Share

11

last update publish date: 2026-08-06 06:41:26

انتهى الجميع من تناول طعام الإفطار، ثم عاد كل واحد منهم إلى ما يشغله.

خرج والدي لقضاء بعض الأعمال، وغادرت والدتي لتنشغل بأعمال المنزل، بينما انشغلت عمتي فاطمة في ترتيب البيت، أما هيثم، فلم يكد ينتهي من الإفطار حتى عاد إلى غرفته، وكأن النوم أصبح مهنته الوحيدة بعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة.

أما أنا...

فلم يكن لدي ما أشغل به نفسي.

صعدت إلى غرفتي ببطء، وأغلقت الباب خلفي، ثم جلست بجوار النافذة، أحدق في السماء دون أن أرى شيئًا.

كنت أحاول أن ألهي نفسي بأي أمر، حتى لا أعود إلى التفكير فيما يمزق قلبي كل يوم.

أغمضت عيني، ورفعت كفي إلى السماء، أدعو الله بإخلاص أن يعيد إليّ أخي سالمًا، وأن يطمئن قلوبنا عليه.

لكن...

رغمًا عني، تسللت إلى ذهني كلمات عمي إبراهيم التي قالها قبل قليل:

"ادعي لخالد كما تدعين لمالك... فهو خطيبك، وقريبًا بإذن الله سيكون زوجك."

شعرت بغصة تخنق أنفاسي.

وانقبض قلبي دون أن أدري لماذا.

وأخذتني الذاكرة إلى يومٍ لم تستطع نسيانه مهما حاولت...

---

كان ذلك يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.

يومًا انتظرته سنوات طويلة.

كنت يومها أعيش بين الخوف والأمل، أراقب عقارب الساعة وكأنها تتحرك ببطء شديد، في انتظار ظهور النتيجة.

كنت قد اخترت شعبة العلوم، فقد كان حلمي منذ طفولتي أن أصبح طبيبة.

أما مالك، فقد اختار شعبة الرياضيات، لأنه كان يحلم بأن يصبح مهندسًا.

كنا نتنافس منذ الصغر.

نسهر معًا.

ونراجع دروسنا معًا.

ونشجع بعضنا بعضًا كلما شعر أحدنا بالتعب أو اليأس.

بذل كل منا كل ما يملك من جهد، حتى يصل إلى حلمه.

ثم جاءت اللحظة المنتظرة.

ظهرت النتائج...

وحققنا نحن الاثنان ما تمنيناه.

حصلت على مجموع يؤهلني لدخول كلية الطب.

وحصل مالك على مجموع يؤهله لدخول كلية الهندسة.

كانت الفرحة التي عمت المنزل لا توصف.

ضحكات...

ودموع فرح...

وأحضان...

ودعوات لا تنتهي.

حتى والدي، الذي نادرًا ما يُظهر مشاعره، لم يستطع يومها أن يخفي سعادته.

أمر بذبح ذبيحة شكرًا لله، وأقام مأدبة كبيرة دعا إليها كبار العائلات في المنطقة، احتفالًا بما كان يسميه بفخر:

— ابني المهندس...

وابنتي الدكتورة.

كنت أرى الفخر في عينيه كلما نطق هاتين الكلمتين.

وكنت أشعر أن سنوات التعب كلها قد تحولت في لحظة إلى سعادة لا تُقدر بثمن.

لكن...

لم تدم تلك السعادة سوى يوم واحد.

ففي صباح اليوم التالي...

جاء عمي إبراهيم إلى منزلنا.

كان حضوره مفاجئًا.

واجتمعنا جميعًا في مجلس البيت، دون أن يعلم أحد سبب زيارته.

جلس قليلًا، ثم قال لوالدي بهدوء لم يخفِ حزمَه:

— يا صالح... أريد منك ألا تجعل ملك تتقدم إلى كلية الطب.

تقدِّم إلى أي كلية أخرى... إلا الطب.

ساد الصمت.

وشعرت وكأن أحدهم سكب على رأسي ماءً مثلجًا.

أما والدي، فقد عقد حاجبيه وهو ينظر إلى شقيقه بعدم تصديق.

ثم قال ببطء:

— ماذا تقول يا إبراهيم؟

لماذا؟

أجاب إبراهيم دون تردد:

— لأن خالد غير موافق على هذا التخصص.

وهو خطيبها...

ومن حقه أن يبدي رأيه.

اشتعل الغضب في عيني والدي، وقال بحزم:

— ابنتي ما زالت في بيتي، وتحت ولايتي.

ولن أسمح لأحد أن يقرر مستقبلها بدلًا عنها.

تنهد إبراهيم، ثم قال محاولًا إقناعه:

— يا صالح... لا تتعجل في الحكم.

استمع إليّ أولًا.

ثم فكر في الأمر بهدوء.

صمت والدي، فأكمل إبراهيم حديثه:

— أنت تعلم أن دراسة الطب تستغرق سبع سنوات كاملة.

وهذا ليس كل شيء.

فالطبيب لا يتوقف عن الدراسة حتى بعد تخرجه، لأن هذا المجال يتطور باستمرار.

إلى متى سينتظر خالد؟

سبع سنوات؟

وربما أكثر؟

ثم ماذا بعد التخرج؟

ستعمل في المستشفى.

