتلئ بالغِلّ:-وطبعا أنت تظنني داليا الساذجة القديمة التي ستصدق هذه الكلمات وتفرح بها وتلقي بنفسها في أحضانك، أليس كذلك؟بمزيد من العصبية هتف أمام وجهها:-أنتِ يجب أن تصدقي، لأن هذا هو ما حدث، وهذه هي الحقيقة، لا مي ولا ألف امرأة مثلها تعنيني بشيء، لأني لا أريد أحدًا غيرك.تجاهلت رجفة جسدها حين عبرت جملته الأخيرة قلبها الرهيف، الذي يفتقد إلى سماع مثل تلك الكلمات المحتضنة لآلامها، ولكن خيانته المشهودة جعلتها تراه محض كذب يتلاعب بها، وتظاهرت بالجمود وهي تقول له:-وأنا لا أريدك.نظر بعينين واثقتين إلى داخل عينيها اللتين يتطاير منهما الشرر، وهو يكذب ادعاءها بثقة منقطعة النظير:-أنتِ كاذبة يا د
قابله بهدوء وبدأ يشرح له الأمر بمصداقية واضحة:-يا عاصم، والله لم أكن أعلم. علمت فقط اليوم صباحًا من زينة، فقد دخلت عليها الغرفة صدفة وهي تتحدث مع داليا، فعرفت أنها كانت على تواصل معها طوال الفترة الماضية، لكنها طلبت منها ألا تخبر أحدًا، حتى أنا، خصوصًا بعد أن علمت أن علاقتنا قد تحسنت.ومن شدة انفعاله عجز عن رؤية الصدق في كلامه، وتابع اتهامه:-ولماذا لم تخبرني صباح اليوم؟ لماذا انتظرت كل هذا الوقت إلا إذا كنت تخفي الأمر؟استمر في الدفاع عن نفسه بهدوء:-لم أكن أخفي شيئًا، وقلت لزينة أن تخبرك، لكنها قالت إن داليا منهارة، وصحتها ضعيفة لأنها لا تأكل جيدًا، ولا تحتمل الدخول في حالة عصبية أخرى، وأنت تعلم أنها حامل وقد تتعرض لنزيف أو تؤذي نفسها كما فعلت في المرة الأولى.وبحِدّة شديدة عقب على مبرراته بأسلوب فظ:-أنتم لن تخافون عليها أكثر مني، كان يجب أن تخبرني.لم ينزعج من لهجته، ورد بصدر رحب:-معك حق، ولهذا قلت لزينة أن تخبرك، ولو لم يكن رائف قد تعب لكانت زينة قد جاءت إليك أو جئت أنا بنفسي لأخبرك.ومع أسلوبه الهادئ غير المنفعل، أدرك "عاصم" تسرعه في الحكم ومحاولته إلقاء اللوم عليه رغم صدق كلم
تجاهل ما قالته كأنما لم يمر عبر سمعه، وتقدم منها بخطوات تقوده إليها دون تحكم منه، وهو ينظر إليها بتوق شديد، مرددًا بتلهف:-داليا، أنا...بدت منهارة الأعصاب وهي تعود بجسدها إلى الخلف، وتصرخ به بصوت أشد:-قلت لك ابتعد عني، ابقَ مكانك، لا تقترب مني يا عاصم.تدخل "عز الدين" حينما رأى حالتها المروعة، ووضع يده فوق كتف أخيه، وطلب منه بنظرة متوسلة:-كفى يا عاصم الآن، أجل أي حديث، دعنا نطمئن على رائف أولًا.توجهت "زينة" نحو الأخرى لتمنحها الدعم والأمان الذي تحتاجه، في حين خضع "عاصم" لطلبه مكرهًا، حينما تراءى له تدهور حالتها أكثر مما مضى، وأومأ له بخفة وهو منكس الرأس إلى أسفل. ربت حينئذ "عز الدين" على ظهره، فهو يعلم جيدًا العذاب الذي أنهكه في بُعدها، وأن استجابته لطلبه في ذلك الوقت تعني أنه يكافح نفسه كي لا يثور أمام صدها، بعد كل ما لحق به، وما تحمّله في الآونة الماضية بسبب افتراقهما.منذ أن دلف من باب البيت، وعلى الرغم من رفضها لاقترابه منها، إلا أنه عندما رأى وجهها الذي اشتاق إلى كل ملامحه، كان يتجاهل قدر المستطاع خفقان قلبه الذي يلح عليه بأن يرتمي في أحضانها، ويبكي كطفل صغير بين ذراعيها، يشك
