LOGINلم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:
- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.
بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة:
- متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟
تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:
- خطوة واحدة صغيرة ونصل.
ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.
وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف.
كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق، بل نسيجا خشنا من الحراشف الزيتونية.
وتبرز من كتفيه وعموده الفقري نتوءات عظمية حادة تشبه الأشواك، بينما يمتد خلفه ذيل ضخم وثقيل يكسوه درع صلب، يجرّه خلفه ببطء، فيحدث صريرا يشبه احتكاك الصخور، أو أحيانا وقع حوافر الخيل،
فسألت سارلا، والفضول يتدفق منها:
- كيف أصدرتَ تلك الأصوات يا جلجان؟
أجاب جلجان، والزهو يرقص في نبرته:
- إنها التعويذة، تلك التي غنمتُها من ذلك الإنسي الذي قتـ...
انقبضت حنجرته فجأة، وتجمدت الكلمة فوق لسانه كقطعة جليد مسمومة حين لمح ظِل لينا. ابتلع ريقه، وصحح مسار كلماته بارتباك مفضوح:
- أقصد، الذي خضتُ معه قتالا ضاريا، ومن يفز يظفر بالتعويذة...هزمته، فأخذتها منه، ومضى هو في سبيله.
تنهد جلجان محاولا طرد التوتر، لكنه شعر بنظرات أخيه سديم تخترق ظهره كأنها مسامير محماة، كان سديم يعلم الحقيقة القابعة خلف ذلك الكذب الهش؛ يدرك أن الإنسي لم يرحل، بل قُتل، وأن التعويذة لم تكن جائزة نصر، بل غنيمة موت.
أما لينا فقد شعرت بالغرابة من فكرة أن يمتلك جني - وهو الكائن الذي يُفترض أنه مصدر القوة للتعويذة- أداة خارجية أو كلمات مسطورة ليمارس السحر.
سرحت بنظرها في الفراغ المحيط بهما، وتساءلت في قرارة نفسها:
- هل القوانين التي تحكم هذا العالم تشبه قوانيننا؟
ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى حفيف الأشجار، وصوت تحطم الأوراق اليابسة تحت أقدامهم، إلى أن اخترق جلجان هذا السكون، موجها بصره نحو لينا بفضولٍ قائلا:
- إذن.. هل تعرفين أخي جيدا؟.
أجابت لينا، وصوتها يخرج خافتا:
- نعم، إنه صديقي.. أو بالأحرى، كان صديقي.
رفع جلجان حاجبيه بدهشةٍ:
- والآن؟
ردت بمرارة، مع أنها لا تعلم ما سبب غضبها من سديم:
- لا أعلم!
انفجر جلجان بضحكة مكتومة:
- لماذا؟... أنا أعرف أخي، لا بد أنه اقترف حماقة كبيرة أدت إلى هذا الجفاء.
قاطعه سديم بصوت كالرعد، يحمل نذير عاصفة:
- اصمت يا جلجان! أقسم لك، لن أغفر لك لو تماديت أكثر.
رد جلجان ببراءة مصطنعة، ووجهه يرتدي قناع الضحية:
- لماذا كل هذا الوعيد؟ أنا لم أفعل شيئا، مجرد حديثٍ عابر مع هذه الإنسية.
زمجر سديم بغضبٍ مكتوم:
- لا تتحدث معها يا جلجان! كفى ما فعلت!
هز جلجان كتفيه بلامبالاة، وقال:
- حسنا، حسنا.. أنا آسف، رغم أنني أتساءل فقط.. هل هي واثقة بنا حقا لتسير معنا إلى هناك؟
تسمرت لينا في مكانها، شعرت ببرودةٍ تجتاح أطرافها كأن كلمات جلجان كانت طعنة من ثلجٍ غُرست في عمودها الفقري، ارتجف جسدها بشكلٍ محموم، وفي تلك اللحظة، انفجر سديم وانقضّ محاولا الإمساك بجلجان، لكن الأخير كان كالشبح؛ قفز بعيدا بخفة، وهو يصرخ من مسافة آمنة:
- أنا آسف! جئتُ فقط لأخبرك أن أبي يبحث عنك... إلى اللقاء!
زمجر سديم بنبرة مكتومة وهو يحدق في الفراغ الذي خلفه أخوه:
- جلجان أيها التافه، سأريك حين نلتقي.
ثم التفت إلى لينا، محاولا لملمة شتات الموقف بكلمات مرتبكة:
- أخي يتعمد الكذب دائما، إنه يستمتع بإلقاء الكلمات المسمومة، أرجوكِ، لا تصدقي شيئا مما قاله.
لكن لينا لم تنبس ببنت شفة؛ فقد استوطن الخوف أعماقها، ورغم أنها واصلت السير معه، مجبرة قدميها على الحراك، إلا أن وقع كلمات جلجان ظل يتردد في أذنيها.
ما إن دخلوا إلى المكان المنشود، وقفت لينا مبهوتة، وقد اتسع سواد عينيها بذهول ألجم لسانها؛ فقد انقشعت غلالة الأغصان لتكشف عن "الشجرة الأم"، التي بدت وكأنها حلم منسوج من الضوء، كانت ضخمة بشكل مهيب، يرتفع جذعها الضارب في القدم كعمود من الرخام، تتخلله عروق ذهبية تنبض بضوء خافت يتدفق ببطء نحو الأعلى، كأنها دماء من نور تسري في جسد عملاق.
