Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-03-14 16:27:36

وفجأة، انطفأ بريق عيني سديم وكأن سراجا قد هَمَد، وفي المقابل اشتعلت أجنحة الفراشات من جديد بضوء أصفر وهّاج، تنثر خلفها غباراونورانيارشقّ عتمة الغابة، مكونا ما يشبه العاصفة رملية مضيئة.

لكن ذلك البريق الساحر لم يفلح في تهدئة روع لينا، ولا حتى روع سديم؛ فهو يدرك تماما أن اشتعال ضوء الفراشات بعد انطفأ  مفاجئ ليس إلا إنذارا صامتا بخطرٍ داهم يزحف نحوهما من قلب المجهول.

لم يستطع سديم، برغم خبرته بعالم الغابة، أن يتبين مصدر ذلك الصوت المبحوح الذي تردد في الأرجاء؛ هل هو غدرٌ من الجن؟ أم من "القناطر" المتربصة؟ أم لعله  ساحرٌ شرير يريد أن الخناق عليهما؟

تمزق السكون تحت وطأة خطواتٍ سريعة ومضطربة، فتجمد سديم لثوانٍ بدت كالأزل، قبل أن يندفع بجسده الفارع ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيارٍ كهربائي، همس بنبرةٍ حاول أن يحشد فيها كل طمأنينة العالم:

- لا تقلقي.. أنا معكِ.

تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباحٌ مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فتشنجت عضلات كتفي سديم وهو يحدق في المجهول القادم، ودارت في عقله أمنيةٌ يائسة:

- أتمنى أن يكون القادم من أبناء مملكتنا، فجسدي البشري الهالك هذا لن يقوى على ردع أي بطش.. سأكون عاجزاً عن حمايتها.

برز ظلان من بين الشجيرات الكثيفة، يتهاديان كطيفين غامضين تحت الضوء الشحيح، فشق سديم الصمت بصوتٍ حاد، تحمل نبرته توجسا وتحديا:

- من أنتما؟!

حين دنا الظلان وبرزت ملامحهما تحت ضوء الفراشات المتراقص، والقمر المنير، انفرجت أسارير سديم وزفر زفرة ارتياحٍ بددت تشنج صدره، ثم قال بنبرةٍ معاتبة امتزجت بالدهشة:

- أنتما!

ابتسم صديقاه بريبة حين وقعت أنظارهما على لينا القابعة خلفه، وتقدم "جارج" بخطواته الثقيلة، وسأل بنبرة حملت تساؤلا لم يكتمل:

- إذا.. هل وجدتَ..؟

قاطعه سديم بحدة مباغتة، مغلقا عليه طريق الكلام قبل أن يفضح سرّه أمامها:

- نعم، لقد وجدتُ من أوصى الشيخ بضرورة مساعدتها وحمايتها.

تبادل الصديقان نظرة ذات مغزى، صمتت فيها الألسن وتحدثت العيون بلغة لم تفهمها لينا، قبل أن تستدرك "سارلا" الموقف بذكاء، قائلة برقة مصطنعة:

- آه، أنتِ إذا الفتاة التي أمرنا الشيخ بحمايتها.

بحثت لينا في ملامحهما التي تشبه البشر برعب لم يتبدد تماما؛ كان "جارج" رجلا ضخم البنية، عريض المنكبين، يتميز بأنف حاد وعينين بنيتين عميقتين توحيان بقوة غاشمة. أما "سارلا"، فكانت تبدو رقيقة، بخصلات شعر فاحم ينسدل كموج الليل، وعينين سوداوين تماثلان عتمة الغابة.

مدت سارلا يدها وأمسكت بيد لينا بلطف، مؤكدة لها أنهما سيظلان بجانبها.

في تلك اللحظة، بدأت أسوار الشك العالية لدى لينا تنهار، رغم ذلك الصوت الضئيل الذي لا يزال يطن في أعماق روحها:

- أهذا حقيقة.. أم فخ محكم لجرّي نحو الهاوية؟

لكن رؤية سديم وهو يقف حائلا بينها وبين الخطر، جعلت روحها تهدأ قليلا، إذ قالت في سرها معللة:

-  لا يمكن للمرء أن يخاطر بروحه لأجل شيء لا يحبه.. ولكن....