وستضطر إلى المبيت فيها أحيانًا بسبب المناوبات الليلية.

فكيف يستقيم أن ينام الزوج وحده في المنزل، بينما تقضي زوجته الليل في المستشفى؟

وكيف ستوفق بين بيتها، وزوجها، وأطفالها، وعملها الذي لن يمنحها يومًا راحة حقيقية؟

ثم هز رأسه قائلًا:

— أخبرني يا صالح...

كيف يمكن لامرأة أن تتحمل كل هذه المسؤوليات مجتمعة؟

وكيف يمكن لزوج أن يرضى بمثل هذه الحياة؟

ساد المجلس صمت ثقيل.

أما أنا...

فكنت أقبض على طرف ثوبي بقوة، وقلبي يخفق بعنف.

لم أكن أصدق أن حلمًا عشت من أجله سنوات، قد أصبح فجأة محل نقاش...

وكأنه ليس حلمي أنا، بل قرار يملكه الآخرون.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملاك أسيرة للشيطان    19

    خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—

  • ملاك أسيرة للشيطان    18

    كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س

  • ملاك أسيرة للشيطان    17

    في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي

  • ملاك أسيرة للشيطان    16

    مرَّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تتعمد الركض بنا نحو ذلك اليوم الذي لم يكن أحد منا يريد أن يأتي.وها قد جاء.اليوم الذي سيذهب فيه أبي وعمي إبراهيم إلى منزل سليمان الهاشمي.اليوم الذي انتظرناه جميعًا بقلوب مرتجفة، ندعو الله من أعماقنا أن ينتهي اللقاء على خير، وأن يكون هناك مخرج من تلك الكارثة التي أرهقت عائلتنا لأكثر من عام.لكنني...لم أكن مطمئنة.منذ أن استيقظت هذا الصباح، وأنا أشعر بشيء غريب يضغط على صدري.لم يكن مجرد خوف عادي.كنت خائفة...بل مرعوبة.ذلك الشعور الذي يجعلك عاجزًا عن تفسير ما يحدث بداخلك، وكأن قلبك يعرف شيئًا لم يصل إلى عقلك بعد.كان أبي جالسًا في مكتبه، وقد أغلق الباب على نفسه منذ الصباح، ينتظر مجيء عمي إبراهيم حتى يذهبا معًا إلى اللقاء المتفق عليه.وقبل أن يدخل أبي إلى مكتبه، قال بصرامة:— لا أريد أن يدخل عليَّ أحد، ولا أريد إزعاجًا من أي شخص.ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس على الأريكة المقابلة لباب مكتبه، أنتظر خروجه.لم أكن أعرف ماذا يفعل في الداخل.ربما يراجع بعض الأوراق.ربما يتحدث مع أحد رجال العائلة.وربما...كان يحاول أن يستجمع شجاعته للقاء رجل مثل سليمان اله

  • ملاك أسيرة للشيطان    15

    خرجت من غرفتي على صوت أمي وهي تناديني، وقد تناسيت ذلك الشعور الغريب بالقلق الذي انتابني قبل قليل، أو ربما أقنعت نفسي بأنني لا داعي لأن أقلق من شيء لا أعرفه.وجدت أمي تنتظرني أمام باب غرفتها.وقبل أن أصل إليها، قالت وهي تنظر إليّ بشيء من الضيق المصطنع:— ما الأمر يا ملك؟ أنا أنادي عليك منذ مدة!ابتسمت وأنا أقترب منها وقلت:— لا شيء يا أمي، كنت شاردة ولم أسمعك، وما إن سمعت صوتك حتى أتيت فورًا.هزت أمي رأسها وقالت:— حسنًا. لقد ذهب أبوك إلى عمله منذ مدة، وعمتك فاطمة والعاملة في المطبخ بدأتا إعداد طعام الغداء. اذهبي وساعديهما، فأنا أشعر ببعض الإرهاق وسآخذ دوائي وأستريح قليلًا، ثم أنضم إليكم في المطبخ.اقتربت منها أكثر، ووضعت يدي حول كتفيها، ثم نظرت إلى وجهها بقلق.— أمي...قالت وهي تنظر إليّ:— ماذا؟— أرجوكِ، إذا كنتِ متعبة فلا تخفي عني الأمر. سأخذك أنا وهيثم إلى المستشفى.ابتسمت ليلى بحنان، ثم قالت:— لا يا ملك، حقًا أنا بخير. كل ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا ليلة أمس.ضيقت عيني وأنا أتفحص وجهها.— أرجوك يا أمي، أخبريني بالحقيقة.ضحكت أمي بخفة، وقالت:— قلت لك إنني بخير ولست متعبة.ثم د

  • ملاك أسيرة للشيطان    14

    استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.ثم أدرت رأسي ببطء.غرفتي...كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.لكن كيف وصلت إلى هنا؟آخر شيء أتذكره هو...الغرفة.أمي.صوت صراخي.الملابس التي ألقيتها أرضًا...ثم...لا شيء.حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.كان أبي جالسًا على طرف السرير.ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.التقت عيناي بعينيه.وبقينا نتبادل النظرات في صمت.لم أبدأ الحديث.ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:— ملك...كيف حالك يا ابنتي؟بماذا تشعرين؟ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.كل شيء.كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.كل شيء عاد د

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status