رفعت لينا بصرها لتراقب الأغصان الشاهقة، فرأت أوراقها البيضاء الشفافة، كانت تلمع تحت الضوء الخفي كأنها قطع من الكريستال المصقول، ومع كل نسمة ريح رقيقة تمر بينها، كانت تلك الأوراق تصدر حفيفا موسيقيا يشبه رنين أجراس بعيدة، وتتمايل برقة تجعل الضوء ينعكس عنها ليسقط على وجه لينا في حركات راقصة ومضطربة.
مدت يدها ببطء، وكأنها تخشى أن يتبخر هذا المشهد، ثم حدقت إلى الحشرات المضيئة التي تحوم فوق بركة الماء الساكنة، كانت تلك الكائنات الصغيرة ترسم مسارات من الضوء الأزرق السماوي في الهواء، ثم تغط برفق على سطح الماء لتحدث تموجات دقيقة تتسع وتتداخل في لوحة لم تبصرها عين بشرية من قبل.
استنشقت لينا عبير المكان، فكان الهواء محملا برائحة الندى والزهور البرية، مما جعلها تغمض عينيها للحظات لتستسلم لهذا السلام الذي غلف روحها المنهكة.
لكن، ومع مرور الدقائق وتلاشي سكرة الذهول الأولى، بدأ ذلك الهدوء الساحر يتحول في نظرها إلى صمت، فتحت عينيها وأخذت تتلفت حولها بدقة أكبر، فبالرغم من جلال الشجرة وعظمتها، إلا أنها لم تجد أثرا لوجود حرس أو خدم يحيطون بهذا المكان الذي يفترض أنه عرش للملك، أو كما وصفه سديم "للبيجمان شمهروش"، رغم أنها لا تعلم إن كانت كلمة "بيجمان" تعني ملكا عندهم أم شيئا آخر أكثر غموضا.
لم تكن هناك أصوات لخطوات، ولا جلبة تليق بقصر، ولا حتى همسات حراس يختبئون خلف الظلال، انقبض قلبها فجأة، وعاد التوتر ليتسلل إليها، فالتفتت نحو سديم الذي كان يراقبها بصمت، وسألته بنبرة يغلفها القلق واستغراب شديد:
- سديم، أين هو الملك؟ المكان خالٍ من الحرس والخدم ومن كل شيء! أين أجد البيجمان شمهروش لنعتذر منه؟
تصلب سديم في مكانه وكأن أسئلتها كانت سهما أصابته في المقتل، فظلت عيناه معلقتين بتلك الأوراق البيضاء التي تتلألأ فوقهما، ثم فتح فمه ليقول شيئا، لكن الكلمات انحشرت في حنجرته كغصة حارقة، فابتلع ريقه بصعوبة وبدت تفاحة آدم في رقبته وهي تتحرك باضطرابٍ يفضح ما يحاول إخفاءه.
لم يجرؤ على النظر إليها مباشرة؛ بل أخذ يزيح بعض الحصى الصغير بطرف حذائه فوق العشب الندي، محاولا الهروب من نظراتها الفاحصة التي كانت تطلب يقينا لا يملكه.
تداخلت أصابعه خلف ظهره وأخذ يفرك كفه بالأخرى بقوة، بينما كانت ملامحه الهادئة تتآكل تحت وطأة الارتباك، ثم رفع يده ومسح جبينه الذي بدأت حبات عرق تظهر عليه رغم برودة الجو الرطب حول البركة، ثم أطلق زفيرا طويلا، وكأنه يحاول طرد الحقيقة وثقلها التي تجثم على صدره.
اقتربت منه لينا أكثر، وبدأ الذهول لديها يتلاشى ويحل محله التوجسٌ، وفي المقابل كان سديم غارقا في صمته، يراقب انعكاس الضوء الأزرق على سطح الماء الراكد، وبدا صمته في تلك اللحظة أثقل من أي إجابة. لو نطق بها.
مد يده أخيرا باتجاه الشجرة، وقال بصوت منخفضٍ ومتهدج:
- ستأكلين يا لينا من ورق الشجرة، ثم سأجرحكِ جرحا صغيرا في يدك، ونجعل دمك يقطر في البركة، وأدخل أنا البركة لأناديه؛ فالماء.... الماء لن يفتح لي أبوابه إلا بدماء إنسي.
ذهلت لينا لوجود ملكٍ يسكن بركة ماء، ولتلك المقايضة الغريبة التي تجعل الدماء مفتاحا وحيدا للدخول، كانت الفكرة بحد ذاتها تبعث على القشعريرة، لكن الغرابة في هذا العالم كأنها القاعدة التي تحكم كل شيء؛ لذا لم تستفسر، ولم تحاول البحث عن منطقٍ وسط هذا الجنون.
مضت نحوه، وأخذت من بين يديه تلك الورقة الشفافة التي كانت تلمع بضياء خافت، ثم وضعتها في فمها، وهي تشعر ببرودة ملمسها قبل أن تبدأ في الذوبان
كان طعمها حلوا، يذوب في الفم بمرونة تشبه حلوى الهلام، وما إن ابتلعتها حتى شعرت بدوار خفيف يداعب رأسها، لكنه سرعان ما انقشع ليحل محله سريان حرارة في عروقها.
هنا، وبحركة تخلو من أي تردد، أخرج سديم سكين
ا صغيرا من جيبه، ولم ينطق بنبت شفة، بل مد يده فحسب، مدت لينا يدها هي الأخرى لتلقى قدرها تحت نصل السكين.
كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء
ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،
لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،
والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا
لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي
كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،