LOGINلكلِّ نفسٍ طاقةُ تحمُّل، فإذا بلغت ذروتها؛ عجز كاهلها عن احتمال المزيد من المصائب، ونفد مدخر الصبر، ولم يعد للصمت جدوى، ليصبح البوح بكل ما يختلج النفس وما تحمّلته عبر السنين أمرًا حتميًا. وهذا تمامًا ما آل إليه حال "هشام" بعدما قضى أعوامًا طويلة يتحمل ما ألمّ به من مآسٍ، ويتغاضى عن كل غدرٍ أصابه. وقد بات لزامًا عليه أن يواجه أصل كل بليةٍ حلّت به، ألا وهو البغيض الأكبر "كمال الصباحي".
وقف في بهو الفيلا بعدما أبلغ العاملة برغبته في رؤيته، وأخبرها باسمه الذي سيكون وقعه مفاجأة كبرى على مسامعه. قطع الصمت المطبق صوت "كمال"، فحوّل "هشام" بصره نحوه ليجده يهبط الدرج، وعلى محياه ابتسامة لزجة تحمل كمًّا هائلًا من الكراهية والحقد الدفين اللذين لم يخمدا منذ أعوامٍ مضت، ثم قال ببروده المعتاد: -لم أصدق حين أخبرتني الخادمة أنك هنا... يا إلهي يا هشام، متى كانت آخر مرة رأيتك فيها؟ منذ ستة عشر عامًا، أليس كذلك؟ قال عبارته الأخيرة بعدما وصل إليه وأصبح قبالته، يناظره بتلك الندية التي لم يفهم الآخر سببها حتى الآن. أدرك "هشام" ما يرمي إليه بتلك العبارة التي تحمل تلميحًا لما فعله به قبل ستة عشر عامًا؛ حين اختطف ابنته الغالية وحرمه منها طوال تلك السنوات. لم تهتز نظراته، بل ظلت ثابتة مرتكزة على عيني الآخر المليئتين بالشر، ثم عقّب بتأكيدٍ ممتلئ بالأسى والحسرة على ما اقترفه بدمٍ بارد في حقه: -نعم يا كمال، منذ ستة عشر عامًا... منذ أن اختطفت ابنتي. تحولت تعبيرات الآخر لتتشبع بالعدائية، وأكمل ما نقص من عبارة "هشام" قائلًا بجمودٍ فج: -ومنذ أن سجنتني أنت. لم يستسغ طريقته التي توحي بأنه المظلوم، حين سلّم الملفات التي تدينه في أعماله المشبوهة إلى الشرطة متسببًا في سجنه. فصحح صياغة عبارته، ودحض ادعاءه الكاذب بأنه ضحية، قائلًا بحرقةٍ اعتلت صوته: -سجنتك بعدما ضاعت ابنتي بسببك، سجنتك حين كانت زوجتي تحتضر بسببك. وعند ذكر زوجته الراحلة، انفرجت شفتا "كمال" بابتسامةٍ تقطر حقدًا، ثم تمتم بكراهيةٍ عارمة ونبرةٍ مشبعة بالاستهجان: -زوجتك؟... زوجتك التي كان من المفترض أن تصبح زوجتي أنا. أعادت عبارته إلى ذهن "هشام" الكثير من أطياف الماضي، وكان تطرقه إلى تلك النقطة تحديدًا ما أشعل جذوة غضبه التي حاول كبحها، فلم يستطع التحكم بصوته وهو يهتف محتجًا على أوهام عقله المريض بشأن زوجته الراحلة: -نجوى لم تكن لتصبح لك يومًا، وأنت تعلم ذلك جيدًا... لم تكن لتختار رجلًا مثلك أبدًا. بعينين ثابتتين لا يرف لهما جفن، كان "كمال" يرمقه بجمود، رغم ما يعتمل في صدره من غضبٍ لو أطلق له العنان لدمّر المنزل بمن فيه، وعلى رأسهم ذلك الواقف أمامه، والذي إن كان يبغض شيئًا أكثر منه فستكون تلك الثقة المنبعثة من عينيه. ظهرت علامات نفاد صبره على ملامحه، ثم هدر بصوتٍ أجش: -لماذا جئت يا هشام؟ تنهد "هشام" بعمق ليكبح ما اجتاحه من مشاعر بغيضة لرؤيته بعد كل تلك السنوات، ثم حدجه بنظراتٍ تحذيرية يعلم الآخر معناها جيدًا، واستطرد بجديةٍ لا تقبل التهاون: -جئت لأخبرك أن تُبعد أبناءك عن أولادي يا كمال. تظاهر الآخر بعدم الفهم، وحرك وجهه بما يوحي بذلك، ثم تساءل بملامح خالية من أي تعبير وبنبرةٍ فاترة قاصدًا استفزاز أعصابه: -وما علاقتي بأبنائك؟ اشتعلت نظرات "هشام" غضبًا أمام ادعائه، وراح يهدر بعصبيةٍ شديدة وهو يلوّح بيديه في الهواء: -اجعل عاصم يخرجهم من رأسه! كادت رفيف أن تموت بسببه، وكان يريد قتل ابن مجد لولا لطف الله. إلى أي مدى سيصل به حقدك يا كمال؟ ماذا سيجعله يفعل بنا أيضًا؟ لم تتأثر ملامح "كمال"، وظلت على استرخائها المعتاد. عقد ذراعيه أمام صدره، ثم علّق مستمرًا في تظاهره بالجهل: -ومن قال لك إنني أعلم شيئًا عمّا تتحدث عنه؟ اقترب منه أكثر، وقد تحول وجهه إلى كتلةٍ حمراء من شدة غضبه بسبب استفزاز الآخر، ثم أردف بصوتٍ جاد واثق: -عاصم لن يرتكب كل تلك المصائب من دون أن تكون لك يدٌ فيها، لأنك تريد أن تجعل ابنك نسخةً منك في شركك وقذارتك. تظن أنك تجعله يسترد حقك كما تزعمون، لكنك في الحقيقة تدمره... أو ربما دمّرته بالفعل. قسَت نظرات "كمال" وهو يستمع إلى سيل الإهانات الصريحة الموجهة إليه، وكزّ على أسنانه ثم سأله بضيقٍ ظاهر على ملامحه: -هل انتهيت مما جئت لأجله؟ أدرك "هشام" أنه ينهي الحديث بصورةٍ غير مباشرة. كان قد قال ما أتى لأجله، لكنه أراد أن يضيف المزيد؛ توعيةً له من جهة، وإشعالًا لغضبه كما فعل معه من جهةٍ أخرى. لم يبعد عينيه الحانقتين عنه وهو يتابع بهدوءٍ يحمل إيحاءً مقصودًا في كل كلمة: -نعم، انتهيت... لكن بقي أمرٌ أخير أريد قوله قبل أن أرحل. مهما حاول عاصم إيذاءنا فلن يتمكن من النيل منا، لأن مجدًا يقف خلفنا، وعدي وجاسم، زوجا ابنتيّ، يقفان إلى جانبه. أما ابنك، فهو وحده... وأنت لم تكن يومًا سندًا له. ورغم كل ما يفعله، سأظل أشفق على ما آل إليه بسببك... وعلى أن أباه رجلٌ مثلك. قال عبارته الأخيرة بازدراءٍ واضح على تعبيراته، ثم رمقه بنظرةٍ ناقمة من رأسه حتى أخمص قدميه، واستدار متجهًا نحو باب الفيلا بخطواتٍ سريعة، وكأنه يكره البقاء في محيطه للحظةٍ أخرى. ولم تخبُ شرارات الكراهية في عيني "كمال" حتى بعد مغادرة الآخر المكان، فهذه الكراهية لم تكن يومًا مرهونة بوجوده، ولا بدأت منذ تسبب له بالسجن كما يدّعي، بل كانت حقدًا متجذرًا في قلبه منذ زمنٍ بعيد، دون سببٍ حقيقي واضح. وقد أعادت رؤيته بعد كل تلك السنوات تكدس الذكريات في ذهنه؛ بعضها يعود إلى أيام صباهما معًا، وبعضها الآخر إلى فترات صراعهما الطويل. وكان لزواج "نجوى" من "هشام" بعد رفضها له، الأثر الأكبر فيما آلت إليه علاقتهما حتى يومهما هذا. بخطواتٍ متعجلة سارت "نجوى" نحو مكتب المدير، الذي طلب من سكرتيرته الخاصة أن تبلغها بالصعود إليه. كانت حديثة العهد بالعمل في الشركة، إذ لم يمضِ على التحاقها سوى شهرين فقط. وكان "يحيى الجندي"، الشريك الثالث لكلٍّ من "هشام" و"كمال" في الشركة التي أسسوها عقب تخرجهم الجامعي، هو من أتى بها؛ إذ كانت ابنة أحد أقربائه. وقد أخبر "كمال"، بصفته المدير العام، برغبتها في التدريب داخل الشركة التي ذاع صيتها سريعًا خلال فترةٍ قصيرة. رحب "كمال" بها كثيرًا، لا سيما بعدما علم بتفوقها الدراسي وما يُنتظر لها من مستقبلٍ باهر، ولم يُبدِ "هشام" حينها أي اعتراض، بل كان متفقًا معهما. وبابتسامتها الصافية، قالت برسميةٍ فور توقفها أمام المكتب: -نعم، سيد كمال، هل طلبتني؟