صمت قليلا وأكملت بتوجس:

- ماذا لو كان يحمي فريسته فقط؟... لا.. اهدأي يا لينا، سديم لن يفعل..

سكنت فجأة وترقرقت عيناها بالدموع، فكفت عن التفكير، وسارت خلف سديم بخطوات حذرة، وكأنها تطأ فوق نسيج عنكبوت واهن، تخشى في كل لحظة أن يطبق عليها سديم وأصدقاؤه.

غاب القمر تماما خلف جدارٍ من رؤوس الأشجار الكثيفة التي تشابكت أغصانها كأصابع عملاقة تسد منافذ النور. وبدأت الفراشات المضيئة تنبثق بكثافة مذهلة من بين الشجيرات أكثر من قبل، فاستحالت العتمة إلى لوحة منقوشة بنقاط النور الراقصة.

تسمرت لينا في مكانها بذهولٍ صامت، تتابع تلك الكائنات الساحرة بأعينٍ التمعت فيها الدهشة لأول مرة منذ دخولهم هذا العالم.

كان سديم يسرق النظرات نحوها، يراقب انعكاس الضياء الضئيل في محجريها وتلك الفرحة الطفولية التي ارتسمت على محياها رغم كل شيء.

غرس المشهد في صدره حسرة إضافية؛ إذ أدرك أن هذه الأحراش تخفي في جوفها قسوةً لا ترحم، غير أن تصميمه كان يتصلب داخل أعماقه كالصخور، مقسما على نفسه أنه لو بلغ بها إلى الوجهة المنشودة سيحميها مهما كلفه الأمر.

عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل في حيرة مريرة:

- هل هذا وخز الذنب لأني أقودها بيدي نحو خطرٍ قد يسحق روحها؟ أم أنها مرارة الخيانة لثقةٍ منحتني إياها دون قيد أو شرط؟

كانت مشيته البطيئة تحرق أعصاب روحه، وتمنى لو يسرع الخطى ليفر من الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل في صمتٍ يفتك به:

- هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا.. قد ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها.

كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو جسرٌ ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟

قفز إلى ذهنه خاطرٌ مسموم، كأنه يحاول تبرير غدره: - هل لينا حقا كما ادعت تلك الفتاة؟ إن كانت كذلك.. فهي تستحق ما سيحدث لها.

لكنه سرعان ما انتفض رافضا:

- لا، لينا ليست مخادعة.. لا بد أن أسألها بعد أن... تبا، لا أستطيع التفكير!

كانت ملامحه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح ببصره نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء الصراع الذي يعصف بكيانه.

بدأت الغابة تكتسي بوحشةٍ قاتمة بعد أن انطفأت الفراشات المضيئة؛ تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة لينا ذبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها، وتلاشى نورها الشاحب في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى تماما، ولم يعد أمامهم سوى فوهةٍ سوداء.. هوةٍ سحيقة ممتدة إلى ما لا نهاية.

التفتت لينا حولها بذعر نهش ما تبقى من ثباتها، كانت أنفاسها تخرج متهدجة، مسموعة.

بحثت عيناها الزائغتان عن أي بقعة ضوء، حتى لو كانت تلك الجمرات الحمراء التي ترقبها من خلف الجذوع، فالسواد المطلق كان أشد فتكا من عيون الوحوش.

في تلك اللحظة، شعر سديم ورفيقاه بانعطافة حادة في طبيعة المكان؛ لقد اقتربوا من "قلب الغابة".

لذلك اختفت الفراشات المضيئة وانسحبت الظلال الحارسة، فهي لا تجرؤ على المضيّ أبعد من تلك الحدود المحرمة.

