Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-03-14 16:27:36

كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.

لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.

ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.

التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.

شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة، فهي لا تجرؤ على المضيّ أبعد من ذلك.

ووسط هذا السكون الخام، صار لكل شيء صوت مضاعف، كان وقع أقدامهم على أوراق الشجر اليابسة يبدو صاخبا، كانت تلك الأصوات البسيطة ترتطم بالجذوع الضخمة، فترتد أصداء متضاعفة، تحول المشهد إلى ضجيجٍ داخلي وسط الغابة.

لم تعد "لينا" تقوى على اخفاء ذلك الخوف والقلق الذي حاصرها؛ كان ينخر صدرها بإلحاحٍ، كدبّورٍ ينهش الخشب، فتوقفت فجأة، بعد أن شعرت بدوارٍ خفيف يغزوها، فلم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء الكثيف المشبع برائحة العفن والتراب المبلل.

لذلك خرج صوتها واهنا، وهي تنادي "سديم" الذي كان قد ابتعد عنها بضع خطوات:

- سديم! لم أعد أحتمل... أرجوك، توقف قليلا.

ضغطت بأصابعها على صدرها، وكأنها تحاول توقيف خفقات قلبها التي تمردت على أضلعها، ثم أردفت متوسلة النجاة:

- أنا أخاف الظلام، سديم لا تتركني وحدي، سديم. لم أعد أقوى الحراك، هناك ثقل يضغط على صدري.

لم يأتِها رد؛ بل لمحت في قلب العتمة ظلالا داكنة تخطو للأمام دون النظر إليها، قبل أن ينطفئ وعيها تماما، وينهار جسدها فوق الأرض الرطبة، تمنت أن يلتفت سديم لها وينقذها.

تسمّر "سديم" في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم خلفه، اضطربت ملامحه، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوةٍ آلمت صدغه، همس بصوت خافت:

- لينا!

تحسس الفراغ خلفه، فلم يجدها، لم يأتِ صوتها، ولم يسمع حتى حفيف ثيابها، هنا انتفض جسده برعشة هستيرية، وصاح مناديا بصوتٍ شرخ صمت الغابة:

- لينا! أين أنتِ؟ أجيبيني!

ارتجفت أطرافه وهو يتخبط في العتمة، يمد يديه كغريق يبحث عن قشة، ويصرخ بذعر:

- لينا، ردي عليّ، أين اختفيتِ؟ توقفي عن العبث...هذا ليس وقتا للمزاح!

كانت الغابة تبتلع صرخاته، وظلُّ "لينا" الملقى على الأرض قد صار جزءا من سواد التربة، بعيدا عن متناول يديه المرتعشتين.

تجمّد "جارج" و"سارلا" مكانهما، والصدى المذعور لصوت "سديم" يشقّ هدوء المكان، في هذه الأثناء، أشعل مشهد سديم و بحثه المستميت عن "لينا" فتيل الذاكرة في عقل سارلا، فارتجفت يداها وهي تضرب كفا بكف، وتمتمت بصوت مخنوق: 

- يا لغفلتي! كيف فاتني هذا؟ البشر لا يملكون عيونا تبصر في هذا السواد، وحتى 'سديم' المسكين، بجسده هذا، لا يرى.

استلت من جيبها الداخلي غصنا خشبيا قصيرا وغليظا، رفعته بكلتا يديها أمام وجهها، ثم بدأت تتمتم بكلماتٍ غامضة، حروفها متشابكة ومبهمة، انزاحت معها ملامح "جارج" الواقف بجانبها إلى دهشة صامتة وهو يراقب غرابة الموقف.

وفجأة، انشق رداء الليل عن وهجٍ ساطع؛ اشتعل رأس الغصن بلهبٍ ذهبيّ، فأضاءت الطريق لبضع خطوات أمامهم.

أبصر سديم "لينا" ملقاة وسط الدرب، فسرت قشعريرة باردة في أوصاله جمدت دمه للحظة، قبل أن يركض نحوها كالمجنون، متمزقا بين الخوف والذهول، جثا على ركبتيه بجانبها، واحتضن وجهها الشاحب بين كفيه المرتجفتين، لم يدرك في غمرة ذعره أنه كان يمسد شعرها بحنوٍّ يائس، بينما بدأت أنفاسه تتقطع وعيناه تترقرقان بالدموع، كان يهمس قائلا: 

- يا رب، أرجوك، لا تدع مكروها يمسّها.

تحت وطأة لمساته الدافئة، بدأت أجفان "لينا" تتحرك، ثم انفتحت عيناها ببطء لتستقبل ضوء الشعلة، فخرج صوتها واهنا، بالكاد يُسمع:

- سديم، لم أعد أقوى على خطوة أخرى، جسدي.. جسدي صار ثقيلا.

قاطعها "سديم" بنبرةٍ يغلبها الخوف والحنان، وهو يشد على يدها كأنه يحاول منحها من روحه قوة:

- لا عليكِ يا لينا، لا تتحدثي الآن، سنرتاح هنا قل

يلا، وأعدكِ.. أعدكِ أننا سنخرج من هذا المكان معا. 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status