حركت رأسها نافية، وقد اتسعت ابتسامتها حتى ملأت وجهها. أما هو، فأطال النظر إليها، وكانت مشاعره التي تعاظمت مع مرور السنين تفيض من عينيه، حتى تعجبت من نظراته المرتكزة عليها، وسألته بحيرة: — لِمَ تنظر إليَّ هكذا؟ تجاهل سؤالها، وقال بدلًا من ذلك: — أتعلمين أنني أحبك كثيرًا؟ وكأنه تعمد أن يزيدها دلالًا في ذلك اليوم، فأجابته بدلالٍ واثق: — هذه حقيقةٌ لا أشك فيها... أتدري لماذا؟ ظل يتابع كل حركةٍ تصدر عنها بعينين مملوءتين حبًا، ثم سألها باهتمام: — ولماذا؟ أجابته بغرورٍ أنثوي لطيف، يستسيغه منها دائمًا: — لأنني أستحق أن أُحب. استمتع بثقتها الآسرة، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ متأثرة، ثم قال: — ويحق لكِ ذلك... فما من امرأةٍ استطاعت أن توقع عاصم الصباحي في حبها غيرك. تظاهرت بالامتعاض، وقالت بينما لم تفارق الابتسامة وجهها: — مغرور. وهمّت بالابتعاد، لكنه حال دون ذلك بعدما أمسك رسغها برفق. رفعت عينيها إليه بنظرةٍ مستفسرة، فقال بصوتٍ خطف قلبها: — أنتِ فعلًا تستحقين أن تُحبي يا داليا... حبًّا ليس كأي حب. ارتسمت ابتسامةٌ عفوية على شفتيها، وازداد خفقان قلبها وهو يتابع ب
توجه نحوه "عز الدين" متظاهرًا بالانزعاج، وما إن صار مقابلًا له، اجتذبه إلى أحضانه، وقال له بحنو، وهو يربت على ظهره: — حمدًا لله على سلامتك يا يونس. رد عليه "يونس" بنبرةٍ يملؤها الاشتياق: — سلَّمك الله يا أبي... لقد اشتقت إليكم كثيرًا. أبعده "عز الدين" عنه على مهل، ثم سأله بوجهٍ عابس: — أما كنت تنوي أن تبقى هناك إلى الأبد؟ ثم ما لبث أن لامه، وعيناه تلمعان بدموعٍ حبيسة عند أطرافهما: — خمس سنوات يا يونس. رأى العبرات العالقة في عيني والده، فأراد أن يخفف عنه، وقال بمرح: — يا إلهي... يبدو أنني قد أطلت الغياب فعلًا. ثم وقعت عيناه في تلك اللحظة على ابنة عمه الصغيرة، فأردف بإعجاب: — حتى صغيرتنا الجميلة كبرت، وأصبحت كالقمر. بدلًا من أن تفرح بإطرائه، عقدت حاجبيها وقالت بفتور: — لست صغيرة، على فكرة... لقد بلغت السابعة عشرة من عمري. ثم استدارت مبتعدةً عنهما. عندها ارتسم التعجب على وجه "يونس"، وسأل والده باستغراب: — هل غضبت؟ انتبه إلى صوت عمه قادمًا من جواره وهو يقول: — لقد أخطأت في حقها. التفت "يونس" إليه، وعقد حاجبيه متسائلًا: — ولماذا؟ ماذا قلتُ خطأ؟ وقف "عاصم" بجوار أخيه، م