وسط هذا السكون الخام، صار لكل شيء صوت مضاعف؛ كان وقع أقدامهم على أوراق الشجر اليابسة يبدو كطلقات مدوية ترتطم بالجذوع العملاقة فترتد أصداءً مشوشة، محولةً الصمت المهيب إلى ضجيج داخلي يمزق هدوء النفس. لم تعد لينا تقوى على المداراة؛ كان الخوف ينخر صدرها كدبّور ينهش خشباً عتيقاً. شعرت بدوار يغزو رأسها، ولم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء المثقل برائحة العفن والتراب المبلل.

توقفت فجأة، وخرج صوتها واهنا مخنوقا تنادي "سديم" الذي كان قد تجاوزها ببضع خطوات:

- سديم! لم أعد أحتمل... أرجوك، توقف قليلا.

ضغطت بأصابعها المرتجفة على صدرها، وكأنها تحاول لجم خفقات قلبها التي تمردت على أضلعها، ثم أردفت بتوسل منقطع:

- أنا أخاف الظلام.. سديم لا تتركني وحدي.. لا أقوى على الحراك، هناك ثقل.. ثقل يضغط على روحي.

لم يأتِها رد، بل لمحت في قلب العتمة ظلالا داكنة تتقدم بآلية باردة دون أن تلتفت إليها، وقبل أن تدرك الحقيقة، انطفأ وعيها تماما، وانهار جسدها فوق الأرض الرطبة، تاركة أمنية أخيرة بأن يلتفت إليها سديم وينقذها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن والعشرون

    التوى طرف فم بنسروك في سخرية، وقطّب حاجبا واحدا وقال بنبرة متهكمة:- نعم، يا ماسو.. كيف لا أعرفك.فرغت إيزميرا فاها واتسعت عيناها بذهول، وأخذت نظراتها تترنح بين بنسروك وماسو في محاولة يائسة لاستيعاب ما تشهده أمامها، تراجعت خطوة للوراء، وسألت بحيرة:- ما الذي يجري؟... كيف.. كيف يكون بنجامين هو ماسو؟قبل دقائق فقط، كان عقلها ينسج احتمالات شتى؛ ظنت أن بنجامين قد يكون فردا من جن الماء، الذين يصعب كشف تنكرهم البارع، أو ربما ساحرا آخر متمكنا يخفي هويته لسبب ما.أما أن يكون الشخص الذي دخل بيتها، هو ألد أعدائها على الإطلاق؟ فهذا خاطر لم يمر ببالها قط، صدمة أفقدتها توازنها حتى كادت تسقط أرضا.انعقد حاجبا ماكي قليلا، ولم يكن مصدوما من اعتراف ماسو؛ فقد عرف حقيقته منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، وأدرك حينها أنه قد استولى على جسد شخص آخر. وتماما كما فعلت إيزميرا، آثر ماكي مسايرته واستدراجه حتى يأتوا به إلى بنسروك، فالتفت إلى إيزميرا، وأجابها بعد أن قرأ في ملامحها رغبة عارمة في فهم ما يجري:- لقد استبدل روحه، ونقلها إلى جسد بنجامين.لم يزدها شرح ماكي إلا حيرة وضياعا، فسألت بتلعثم وقد تداخلت الكلما

