LOGINكان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.
تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا. انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل: سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟ فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع: - لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها. تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء لينا أو وقوعها في يد ذلك المجهول، تلبسه اضطراب شديد جعل أطرافه ترتجف، وأخذ يكرر بذهول وصراخ مكتوم: لينا.. أين هي؟ ومن هذا الذي قد يتجرأ على أخذها؟ كان يعاود إلقاء الأسئلة بذات النبرة المذعورة، لكن سارلا لزمت الصمت، اضطربت نظراتها وتلعثم لسانها؛ فمن جهة آلمها أن ترى خوفه القاتل على لينا يتجاوز خوفه على أي شخص آخر، ومن جهة أخرى، كان هناك شعور خفي بالرضا يتسلل إلى أعماقها لغياب لينا، مما جعلها تحجم عن قول أي شيء قد يساعد في اقتفاء أثرها. انزاحت غيمة الذهول عن عقل سارلا، لتعود بها الذاكرة إلى اللحظات التي سبقت السقوط، حين كان السكون يلف قاع الغابة قبل أن يقتحمه ذلك المجهول المقنع، كان هيئته تشي بأنه من البشر، وقف بثبات مريب وهو يطالبهم بنبرة جافة أن يسلموه الإنسية. انتفض جارج حينها، وخرج صوته خشنا حادا وهو يردعه: - في أحلامك أيها الخسيس! من تكون أنت؟ وماذا تريد بالإنسية؟ اتسعت عينا لينا بذهول وهي تحاول استيعاب وجود من يطاردها في هذا المكان الموحش، وظنت للوهلة الأولى أن للأمر علاقة بجنود "شمهروش"، فالتفتت نحو جارج قائلة بنبرة يملؤها الشك: - لعله من أتباع شمهروش، ويظننا أعداء له. تعالت ضحكة المجهول الساخرة، وهو يقف بعيدا في بقعة يغمرها الظلام، ثم قال بتهكم لاذع: - حقا، كم أنتم أغبياء يا معشر البشر، سديم لا يكترث أبدا لما تسعين إليه، أما شمهروش فقد مات وشبع موتا.. لقد دخل سديم إلى البركة ليستعيد جسده وحسب أيتها الحمقاء. في تلك اللحظة، شحب لون لينا تماما، وسرت في أطرافها رعشة باردة وهي تتبادل النظرات مع جارج وسارلا، امتقعت وجوههما، واكتست ملامحهما بغضب عارم ممزوج بارتباك لم يغب عن عينيها، فحاول جارج استجماع شتات نفسه، فصرخ بنبرة عالية شابها تلعثم واضح: - أيها الكاذب! بل دخل ليجلب الملك.. ولن.. ولن نكذب على أحد! أجابه المقنع بصوت هادئ ومستفز: - يعجبني إصرارك على الكذب يا جارج، رغم أنك تمقته في أعماقك... تفعل كل هذا فقط للحفاظ على وهم تسمونه الصداقة... سلمني الفتاة وأنهِ هذا العبث. تزلزلت ثقة جارج، وحدق في لينا التي كانت تقف بجانبه بمشاعر مختلطة؛ تجاذبته الرغبة في التحول وحماية الموقف، وبين الحفاظ على هيئته أمامها، وبينما كان يحاول استشفاف الخطوة التالية من عيني سارلا، باغتهم المجهول بإلقاء كرة صغيرة نحو الأرض. انفجرت الكرة مخلفة دخانا كثيفا حجب الرؤية تماما، ثم سقط جارج مغشيا عليه، وتبعته لينا مباشرة، بينما ظلت سارلا تتخبط في رعبها وسط الضباب الأبيض. ولما بدأ الدخان يتبدد تدريجيا، رأت جارج ممددا بلا حراك، بينما كان المجهول يضع لينا على كتفه، تأملت سارلا وجه الغامض حين أزاح قناعه للحظة خاطفة؛ اتسعت عيناها بذهول صاعق وكادت تندفع خلفه، وتستعيد لينا، لكنها تسمرت في مكانها فجأة. تذكرت نظرات سديم، ذلك الاضطراب الصادق في مشاعره الذي يفضح تقديرا عميقا، وربما حبا دفينا يكنه لتلك الإنسية، في تلك اللحظة، خبت جذوة الشفقة في صدرها، واحتلت مكانها رغبة خبيثة في ترك لينا تواجه مصيرها المجهول بعيدا عن طريقها، فأرخت سارلا جسدها بخداع متقن، مدعية غياب الوعي لتسقط على الأرض، وكانت آخر صورة انطبعت في مخيلتها قبل أن تغمض جفنيها، قطرات دم تنزف ببطء من يد لينا لتترك أثرا على الأرض، قبل أن يختفي ذلك الغامض الذي بدا وكأنه يعرفهم جيدا. وفيما كانت سارلا تستسلم