ابتسم "رائف" لسرعة بديهة الرجل، ودقة ملاحظته.فالأمر بالفعل مهم، وشخصي كذلك.واحترامًا لوجود والده، ترك له مهمة الحديث.وحين التقت عيناه بعيني "عاصم"، فهم الأخير مقصده على الفور، فقال لمجد بوقار:— في الحقيقة يا مجد، جئت أطلب يد ابنتك لابني رائف.لم تظهر على وجه "مجد" أي علامة دهشة أو مفاجأة، وكأنه كان يتوقع هذا الطلب.فاكتفى بابتسامةٍ هادئة، وقال:— ما هذا الطلب المفاجئ؟! هون عليَّ قليلًا، ولا تفاجئني هكذا دفعةً واحدة.ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "رائف"، وظل صامتًا، بينما تابع "مجد" مستفسرًا:— حسنًا... أيُّ ابنتَيَّ تقصد؟انتبه "رائف" إلى أن "عاصم" لم يحدد المقصودة، فأجاب بصوته الرزين:— الكبرى يا عمي... لمار.ضيق "مجد" عينيه إليه بنظرةٍ ماكرة، وقال بإيحاء:— يبدو أنك تعرف جيدًا ما تريد.ثم ألقى نظرةً خاطفة على ابنتيه "لمار" و"لور"، الواقفتين بجوار صاحبة عيد الميلاد، قبل أن يعود ببصره إلى "رائف"، ويقول بتعقل:— بصراحة، إن كنتم تنتظرون مني جوابًا الآن، فهذا ليس مكانه ولا أوانه.وأنت تعلم جيدًا أن أمرًا كهذا لا أستطيع أن أبت فيه قبل أن أستمع إلى رأي لمار.أجابه "عاصم" بتفهم:— ونحن ن
أومأت برأسها موافقة، وهي ترمقه بنظرةٍ ذات مغزى.فتجنب النظر إليها متعمدًا، ثم انفجرا بالضحك مرةً أخرى.وبعد لحظات، لف ذراعه حول خصرها، ودفعها برفق وهو يقول:— هيا... لنخبرهم.لكنها أوقفته بثباتها في مكانها، وقالت بصوتٍ يفيض بالحرج:— أشعر بإحراجٍ شديد.تعجب من كلامها، وسألها باستغراب:— وهل أصبحتِ عجوزًا لأن الأولاد كبروا وصاروا بطولك؟تحولت ملامحها في لحظةٍ إلى الاستنكار، وقالت بثقةٍ ممزوجة بالغرور:— وما معنى أنني أصبحت عجوزًا؟! ما زلت صغيرة وجميلة، بل إن كثيراتٍ في مثل سني لم يتزوجن أصلًا.هز رأسه موافقًا، وقال:— معكِ حق، ألم تتزوج صديقتكِ الشهر الماضي فقط؟ لقد حضرنا زفافها.ترددت مرةً أخرى في التقدم، وضمت شفتيها للحظة، ثم سألته بترقب:— إذًا... من الطبيعي أن أحمل الآن، أليس كذلك؟هز رأسه مستنكرًا، ثم دفعها برفق من ظهرها لتسير معه، وقال:— هيا يا داليا... هداكِ الله.سارت معه بضع خطوات، ثم توقفت مرةً أخرى.وقبل أن يسألها عن السبب، بادرت بسؤالها:— أتظن أنهم سيفاجَؤون؟مط شفتيه لحظة، ثم هز رأسه نافيًا:— لا أعتقد، أمرٌ كهذا كان متوقعًا، فلا تقلقي.عقدت حاجبيها بعدم فهم، وسألته باست
قابل ذلك النبأ المفاجئ بوجهٍ هادئ، وصوتٍ رزين، ثم علّق ببساطة:— لا، ليس مستحيلًا، فهما خطّان واضحان كما ترين.رفعت حاجبيها بصدمةٍ مضاعفة، وسألته بذهول:— ماذا يعني ذلك؟وضع يده على جانب ذراعها، وأجابها بابتسامةٍ صغيرة:— يعني... مباركٌ لكِ يا حبيبتي.أبعدت كتفها عن كفه في انتفاضةٍ سريعة، وكأن عبارته قد أصابتها بمسٍّ من الجنون، وقالت بوجهٍ متجهم:— مباركٌ؟! أيُّ مباركٍ هذا؟! أنا لم أكن أريد أطفالًا آخرين يا عاصم.حاول أن يتريث في رده، وقال بهدوء:— لكنكِ حامل، وهذا يعني أن طفلًا جديدًا سيأتي إلى الدنيا، بإذن الله.استفزها هدوؤه، وكأن الأمر لا يحمل كل تلك المفاجأة بالنسبة إليها، فهتفت بانزعاج:— أتحاول استفزازي يا عاصم؟ثم ما لبثت أن أضافت بلهجةٍ مشحونة بالضيق:— وعلى فكرة... أنت السبب.تفهم اضطراب مشاعرها، وما تمر به من تغيراتٍ هرمونية واضحة، لذلك لم يأخذ انفعالها على محمل الجد، وقال معتذرًا بمرح:— حسنًا، أنا آسف يا حبيبتي... لقد كان الأمر خارج إرادتي.اشتعل غضبها أكثر من سماجة رده، وبرود أعصابه، فتأففت بضيقٍ واضح، وتمتمت بغيظ:— أنت تتعامل مع الأمر وكأنه مزحة، بينما أنا منزعجة أصلًا