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع والعشرون

    وقف الملك جيلادو، وحدق طويلا إلى إيزميرا، قبل أن يعلن نهاية اللقاء قائلا:- حسنا إذا، يمكنك الذهاب الآن، وأتمنى أن تزورينا في فرصة أخرى يا إيزميرا.شكرت إيزميرا الملك على حسن ضيافته باقتضاب، ثم انطلقت فورا على ظهر "إيسو" الذي وفره لها أهل القصر، وهو دب أبيض ضخم ذو وجه مخيف وأسنان حادة جدا، يكتسي ظهره بسرج جلدي متين مُحكم الأحزمة، يعد وسيلة التنقل المثلى المهيأة لقطع المسافات الطويلة، واجتياز التضاريس الجليدية الوعرة في تلك البلاد.ظلت إيزميرا تتقدم بسرعة نحو بيت معلمها، وفي قلبها نار تضطرم لمعرفة الحقيقة: من هو بنجامين الحقيقي؟لم ترد الدخول في مواجهة مباشرة ما دام يرافقها ولا يفعل شيء، كان همها الوحيد أن توصله إلى معلمها مهما كلف الأمر، لتضع حدا لهذا الغموض الذي بدأ يهدد كل شيء.كان بنجامين يتبعها بهدوء، يراقب ظهرها، وابتسامة ماكرة تعلو ثغره، وفي أعماقه كان يحدث نفسه:- رائع.. هذا بالضبط ما أريده، أعرف أنك تشكين بي يا إيزميرا، وأعلم أن عينيك تلاحقانني كالصقر، وكنت سأقتلك...لكن صبرا، لقد غيرت هدفي وصار أنت ومعلمك.واصلا سيرهما عبر صحراء جليدية ممتدة لا نهاية لها، حيث يغيب الأفق في بي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس والعشرون

    لم يظفر بلانو بكلمة واحدة تشفي غليله من بنجامين. استمرت قبضته في الهبوط بقسوة على وجهه حتى بدأ دم بلون أسود قاتم يسيل من أنفه وفمه، مخلفا بقعا داكنة على الأرض.ومع ذلك، لم يبد على بنجامين أي انكسار، بل ظل يطلق ضحكات مكتومة ومتقطعة تخرج من بين شفتيه التي تسيل دما، ضحكة كانت تعبيرا عن جنون يفيض شرا، وكأنه يرى في هذا الألم نصرا لا يدركه خصمه.كان بنجامين في حالة ضعف واضحة؛ فقد باغته الهجوم في لحظة غفلة لم يحسب لها حسابا، لكن الأمر تجاوز مجرد المباغتة. حاول في ذروة غضبه أن يحرك ذراعيه لينقض على بلانو، أو يتمتم بتعويذة دفاعية تقلب الموازين، لكنه صُدم بحقيقة مرة؛ لقد خانته أطرافه تماما.شعر ببرودة غريبة تسري في عروقه شلت حركته، وكلما حاول استحضار قوة سحره، تلاشت الكلمات قبل أن تخرج، وكأن هناك يدا خفية تكمم روحه.أدرك بنجامين أن تعويذة الحماية التي تحيط بالمكان لم تكن مجرد درع فقط، بل كانت فخا نصبته إيزميرا ببراعة فائقة؛ سجن غير مرئي يسلب الحركة ويبطل مفعول أي سحر دخيل، كأنه طفيلي يتغذى على أنفاسه ويتركه عاجزا حتى عن رفع يديه.في قرارة نفسه، ورغم القيود، اعترف بنجامين بمرارة أن إيزميرا حقا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس والعشرون

    في تلك اللحظة، شعرت رهام ببرودة غريبة تجتاح أوصالها، كأن الهواء من حولها تحول فجأة إلى جليد. أفلتت القفل ببطء وتراجعت خطوات للوراء، وعيناها مثبتتان على الباب بارتياب، ثم همست بصوت مخنوق: - كيف تنسى اسمه؟ وهي لا تكف أبدا عن مناداته به أمامك! - ألا ينسى الإنسان الكثير من الأشياء أحيانا؟ ردت رهام بحدة لم تستطع كتمانها: - لا يعقل.. ليس هذا الاسم تحديدا. ساد صمت ثقيل، توقف فيه بنجامين عن الكلام تماما. كانت عيناه تلمعان ببريق غامض وهو يشيح بوجهه نحو الأشجار الكثيفة، ثم أغمض عينيه بقوة، وبدأت حبات العرق تتسلل على جبينه رغم برودة الجو، كأنه يستحضر شيئا ما، فمرت هنيهة من التوتر المشحون، قبل أن يفتح عينيه على وسعهما، وتترسم على شفتيه ابتسامة ماكرة وهو ينطق بثقة: - فياتش. تجمدت رهام في مكانها، واتسعت عيناها من الذهول. شعرت بقلبها يضطرب بين ضلوعها، وهمست لنفسها بصوت متهدج: - إنه حقا بنجامين.. لا يمكن لأحد أن يعرف هذا الاسم إلا نحن الثلاثة. ترددت يدها في الهواء لثوان، صراع مرير يدور بداخلها بين الحذر والاطمئنان. لكن في النهاية، حسمت أمرها وتقدمت نحو الباب، ثم أمسكت بمقبضه لتديره وتفت

