Share

14

last update publish date: 2026-08-07 20:34:36

استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.

كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.

فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.

ثم أدرت رأسي ببطء.

غرفتي...

كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.

لكن كيف وصلت إلى هنا؟

آخر شيء أتذكره هو...

الغرفة.

أمي.

صوت صراخي.

الملابس التي ألقيتها أرضًا...

ثم...

لا شيء.

حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.

كان أبي جالسًا على طرف السرير.

ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.

التقت عيناي بعينيه.

وبقينا نتبادل النظرات في صمت.

لم أبدأ الحديث.

ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.

بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:

— ملك...

كيف حالك يا ابنتي؟

بماذا تشعرين؟

ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.

كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.

كل شيء.

كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.

كل شيء عاد دفعة واحدة، حتى شعرت أن رأسي سيشتعل من شدة الألم.

رأى أبي التغير الذي طرأ على وجهي، فتنهد طويلًا، ثم قال:

— أعلم أنك حزينة يا ملك.

وأعلم أنك غاضبة مني.

وربما تظنين أنني خذلتك...

لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا.

سيأتي يوم، وستفهمين فيه أنني اخترت لك الأفضل.

لم أجب.

ظللت أنظر إليه لثوانٍ، ثم رفعت عيني عنه ونظرت إلى الجهة الأخرى.

لم أكن أريد سماع المزيد.

كانت الدموع قد بدأت تتجمع في عيني من جديد، وكأنها لم تجد طريقًا للخروج طوال الأيام الماضية إلا لتخرج الآن.

انسابت أول دمعة على وجنتي.

ثم تبعتها أخرى.

اقترب أبي مني قليلًا، وقال:

— ملك...

انظري إليّ.

نظرت إليه أخيرًا.

كان وجهه هادئًا، لكن عينيه كانتا ممتلئتين بشيء لم أستطع تفسيره.

قال:

— افهميني جيدًا. أنا أبوك.

ولن أختار لك شيئًا يضرك مهما حدث.

أنتِ ما زلتِ صغيرة، ولا تعرفين كل ما يمكن أن يحدث إذا عاندتِ عمك إبراهيم وقدمتِ أوراقك في كلية الطب.

سكت لحظة، ثم أكمل:

— كان سينفذ تهديده يا ابنتي.

كان سيجعل خالد يعلن أمام كل العائلات والقبائل أنك أصبحتِ محيرة له.

وأنتِ لا تعرفين خطورة هذا الأمر.

اتسعت عيناي قليلًا.

كنت قد سمعت من قبل عن هذا الأمر، لكنني لم أكن أستوعب وقتها إلى أي مدى يمكن أن يؤثر في حياتي.

تابع أبي بصوت أكثر هدوءًا:

— صحيح أن أخي إبراهيم يحبني...

ويحبكم جميعًا.

لكنه في النهاية أب.

سيشعر أنني قهرت ابنه، وأنني وقفت أمام رغبته، وأنني حرمت خالد من المرأة التي يريدها.

وحينها...

لن يكون تفكيره كما هو الآن.

قد يفعل أي شيء حتى يرضي ابنه.

ثم خفض أبي عينيه للحظات، وقال:

— وخاصة بعد أن أخبرني خالد بنفسه أنه إن لم يتزوجك، فلن يسمح لرجل آخر بالزواج منك.

شعرت بقلبي ينقبض.

ظل أبي صامتًا للحظات، ثم قال:

— خالد يحبك كثيرًا يا ملك.

وهو مستعد لأن يفعل أي شيء حتى تكوني له.

وإن لم تكوني له...فلن تكوني لغيره.

رفع عينيه إليّ ينتظر مني ردًا.لكنني لم أقل شيئًا.لم أستطع.

فقط ظللت أحدق فيه، بينما الدموع تنساب على وجهي.

أكمل أبي:

— سيحيرك خالد له.ثم بعد مدة...

قد يزوج عمك إبراهيم ابنه من فتاة أخرى.ويبني خالد حياته.

لكن هل تظنين أن خالد سيحيرك لأنه يريد الزواج منك؟

لا يا ابنتي.

قد يفعلها فقط حتى يضمن أنك ستبقين هكذا...بلا زواج.

تعيشين بجوارنا، وتدرسين ما اخترتِه، لكنك وحيدة.

قد يفعل ذلك حتى يجعلك تشعرين أنك أخطأتِ عندما اخترتِ حلمك.

