LOGINساد الصمت أرجاء المجلس بعد انتهاء إبراهيم من حديثه.
بدا صالح غارقًا في التفكير، وكأن كلمات شقيقه أصابت موضعًا جعله يتردد لأول مرة. أما أنا... فلم أعد أحتمل. شعرت أن حلمي الذي عشت من أجله سنوات طويلة يُنتزع مني أمام عيني، وكأنني لا أملك حق الدفاع عنه. وقفت من مكاني، وقد امتلأت عيناي بالدموع، لكنني قاومتها بكل ما أملك من قوة، ثم قلت بصوت مرتفع اختلط فيه الغضب بالانكسار: — لكنه حلمي... حلمي الذي سعيت إليه طوال حياتي. تعبت كثيرًا حتى أصل إلى هذه اللحظة، ولن أتنازل عنه مهما حدث. رفع عمي إبراهيم رأسه إليّ، وقال بنبرة نفد منها صبره: — ما زلتِ صغيرة يا ملك. ولا تعرفين أين تكمن مصلحتك. نحن أكبر منك سنًا، وأعلم بما ينفعك. هززت رأسي بعناد، ثم قلت دون تردد: — لا... لا أحد يعرف مصلحتي أكثر مني. أنا أريد أن أصبح طبيبة... وسأصبح طبيبة. ولن يمنعني أحد من تحقيق حلمي. اشتدت ملامحه، وقال بانفعال: — لن يمنعك أحد؟ حسنًا... أريني كيف ستتقدمين بأوراقك إلى الجامعة. رفعت رأسي بثقة، ثم أشرت إلى والدي قائلة: — أبي... هو من سيقدمها لي. وقبل أن يتحدث أحد، جاءني صوت والدي هادئًا لكنه حاسم: — لا تخافي يا ملك. سأفعل كل ما تريدينه. اتسعت عينا إبراهيم، ثم صاح غاضبًا: — صالح! ما الذي تقوله؟ وما ذنب ابني حتى ينتظر كل هذه السنوات؟ وقبل أن يجيب والدي، سبقهم مالك بالكلام. نهض من مكانه، وقال بثبات: — ليس ذنبه؟ إذًا... تُفسخ الخطبة، وينتهي الأمر. ساد المجلس صمت ثقيل. ونظر إبراهيم إليه غير مصدق ما سمعه. ثم قال بحدة: — ماذا قلت؟ أتدرك ما الذي تقوله أيها الفتى؟ ثم التفت إلى صالح مستنكرًا: — ما هذا يا صالح؟ وأشار بيده نحوي ونحو مالك، ثم أردف: — منذ متى أصبحت قرارات هذا البيت تخرج من الأطفال؟ نظر إليه مالك بثبات لم تهزه نظرات عمه، وقال: — وطالما تراها طفلة... فلماذا تريد تزويجها لابنك؟ لم يجد إبراهيم ردًا للحظة. لكن صالح تدخل قبل أن يتفاقم الأمر، وقال بصوت حازم: — مالك! لا أريد أن أسمع صوتك. ثم التفت إلى شقيقه وأضاف: — وأنت يا إبراهيم... ما الذي تفعله؟ هل ستناقش أولادي؟ حديثك معي أنا. زفر إبراهيم بضيق، ثم قال: — حسنًا... طالما أن الحديث معك، فأجبني. ما قرارك؟ ظل صالح صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء: — إنها أمنية ابنتي. وقد تعبت كثيرًا حتى تصل إليها. جلس إبراهيم على مقعده مرة أخرى، ثم تنفس بعمق قبل أن يقول: — إذًا اسمعني حتى النهاية. ابنتك لن تتقدم إلى كلية الطب. سنقدم لها في الكلية التي تدرس فيها رنا وشهد. وبذلك ستبقى مع ابنة عمها وأختها، ولن تشعر بالغربة. ولكي لا تحزن... سأجعل خالد يشتري لها هدية ثمينة ترضيها وتعوضها. أما إن أصرت على دراسة الطب... فسأفسخ خطبة حسن وشهد. وليس هذا فحسب... بل سأجعل خالد يذهب بنفسه إلى مجلس كبار القرية، ويعلن أمام الجميع أن ملك أصبحت محيرةً له. وأمرها بيده. إن شاء تزوجها... وإن شاء تركها معلقة. وعندها... لن يجرؤ رجل واحد على التقدم لخطبتها. وستبقى إلى جوارك طوال عمرها... لا هي متزوجة... ولا هي قادرة على بدء حياة جديدة. وقع كلامه على الجميع كالصاعقة. ساد الذهول أرجاء المجلس. أما عمتي فاطمة، فلم تستطع الصمت أكثر. قالت وهي تنظر إليه بصدمة: — أبا خالد... ما الذي تقوله؟ إنها ابنة أخيك. بل هي بمنزلة ابنتك. تنهد إبراهيم، ثم قال بصوت أقل حدة: — أعلم ذلك يا فاطمة. وأعرف جيدًا أنها مثل ابنتي. لكنني أعرف ابني أيضًا. إنه متيم عشقًا بها. وقد أقسم لي أنه إن لم يتزوجها، فلن يتزوج امرأة غيرها. ثم التفت نحوي، وقال بثقة: — ولأنني أعلم أنه سيحفظها كما تُحفظ الجوهرة النفيسة... ولن يمسها سوء معه... فأنا على يقين أن الحياة التي ستعيشها إلى جواره، والسعادة التي سيمنحها لها، خير لها مئة مرة من دراسة الطب. لم أعد أحتمل سماع المزيد. صرخت بكل ما في داخلي من وجع: — لكنها حياتي! وأنا وحدي من يقرر ما الذي يجعلني سعيدة! ثم أسرعت إلى والدي، وأمسكت يده بكلتا يدي، وكأنني أتشبث بآخر أمل أملكه. قلت له بصوت مرتجف، ترجوه فيه قبل أن ترجوه كابنة: — أبي... أرجوك. افسخ الخطبة. ودعه يفعل ما يشاء. أنا... في الأصل لا أريد الزواج الآن. كل ما أريده هو أن أحقق حلمي. كنت أنتظر أن أجد في عينيه القوة التي اعتدت أن أراها كلما دافع عني. لكن... حين التقت عيناي بعينيه... عرفت. عرفت من تلك النظرة وحدها أن شيئًا بداخله قد بدأ يتغير. وأن القرار الذي سيصدر بعد لحظات... قد يكون بداية النهاية لكل الأحلام التي بنيتها منذ طفولتي.خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—
كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س
في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي
مرَّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تتعمد الركض بنا نحو ذلك اليوم الذي لم يكن أحد منا يريد أن يأتي.وها قد جاء.اليوم الذي سيذهب فيه أبي وعمي إبراهيم إلى منزل سليمان الهاشمي.اليوم الذي انتظرناه جميعًا بقلوب مرتجفة، ندعو الله من أعماقنا أن ينتهي اللقاء على خير، وأن يكون هناك مخرج من تلك الكارثة التي أرهقت عائلتنا لأكثر من عام.لكنني...لم أكن مطمئنة.منذ أن استيقظت هذا الصباح، وأنا أشعر بشيء غريب يضغط على صدري.لم يكن مجرد خوف عادي.كنت خائفة...بل مرعوبة.ذلك الشعور الذي يجعلك عاجزًا عن تفسير ما يحدث بداخلك، وكأن قلبك يعرف شيئًا لم يصل إلى عقلك بعد.كان أبي جالسًا في مكتبه، وقد أغلق الباب على نفسه منذ الصباح، ينتظر مجيء عمي إبراهيم حتى يذهبا معًا إلى اللقاء المتفق عليه.وقبل أن يدخل أبي إلى مكتبه، قال بصرامة:— لا أريد أن يدخل عليَّ أحد، ولا أريد إزعاجًا من أي شخص.ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس على الأريكة المقابلة لباب مكتبه، أنتظر خروجه.لم أكن أعرف ماذا يفعل في الداخل.ربما يراجع بعض الأوراق.ربما يتحدث مع أحد رجال العائلة.وربما...كان يحاول أن يستجمع شجاعته للقاء رجل مثل سليمان اله
خرجت من غرفتي على صوت أمي وهي تناديني، وقد تناسيت ذلك الشعور الغريب بالقلق الذي انتابني قبل قليل، أو ربما أقنعت نفسي بأنني لا داعي لأن أقلق من شيء لا أعرفه.وجدت أمي تنتظرني أمام باب غرفتها.وقبل أن أصل إليها، قالت وهي تنظر إليّ بشيء من الضيق المصطنع:— ما الأمر يا ملك؟ أنا أنادي عليك منذ مدة!ابتسمت وأنا أقترب منها وقلت:— لا شيء يا أمي، كنت شاردة ولم أسمعك، وما إن سمعت صوتك حتى أتيت فورًا.هزت أمي رأسها وقالت:— حسنًا. لقد ذهب أبوك إلى عمله منذ مدة، وعمتك فاطمة والعاملة في المطبخ بدأتا إعداد طعام الغداء. اذهبي وساعديهما، فأنا أشعر ببعض الإرهاق وسآخذ دوائي وأستريح قليلًا، ثم أنضم إليكم في المطبخ.اقتربت منها أكثر، ووضعت يدي حول كتفيها، ثم نظرت إلى وجهها بقلق.— أمي...قالت وهي تنظر إليّ:— ماذا؟— أرجوكِ، إذا كنتِ متعبة فلا تخفي عني الأمر. سأخذك أنا وهيثم إلى المستشفى.ابتسمت ليلى بحنان، ثم قالت:— لا يا ملك، حقًا أنا بخير. كل ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا ليلة أمس.ضيقت عيني وأنا أتفحص وجهها.— أرجوك يا أمي، أخبريني بالحقيقة.ضحكت أمي بخفة، وقالت:— قلت لك إنني بخير ولست متعبة.ثم د
استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.ثم أدرت رأسي ببطء.غرفتي...كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.لكن كيف وصلت إلى هنا؟آخر شيء أتذكره هو...الغرفة.أمي.صوت صراخي.الملابس التي ألقيتها أرضًا...ثم...لا شيء.حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.كان أبي جالسًا على طرف السرير.ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.التقت عيناي بعينيه.وبقينا نتبادل النظرات في صمت.لم أبدأ الحديث.ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:— ملك...كيف حالك يا ابنتي؟بماذا تشعرين؟ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.كل شيء.كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.كل شيء عاد د







