LOGINوفجأة، انطفأ بريق عيني سديم وكأن سراجا قد هَمَد، وفي المقابل اشتعلت أجنحة الفراشات من جديد بضوء أصفر وهّاج، تنثر خلفها غباراونورانيارشقّ عتمة الغابة، مكونا ما يشبه العاصفة رملية مضيئة.
لكن ذلك البريق الساحر لم يفلح في تهدئة روع لينا، ولا حتى روع سديم؛ فهو يدرك تماما أن اشتعال ضوء الفراشات بعد انطفأ مفاجئ ليس إلا إنذارا صامتا بخطرٍ داهم يزحف نحوهما من قلب المجهول. لم يستطع سديم، برغم خبرته بعالم الغابة، أن يتبين مصدر ذلك الصوت المبحوح الذي تردد في الأرجاء؛ هل هو غدرٌ من الجن؟ أم من "القناطر" المتربصة؟ أم لعله ساحرٌ شرير يريد أن الخناق عليهما؟ تمزق السكون تحت وطأة خطواتٍ سريعة ومضطربة، فتجمد سديم لثوانٍ بدت كالأزل، قبل أن يندفع بجسده الفارع ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيارٍ كهربائي، همس بنبرةٍ حاول أن يحشد فيها كل طمأنينة العالم: - لا تقلقي.. أنا معكِ. تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباحٌ مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فتشنجت عضلات كتفي سديم وهو يحدق في المجهول القادم، ودارت في عقله أمنيةٌ يائسة: - أتمنى أن يكون القادم من أبناء مملكتنا، فجسدي البشري الهالك هذا لن يقوى على ردع أي بطش.. سأكون عاجزاً عن حمايتها. برز ظلان من بين الشجيرات الكثيفة، يتهاديان كطيفين غامضين تحت الضوء الشحيح، فشق سديم الصمت بصوتٍ حاد، تحمل نبرته توجسا وتحديا: - من أنتما؟! حين دنا الظلان وبرزت ملامحهما تحت ضوء الفراشات المتراقص، والقمر المنير، انفرجت أسارير سديم وزفر زفرة ارتياحٍ بددت تشنج صدره، ثم قال بنبرةٍ معاتبة امتزجت بالدهشة: - أنتما! ابتسم صديقاه بريبة حين وقعت أنظارهما على لينا القابعة خلفه، وتقدم "جارج" بخطواته الثقيلة، وسأل بنبرة حملت تساؤلا لم يكتمل: - إذا.. هل وجدتَ..؟ قاطعه سديم بحدة مباغتة، مغلقا عليه طريق الكلام قبل أن يفضح سرّه أمامها: - نعم، لقد وجدتُ من أوصى الشيخ بضرورة مساعدتها وحمايتها. تبادل الصديقان نظرة ذات مغزى، صمتت فيها الألسن وتحدثت العيون بلغة لم تفهمها لينا، قبل أن تستدرك "سارلا" الموقف بذكاء، قائلة برقة مصطنعة: - آه، أنتِ إذا الفتاة التي أمرنا الشيخ بحمايتها. بحثت لينا في ملامحهما التي تشبه البشر برعب لم يتبدد تماما؛ كان "جارج" رجلا ضخم البنية، عريض المنكبين، يتميز بأنف حاد وعينين بنيتين عميقتين توحيان بقوة غاشمة. أما "سارلا"، فكانت تبدو رقيقة، بخصلات شعر فاحم ينسدل كموج الليل، وعينين سوداوين تماثلان عتمة الغابة. مدت سارلا يدها وأمسكت بيد لينا بلطف، مؤكدة لها أنهما سيظلان بجانبها. في تلك اللحظة، بدأت أسوار الشك العالية لدى لينا تنهار، رغم ذلك الصوت الضئيل الذي لا يزال يطن في أعماق روحها: - أهذا حقيقة.. أم فخ محكم لجرّي نحو الهاوية؟ لكن رؤية سديم وهو يقف حائلا بينها وبين الخطر، جعلت روحها تهدأ قليلا، إذ قالت في سرها معللة: - لا يمكن للمرء أن يخاطر بروحه لأجل شيء لا يحبه.. ولكن.... صمت قليلا وأكملت بتوجس: - ماذا لو كان يحمي فريسته فقط؟... لا.. اهدأي يا لينا، سديم لن يفعل.. سكنت فجأة وترقرقت عيناها بالدموع، فكفت عن التفكير، وسارت خلف سديم بخطوات حذرة، وكأنها تطأ فوق نسيج عنكبوت واهن، تخشى في كل لحظة أن يطبق عليها سديم وأصدقاؤه. غاب القمر تماما خلف جدارٍ من رؤوس الأشجار الكثيفة التي تشابكت أغصانها كأصابع عملاقة تسد منافذ النور. وبدأت الفراشات المضيئة تنبثق بكثافة مذهلة من بين الشجيرات أكثر من قبل، فاستحالت العتمة إلى لوحة منقوشة بنقاط النور الراقصة. تسمرت لينا في مكانها بذهولٍ صامت، تتابع تلك الكائنات الساحرة بأعينٍ التمعت فيها الدهشة لأول مرة منذ دخولهم هذا العالم. كان سديم يسرق النظرات نحوها، يراقب انعكاس الضياء الضئيل في محجريها وتلك الفرحة الطفولية التي ارتسمت على محياها رغم كل شيء. غرس المشهد في صدره حسرة إضافية؛ إذ أدرك أن هذه الأحراش تخفي في جوفها قسوةً لا ترحم، غير أن تصميمه كان يتصلب داخل أعماقه كالصخور، مقسما على نفسه أنه لو بلغ بها إلى الوجهة المنشودة سيحميها مهما كلفه الأمر. عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل في حيرة مريرة: - هل هذا وخز الذنب لأني أقودها بيدي نحو خطرٍ قد يسحق روحها؟ أم أنها مرارة الخيانة لثقةٍ منحتني إياها دون قيد أو شرط؟ كانت مشيته البطيئة تحرق أعصاب روحه، وتمنى لو يسرع الخطى ليفر من الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل في صمتٍ يفتك به: - هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا.. قد ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو جسرٌ ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟ قفز إلى ذهنه خاطرٌ مسموم، كأنه يحاول تبرير غدره: - هل لينا حقا كما ادعت تلك الفتاة؟ إن كانت كذلك.. فهي تستحق ما سيحدث لها. لكنه سرعان ما انتفض رافضا: - لا، لينا ليست مخادعة.. لا بد أن أسألها بعد أن... تبا، لا أستطيع التفكير! كانت ملامحه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح ببصره نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء الصراع الذي يعصف بكيانه. بدأت الغابة تكتسي بوحشةٍ قاتمة بعد أن انطفأت الفراشات المضيئة؛ تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة لينا ذبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها، وتلاشى نورها الشاحب في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى تماما، ولم يعد أمامهم سوى فوهةٍ سوداء.. هوةٍ سحيقة ممتدة إلى ما لا نهاية. التفتت لينا حولها بذعر نهش ما تبقى من ثباتها، كانت أنفاسها تخرج متهدجة، مسموعة. بحثت عيناها الزائغتان عن أي بقعة ضوء، حتى لو كانت تلك الجمرات الحمراء التي ترقبها من خلف الجذوع، فالسواد المطلق كان أشد فتكا من عيون الوحوش. في تلك اللحظة، شعر سديم ورفيقاه بانعطافة حادة في طبيعة المكان؛ لقد اقتربوا من "قلب الغابة". لذلك اختفت الفراشات المضيئة وانسحبت الظلال الحارسة، فهي لا تجرؤ على المضيّ أبعد من تلك الحدود المحرمة. وسط هذا السكون الخام، صار لكل شيء صوت مضاعف؛ كان وقع أقدامهم على أوراق الشجر اليابسة يبدو كطلقات مدوية ترتطم بالجذوع العملاقة