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع والعشرون

    تسلل جارج بين الممرات بخطوات حذرة، وكان يضم عباءته الثقيلة حول جسده بطريقة تثير الريبة، محاولا إخفاء غراب إيزميرا الذي يتحرك بتململ تحت القماش، ويرسل خربشات خفيفة بمخالبه ضد صدر جارج.وصل جارج إلى الساحة الكبرى، حيث بلانو غارقا وسط جلبة السلاح وصيحات الجنود، فقد أمره الملك حين فشل في إيجاد سديم بتدريب الجنود. كان صوت اصطدام السيوف ووقع الأقدام الثقيلة يملأ المكان، وبلانو يقف في المنتصف، يوجه هذا ويصحح ذاك بصوت أجش ونبرة حازمة.اقترب جارج منه، وهمس بكلمات لم يسمعها غيره، مشيرا بيده نحو زاوية معزولة بعيدا عن الأعين. استجاب بلانو بضيق واضح، فمسح عرق جبينه وتبعه بخطوات واسعة ثقيلة، وما إن تواريا، حتى كشف جارج عن رداءه بسرعة خاطفة.اتسعت عينا بلانو حين أبصر الغراب الأسود الذي يخص إيزميرا في يده، فهمس بنبرة يملؤها الذهول والحيرة:- كيف وصل...لم يترك له جارج فرصة لإنهاء سؤاله، بل باغت بحزم:- إيزميرا في خطر.في تلك اللحظة، خانت بلانو ملامحه؛ فارتجفت جفونه وشحب وجهه للحظة قصيرة، وكأن قلبه قد قفز من مكانه، ثم ساد صمت لم يقطعه إلا صوت نعيق خافت أصدره الغراب، مما جعل بلانو يستجمع شتات نفسه بس

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثالث والعشرين

    تمنت رهام في تلك اللحظة الحرجة لو تظهر إيزميرا فجأة لتنتشلها من براثن هذا الرعب، ولم تكن تعلم أن إيزميرا نفسها كانت غارقة في لوم ذاتها؛ فقد فكرت مرارا لو أنها أرسلت أحدا غيرها ليحضر معلمها، وبقيت هي تحرس رهام ولينا في ذلك البيت المنعزل. لكن الأوان قد فات، وها هي الآن تشق عباب الصحراء بجوادها الأسود الفاحم، الذي بدا وكأنه قطعة من الليل تهرول فوق الرمال الذهبية بعد أن انتقلت بسرعة خارقة مستخدمة سحرها، ثم توقف السحر عند هذه النقطة، فأكملت مع بنجامين بجواديهما متجهين نحو الجبال البيضاء الشاهقة التي على حدود مملكة الثلج الشرقية. كانت الرياح تلطم وجهها، بينما عقلها ينسج سيناريوهات القلق؛ فهي تدرك جيدا أن دخول تلك المملكة ليس بالهين، خاصة لشخص مثلها. فالملك ووزراؤه ينظرون إلى السحرة بعين الريبة، ويمنعون دخولهم في أغلب الأحيان، بل وصل بهم الحذر إلى منع الرسائل التي تحملها الطيور، خشية أن تكون محملة بتعاويذ خفية. شعرت إيزميرا بغصة من الأسى حين فكرت في إرسال طائرها الخاص إلى معلمها "بنسروك"؛ ذلك الساحر العظيم الذي يحظى بمكانة استثنائية دون غيره في تلك المملكة، لكن القوانين الصارمة كانت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status