ثم تنهد أبي وقال:

— وستنشأ عداوة وقطيعة بيني وبين عمك إبراهيم.

وفي ذلك الوقت...

لن يتعاطف معي أحد من رجال المنطقة.

سيضعون الحق عليّ.

لأنني أولًا رفضت تزويج ابنتى ل ابني اخى.

وثانيًا لأنني قاطعته بسبب تحيير خالد لك.

وسيعتبرون الأمر طبيعيًا.

حتى لو بقيتِ طوال حياتك دون زواج بسبب خالد.

هذا أمر معتاد عندهم يا ملك.

كم من فتاة حدث معها ذلك، وعاشت عمرها كله دون أن تتزوج.

ومر بها العمر...

ولم يتحدث أحد.كانوا يرون أن هذا قدرها.سكت أبي.

وبقي ينظر إليّ، ينتظر أن يسمع مني شيئًا.

لكنني لم أستطع الرد.

خرجت من صدري شهقة مختنقة، ثم بدأت أبكي.

هز أبي رأسه بيأس، وكأنه كان يعرف أنني لن أقتنع بسهولة.

قال:

— حسنًا يا ملك...سأعترف لك بشيء.

لقد تم الضغط عليّ.وأُجبرت على هذا القرار.

لكن الشيء الذي أجبرني حقًا...

هو أنتِ.وخوفي عليكِ.

توقف قليلًا، ثم قال بصوت أكثر ألمًا:

— أنا لا أريد أن يكون مصيرك مثل مصير عمتك فاطمة.

رفعت عيني إليه.

أكمل:

— لا أريد فاطمتين.

لا أريد أن أراك تدمرين حياتك مثلما فعلت عمتك.

نظرت إليه في صمت.

فقال:

— حتى عمتك...

عندما رفضت الزواج، وجدَتنا جميعًا إلى جوارها.

عوضناها قدر استطاعتنا.وأنتِ وإخوتك كنتم أولادها.

هي رأت العوض فيكم، واكتفت بكم.ومع ذلك...

ضميري يؤلمني بسببها.

توقف قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة حزينة:

— لكنها سعيدة لأننا حولها.لكن أنتِ يا ابنتي...

أنا وأمك لن نبقى معك طوال العمر.لن نعيش إلى الأبد.

ولا نعرف كيف سيكون حالك بعدنا.

ولا نعرف كيف سيتعامل إخوتك معك عندما يصبح لكل واحد منهم بيته وحياته ومسؤولياته.

ثم أضاف:

— ولا تنسي خطبة حسن وشهد.

إذا فسخت خطبتك... فسيفسد كل شيء.

ظللت أبكي بصمت.

قال أبي:

— وأنا الآن على خصام مع عمك إبراهيم.

ولن أتصالح معه حتى ترضي أنتِ.

ثم تنهد بعمق وقال:

— لقد قلت لك كل ما لدي.

لم أجد شيئًا أقوله.

ربما لأنني كنت غاضبة.

وربما لأن جزءًا صغيرًا بداخلي بدأ يفهم خوف أبي.

لكن ذلك الجزء لم يكن مستعدًا للتنازل.

لم أكن أريد أن أكون مثل عمتّي.

ولم أكن أريد أن أتزوج خالد.

ولم أكن أريد أيضًا أن أخسر حلمي.

كنت أريد فقط...

أن أعيش حياتي كما اخترتها.

مد أبي يده إلى جيب بنطاله، وأخرج منه شيئًا صغيرًا.

كانت تلك العلبة نفسها.

علبة مخملية أنيقة.

فتحها أمام عيني.

وكان بداخلها سوار من الألماس.

ظللت أنظر إليه دون اهتمام.

قال أبي:

— عندما جاء خالد...

أحضر معه هذه الهدية.

بمناسبة دخولك الجامعة.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

— قلت له إنك مرضت قليلًا، وأخذتِ دواءً ثم نمتِ.

لم يعقب على الأمر.

جلس معي بعض الوقت فقط.

ثم أعطاني الهدية، وقال إنني أوصلها لك.

مد أبي يده ووضع العلبة بجانبي على السرير.

ثم أغلقها. وقف من مكانه.

نظر إليّ للحظات، وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر، لكنه تراجع.

ثم خرج من الغرفة.وبقيت وحدي.

وحدي مع كل شيء.مع حلم ضاع.ومستقبل فُرض عليّ.