فترتد أصداءً مشوشة، محولةً الصمت المهيب إلى ضجيج داخلي يمزق هدوء النفس. لم تعد لينا تقوى على المداراة؛ كان الخوف ينخر صدرها كدبّور ينهش خشباً عتيقاً. شعرت بدوار يغزو رأسها، ولم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء المثقل برائحة العفن والتراب المبلل. توقفت فجأة، وخرج صوتها واهنا مخنوقا تنادي "سديم" الذي كان قد تجاوزها ببضع خطوات: - سديم! لم أعد أحتمل... أرجوك، توقف قليلا. ضغطت بأصابعها المرتجفة على صدرها، وكأنها تحاول لجم خفقات قلبها التي تمردت على أضلعها، ثم أردفت بتوسل منقطع: - أنا أخاف الظلام.. سديم لا تتركني وحدي.. لا أقوى على الحراك، هناك ثقل.. ثقل يضغط على روحي. لم يأتِها رد، بل لمحت في قلب العتمة ظلالا داكنة تتقدم بآلية باردة دون أن تلتفت إليها، وقبل أن تدرك الحقيقة، انطفأ وعيها تماما، وانهار جسدها فوق الأرض الرطبة، تاركة أمنية أخيرة بأن يلتفت إليها سديم وينقذها.كان جارج يفرك يديه بتوتر وعيناه معلقتان بالمقبض، بينما ثبّت بلانو نظراته الحادة نحو العتبة، وكأن أنفاسهما كانت محبوسة طوال الساعات الماضية ...بانتظار أن تعود إيزميرا.لكن حين فتح بنسروك الباب ودخل إلى البيت، التقت عيناه على الفور بعيني بلانو وجارج الجالسين معا على الأريكة في صالة الجلوس.اضطربت دقات قلب بلانو بقوة، واتسعت عيناه حين وقع بصره على بنسروك، وقبل أن يستوعب المفاجأة، تغلبت لهفته عليه فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكاد يندفع واقفا ليحييه بحرارةفي لحظات، تحول كل ما شعر به بلانو إلى انزعاج مرير وغضب مكبوت، إذ تداعت إلى ذهنه تفاصيل تلك الأحداث التي وقعت قبل خمس سنوات؛ حادثة لم ينسها قط ولم تغب عن باله يوما.انتفخت أوداجه، وحدق طويلا في بنسروك وإيزميرا،لكن ومضة عابرة من الماضي خطرت في ذهنه؛ لحظة أمسك فيها بنسروك بيده وانتشله من الوحل.فهدأت روحه قليلا، وتقديرا لسنوات العلم والصبر التي منحها إياه بنسروك، لم يشأ أن تضيع تلك الأيام سدى لمجرد خلاف فرقهما.نهض ببطء، وتقدم بضع خطوات ليحيي معلمه، ثم عاد إلى مكانه، وبكل برود أشاح بوجهه إلى الجهة المقابلة.لم تستطع إيزميرا أن تتقبل ذ
كانت الرياح الباردة تلطم وجه "بنسروك" المتجهم بقوة، ومع ذلك لم ينطق بحرف واحد طوال الطريق.وعلى الرغم من الصهيل العالي الذي كان يصدره حصانه وحصان إيزميرا، إلا أن عقله المستغرق في التفكير لم يلتقط أيا من تلك الأصوات؛ فقد كان غارقا في البحث عن حلٍّ لهذه المعضلة المفاجئة التي دخلت حياته.إذ كان يرى أن موت سديم يعني حتمًا نهاية البشرية في أرض الجن على يد ملوك الظلال، ولا سيما السحرة منهم.فضلا عن ذلك، استبدّ باهتمامه أمر الختم الذي ظهر في الآونة الأخيرة. وفي قمة غضبه وانزعاجه، وجد نفسه يطرح على عقله هذه الأسئلة المحيرة:- هذه هي الحالة الثالثة حتى الآن.. فما العمل؟! ومن ذا الذي يختمهم؟ لم أجد إجابة بعد.لكني أظن أن ماسو يعلم جيدا من يكون.. بما أنه استطاع الهرب، سأسرع لإنقاذ الفتاة، لعلها رأت من ختمها وتذكره جيدا.أمام هذا الصمت المطبق، لم تجد إيزميرا هي الأخرى ملاذا إلا أن تتحدث إلى نفسها، عاجزة عن مشاركة معلمها أفكاره كما كانت تفعل سابقا؛ فهي تدرك، بيقين أن معلمها إذا لزم الصمت حيال أمر أزعجه أو أشعل غضبه، فإنما يدفن في أعماقه بركانا قد ينفجر في أي لحظة.ولأجل ذلك، آثرت السلامة، واختار