أمسك يديها باحتواءٍ ودعمٍ متزايد، وأجابها بإطراءٍ صادقٍ يخلو من التملق:— كنتِ كالقمر، خطفتِ أنظار جميع الحاضرين.اتسعت ابتسامتها، وسألته وقد غمرها السرور:— حقًّا يا كرم؟أكد لها بهزةٍ من رأسه، وقال بفخر:— حقًّا يا حبيبتي، أنا فخورٌ بكِ كثيرًا، أنتِ أمهر وأنجح طبيبةٍ في الدنيا.لمعت عيناها بدموع الفرح، بعدما اجتازت تلك المرحلة التي بذلت جهدًا كبيرًا لتتخطاها.وفي المقابل، رفع يده وأحاط وجنتها بكفه، ثم هنأها بحب:— مباركٌ لكِ يا حبيبة قلبي.انسابت دمعةٌ من إحدى عينيها متأثرةً بكلماته، وردت بصوتٍ ارتجف قليلًا:— بارك الله فيك يا كرم.مسح بإبهامه دمعتها المنحدرة على وجنتها، وقال بسرورٍ واضح:— سعادتي بكِ اليوم لا تُوصف يا سما.امتلأ قلبها سعادةً وهي تستمع إلى كلماته الطيبة، المفعمة بالحب الصادق، والفرح الظاهر.وفي تلك اللحظة، أرادت أن تمنحه سعادةً تضاهي تلك التي تملأ قلبها، وهي السعادة التي كان هو السبب الأول فيها.لذلك رأت أن الوقت قد حان لتخبره بالنبأ الذي طال انتظاره، والذي علمت به مساء الأمس، وأخفته عنه مؤقتًا، إذ كانت تنوي أن تفاجئه به في يوم ميلاده، لكنها شعرت أن من الأفضل ألا تؤ
رغمًا عنها، لم تستطع التماسك أكثر من ذلك دون رؤيته، أو حتى سماع صوته عبر الهاتف الذي لا يجيب عليه. لقد نفدت آخر ذرات صبرها، ورأت أن الحل الوحيد المتبقي أمامها هو المجيء إليه. تنحنحت محاولة إجلاء صوتها، ثم أجابته بارتباك سببه أسلوبه المتجافي وتساؤله الذي أوحى بعدم رغبته في رؤيتها وضيقِه من حضورها:-
انتهى من كلماته المشبعة بالاحتدام، وأنهى المكالمة دون أن يسمح للآخر بإضافة المزيد. ألقى الهاتف فوق سطح المكتب بإهمال، وقد اكتست ملامحه بكامل علامات الغضب، بينما كانت السخونة تضطرم في صدره بوضوح، وتظهر مع كل نفس يغادر رئتيه.كان شريكه "كرم" يتابع الموقف بصمتٍ تام، وقد استطاع بسهولة أن يدرك مصدر تلك
عاد «كمال» بظهره إلى الخلف، وقد أدرك أن ما هو قادم لن ينال رضاه. ظل مثبتًا نظره عليه بانتظار أن يتابع حديثه، بينما رفع الآخر عينيه نحوه وأكمل على الوتيرة نفسها قائلًا: — عاصم بيه... احتل الضيق ملامح «كمال» بسبب عدم إفصاحه عمّا جاء لأجله دفعة واحدة، فتساءل بنبرة جوفاء امتزجت بالحنق الذي بدا جليًا ع
ليس من الهيّن رؤية أحد أعزّائنا مصابًا بمكروه، أو بتلك الهيئة الباعثة على الارتعاد التي أتى بها «عاصم» إلى «داليا»؛ فجذعه مغطّى بالدماء، ووجهه ممتلئ بالسحجات والخدوش. فما رأته عليه، وما حدث أمام عينيها فور فتحها الباب وصدمتها برؤيته على تلك الحال، ليس من المشاهد التي يُستطاع تحمّلها، وسيكون تكرارها