وخطبة لم أعد أعرف إن كنت أريدها أم أكرهها.

ومع رجل اسمه خالد...

من المفترض أنه إبن عمى ولكن في الوقت نفسه أن رفضت خطبتة سيدمرنى 

---

ومنذ ذلك اليوم...

ظللت على موقفي.

كان صمتي هو احتجاجي الوحيد.

بدأت دراستي الجامعية، لكنني كنت أتجنب الجلوس مع عائلتي قدر الإمكان، وخاصة أبي.

كنت أحبه...

لكنني كنت غاضبة منه.

وكنت أعلم أنه يحبني...

لكنني كنت أراه في تلك الفترة الرجل الذي اختار أن يتنازل عن حلمي بدلًا مني.

ومع ذلك...

ظل أبي على وعده.

لم يتصالح مع عمي إبراهيم.

كلما تحدث أحدهما عن الأمر، كان أبي يكرر الجملة نفسها:

لن أتصالح معه حتى ترضى ملك.

ومرت الأيام...

حتى جاء اليوم الذي قلب حياة عائلتنا كلها.

اليوم الذي وقعت فيه الفاجعة الكبرى.

اليوم الذي اتُّهم فيه أخي مالك وخالد بقتل سليم الهاشمي.

اليوم الذي اختفيا فيه.

اليوم الذي تحولت فيه كل مشاكلنا القديمة إلى شيء صغير أمام كارثة أكبر بكثير.

حينها...

عاد أبي وعمي إبراهيم إلى بعضهما من جديد.

ليس لأن الخلاف انتهى.

وليس لأن أبي نسي ما حدث.

بل لأن العائلتين كانتا أمام كارثة واحدة.

كارثة كان لابد أن يتعاونا من أجل حلها.

---

أفقت من تلك الذكرى الأليمة على صوت أمي من خارج الغرفة:

— ملك!   يا ملك!

رمشت عدة مرات، ثم نظرت إلى العلبة التي كانت لا تزال بين يدي.

حدقت فيها لحظات.

سوار الألماس...

هدية من رجل لم أعرف أين اختفى.

ورمز لقرار غيّر حياتي كلها.

لم أشعر إلا بالغضب.

قذفت العلبة داخل الخزانة بإهمال، ثم أغلقت بابها بسرعة.

مسحت وجهي بيدي، وحاولت أن أبدو طبيعية.

ثم خرجت من الغرفة وأنا أنادي:

— نعم يا أمي؟

كان صوتها يأتي من الخارج.

— أين أنتِ يا ملك؟

أجبت وأنا أتجه إليها:

— قادمة يا أمي.

لكنني قبل أن أصل إليها...توقفت للحظة.

لا أعرف لماذا شعرت بانقباض غريب في صدري.

وكأن شيئًا ما...كان على وشك أن يحدث.

شيء لم أكن أعرف بعد أنه سيغير حياتي مرة أخرى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملاك أسيرة للشيطان    19

    خرج صالح من المنزل برفقة إبراهيم، واتجها معًا إلى الموعد الذي طال انتظاره، بينما بقيت القلوب في المنزل معلقة بهما، وكأن أرواح الجميع قد خرجت معهما.وقفت ملك ورنا في الشرفة تتابعان السيارة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.لم تتحدث أي منهما.كانت ملك تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما كانت رنا تمسك بذراعها دون أن تشعر.ظلت السيارة تبتعد حتى اختفت عن أنظارهما.همست رنا:— يا رب...أغلقت ملك عينيها.— آمين.— يا رب يرجعوا لنا بخير.— يا رب ترجع لنا مالك.قالتها ملك بصوت مكسور، وكأنها لم تعد تهتم بشيء آخر في الدنيا.وفجأة جاءهما صوت من خلفهما:— هل ذهب أبي؟التفتت الاثنتان.كان هيثم واقفًا عند باب الشرفة، وقد بدا على وجهه القلق.قالت رنا:— أجل... ذهب.اقترب هيثم منهما، ونظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة.— هل ذهب هو وعم إبراهيم إلى سليمان الهاشمي؟أومأت ملك.— نعم.تنهد هيثم، ثم جلس على المقعد القريب منهما.— كنت أظن أنني عندما أستيقظ سأجد أن كل هذا مجرد حلم.نظرت إليه رنا.— وأنا أيضًا.صمت هيثم لحظة، ثم قال:— حسن لم يستطع تحمل الضغط الموجود في البيت.سألته ملك:—