بخطوات بطيئة هادئة الإيقاع، تقدم جيفري إلى الداخل، فلفح وجهه على الفور ذلك الجو المشحون بالضيق والانزعاج الذي كان يسيطر على أرجاء المكان. مسحت عيناه البنيتان وجوه الموجودين في نظرة سريعة حائرة، فتوقف في مكانه لبرهة مستجمعا تفاصيل المشهد، ثم تابع سيره الهادئ حتى وقف أمام ماكي مباشرة رافعا حاجبه مستفسرا عما يدور. تنحنح ماكي لكسر الجمود المحيط بهم، ثم بادره بالقول:- لقد اكتشفنا أن بنجامين، مساعد إيزميرا، خائن يعمل لصالح ماسو.شخصت عينا جيفري بذهول صامت، وعبر ذهنه سؤال حيره:- كيف تُخدع إيزميرا بهذه البساطة؟ووجّه نظراته نحوها، ثم سألها بنبرة خافتة:- أيعقل غفلتِ عن حيلته يا إيزميرا؟زمت إيزميرا شفتيها بضيق، وآثرت الصمت، كبرياؤها يرفض منح جيفري إجابة يشفي بها غليل نظراته المتفحصة؛ فهو ليس أي ساحر، بل منافسها الذي طالما أثار غيرتها، وتقسم ألا تظهر ضعفها أمامه مهما كلفها الأمر.ولمّا لم تعد تقوى على تحمّل ذلك الضغط الصامت، انسحبت من بينهم لتجلس وحيدة في زاوية الغرفة، مشيحة بنظرها وتائهة في الفراغ، بملامح متصلبة خلت تماما من أي تعبير.تابعها جيفري بطرف عينه، عاقدا حاجبيه باستغراب صامت من
التوى طرف فم بنسروك في سخرية، وقطّب حاجبا واحدا وقال بنبرة متهكمة:- نعم، يا ماسو.. كيف لا أعرفك.فرغت إيزميرا فاها واتسعت عيناها بذهول، وأخذت نظراتها تترنح بين بنسروك وماسو في محاولة يائسة لاستيعاب ما تشهده أمامها، تراجعت خطوة للوراء، وسألت بحيرة:- ما الذي يجري؟... كيف.. كيف يكون بنجامين هو ماسو؟قبل دقائق فقط، كان عقلها ينسج احتمالات شتى؛ ظنت أن بنجامين قد يكون فردا من جن الماء، الذين يصعب كشف تنكرهم البارع، أو ربما ساحرا آخر متمكنا يخفي هويته لسبب ما.أما أن يكون الشخص الذي دخل بيتها، هو ألد أعدائها على الإطلاق؟ فهذا خاطر لم يمر ببالها قط، صدمة أفقدتها توازنها حتى كادت تسقط أرضا.انعقد حاجبا ماكي قليلا، ولم يكن مصدوما من اعتراف ماسو؛ فقد عرف حقيقته منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، وأدرك حينها أنه قد استولى على جسد شخص آخر. وتماما كما فعلت إيزميرا، آثر ماكي مسايرته واستدراجه حتى يأتوا به إلى بنسروك، فالتفت إلى إيزميرا، وأجابها بعد أن قرأ في ملامحها رغبة عارمة في فهم ما يجري:- لقد استبدل روحه، ونقلها إلى جسد بنجامين.لم يزدها شرح ماكي إلا حيرة وضياعا، فسألت بتلعثم وقد تداخلت الكلما