أومأت بخفة بالإيجاب، وأكدت بإيجاز:-نعم، حملت مرة أخرى دون قصد.ازداد ذهوله من ردها الذي سبق وقد سمعه بحملها السابق، واقتبس مما قالته بغرابة:ظون قصد! الحمل يتكرر الأمر ظون قصد في كل مرة؟انتقلت أمارات الذهول إلى وجهها، ورفعت حاجبيها بتعجب من موقفه هو الآخر تجاه حملها، مرددة فيه بضيق مدهوش:-أنت أيضًا يا جاسم؟صمت للحظة، حينما تدارك ردة فعله، خاصة أن الشأن لا يعنيه، ثم قال بنبرة عادية:-لم أقصد شيئًا، إنها مسألة خاصة بها، لكن ما الذي يحدث حقًا؟ أبعد كل فترة تحمل؟كلماته التي تبدو متضادة مع بعضها البعض جعلت بسمة صغيرة تغتصب شفتيها، ثم سرعان ما أخفتها وعقبت بعقلانية:-يا حبيبي، هذا بيد الله، ثم هل ستغضب إن أنجبت لك كل فترة؟استغلت الموقف لصالحها بتساؤلها الأخير، الذي تهرب "جاسم" منه، ومن نظراتها الثاقبة حينما استدار وخطى خطواته نحو الفراش وهو يقول لها باقتضاب:-لا، لن أغضب بالطبع.تبعته بعينين لاح بهما انزعاج واضح من نفس الطريقة المستخفة بقيمة الحديث في ذلك الأمر، وتساءلت بتجهم:-إذًا لماذا لا تريدنا أن ننجب الآن؟تقدمت منه بعد تساؤلها، في حين تنفس هو مطولًا، ثم رسم بسمة صغيرة على ثغره
انتفضت "زينة" في جلستها، وسألتها على الفور بقلق:-ماذا هناك؟حملت نظراتها هلع شديد، وهي تقول لها بخوف جم:-رائف وجهه محمر وساخن جدًا.هبت واقفة في لحظتها، وهرولت نحوها، وهي تردد بصدمة:-كيف هذا؟ لقد كان بخير.حملت "داليا" الرضيع الذي هدأ بكائه، وبدا لها وكأنما قد فقد القدرة على التنفس بشكل طبيعي، حينئذ هتفت بارتياع وقد قاربت على البكاء خوفًا:-أشعر أنه لا يستطيع التنفس يا زينة.مدت يدها لها حتى تحمله من بين ذراعيها، وهي تقول لها مسرعة:-أعطني إياه بسرعة.حينما حملته، تفقدت حرارته المرتفعة، التي جعلت خوفها يتضاعف، وما جعل الرعب يدب في قلب كلتيهما إغماضه لعينيه، ولم يصدر منه أي صوت بعد ذلك، مما تسبب في خروج شهقة هلع من حلق "داليا"، تبعها صراخها المرتعد:-ابني يموت!❈-❈-❈كظم بصعوبة غيظه بعد المكالمة الهاتفية بصديقة زوجته، بعدما جاءه الرد عليها من زوجها الكاره له، والذي كان رده مستفزًا وجافيًا من كافة الأصعدة، حينها قرر أن يزاول مهمته اليومية، المقتصرة على البحث عن زوجته، وألا يعتمد على أحد في عثوره عليها، وأثناء سيره في بهو الفيلا، قاطع خطواته المتجهة نحو الباب المؤدي للخارج هرولة أخيه
توسعت عيناها من قوله الأخير، وعلى الفور اعترضت على اتهامه:-لكنني لست أؤذيه.رمقها بنظرة غير راضية، قبل أن يرد عليها بتعقيب مستنكر:-تخفين عنه أنكِ تتواصلين مع زوجته وتعرفين مكانها، وهو منذ ما يقارب شهرين وهو يكاد يهلك من أجل الوصول إليها، وتقولين إنك لا تؤذين؟خفضت رأسها خجلًا، وعجزت عن الدفاع عن نفسها، بينما تابع هو، محاولًا ألا يرتفع صوته حتى لا تنتبه والدته - التي كانت تطعم الصغير - إلى حديثهما المستتر:-وحتى لو كنتِ تظنين أنكِ بذلك تساعدين داليا على التعافي من أذى عاصم لها، أترين أن تفكيرها سليم بعد محاولتها أن تقتل نفسها وهروبها بطفلين لا يزالان في أشهرهما الأولى إلى مكان بعيد عن أبيهما؟لم تعلق على ما رأته من منطق في حديثه، بينما واصل هو كلامه بعقلانية:-داليا في حالة انهيار، وليست مدركة لما تفعله أصلًا، فلا تحمّلي نفسك مسؤولية امرأة منهارة نفسيًا، قد تؤذي نفسها مجددًا في أي لحظة، فضلًا عن أنكِ تساعدينها على حرمان أبٍ من رؤية أطفاله، وهذا أمر لا يرضاه الله، وأنتِ تعلمين ذلك جيدًا.زاد قوله الأخير من شعورها بالندم، وأشعرها بأنها لم تُحكم عقلها فيما قامت به، غير أنه لم يتوقف عند