  • ملاك أسيرة للشيطان    18

    كانت سياراة العم إبراهيم قد وصلت إلى أسفل المنزل.توقفت السيارة أمام البوابة، وبقي العم إبراهيم جالسًا في الداخل، ينتظر أخاه صالح حتى ينزل، فلم يكن يريد أن يتأخرا أكثر عن الموعد المحدد.أخرج هاتفه، واتصل بأخيه.— صالح، أنا في الأسفل. انزل، علينا أن نتحرك.— حسنًا، سأخرج الآن.أغلق صالح الهاتف، ثم ظل واقفًا للحظات داخل مكتبه.كان يعرف أن ما ينتظره ليس لقاءً عاديًا.منذ أن وصلته رسالة سليمان الهاشمي، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.لكنه لم يكن يريد أن يرى أحد من أبنائه هذا الخوف.وبالأخص ملك ورنا. وزوجته ليلى.أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح باب المكتب وخرج.وما إن خرج حتى وجد ابنتيه تجلسان أمام الباب وكأنهما كانتا تنتظرانه منذ وقت طويل.توقفت عيناه عليهما.كانتا تراقبانه بقلق واضح.رفع صالح حاجبيه متظاهرًا بالاستغراب، ثم ابتسم وقال:— ما الأمر؟ لماذا تجلسان هكذا؟وقفت رنا وملك في اللحظة نفسها، واتجهتا نحوه.كانت رنا أول من تحدثت.— أبي... لقد أقلقتنا.نظر إليها صالح.— أقلقتكِ؟— نعم. لماذا حبست نفسك في المكتب كل هذا الوقت؟ وما الذي يحدث يا أبي؟ترددت لحظة قبل أن تسأله:— ماذا يريد س

  • ملاك أسيرة للشيطان    17

    في الجهة الأخرى من البلاد، وعلى بُعد ساعات من منزل عائلة الراجحي، كان رجل آخر يستعد للقاء سيغير حياة الجميع.كان يجلس في مكتبه داخل قصره، ذلك القصر الذي لم يكن مجرد منزل بالنسبة إلى عائلة الهاشمي، بل أشبه بقلعة ضخمة تليق باسم العائلة ونفوذها.كان سليمان الهاشمي يجلس خلف مكتبه، مستندًا إلى مقعده الجلدي، وقد بدا هادئًا بصورة تثير القلق.في الثامنة والعشرين من عمره فقط، كان من المفترض أن يكون في ذلك العمر منشغلًا ببناء مستقبله، أو الاستمتاع بما حققه من نجاح، لكن سليمان لم يكن رجلًا عاديًا.كان كبير عائلة الهاشمي.والمسؤول عن اسمها ومكانتها.والوريث الأكبر لثروة ضخمة امتدت أملاكها وشركاتها داخل البلاد وخارجها.ورغم صغر سنه، كان اسمه وحده كافيًا ليجعل الكثيرين يعيدون التفكير قبل أن يتخذوا أي قرار يتعلق بعائلته.لم يكن احترام الناس له نابعًا من أمواله فقط.فالمال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه لا يصنع الهيبة وحده.أما سليمان...فكان يمتلك الاثنين.المال والنفوذ.وكان يعرف جيدًا كيف يستخدم كليهما.رفع عينيه إلى الجهاز اللوحي الموضوع أمامه.لم يكن يتصفح الأخبار، ولم يكن يتابع تقارير شركاته، ولم ي

  • ملاك أسيرة للشيطان    16

    مرَّ الأسبوع سريعًا، وكأن الأيام كانت تتعمد الركض بنا نحو ذلك اليوم الذي لم يكن أحد منا يريد أن يأتي.وها قد جاء.اليوم الذي سيذهب فيه أبي وعمي إبراهيم إلى منزل سليمان الهاشمي.اليوم الذي انتظرناه جميعًا بقلوب مرتجفة، ندعو الله من أعماقنا أن ينتهي اللقاء على خير، وأن يكون هناك مخرج من تلك الكارثة التي أرهقت عائلتنا لأكثر من عام.لكنني...لم أكن مطمئنة.منذ أن استيقظت هذا الصباح، وأنا أشعر بشيء غريب يضغط على صدري.لم يكن مجرد خوف عادي.كنت خائفة...بل مرعوبة.ذلك الشعور الذي يجعلك عاجزًا عن تفسير ما يحدث بداخلك، وكأن قلبك يعرف شيئًا لم يصل إلى عقلك بعد.كان أبي جالسًا في مكتبه، وقد أغلق الباب على نفسه منذ الصباح، ينتظر مجيء عمي إبراهيم حتى يذهبا معًا إلى اللقاء المتفق عليه.وقبل أن يدخل أبي إلى مكتبه، قال بصرامة:— لا أريد أن يدخل عليَّ أحد، ولا أريد إزعاجًا من أي شخص.ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس على الأريكة المقابلة لباب مكتبه، أنتظر خروجه.لم أكن أعرف ماذا يفعل في الداخل.ربما يراجع بعض الأوراق.ربما يتحدث مع أحد رجال العائلة.وربما...كان يحاول أن يستجمع شجاعته للقاء رجل مثل سليمان اله