وقف الملك جيلادو، وحدق طويلا إلى إيزميرا، قبل أن يعلن نهاية اللقاء قائلا:- حسنا إذا، يمكنك الذهاب الآن، وأتمنى أن تزورينا في فرصة أخرى يا إيزميرا.شكرت إيزميرا الملك على حسن ضيافته باقتضاب، ثم انطلقت فورا على ظهر "إيسو" الذي وفره لها أهل القصر، وهو دب أبيض ضخم ذو وجه مخيف وأسنان حادة جدا، يكتسي ظهره بسرج جلدي متين مُحكم الأحزمة، يعد وسيلة التنقل المثلى المهيأة لقطع المسافات الطويلة، واجتياز التضاريس الجليدية الوعرة في تلك البلاد.ظلت إيزميرا تتقدم بسرعة نحو بيت معلمها، وفي قلبها نار تضطرم لمعرفة الحقيقة: من هو بنجامين الحقيقي؟لم ترد الدخول في مواجهة مباشرة ما دام يرافقها ولا يفعل شيء، كان همها الوحيد أن توصله إلى معلمها مهما كلف الأمر، لتضع حدا لهذا الغموض الذي بدأ يهدد كل شيء.كان بنجامين يتبعها بهدوء، يراقب ظهرها، وابتسامة ماكرة تعلو ثغره، وفي أعماقه كان يحدث نفسه:- رائع.. هذا بالضبط ما أريده، أعرف أنك تشكين بي يا إيزميرا، وأعلم أن عينيك تلاحقانني كالصقر، وكنت سأقتلك...لكن صبرا، لقد غيرت هدفي وصار أنت ومعلمك.واصلا سيرهما عبر صحراء جليدية ممتدة لا نهاية لها، حيث يغيب الأفق في بي
لم يظفر بلانو بكلمة واحدة تشفي غليله من بنجامين. استمرت قبضته في الهبوط بقسوة على وجهه حتى بدأ دم بلون أسود قاتم يسيل من أنفه وفمه، مخلفا بقعا داكنة على الأرض.ومع ذلك، لم يبد على بنجامين أي انكسار، بل ظل يطلق ضحكات مكتومة ومتقطعة تخرج من بين شفتيه التي تسيل دما، ضحكة كانت تعبيرا عن جنون يفيض شرا، وكأنه يرى في هذا الألم نصرا لا يدركه خصمه.كان بنجامين في حالة ضعف واضحة؛ فقد باغته الهجوم في لحظة غفلة لم يحسب لها حسابا، لكن الأمر تجاوز مجرد المباغتة. حاول في ذروة غضبه أن يحرك ذراعيه لينقض على بلانو، أو يتمتم بتعويذة دفاعية تقلب الموازين، لكنه صُدم بحقيقة مرة؛ لقد خانته أطرافه تماما.شعر ببرودة غريبة تسري في عروقه شلت حركته، وكلما حاول استحضار قوة سحره، تلاشت الكلمات قبل أن تخرج، وكأن هناك يدا خفية تكمم روحه.أدرك بنجامين أن تعويذة الحماية التي تحيط بالمكان لم تكن مجرد درع فقط، بل كانت فخا نصبته إيزميرا ببراعة فائقة؛ سجن غير مرئي يسلب الحركة ويبطل مفعول أي سحر دخيل، كأنه طفيلي يتغذى على أنفاسه ويتركه عاجزا حتى عن رفع يديه.في قرارة نفسه، ورغم القيود، اعترف بنجامين بمرارة أن إيزميرا حقا
ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة. كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابت
انفجر سديم وانقضّ محاولا الإمساك بجلجان، لكن الأخير كان كالشبح؛ قفز بعيدا بخفة، ثم صرخ من مسافة آمنة بعيد عن متناول يدي أخاه: - أنا آسف! جئتُ فقط لأخبرك أن أبي يبحث عنك... إلى اللقاء! زمجر سديم بنبرة مكتومة وهو يحدق في الفراغ الذي خلفه أخوه: - جلجان أيها التافه، سأريك حين نلتقي. ثم التفت إلى لين
قالت سارلا بنبرة حازمة لسديم: - اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لتتمكن أنت من الرؤية، وعليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا إليك. - حسنا. اندفعت سارلا نحو جارج وانتزعت العصا من يده، بينما تحولت تمتماتها إلى أزيزٍ سحري متصل، فاستشاط لهب العصا وتفجّر ض
عندما وصلت لينا، كان المنزل قد استحال إلى مكانٍ غريب. الإضاءة خافتة مائلة للصفرة، والهواء غليظ يصعب استنشاقه. استقبلتها سوزان بامتنانٍ يمتزج بالقلق، بينما كان الشيخ يجهز مباخر وأوراقا طلاسمها غير مفهومة. بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى الأرجا