لتمثيلها، انشقت مياه البركة عن خروج سديم، برز كملك مبجل، مهيب الطول، صلب البنيان، كان جسده يحاكي هيئة البشر في تفاصيله، غير أن بشرته مالت إلى حمرة باهتة، وعيناه غارقتان في سواد حالك لا بياض فيه، بينما استطالت أذناه بحدة تميز عرق "ملوك النار"، سموا بهذا الاسم، لتحمل أجسادهم الحرارة العالية، ولأنهم غالبا ما يتخذون من جوف الجبال والكهوف البركانية مستقرا لهم، وعرفوا ببطشهم الشديد وقوتهم التي لا تلين أمام عدو. ومن الأسماء التي أطلقوها عليهم أيضا "ملوك الظلال"، لعشقهم الحروب الليلية، تمنحهم عيونهم السوداء حدة بصر تخترق العتمة، لولا أن ظلال هذه الغابة السحرية بالذات كانت تضعف من بصرهم قليلا، مما يجعل الأعداء يستدرجونهم إليها لكسر شوكة تفوقهم. ترك سديم سارلا بعد أن استعادت وعيها، ثم اتجه نحو جارج الذي لايزال ممددا على الأرض. حاول إيقاظه بكل السبل، هز كتفيه وناداه بصوت هادر، لكن جارج ظل غارقا في غيبوبته، استشاط سديم غضبا، فرفع جارج ووضعه على كتفه، ثم التفت بنظرة ثاقبة نحو سارلا، وقال متوعدا بغضب: يجب أن نخرج من هنا فورا، نضع جارج في القصر، ثم نعود ونبحث عن لينا.. سأجد ذلك الوغد الذي تجرأ على أخذها، وسأجعله يتجرع الندم على كل لحظة فكر فيها بالمساس بها. استأنف سديم طريقه للخروج من قاع الغابة، كانت خطواته البطيئة تؤلمه، وكأنه يمشي على جمر. يحمل صديقه فوق كتفه، بينما تتبعه سارلا بخطى مضطربة ونفس يعتصرها القلق، كانت الحقيقة تنهش روحها؛ تخشى جنون سديم إن علم بتسترها منذ البداية، وتؤرقها فكرة أشد مرارة: - ماذا لو كشف أمري لاحقا؟ سيكرهني رجف قلبها لهول الظن، لكنها سرعان ما طمأنت هواجسها بهمس داخلي خبيث: - لن يعلم أبدا، فأنا الوحيدة التي رأت وجهه. لم تدرك سارلا أن هناك عينا كانت تراقبهم؛ الساحرة إيزميرا، التي تمتمت بحقد وهي تشاهدهم: سأريك أيتها الجنية الخبيثة... سأرد الصاع صاعين لك ولسديم، وستندمان أشد الندم على قتل جلال. **** كانت عيني سديم ولأول مرة تجود بالدموع، لم يصدق أن تنزف عيونه على أكثر فئة كرهها واحتقرها. لم يدرك عمق حبه للينا إلا وهي في قبضة الخطر، بعد أن أوهم نفسه طويلا بأن ما بينهما ليس إلا احتراما لصداقتهما. عضه الندم لأنه ساقها إلى هذا المصير، ورغم اضطراره لاستعادة جسده، لم تطاوعه نفسه على سفك دمها، بل اكتفى بقطرات يسيرة أعادته لهيئته، وإن كلفه ذلك فقدان بعض مزايا قوته السابقة، كسرعة الاختفاء الخاطفة وحدّة البصر في عتمة الليل. شعر بقلبه يرقص مضطربا في صدره كرقصة الديك المذبوح، حين لاحت في مخيلته صورتها وهي تضحك في أروقة الجامعة، تسأله بلطف إن كان رجلا غامضا وشريرا، ردا على سؤاله لها: ـ هل تقبلين الزواج من وحش؟ أدرك الآن أن حبها تغلغل في مسام روحه منذ تلك اللحظة، لكن كبرياءه كان يدفعه دائما للهرب، مؤمنا بأن "ملوك النار" أسمى من الوقوع في حب كائنات واهنة كالبشر. اختلجت شفتاه، وهمس باسمها بنبرة متهدجة: لينا... سامحيني. بمجرد خروجه من حدود الغابة، التفت إلى سارلا وأمرها بصوت حازم: سارلا، عودي لهيئتك، واحملينا بأقصى سرعة إلى القصر. انصاعت سارلا لطلبه، فتخلت عن مظهرها البشري لتبرز جنية مهيبة، رقيقة القوام بملامح حادة، ينسدل شعرها الأسود الفاحم خلفها، وتتوهج عيناها بصفرة لامعة تشبه عيني الأفعى. أحكم سديم قبضته على يد سارلا، وفي لمحة بصر، اختفوا جميعا من أمام الغابة، منطلقين بسرعة خارقة إلى مملكة النار.كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء
ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،
لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،
والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا
لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي
كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،