  • ملاك أسيرة للشيطان    15

    خرجت من غرفتي على صوت أمي وهي تناديني، وقد تناسيت ذلك الشعور الغريب بالقلق الذي انتابني قبل قليل، أو ربما أقنعت نفسي بأنني لا داعي لأن أقلق من شيء لا أعرفه.وجدت أمي تنتظرني أمام باب غرفتها.وقبل أن أصل إليها، قالت وهي تنظر إليّ بشيء من الضيق المصطنع:— ما الأمر يا ملك؟ أنا أنادي عليك منذ مدة!ابتسمت وأنا أقترب منها وقلت:— لا شيء يا أمي، كنت شاردة ولم أسمعك، وما إن سمعت صوتك حتى أتيت فورًا.هزت أمي رأسها وقالت:— حسنًا. لقد ذهب أبوك إلى عمله منذ مدة، وعمتك فاطمة والعاملة في المطبخ بدأتا إعداد طعام الغداء. اذهبي وساعديهما، فأنا أشعر ببعض الإرهاق وسآخذ دوائي وأستريح قليلًا، ثم أنضم إليكم في المطبخ.اقتربت منها أكثر، ووضعت يدي حول كتفيها، ثم نظرت إلى وجهها بقلق.— أمي...قالت وهي تنظر إليّ:— ماذا؟— أرجوكِ، إذا كنتِ متعبة فلا تخفي عني الأمر. سأخذك أنا وهيثم إلى المستشفى.ابتسمت ليلى بحنان، ثم قالت:— لا يا ملك، حقًا أنا بخير. كل ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا ليلة أمس.ضيقت عيني وأنا أتفحص وجهها.— أرجوك يا أمي، أخبريني بالحقيقة.ضحكت أمي بخفة، وقالت:— قلت لك إنني بخير ولست متعبة.ثم د

  • ملاك أسيرة للشيطان    14

    استيقظت ببطء، وكأنني أعود إلى العالم من مكان بعيد.كان أول ما شعرت به هو ثقل رأسي، ثم ذلك الألم الخفيف الذي امتد إلى جسدي كله، وكأنني خضت معركة طويلة وأنا نائمة.فتحت عيني بصعوبة، وظللت لثوانٍ أحدق في السقف دون أن أفهم أين أنا.ثم أدرت رأسي ببطء.غرفتي...كنت مستلقية فوق سريري، والغطاء يغطي جزءًا من جسدي.لكن كيف وصلت إلى هنا؟آخر شيء أتذكره هو...الغرفة.أمي.صوت صراخي.الملابس التي ألقيتها أرضًا...ثم...لا شيء.حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني توقفت عندما رأيته.كان أبي جالسًا على طرف السرير.ظل ساكنًا تمامًا، ينظر إلى وجهي وكأنه يحاول أن يطمئن إلى أنني بخير، أو ربما كان يبحث في ملامحي عن شيء لم يستطع الوصول إليه بالكلمات.التقت عيناي بعينيه.وبقينا نتبادل النظرات في صمت.لم أبدأ الحديث.ولم يكن لدي أي رغبة في ذلك.بعد لحظات، قال أبي بصوت حانٍ لم أعتده منه في الأيام الماضية:— ملك...كيف حالك يا ابنتي؟بماذا تشعرين؟ظلت عيناي معلقتين بوجهه، لكنني لم أجب.كنت أستمع إلى صوته، وفي الوقت نفسه بدأت الذاكرة تعود إليّ قطعةً قطعة.كل شيء.كلماته.كلمات أمي.خالد.الجامعة.الزواج.كل شيء عاد د

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status